من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
علي بن مسعود بن علي بن أحمد بن إبراهيم بن عبد الله ابن مسعود المحاربي
الوزير، يكنى أبا الحسن.
حاله: كان من أعيان أهل الحضرة، وذوي الهيئات والنباهة من بيوتاتها، أيّدا، حسن الشكل، جهير الصوت، فصيح اللسان ثرثاره، جيد الخطّ، حلو الدّعابة، طيّب النفس، لبقا، ذكيّا، أديبا، فاضلا، لوذعيّا، مدركا. وزر للسلطان أبي الوليد، نزع إليه لمّا دعا إلى نفسه بمالقة من إيالة مخلوعه بعد اصطناعه، وصرف وجهته إلى جهته، فتغلّب على هواه، وأشركه في الوزارة، مع القائد الوزير أبي عبد الله بن أبي الفتح الفهري، وقد مرّ ذكره، فأبرّ عليه بمزيد المعرفة بالأمور الاشتغالية وجماح عنان اللسان والجرأة في أبواب المداخلات الوزارية، فلم يزل يضمّ أذيال الخطّة ويقلّصها عن قسيمه إلى أن لم يبق له منها إلّا الاسم إلى حين وفاته.
وفاته: واستمرّت حاله على رسمه من القيام بالوزارة إلى أن فتك بسلطانه قرابته بباب داره كما تقدّم في اسم السلطان أبي الوليد في حرف الألف، فكرّ أدراجه وهاج بالباطشين، وسلّ سيفه يدافع عنه، فمالت إليه الأيدي، وانصرفت إليه الوجوه، وأصيب بجراحات مثخنة، أتى عليه منها جرح دماغي لأيام، وعلى ذلك فلم يبرح من سدّة السلطان، حتى تعجّل ثأره، وشمل السّيف قتلته، وأخذ البيعة لولده.
وكانت وفاته في السابع والعشرين لشعبان من عام خمسة وعشرين وسبعمائة. ودفن بباب إلبيرة. وكان الحفل في جنازته عظيما، والثناء عليه كثيرا، والرحمة له مستفيضة.
ورثاه شيخنا أبو الحسن بن الجيّاب، ﵀ بقوله:
أيا زفرتي، زيدي ويا عبرتي جوديعلى فاضل الدّنيا على ابن مسعود
على الشامخ الأبيات في المجد والعلاعلى السّابق الغايات في البأس والجود
على غرّة العصر التي جمعت إلىمهابة مرغوب طلاقة مودود
على من له في الملك غير منازعوزارة ميمون النّقيبة محمود
على من إذا عدّ الكرام فإنهبواجب حقّ الفضل أوّل معدود
ومن كعليّ ذي الشجاعة والرّضالإصراخ مذعور وإيواء مطرود؟
ومن كعليّ ذي السّماحة والنّدىلإسباغ إنعام وإنجاز موعود؟
ومن كعليّ للوزارة قائماعليها بتصويب عليها وتصعيد؟
ومن كعليّ للإدارة سالكالها نهج تليين مشوب بتشديد؟
ومن كعليّ للسياسة منفذاأوامر تنفيذ وأحكام توطيد
ومن كعليّ في رضا الله حاكمابإنجاد معدوم وإعدام موجود
ومن كعليّ واصل الرّحم التيتمتّ بتقريب له أو بتبعيد
ومسدي الأيادي البيض بدءا وعودةمردّدة تمحو دجى الثّوب للسّود
أيا كافي السلطان كلّ عظيمةبآراء تسديد وأعمال تمهيد
ويا حامي الملك المشيد بناؤهبصولة محذور وغرّة مقصود
ويا كافل الأيتام يجري عليهمجراية نعمى بابها غير مسدود
ذكرتك في نادي الوزارة صادعابأمر مطاع حكمه غير مردود
ذكرتك في صدر الكتيبة قائمابخدمة مولّى بعد طاعة معبود
ذكرتك في المحراب والليل دامستردّد آي الذّكر أطيب ترديد
ودمعك مرفضّ وقلبك واجبلخشية يوم بين عينيك مشهود
عفاء على الدنيا ولا درّ درّهافما جمعها إلّا رهين بتبديد
فمهما حلت منها لديك مسرّةففي إثرها فارقب مرارة تنكيد
ألهفا على الوجه الجميل معطّرابدار البلى رهين الأساود والدّود
وعهدي به مستبشرا ومبشّرابتفريج مكروب وراحة مجهود
لأظلمت الدنيا عليّ لفقدهفها أنا أرعاها بمقلة مرصود
وقلّص من ظلّ الرّجاء فراقهفظلّ رجائي بعده غير ممدود
وكم سبحت فلك المنى في بحارهامواخر فاليوم استوت بي على الجود
وهوّن عندي كلّ خطب مصابهفبعد عليّ لست أبكي لمفقود
ولا أدّعي أني وفيت بعهدهفلم أرع عهدا حين أودى ولم أود
فلا يشمت الأعداء إن حان حينهفما بالرّدى عار فكل امرئ مود
ولا سيما إذ مات ميتة عزّةبعيدا شهيدا ماضيا غير رعديد
وفيّا لمولاه مطيعا لربّهوقد بطلت ذعرا رقاب الصّناديد
فبشرى له أن فاز حيّا وميّتابميتة مفقود وعيشة محسود
عليه سلام الله ما ذرّ شارقوما صدعت ورقاء في فرع أملود
وجادت ثرى اللّحد الزّكي سحائبمجدّدة الرّحمى بأحسن تجديد
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع