من «الحلة السيراء» لابن الأبار (ت ٦٥٨هـ)
الْمِائَة الْخَامِسَة (٤)
الصفحة ١ من ٢
فَبعث إِلَيْهِ المتَوَكل مركوباً وَكتب مَعَه
بعثت إِلَيْك جنَاحا فطرعلى خُفْيَة من عُيُون الْبشر
على ذلل من نتاج البروقوَفِي ظلل من نَسِيج الشّجر
فحسبي عمّن نأى من دنافَمن غَابَ كَانَ فدا من حضر
وَتوجه إِلَى شنترين وَمَعَهُ أَبُو مُحَمَّد بن عبدون فَتَلقاهُ ابْن مقانا قاضى
حَضرته وأنزله وَقدم طَعَاما ثمَّ قعد بِبَاب الْمجْلس ملازماً لَهُ إِلَى اللَّيْل والمتوكل محتشم مِنْهُ فَخرج أَبُو مُحَمَّد لمّا أبرمه إِلَى بعض أَصْحَابه وَقد أعد لَهُ مجْلِس أنس فَقعدَ يشرب مَعَه وَقد وجّه من يرقب انْفِصَال ابْن مقانا فَلَمَّا عرّفه بذلك بعث إِلَى المتَوَكل بقطيع خمر وطبق ورد وَكتب مَعَهُمَا
إليكهما فاجتلها منيرةوَقد خبا حَتَّى الشهَاب الثاقب
واقفة بِالْبَابِ لم تَأذن لَهَاإِلَّا وَقد كادلب ينَام الْحَاجِب
فبعضها من المخاف جامدوَبَعضهَا من الْحيَاء ذائب
فقبلها وَكتب إِلَيْهِ
قد وصلت تِلْكَ الَّتِي زففتهابكرا وَقد شابت لَهَا ذوائب
فهبّ حَتَّى نستردّ ذَاهِبًامن أنسنا إِن استردّ الذَّاهِب
وقرأت فِي كتاب الذَّخِيرَة لِابْنِ بسام أَخْبرنِي الْوَزير أَبُو طَالب بن غَانِم قَالَ لَا أنسى وَالله خطّ المتَوَكل بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ فِي ورقة بقلة الكرنب وَقد كتب إليّ بهما من بعض الْبَسَاتِين
انهض أَبَا طَالب إِلَيْنَاواسقط سُقُوط الندى علينا
فَنحْن عقد بِغَيْر وسطيمَا لم تكن حَاضرا لدينا
وَحكى غَيره أَنه كتبهما بِطرف غُصْن وروى الْبَيْت الأول
أقبل أَبَا طَالب إِلَيْنَاوَقع وُقُوع الندى علينا
عبد الْملك بن هُذَيْل بن رزين ذُو الرياستين حسام الدولة أَبُو مَرْوَان
ولى بعد أَبِيه الْحَاجِب عز الدولة أبي مُحَمَّد هُذَيْل بن عبد الْملك بن خلف ابْن لب بن رزين شنتمرية الشرق مَوضِع إِمَارَة سلفه وَكَانَ ظُهُورهمْ فِي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعمِائَة أول افْتِرَاق الْجَمَاعَة وانبعاث الْفِتْنَة ويعرفون ببني الأصلع وانتماؤهم فِي هوّارة
وَقد ذكر ابْن حيّان طرفا من خبرهم فَقَالَ وَأَبُو مُحَمَّد هُذَيْل بن خلف ابْن لب بن رزين الْمَعْرُوف بِابْن الأصلع صَاحب السّهلة موسطة مَا بَين الثغر الْأَعْلَى والأدنى لقرطبة كَانَ من أكَابِر برابر الثغر ورث ذَلِك عَن سلفه ثمَّ سما لأوّل الْفِتْنَة إِلَى اقتطاع عمله والإمارة لجماعته والتقيّل لجاره إِسْمَاعِيل بن ذِي النُّون فِي الشرود عَن سُلْطَان قرطبة فَاسْتَوَى لَهُ من ذَلِك مَا أَرَادَ هُوَ وَغَيره من جَمِيع من انتزى فِي الْأَطْرَاف وتمرس بِهِ الْحَاجِب مُنْذر بن يحيى مدرجاً لَهُ فِي طيّ من استتبعه واشتمل عَلَيْهِ من أصاغر أُمَرَاء
الثغر فَأَبت نَفسه البخوع لَهُ والانضمام إِلَيْهِ فَرد أمره وحدده وَصَارَ ندّه وَأَجَارَهُ مَنْعَة معقله
قَالَ وَلَيْسَ فِي ذَلِك الثغر أخصب بقْعَة من سهلته المنسوبة إِلَى بني رزين فِي اتِّصَال عمارتها فَكثر مَاله وَكَانَ مَعَ ذَلِك شَابًّا جميل الْوَجْه صَار إِلَيْهِ أَمر وَالِده منبعث الْفِتْنَة وَهُوَ فَتى مَعَ الْعشْرين من سنه وَأطَال ابْن حَيَّان فِي وَصفه بالقسوة والفظاظة ورفعة الهمة فاقتصرت من ذَلِك على مَا أثبتّ
