من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
محمد بن محمد بن علي بن سودة المرّي
يكنى أبا القاسم.
أوليته: من نبهاء بيوتات الأندلس وأعيانها، سكن سلفه البشارّة، بشارّة بني حسّان، وولي جدّه الأشغال، حميد السيرة، معروف الإدانة.
حاله: هذا الفتى من أهل الخصوصيّة والسكون والحياء، المانع عن كثير من الأغراض. مال إلى العلوم العقلية، فاستظهر على المماسّة في بعض أغراضها بالدؤوب والعكوف، المورّين تأثير حبل الرّكيّة في جحرها، فتصدّر للعلاج، وعانى الشّعر، وأرسم في الكتابة، وعدّ من الفضلاء، وظهرت على عباراته اصطلاحات الحكماء، وتشوّف إلى العهد للرّحلة الحجازية، والله ييسّر قصده.
مشيخته: قرأ الطبّ والتّعديل على الحبر طبيب الدّار السّلطانية، فارس ذينك الفنّين، إبراهيم بن زرزار اليهودي، ورحل إلى العدوة، فقرأ على الشّريف العالم الشهير، رحلة الوقت في المغرب، أبي عبد الله العلوي، وبلقائه نجح.
شعره: أنشد السلطان قوله:
جاد الحمى صوب الغمام هتونهتزجي البروق سحابه فتعينه
الإحاطة في أخبار غرناطة/ ج /م.
وسقى ديار العامرية بعد ماوافى بجرعاء الكثيب معينه
يندى بأفنان الأراك كأنهعقد تناثر بالعقيق ثمينه
ومحى الكثيب سكوبه فكأنهخطّ تطلّس ميمه أو نونه
حتى إذا الأرواح هبّت بالضّحىمسحت عليه بالجناح تبينه
وكأنّه والرعد يحدو خلفهصبّ يطول إلى اللقاء حنينه
أو سحّ دمعي فوق أكناف اللّوىجادت بلؤلؤة النفيس عيونه
والبرق في حلل السّحاب كأنهمكنون سرّ لم يذع مضمونه
أو ثوب ضافية الملابس كاعبعمدت بحاشية النّضار تزينه
هنّ الديار برامة لا دهرهاسلس القياد ولا العتاب يلينه
ولقد وقفت برسمها فكأنّنيمن ناحل الأطلال فيه أكونه
قلبي بذاك اللّوى خلّفتهألوى بمزدلف الرّفاق ظعينه
لا تسأل العذّال عني فالهوىهذا يخامر بالضّلوع دفينه
إن يخف عن شرحي حديث زميرتيفعلى الفنون فريضة تبينه
عجبا لدمعي لا يكفّ كأنماجدوى أبي عبد الإله هتونه
محيي المكارم بعد ما أودى بهازمن تقلّب بالكرام خؤونه
مولى الملوك عميد كلّ فضيلةعلق الزمان ثمينه ومكينه
يضفي إلى داعي النّدى فيهزّهوبملتقى الجمعين طال سكونه
من ذا يسابق فضله لوجودهويلجّ فيض البحر فاض يمينه
إن تلقه تلق الجمال وقارهوالحلم طبع والسّماحة دينه
غمر الأنام نواله ومحا الضلال رشاده وجلا الظّلام جبينه
أحيا رسوم الدين وهي دوارسولطالما صدع الشكوك يقينه
شمس الهدى حتف العدا محيي النّدابحر الجدا طول المدى تمكينه
ليث الشّرى غوث الورى قمر السّرىسنّ القرى عمّ القرى تأمينه
فلبأسه يوم الوغى ولعزمهجاش الهزبر إذا الهزبر يخونه
لا تسأل الهيجاء عنه إنهيصل المراد كما تحبّ ظنونه
لو كان يشغله المنام عن العلاهجر المنام وباعدته جفونه
وإذا تطاولت الملوك بماجدبمحمد دون الأنام يكونه
يا ابن الألى نصروا الرسول ومن بهمنطق الكتاب فصيحه ومبينه
خصّوا ببيعته وحاموا دونهنهج الرّضا حتى تقاوم دينه
أمعاضد الإسلام أنت عميدهوخليفة الرحمن أنت أمينه
لم يبق إلّا من بسيفك طائعألفنش في أقصى البلاد رهينه
وبجيشك المنصور لو لاقيتهأدرى بمشتجر الرّماح طعينه
ولو اصطنعت إلى العدوّ إدالةطاعت إليك بلاده وحصونه
خذها إليك قصيدة من شاعرحلو الكلام مهذّب تبيينه
جعل القوافي للمعالي سلّمافجنى القريض كما اقتضته فنونه
غطّى هواه عقله واقتادهيحصي النجوم جهالة تزيينه
ولو أخذته أيدي التحرير والنّقد، لرجي أن يكون شاعرا، وبالجملة فالرجل معدود من السّراة بيتا وتخصّصا.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع