تجاوز إلى المحتوى

من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)

محمد بن علي بن محمد العبدري

من أهل مالقة، يكنى أبا عبد الله، ويعرف باليتيم.

حاله: كان، ﵀، أحد الظرفاء من أهل بلده، مليح الشكل، حسن الشّيبة، لوذعيا في وقار، رشيق النظم والنثر، غزلا مع الصّون، كثير الدّعابة من غير إفحاش، غزير الأدب، حسن الصّوت، رائق الخطّ، بديع الوراقة، معسول الألفاظ، ممتع المجالسة، طيّب العشرة، أدّب الصّبيان مدة، وعقد الشروط أخرى، وكان يقرأ كتب الحديث والتفسير والرّقائق للعامة بالمسجد الأعظم، بأعذب نغمة، وأمثل طريقة، مذ أزيد من ثلاثين سنة، لم يخل منها وقتا إلّا ليلتين، إحداهما بسبب امتساكنا به في نزهة برياض بعض الطلبة، لم يخلف مثله بعده. وخطب بقصبة مالقة، ومال أخيرا إلى نظر الطّب، فكان الناس يميلون إليه، وينتفعون به لسياغ مشاركته، وعموم انقياده، وبرّه، وعمله على التّودّد والتّجمّل.

وجرى ذكره في «التّاج المحلّى» بما نصّه: مجموع أدوات حسان، من خطّ ونغمة ولسان، أوراقه روض تتضوّع نسماته، وبشره صبح تتألّق قسماته، ولا تخفى سماته. يقرطس أغراض الدّعابة ويصميها، ويفوّق سهام الفكاهة إلى مراميها، فكلّما صدرت في عصره قصيدة هازلة، أو أبيات منحطّة عن الإجادة نازلة، خمّس أبياتها وذيّلها، وصرف معانيها وسهّلها، وتركها سمر النّدمان، وأضحوكة الزمان. وهو الآن خطيب المسجد الأعلى من مالقة، متحلّ بوقار وسكينة، حالّ من أهلها بمكانة مكينة، لسهولة جانبه، واتّضاح مقاصده في الخير ومذاهبه. واشتغل لأوّل أمره بالتّعليم والتّكتيب، وبلغ الغاية في الوقار والتّرتيب، والشّباب لم ينصل خضابه، ولا سلّت للمشيب عضابه، ونفسه بالمحاسن كلفة صبّة، وشأنه كله هوى ومحبّة، ولذلك ما خاطبه به بعض أودّائه، وكلاهما رمى أهله بدائه، حسبما يأتي خلال هذا القول وفي أثنائه، بحول الله.

شعره: كتبت إليه أسأل منه ما أثبت في كتاب «التّاج» من شعره، فكتب إليّ:

أمّا الغرام فلم أخلل بمذهبهفلم حرمت فؤادي نيل مطلبه؟
يا معرضا عن فؤاد لم يزل كلفابحبّه ذا حذار من تجنّبه
قطعت عنه الذي عوّدته فغداوحظّه من رضاه برق خلّبه
أيام وصلك مبذول، وبرّك بيمجدّد، قد صفا لي عذب مشربه
وسمع ودّك عن إفك العواذل فيشغل وبدر الدّجى ناس لمغربه
لا أنت تمنعني نيل الرّضا كرماولا فؤادي بوان في تطلّبه
لله عرفك ما أذكى تنسّمهلو كنت تمنحني استنشاق طيّبه
أنت الحبيب الذي لم أتّخذ بدلامنه وحاش لقلبي من تقلّبه
يا ابن الخطيب الذي قد فقت كلّ سناأزال عن ناظري إظلام غيهبه
محمد الحسن في خلق وفي خلقأكملت باسمك معنى الحسن فازه به
نأيت أو غبت ما لي عن هواك غنىلا ينقص البدر حسنا في تغيّبه
سيّان حال التّداني والبعاد، وهللمبصر البدر نيل في ترقّبه؟
يا من أحسن ظنّي في رضاه وماينفكّ يبدي قبيحا من تغضّبه
إن كان ذنبي الهوى فالقلب منّي لايصغي لسمع ملام من مؤنّبه

فأجبته بهذه الرسالة، وهي ظريفة في معناها:

«يا سيدي الذي إذا رفعت راية ثنائه تلقّيتها باليدين، وإذا قسّمت سهام وداده

على ذوي اعتقاده كنت صاحب الفريضة والدّين، دام بقاؤك لطرفة تبديها، وغريبة تردفها بأخرى تليها، وعقيلة بيان تجلّيها، ونفس أخذ الحزن بكظمها، وكلف الدّهر بشتّ نظمها، تؤنسها وتسلّيها، لم أزل أعزّك الله، أشدّ على بدائعها يد الضّنين، وأقتني درر كلامك، ونفثات أقلامك، اقتناء الدّرّ الثمين، والأيام بلقياك تعد، ولا تسعد، وفي هذه الأيام انثالت عليّ سماوك بعد قحط، وتوالت عليّ آلاوك على شحط، وزارتني من عقائل بيانك كلّ فاتنة الطّرف، عاطرة العرف، رافلة في حلل البيان والظّرف، لو ضربت بيوتها بالحجاز، لأقرّت لنا العرب العاربة بالإعجاز، ما شئت من رصف المبنى، ومطاوعة اللّفظ لغرض المعنى، وطيب الأسلوب، والتّشبّث بالقلوب، غير أن سيّدي أفرط في التّنزّل، وخلط المخاطبة بالتّغزّل، وراجع الالتفات، ورام استدراك ما فات. يرحم الله شاعر المعرّة، فلقد أجاد في قوله، وأنكر مناجاة الشّوق بعد انصرام حوله، فقال:

أبعد حول تناجي الشّوق ناجيةهلّا ونحن على عشر من العشر
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «يا ساهر البرق أيقظ راقد السمر»

وقد تجاوزت في الأمد، وأنسيت أخبار صاحبك عبد الصّمد، فأقسم بألفات القدود، وهمزات الجفون السّود، وحاملي الأرواح مع الألواح، بالغدوّ والرّواح، لولا بعد مزارك، ما أمنت غائلة ما تحت إزارك. ثمّ إنّي حقّقت الغرض، وبحثت عن المشكل الذي عرض، فقلت: للخواطر انتقال، ولكلّ مقام مقال، وتختلف الحوائج باختلاف الأوقات، ثم رفع اللّبس خبر الثّقات.

ومنها: وتعرّفت ما كان من مراجعة سيدي لحرفة التّكتيب والتّعليم، والحنين إلى العهد القديم، فسررت باستقامة حاله، وفضل ماله، وإن لا حظ الملاحظ، ما قال الجاحظ، فاعتراض لا يردّ، وقياس لا يضطرد، حبّذا والله عيش أهل التّأديب، فلا بالضّنك ولا بالجديب، معاهدة الإحسان، ومشاهدة الصّور الحسان، يمينا إنّ المعلّمين، لسادة المسلمين، وإنّي لأنظر منهم كلما خطرت على المكاتب، أمراء فوق المراتب، من كل مسيطر الدّرّة، متقطّب الأسرّة، متنمّر للوارد تنمّر الهرّة، يغدو إلى مكتبه، كالأمير»

في موكبه، حتى إذا استقلّ في فرشه، واستولى على عرشه، وترنّم بتلاوة قالونه وورشه، أظهر للخلق احتقارا، وأزرى بالجبال وقارا، ورفعت إليه الخصوم، ووقف بين يديه الظّالم والمظلوم، فتقول: كسرى في إيوانه، والرّشيد في زمانه، والحجّاج بين أعوانه. وإذا استولى على البدر السّرار، وتبيّن للشهر الغرار، تحرّك إلى الخرج، تحرّك العود إلى الفرج، أستغفر الله مما يشقّ على سيدي سماعه، وتشمئزّ من ذكره طباعه، شيم اللّسان، خلط الإساءة بالإحسان، والغفلة من صفات الإنسان. فأيّ عيش هذا العيش، وكيف حال أمير هذا الجيش؟ طاعة معروفة، ووجوه إليه مصروفة، فإن أشار بالإنصات، تتحقق الغصّات، فكأنّما طمس الأفواه، ولأم بين الشّفاه، وإن أمر بالإفصاح، وتلاوة الألواح، علا الضّجيج والعجيج، وحفّ به كما حفّ بالبيت الحجيج. وكم بين ذلك من رشوة تدسّ، وغمزة لا تحسّ، ووعد يستنجز، وحاجة تستعجل وتحفز. هنّأ الله سيدي ما خوّله، وأنساه بطيب آخره أوّله. وقد بعثت

بدعابتي هذه مع إجلال قدره، والثّقة بسعة صدره، فليتلقّها بيمينه، ويفسح لها في المرتبة بينه وبين خدينه، ويفرغ لمراجعتها وقتا من أوقاته عملا بمقتضى دينه، وفضل يقينه، والسّلام.

ومن شعره ما كتب به إليّ:

آيات حسنك حجّة للقالفي الحبّ قائمة على العذّال
يا من سبى طوعا عقول ذوي النّهىببلاغة قد أيّدت بجمال
يستعبد الأبصار والأسماع مايجلو ويتلو من سنيّ مقال
وعليك أهواء النفوس بأسرهاوقفت فغيرك لا يمرّ ببال
رفعت لديك في البلاغة رايةلمّا احتللت بها وحيد كمال
وغدت تباهي منك بالبدر الذيتعنو البدور لنوره المتلالي
ماذا ترى يا ابن الخطيب لخاطبودّا ينافس فيك كلّ مغال؟
جذبته نحو هواك غرّ محاسنمشفوعة أفرادها بمعال
وشمائل رقّت لرقّة طبعهافزلالها يزري بكل زلال
وحليّ آداب بمثل نفيسهاتزهو الحلى ويجلّ قدر الحالي
تستخدم الياقوت عند نظامهافمقصّر من قاسها بلآل
سبق الأخير الأوّلين بفضلهافغدا المقدّم تابعا للتّالي
شغفي ببكر من عقائلها إذاتبدو تصان من الحجى بحجال
فابعث بها بنت المنى ممهورةطيب الثّناء لنقدها والكالي
لا زلت شمسا في الفضائل يهتدىبسناك في الأفعال والأقوال
ثم السّلام عليك يترى ما تلتبكر الزّمان روادف الآصال

ومن الدّعابة، وقد وقعت إليها الإشارة من قبل، ما كتب به إليه صديقه الملاطف أبو علي بن عبد السّلام:

أبا عبد الله نداء خلّوفيّ جاء يمنحك النّصيحه
إلى كم تألف الشّبان غيّاوخذلانا، أما تخشى الفضيحة؟

فأجابه ﵀:

فديتك، صاحب السّمة المليحهومن طابت أرومته الصّريحه
ومن قلبي وضعت له محلّافما عنه يحلّ بأن أزيحه
نأيت فدمع عيني في انسكابوأكباد لفرقتكم قريحه
وطرفي لا يتاح له رقادوهل نوم لأجفان جريحه؟
وزاد تشوّقي أبيات شعرأتت منكم بألفاظ فصيحه
ولم تقصد بها جدّا، ولكنقصدت بها مداعبة قبيحه
فقلت: أتألف الشبّان غيّاوخذلانا، أما تخشى الفضيحه؟
وفيهم حرفتي وقوام عيشيوأحوالي بخلطتهم نجيحه
وأمري فيهم أمر مطاعوأوجههم مصابيح صبيحه
وتعلم أنّني رجل حصوروتعرف ذاك معرفة صحيحه

قال في «التّاج»: ولمّا اشتهر المشيب بعارضه ولمّته، وخفر الدهر لعمود صباه وأذمّته، أقلع واسترجع، وتألّم لما فرط وتوجّع، وهو الآن من جلّة الخطباء طاهر العرض والثّوب، خالص من الشّوب، باد عليه قبول قابل التوب.

وفاته ﵀: في آخر صفر من عام خمسين وسبعمائة في وقيعة الطاعون العام، ودخل غرناطة.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الإحاطة في أخبار غرناطة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.