وهذيل هَذَا هُوَ عَم هُذَيْل وَالِد أبي مَرْوَان الْمَذْكُور وَبعده ولى أَخُوهُ عبد الْملك بن خلف أَبُو مَرْوَان وَيعرف بعبود ثمَّ ولى ابْنه هُذَيْل ثمَّ ابْنه عبد الْملك ثمَّ ابْنه يحيى وَعَلِيهِ انقرض ملكهم
وَكَانَ أَبُو مَرْوَان مَعَ شرفه وأدبه متعسفاً على الشُّعَرَاء ومتعسراً بمطلوبهم من ميسور الْعَطاء وَضَعِيف منظومه أَكثر من قَوِيَّة
وَكَانَت وَفَاته سنة سِتّ وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة وَقد صَار إِلَيْهِ من أَعمال بلنسية بَعْضهَا وَولى بعده ابْنه فَأَقَامَ يَسِيرا وتغلّب على مَا بِيَدِهِ ابْن تاشفين بعد أَن أَقَامَ هُوَ وَأَبوهُ فِي أَعمالهَا وَمن شعره يفخر
أَنا ملك تجمّعت فيّ خمسكلّها للأنام مُحي مميت
هِيَ ذهن وَحِكْمَة ومضاءوَكَلَام فِي وقته وسكوت
وَله مجاوباً
رغبتم وأرغبناكم وَهِي الْخمرفَمن لم يكن سَكرَان فَلْيَكُن السّكر
إِلَيْكُم فَإِنِّي فِي الوغى والندى فَتىهُوَ الْبَحْر إِن أعْطى وَإِن صال فالدهر
وَله
شأوت أهل رزين غير محتفلوهم على مَا علمْتُم أفضل الْأُمَم
قوم إِذا حوربوا أفنوا وَإِن سئلواأغنوا وَإِن سوبقوا حازوا مدى الْكَرم
جادوا فَمَا يتعاطى جود أنملهممدّ الْبحار وَلَا هطّالة الدّيم
وَمَا ارتقيت إِلَى الْعليا بِلَا سَبَبهَيْهَات هَل أحد يسْعَى بِلَا قدم
فَمن يرم جاهداً إِدْرَاك منزلتيفليحكني فِي الندى وَالسيف والقلم
وَله
من كثّر الْجهد يرى سعدهيصعد حَتَّى يَنْتَهِي حدّه
وَمن أذلّ المَال عزّت بِهِأَيَّامه وانصرفت جنده
فاهدم بِنَاء الْبُخْل وَارْفض بِهِمن هدم الْبُخْل بني مجده
لَا عَاشَ إِلَّا جائعاً نائعاًمن عَاشَ فِي أَمْوَاله وَحده
وَله يصف روضاً
وَروض كَسَاه الطلّ وشياً مجدّداًفأضحى مُقيما للنفوس ومقعدا
إِذا صافحته الرّيح ظلت غصونهرواقص فِي خضر من العصب ميّدا
إِذا مَا انسياب المَاء عَايَنت خلتهوَقد كسّرته رَاحَة الرّيح مبردا
وَإِن سكنت عَنهُ حسبت صفاءهحساماً صقيلاً صافي الْمَتْن جردا
وغنت بِهِ وزق الحمائم حولناغناء ينسّينا الْغَرِيض ومعبدا
فَلَا تجفونّ الدَّهْر مَا دَامَ مسعداًومدّ إِلَى مَا قد حباك بِهِ يدا
وخذها مداماً من غزال كَأَنَّهُإِذا مَا سعى بدر تحمّل فرقدا
وَله
أدرها مداماً كالغزالة مرّةتبين لرائيها وتأبى على اللَّمْس
وتبدو إِلَى الْأَبْصَار دون تجسّمعلى أَنَّهَا تخفى على الذِّهْن والحسّ
إِذا شعشعت فِي الكأس خلت حبابهالآلىء قد رفّعن فِي لبّة الشَّمْس
موكلة بالهمّ تهزم جَيْشهبِجَيْش الْأَمَانِي والمسرة والأنس
فَإِن شِئْت قل فِيهَا أرق من الْهوىوَإِن شِئْت قل فِيهَا أرق من النَّفس
وَله فِي النسيب
أنحى على جسمي النحول فَلم يدعمتوهمّاً من رسمه الْمَعْلُوم
عبثت بِهِ أَيدي الصِّبَا فَكَأَنَّهُسرّ خفيّ فِي ضمير كتوم
وَله
يزهدني فِي الزّهْد عين مَرِيضَةيمرّضني من لحظها مَا أعلّني
وَلم يبْق نَفسِي غير عطفة شادنعسابي أفديه بهَا ولعلّني
شَكَوْت إِلَى فِيهِ الَّذِي بِي من الظمافأنهلني عذب الرّضاب وعلّني
وَله
دع الدمع يفن الجفن لَيْلَة ودّعواإِذا انقلبوا بِالْقَلْبِ لَا كَانَ مدمع
سروا كاغتداء الطير لَا الصَّبْر بعدهمْجميل وَلَا طول الندامة ينفع
أضيق بِحمْل الفادحات من النَّوَىوصدري من الأَرْض البسيطة أوسع
وَإِن كنت خلاّع العذار فإننيلبست من العلياء مَا لَيْسَ يخلع
إِذا سلّت الألحاظ سَيْفا خَشيتهوَفِي الْحَرْب لَا أخْشَى وَلَا أتوقع
وَله
برح السقم بِي فَلَيْسَ صَحِيحامن رَأَتْ عينه عيُونا مراضا
إنّ للأعين المراض سهاماًصيّرت أنفس الورى أغراضا
وَله فِي شمعة
ربّ صفراء تردّتبرداء العاشقينا
مثل فعل النَّار فِيهَاتفعل الْآجَال فِينَا
وحَدثني القَاضِي أَبُو عَامر نَذِير بن وهب بن نَذِير الفِهري وَدَار سلفه شنتمرية المنسوبة إِلَى بني رزين غير مرّة بِلَفْظِهِ قَالَ حَدثنِي أبي أَنه كَانَ بشنتمرية معلم كتاب يؤدبهم ويؤمّ فِي مسجدين أَحدهمَا يُصَلِّي فِيهِ نَهَارا وَالثَّانِي لَيْلًا فَكتب إِلَى الْحَاجِب ذِي الرئاستين أبي مَرْوَان عبد الْملك بن الْحَاجِب ذِي المجدين عز الدولة أبي مُحَمَّد هُذَيْل بن رزين يسْأَله التَّقْدِيم فِي الْمَسْجِد الْجَامِع للصَّلَاة فِي دولة مَعَ سَائِر الْأَئِمَّة فوقّع لَهُ فِي مكتوبه
أيطيق تأديباً وَعقد إِمَامَةفِي مسجدين وجامع إِنْسَان
اثْبتْ على إِحْدَى الْمَرَاتِب لَا تزدفَمن الزِّيَادَة يتّقى النّقصان
وَحكى لي غَيره أَن أَبَا مَرْوَان هَذَا كَانَت لَهُ نجدة وصرامة وإقدام قرّب جنده من نَفسه وتحبب إِلَيْهِم وَاخْتَلَطَ بهم حَتَّى كَانَ لَا يمتاز مِنْهُم فِي مركب وَلَا ملبس وَوَقَائعه فِي الثغر مَشْهُورَة وَجرى عَلَيْهِ خطب كَبِير فِي صغر سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة قبل وَفَاته بِيَسِير دبّر عَلَيْهِ صهره عبيد الله الْقَائِم بأذكون وَأَرَادَ اغتياله مَعَ طَائِفَة من رِجَاله ليرث مَكَانَهُ وَكَانَ قد أحضرهُ لدَعْوَة
احتفل فِيهَا مَعَ جمَاعَة مِنْهُم أَبُو عِيسَى بن لبّون صَاحب مربيطر فَلَمَّا أمكنتهم الغرّة فِيهِ بِأخذ الشَّرَاب مِنْهُ وَثبُوا عَلَيْهِ وخبطوه بسيوفهم حَتَّى أنخنوه جراحاً وَاتفقَ أَن كَانَت أُخْته حَاضِرَة وَهِي زوج عبيد الله هَذَا فَصَعدت إِلَى علّيّة هُنَاكَ وصرخت واقتيلاه فتبادر النَّاس لتعرّف الْقِصَّة ودخلوا على أبي مَرْوَان وَبِه رَمق فأرادوا قتل قاتلية بأجمعهم فَأَمرهمْ بترك صهره وَابْنه وَالْقَبْض عَلَيْهِمَا وَلم يزل يعالج من جراحه إِلَى أَن برىء وصحّ وَقد غيّرت من شكله وشانت وَجهه فَأمر بصهره فَقطعت يَدَاهُ وَرجلَاهُ وسملت عَيناهُ وصلب وَأمر بِقطع رجل ابْنه وخلّى سَبيله
مُحَمَّد بن أَحْمد بن إِسْحَاق بن زيد بن طَاهِر الْقَيْسِي أَبُو عبد الرَّحْمَن
قَرَأت فِي تَارِيخ أبي بكر مُحَمَّد بن عِيسَى بن مزين الْكَاتِب وَأَبوهُ عِيسَى هُوَ مخلوع المعتضد عباد بن مُحَمَّد من شلب وَكَانَ صهره أَن ابْن طَاهِر يَعْنِي أَبَا بكر أَحْمد بن إِسْحَاق وَالِد أبي عبد الرَّحْمَن كَانَ من أَعْلَام تدمير وبياضها فاستبد بهَا إِلَّا أَنه لم يعد اسْم الوزارة فِيهَا والمظالم إِلَى أَن مَاتَ
وَخَلفه ابْنه أَبُو عبد الرَّحْمَن مُحَمَّد فتمادت حَاله على رسم أَبِيه ووسمه فِي الْمَظَالِم إِلَى أَن أخرجه عَنْهَا أَبُو بكر بن عمار فِي قصَص طَوِيلَة سنة إِحْدَى وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة
وقرأت بخطّ القَاضِي أبي الْقَاسِم بن حُبَيْش فِي بعض معلقاته من تَارِيخ أبي مَرْوَان بن حيّان خَافَ زُهَيْر يَعْنِي الصقلبي صَاحب المرية ومرسية انْتِقَاض أبي عَامر بن خطاب رَئِيس عَلَيْهِ مرسيه إِن تَركه خَلفه لصغوه إِلَى
مُجَاهِد يَعْنِي العامري مناوئه فأسكنه مَعَه المرية دون أَن يغيّر لَهُ حَالا وَلَا نعْمَة وَترك بمرسية ابْن طَاهِر ندّ ابْن خطاب ومناوئه بعد أَن انْطلق ابْن طَاهِر وَمن يَد مُجَاهِد بفدية غَلِيظَة وَعَاد إِلَى حَاله وَنعمته وأعانه زُهَيْر على لم شعثه وَفِي بعهده فاطمأنت قدمه بمرسية فِيمَا بعد وَارْتَفَعت حَاله وَبعد عَنْهَا عدوّه ابْن خطاب آخر الْأَيَّام فَلم يقْض لَهُ رُجُوع إِلَيْهَا إِلَى أَن مضى لسبيله
قَالَ وَفِي صدر شهر رَمَضَان يَعْنِي من سنة خمس وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة بلغت قرطبة وَفَاة الشَّيْخ أبي بكر أَحْمد بن طَاهِر المتأمرّ قَدِيما بِبَلَدِهِ مرسية بعد طول علته الفالجية وَكَانَ من آخر من أنظر إِلَى هَذِه الْمدَّة من بقايا رُؤَسَاء الكور فَكَانَ يعْتد بعد انْقِرَاض دولة الصقالبة الْعَامِرِيين فِي جملَة الْمَنْصُور عبد الْعَزِيز بن عبد الرَّحْمَن بن أبي عَامر وَولده عبد الْملك على استبداده عَلَيْهِمَا وامتناعه من تَنْفِيذ مَالا يُوَافقهُ من أَمرهمَا وإرساله إِلَيْهِمَا من خلال ذَلِك مُفَارقَته عَمَّا فِي يَده من بَلَده وقيامه بِالْإِنْفَاقِ على من ينزله من جنده وتفرّده بقود جند الْبَلَد وجباية مَاله يُرْسل من فَضله إِلَى كل مِنْهُمَا فِي وقته مَا فَارقه عَلَيْهِ فَلَا يمكنهما خِلَافه لقُوَّة مَنْكِبه ووفور مَاله واجتماع أهل بَلَده على طَاعَته واعترافهم بِحقِّهِ قد أصلح الله بِهِ على جَمَاعَتهمْ وعمرت بِلَادهمْ بجميل سيرته ثمَّ اتسعت مكاسبه حَتَّى صَار نصف بَلَده ضَيْعَة لَهُ وَأحسن ارتباط الْجند بإنصافهم وَالْإِحْسَان إِلَيْهِم فَأَحبُّوهُ وناصحوه فاستقام أمره وضخمت نعْمَته
وعضده ابْن صدق لَهُ نجيب لَبِيب يُسمى مُحَمَّدًا ويكنى أَبَا عبد الرَّحْمَن
سلك سَبيله وَاتبع سيرته وَزَاد عَلَيْهِ بِفضل علم وأدب فحجبه أَيَّام تعطله وسدّ مسدّه فَلَمَّا مضى لسبيله قعد مَكَانَهُ وجبر ثلمه واستقام النَّاس لَهُ كَأَنَّهُمْ مَا فقدوا أَبَاهُ
وَهلك هَذَا الشَّيْخ عَن نَحْو تسعين سنة
قَالَ وَآل طَاهِر ذَوُو بَيت عَامر وَعدد وافر يفخرون بالعروبية وينتمون فِي قيس عيلان
انْتهى كَلَام ابْن حيّان وَهَذَا خلاف معتقده فِي بني خطاب وَسَيَأْتِي ذكر ذَلِك إِن شَاءَ الله
وَكَانَ أَبُو عبد الرَّحْمَن من أهل الْعلم وَالْأَدب البارع يتَقَدَّم رُؤَسَاء عصره فِي الْبَيَان والبلاغة ويماثل الصاحب إِسْمَاعِيل بن عباد وَأَمْثَاله فِي الْكتب عَن نَفسه ورسائله مدونة وَلأبي الْحسن بن بسام فِيهَا تأليف سَمَّاهُ ب سلك الْجَوَاهِر من ترسيل ابْن طَاهِر وروى الحَدِيث عَن أبي الْوَلِيد بن ميقل وَقد أَخذ عَنهُ واستجازه أَبُو عَليّ بن سكّرة لِابْنِهِ وَذكره أَبُو الْقَاسِم بن بشكوال فِي تَارِيخه وحَدثني الْمُقْرِئ المعمر أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز بن
سَعَادَة الشاطبي عَن الْخَطِيب أبي الْوَلِيد مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن عريب عَن أبي عبد الرَّحْمَن بن طَاهِر بِجَمِيعِ رِوَايَته عَن ابْن ميقل وَكَانَت فِيهِ دعابة غالبة عَلَيْهِ لَا يَدعهَا بِحَال وأجود رسائله مَا اشْتَمَل على الْهزْل لميل طبعه إِلَيْهِ
وَكَانَ على ذَلِك جواداً ممدحاً ينتجعه الشُّعَرَاء ويقصده الأدباء وَقد انتجعه أَبُو بكر بن عمار أَيَّام خموله ثمَّ قضى أَن خلعه عَن سُلْطَانه فَلهُ مَعَه نَوَادِر مَذْكُورَة مِنْهَا قَوْله بعد خُلَاصَة من اعتقاله وانخلاع ابْن عمار عَن مرسية واجتماعهما عِنْد الْوَزير الْأَجَل أبي بكر بن عبد الْعَزِيز أَيَّام رياسته ببلنسية أَبَا العيناء لَا أَنْت وَلَا أَنا وَكَانَ ابْن عمار أخفش وَمِنْهَا وَقد أرسل إِلَيْهِ وَقت الْقَبْض عَلَيْهِ يخيره فِي خلعة يلبسهَا فَقَالَ لرَسُوله لَا أخْتَار
من خلعه أعزه الله إِلَّا فَرْوَة طَوِيلَة وغفارة ضئيلة فعرفها ابْن عمار واعترف بهَا وَقَالَ نعم إِنَّمَا عرض بزيى يَوْم قصدته وبهيئتي حِين أنشدته وَقد جرى لَهُ مَعَ أبي بكر بن عبد الْعَزِيز فِي معنى الدعابة والمطايبة مَا احتمله لَهُ بِفضل رجاحته وَأَبُو بكر حَرَكَة فَذكر الفول وَكَانَ أَبُو عبد الرَّحْمَن مُولَعا بِهِ ومكثراً لأكله فَعرض لَهُ هُوَ بل صرّح بِمَا كَانَ فِي لِسَانه من عقلة وَهُوَ إِذْ ذَاك ضَيفه وَخبر خلعه وَذكر ابْن بسام وَغَيره وقرأت فِي تَارِيخ الْكَاتِب أبي بكر مُحَمَّد بن يُوسُف بن قَاسم الشلبي تلميذ الْكَاتِب أبي بكر ابْن القصيرة وَأحد كتاب الْمُعْتَمد مُحَمَّد بن عباد قَالَ كَانَ ابْن عمار قد نزل ضيفاً على ابْن طَاهِر فِي صُعُوده إِلَى ابْن ريمند صَاحب برشلونة فاستبان ضعفه فداخل أَعْيَان مرسية مخبّلاً ومخذّلاً
ثمَّ وصل ذَلِك عِنْد اجتماعه بريمند بمعاقدته على أَن يُعينهُ فِي محاصرته وبذل لَهُ عَن ذَلِك عشرَة آلَاف مِثْقَال
على أَن ينحدر بعسكره إِلَى مرسية وَيَأْتِي هُوَ فِي عَسْكَر ابْن عباد ويرهن كلّ وَاحِد مِنْهُمَا معاقدة مَا يَثِق بِهِ فرهن البرشلوني ابْن عَمه وأصعد ابْن عباد ابْنه الْمُسَمّى بالرشيد فِي جَيش إشبيلية وَابْن عمار مَعَه فاجتمعا بريمند عَلَيْهَا على ميعاد عيّناه وحاصرا مرسية وشنّا الغارات عَلَيْهَا فَلم ينالوا مِنْهَا أَكثر من ذَلِك
وَكَانَ ابْن عمار عِنْد فصوله من إشبيلية قد قدّر أَن ينظر لَهُ فِي المَال الْمَذْكُور وَيلْحق بِهِ وَذَلِكَ لأجل ضربه البرشلوني فانصرم الْأَجَل وَلم يصل المَال وتحرك الْمُعْتَمد إِلَى قرطبة ثمَّ إِلَى جيّان وَمَعَهُ الرهينة على عَادَته من التؤدة والالتواء وَأَبْطَأ على ريمند مَا عوقد عَلَيْهِ واعتقد أَن ابْن عمار مكر بِهِ فَقبض عَلَيْهِ وعَلى الرشيد وقيدهما
وانقلب عَسْكَر إشبيلية مفلولا وَالْمُعْتَمد قد فصل من جيّان وشارف
عمل شقورة فَلَمَّا وصل إِلَى وَادي آنة لم يُمكنهُ خوضه لمدّة بالسيول فَأَقَامَ على شاطئه الغربي وَإِذا سرعَان فلّ الْعَسْكَر قد أطلوا على الشاطىء الشَّرْقِي فاقتحمه مِنْهُم فارسان أجازا إِلَيْهِ وأخبراه بالنبأ الكريه فَسقط فِي يَده ونكص على عقبه وَقد استوثق من الرهينة وَرجع إِلَى جيّان وَقد كَانَ ابْن عمار أوصى إِلَيْهِ مَعَ هذَيْن الفارسين أَن يُقيم لَعَلَّه يلْحق بِهِ فورد عَلَيْهِ بعد تَمام عشرَة أَيَّام وَنزل على وَادي بلّون وَكتب كتابا وطواه وَبعث بِهِ أحد فرسَان عبيده إِلَى جيّان وَفِيه شعر يَأْتِي ذكره بعد وأوله
(أصدّق ظنى أم أصيخ إِلَى صحبي ...)
فجاوبه الْمُعْتَمد عَنهُ بِمَا أنّسه فوصل إِلَيْهِ وَبكى بَين يَدَيْهِ ثمَّ اعْترف بالْخَطَأ فِي السالف وتوافق مَعَه على إِطْلَاق رهينة البرشلوني مَعَ المَال لينطلق الرشيد بصولهما من الاعتقال فَكَانَ ذَلِك وَانْصَرف البرشلوني إِلَى بِلَاده وَعَاد الرشيد إِلَى إشبيلية
وَحكى غَيره أَن ابْن عباد سعى فِي خلاص الرشيد حَتَّى فدَاه بِثَلَاثِينَ ألفا ضربهَا زُيُوفًا وَلحق الرشيد بِأَبِيهِ الْمُعْتَمد
قَالَ ابْن الْقَاسِم الْمَذْكُور فِي تَارِيخه وَعَاد لِابْنِ عمار فِي مرسية رَأْيه الدبرى ولج بِهِ ميلانه فَذكر للمعتمد أَو زوّر أَن أهل مرسية قد داخلوه وخاطبوه وَأظْهر لَهُم كتبا ذكر أَنهم كتبوها إِلَيْهِ زَاد غَيره وَذَلِكَ فِي سنة أَربع وَسبعين
قَالَ وَأَشَارَ إِلَيْهِ بتجهيز عَسْكَر ثَان يتقلده فَلم يُخَالِفهُ يَعْنِي الْمُعْتَمد وَفصل عَن إشبيلية بعسكرها وَوصل إِلَى قرطبة وَعَلَيْهَا الْفَتْح ابْن الْمُعْتَمد وَهُوَ يَوْمئِذٍ حَاجِب أَبِيه فضم خيل قرطبة إِلَى عَسْكَر إشبيلية وسهر فِي اجتيازه هَذَا لَيْلَة عِنْد الْفَتْح إِلَى أَن شَارف الصُّبْح فَقَالَ أحد الخصيان قد انصدع الْفجْر فَأَنْشَأَ ابْن عمار يَقُول
إِلَيْك عني فليلي كُله صبحوَكَيف لَا وسميري الْحَاجِب الْفَتْح
قَالَ ثمَّ تقدم ابْن عمار إِلَى مرسية واجتاز فِي طَرِيقه على حصن بلج وعامله يَوْمئِذٍ عبد الله بن رَشِيق وَهَكَذَا سَمَّاهُ ابْن قَاسم الشلبي هَذَا وَغَيره يَقُول فِيهِ عبد الرَّحْمَن وَهُوَ الصَّحِيح قَالَ فَلَمَّا سمع بِهِ ابْن رَشِيق خرج إِلَيْهِ على أَمْيَال من الْحصن وَرغب إِلَيْهِ فِي النُّزُول عِنْده فَأَجَابَهُ ابْن عمار إِلَى ذَلِك
واحتفل ابْن رَشِيق فِي إنزاله احتفالاً استطرفه ابْن عمار وَآل بِهِ إِلَى أَن قدمه على جَيْشه وَلم يعلم أَنه يحمل مِنْهُ الداهية الدهياء والداء العياء فوصل إِلَى مرسية وضايقها مُدَّة غدر لَهُ فِي أَثْنَائِهَا حصن مولة فَاسْتعْمل عَلَيْهِ ابْن
رَشِيق وَترك مَعَه جملَة من الْخَيل وَصدر إِلَى إشبيلية وَقد برّح بمرسية تكرّر الْحصار وَانْقِطَاع الْموَاد بانخزال مولة عَنْهَا
وَمَا زَالَ ابْن رَشِيق يغاديها ويراوحها بالغارات ويداخل أَهلهَا فِي الْقيام على ابْن طَاهِر ويمنيهم الحظوة حَتَّى لَان قيادهم وصرحوا لَهُ بالانحياز ووصلت كتبهمْ على يَدَيْهِ إِلَى ابْن عمار وَهُوَ بإشبيلية قَالَ ابْن قَاسم وَلَقَد شهِدت ابْن عمار فِي الْقصر بإشبيلية يقْرَأ هَذِه الْكتب وَكَانَت أَزِيد من عشْرين فَلَمَّا استوفاها قَالَ لنا كأنكم بِفَتْح مرسية من غَد إِلَى بعد غَد فَكَانَ كَذَلِك
وَلما تمّ لأهل مرسية تدبيرهم مَعَ ابْن رَشِيق تحرّك من مولة نحوهم على وَقت معِين فَلَمَّا وصل إِلَى ظَاهرهَا صرخوا بدعوة ابْن عبّاد وفتحوا أَبْوَابهَا لذَلِك الميعاد فَدخل ابْن رَشِيق فِي أنصاره بشعاره وَأخرج ابْن طَاهِر من دَاره إِلَى السجْن وَكتب من قصر مرسية وَقد تَملكهَا وَأخذ لِابْنِ عباد بيعَة أَهلهَا
وَحكى غَيره أَن ابْن طَاهِر لما قبض عَلَيْهِ اعتقل بحصن منت أقوط إِلَى أَن ورد كتاب الْمُعْتَمد بتسريحه فلحق بِأبي بكر بن عبد الْعَزِيز ببلنسيّة لسعيه فِي ذَلِك وشفاعته فِيهِ وَقد قيل إِن ابْن طَاهِر هرب من معتقله بإعانة ابْن عبد الْعَزِيز وتنبيهه على الْوُجُوه الميسّرة لخلاصه
قَالَ ابْن بسام فِي كتاب الذَّخِيرَة من تأليفه وَمد لأبي عبد الرَّحْمَن بن طَاهِر هَذَا فِي الْبَقَاء حَتَّى تجَاوز مصَارِع جمَاعَة الرؤساء وَشهد محنة الْمُسلمين ببلنسية على يَدي الطاغية الَّذِي كَانَ يدعى الكنبيطور وَحصل لَدَيْهِ أَسِيرًا سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ يَعْنِي وَأَرْبَعمِائَة كَذَا قَالَ ابْن بسام وَإِنَّمَا دخل الكنبيطور بلنسية سنة سبع وَثَمَانِينَ
وَتُوفِّي أَبُو عبد الرَّحْمَن ببلنسية وَصلى عَلَيْهِ بقبلة الْمَسْجِد الْجَامِع مِنْهَا إِثْر صَلَاة الْعَصْر من يَوْم الْأَرْبَعَاء الرَّابِع وَالْعِشْرين من جُمَادَى الْأَخِيرَة سنة ثَمَان وَخَمْسمِائة ثمَّ سير بِهِ إِلَى مرسية وَدفن بهَا وَقد نَيف على الثَّمَانِينَ
وعَلى مَكَانَهُ من البراعة والبلاغة فِي الرسائل فَلم أَقف لَهُ على شعر سوى قَوْله فِي مقتل الْقَادِر يحيى بن إِسْمَاعِيل بن الْمَأْمُون يحيى بن ذِي النُّون على يَدي أبي أَحْمد جَعْفَر بن عبد الله بن جحاف الْمعَافِرِي عِنْد انتزائه ببلنسية وانتقاله من خطة الْقَضَاء إِلَى خطة الرِّئَاسَة وَكَانَ أخيف
أَيهَا الأخيف مهلافَلَقَد جِئْت عويصا
إِذْ قتلت الْملك يحيىوتقمّصت القميصا
رب يَوْم فِيهِ تجزىلم تَجِد عَنهُ محيصا
فَقضى الله أَن تسلط عَلَيْهِ الطاغية الكنبيطور بعد أَن أَمنه فِي نَفسه وَمَاله عِنْد دُخُوله بلنسية صلحا وَتَركه على الْقَضَاء نَحوا من عَام ثمَّ اعتقله وَأهل بَيته وقرابته وَجعل يطلبهم بِمَال الْقَادِر بن ذِي النُّون وَلم يزل يسْتَخْرج مَا عِنْدهم بِالضَّرْبِ والإهانة وغليظ الْعَذَاب ثمَّ أَمر بإضرام نَار عَظِيمَة كَانَت تلفح الْوُجُوه على مَسَافَة بعيدَة وجىء بِالْقَاضِي أبي أَحْمد يُوسُف فِي قيوده وَأَهله وَبَنوهُ حوله فَأمر بإحراقهم جَمِيعًا فَضَجَّ الْمُسلمُونَ وَالروم وَقد اجْتَمعُوا وَرَغبُوا فِي ترك الْأَطْفَال والعيال فأسعفهم بعد جهد شَدِيد
واحتفر للْقَاضِي حُفْرَة وَذَلِكَ بولجة بلنسية وَأدْخل فِيهَا إِلَى حجزته وسوّى التُّرَاب حوله وضمت النَّار نَحوه
فَلَمَّا دنت مِنْهُ ولفحت وَجهه قَالَ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَقبض على أقباسها وَضمّهَا إِلَى جسده يستعجل الْمنية فَاحْتَرَقَ ﵀ وَذَلِكَ فِي جُمَادَى الأولى سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَيَوْم الْخَمِيس منسلخ جُمَادَى الأولى من السّنة قبلهَا كَانَ دُخُول الكنبيطور الْمَذْكُور بلنسية
ثمَّ ملكهَا الرّوم ثَانِيَة بعد أَن حاصرها الطاغية جاقم البرشلوني من يَوْم الْخَمِيس الْخَامِس من شهر رَمَضَان سنة خمس وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة إِلَى يَوْم الثُّلَاثَاء السَّابِع عشر من صفر سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَفِي هَذَا الْيَوْم خرج أَبُو جميل زيان ابْن مدافع بن يُوسُف بن سعد الجذامي من الْمَدِينَة وَهُوَ يَوْمئِذٍ أميرها فِي أهل بَيته ووجوه الطّلبَة والجند وَأَقْبل الطاغية وَقد تزيّي بِأَحْسَن زِيّ فِي عُظَمَاء قومه من حَيْثُ نزل بالرصافة أول هَذِه المنازلة فتلاقيا بالولجة واتفقا على أَن يتسلم الطاغية الْبَلَد سلما لعشرين يَوْمًا ينْتَقل أَهله أثناءها بِأَمْوَالِهِمْ وأسبابهم
وَحَضَرت ذَلِك كُله وتوليت العقد عَن أبي جميل فِي ذَلِك وابتدئ بضعفة النَّاس وسيّروا فِي الْبَحْر إِلَى نواحي دانية واتصل انْتِقَال سَائِرهمْ برّاً وبحراً
وصبيحة يَوْم الْجُمُعَة السَّابِع وَالْعِشْرين من صفر الْمَذْكُور كَانَ خُرُوج أبي جميل بأَهْله من الْقصر فِي طَائِفَة يسيرَة أَقَامَت مَعَه وَعند ذَلِك استولى عَلَيْهَا الرّوم أحانهم الله
أَحْمد بن رَشِيق الْكَاتِب أَبُو الْعَبَّاس
كَانَ أَبوهُ من موَالِي بني شَهِيد وَنَشَأ بمرسية وانتقل إِلَى قرطبة وَطلب الْأَدَب فبرز فِيهِ وبسق فِي صناعَة الرسائل مَعَ حسن الْخط الْمُتَّفق على نهايته
وشارك فِي سَائِر الْعُلُوم وَمَال إِلَى الْفِقْه والْحَدِيث وَبلغ من رياسة الدُّنْيَا أرفع
منزلَة وَقدمه الْأَمِير أَبُو الْجَيْش مُجَاهِد بن عبد الله العامري على كل من فِي دولته وولاة جَزِيرَة ميورقة فَكَانَ ينظر فِيهَا نظر الْعدْل والسياسة ويشتغل بالفقه والْحَدِيث وَيجمع الْعلمَاء وَالصَّالِحِينَ ويؤثرهم وَيصْلح الْأُمُور جهده
وَهُوَ آوى الْفَقِيه أَبَا مُحَمَّد بن حزم حِين نعى عَلَيْهِ بقرطبة وَغَيرهَا خلَافَة مَذْهَب مَالك وَبَين يَدَيْهِ تناظر هُوَ وَالْقَاضِي أَبُو الْوَلِيد الْبَاجِيّ
قَالَ الْحميدِي فِي تَارِيخه وَأكْثر خَبره عَنهُ مَا رَأينَا من أهل الرِّئَاسَة من يجْرِي مجْرَاه مَعَ هَيْبَة مفرطة وتواضع وحلم عرف بِهِ مَعَ الْقُدْرَة وَله رسائل مَجْمُوعَة متداولة
وَذكر أَنه مَاتَ بعيد الْأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة عَن سنّ عالية وَهُوَ الْقَائِل يُرَاجع أَبَا الْحسن ابْن سَيّده الضَّرِير معتذراً عَن صلَة وَجه بهَا إِلَيْهِ من ميورقة وَكَانَ قد كتب إِلَيْهِ من دانية يستمنحه
أدأب دهري وَلَو تطاول ليفِي حطّ ثقل من الغرامة بِي
أحدثه لي تصاون وَهوىفِي عفة من دميم مكتسب
فَمن رَآنِي وظاهري لغنىفباطني قلَّة على رتب
أسْتَغْفر الله بل لَهُ نعموَهِي بذنبي إِلَيْهِ لم تجب
النص من طبعة دار المعارف بالقاهرة (١٩٨٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع