من «الحلة السيراء» لابن الأبار (ت ٦٥٨هـ)
الْمِائَة السَّادِسَة
الصفحة ١ من ٢
يحيى بن تَمِيم بن الْمعز الصنهاجي أَبُو عَليّ
أَمِير إفريقية ملك بعد أَبِيه تَمِيم فِي منتصف رَجَب سنة إِحْدَى وَخَمْسمِائة وَتُوفِّي ثَانِي عيد الْفطر سنة سبع وَخَمْسمِائة وتخلف من الْوَلَد الذُّكُور نيفاً وَثَلَاثِينَ
وَلم يطلّ أمد ولَايَته
استغرقت عمره إِمَارَة أَبِيه فَلم يَرث سُلْطَانه إِلَّا وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَأَرْبَعين وَسَبْعَة أشهر إِلَّا أَيَّامًا
مولده بالمهدية لأَرْبَع بَقينَ من ذِي الْقعدَة سنة سبع وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة وبرز للنَّاس رَاكِبًا ثمَّ عَاد إِلَى قصره فَخلع على وزرائه خلعاً نفيسة ووهب للأجناد وَالْعَبِيد أَمْوَالًا جمة وَمِمَّا أنْشد فِي ذَلِك الْيَوْم
سقى الْغَيْث قبراً ضم أكْرم مَفْقُوديعزّي بِهِ فِي النَّاس أفضل مَوْجُود
مضى فائزاً بالخلد أفضل وَالِدوشرّف هَذَا الْملك أشرف مَوْلُود
وأحياه يحيى من ردى كل ملحدوولّى تَمِيم عَنهُ أكْرم ملحود
فقد طابت الدُّنْيَا بِأَعْلَى مؤيّدكَمَا فازت الْأُخْرَى بأكرم موءود
أرى النشأة الأولى أُعِيدَت فَأَقْبَلتبِملك سُلَيْمَان وفقدان دَاوُود
وليحيى هَذَا شعر ضَعِيف مِنْهُ قَوْله
أَلا يَا مُنْتَهى طربىوَمن لم يعدها أربي
إِذا مَا كنت حَاضِرَةشربت الراح بالنّخب
وَمهما غبت عَن بَصرِيفواحزني وواحربي
فجودي بالوصال علىشرِيف الْقدر والحسب
وسقّيه معتّقةلَهَا تَاج من الحبب
مليك ملّكت كَفاهُرقّ الْعَجم وَالْعرب
وَله
أَلا حبذا يَوْمنَا بالحمىوَقد قَارن الْقَمَر المُشْتَرِي
وَجَاء الحبيب إِلَى منزليبرياّ القرنفل والعنبر
وغنت لنا قينة حلوةبنظم من الشّعْر كالجوهر
إِذا كَانَ حبي حذا ناظريشربت المدام وَلم أسكر
قَالَ أَبُو الصَّلْت وَكُنَّا بَين يَدَيْهِ فِي يَوْم من شعْبَان شَدِيد الْبرد فَقَالَ بديهاً
أما ترى القرّ قد وافت عساكرهفادفعه منتصراً بالفرو والشّرر
وقهوة عتّقت فِي الدّنّ صَافِيَةيصفو بهَا عَيْش حاسيها من الكدر
وَقَالَ لي ولبعض كِتَابه أجيزا فعملنا على جِهَة الِاشْتِرَاك وجلّه لِلْكَاتِبِ
يَا من حلاه جمال الْكتب والسّيروَمن ندى يَده مغن عَن الْمَطَر
ذعرت عبديك لما قلت مرتجلاضربا من الشّعْر يعيي أشعر الْبشر
أما ترى القرّ قد وافت عساكره الْبَيْت وَالَّذِي بعده
فطاوعاك وَقَالا تابعين وَمنيجار سحبان لَا يَأْمَن من الْحصْر
تسْعَى عَلَيْك بهَا هيفاء ناعمةتسبي الْعُقُول بِحسن الدّلّ والحور
كَأَن غرتها الغراء شمس ضحىتبدو لعينك فِي ليل من الشّعر
رشيد الدولة أَبُو يحيى مُحَمَّد بن عز الدولة أبي مَرْوَان عبيد الله بن المعتصم مُحَمَّد بن معن بن صمادح
ذكره أَبُو عَامر السالمي فِي تَارِيخه وَقَالَ نَشأ بعد انْقِرَاض ملكهم فكلف بالآداب وبرز فِيهَا ثمَّ تاق إِلَى الرِّئَاسَة فقيّد فَمن قَوْله فِي السجْن
أحبّتنا الْكِرَام بغوا عليناوبغى الْمَرْء معطبة ونار
وَقَالُوا الهجر لمّا يعلموهوهجر القَوْل منقصة وعار
صبرت على مقارعة الدَّوَاهِيوطبع الحرّ صَبر وائتجار
وَقلت لَعَلَّهَا ظلم ألمّتوَحَال اللَّيْل آخرهَا النَّهَار
فَإِن يكن الردى يكن اصطباروَإِن تكن المنى يكن اغتفار
وَله فِي ذَلِك
صبرا على نائبات الدَّهْر إنّ لَهُيَوْمًا كَمَا فتك الإصباح بالظّلم
إِن كنت تعلم أَن الله مقتدرفثق بِهِ تلق روح الله من أُمَم
وقلما صَبر الْإِنْسَان محتسباًإِلَّا وَأصْبح فِي فضفاضة النّعم
وَذكر أَبُو عَليّ بن الأشيري أَنه كَانَ مَعَ أبي يحيى هَذَا وعمّه رفيع الدولة بن المعتصم بداخل تلمسان فِي حصارها سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة وتاشفين ابْن عَليّ بن يُوسُف بن تاشفين فِي ذَلِك الْوَقْت بظاهرها فِي محلاته وجموعه قَالَ فورد على الْمُوَحِّدين أعزهم لله فتح ضربوا لَهُ طبولهم
فَقَالَ رفيع الدولة وَكَانَ مسناًّ لِابْنِ أَخِيه أبي يحيى لَوْلَا كبر سني وضعفي لَكُنْت عِنْدهم حرصاً عَلَيْهِم ونظراً لنَفْسي فَقَالَ أَبُو يحيى تعال نقل شعرًا نجعله عدّة فَقَالَ رفيع الدولة وَكَانَ ذَا بديهة
لعبد الْمُؤمن الْملكيَدُور السعد فِي الْفلك
فَقَالَ أَبُو يحيى
همام نور غرّتهكضوء الْبَدْر فِي الحلك
فَقَالَ ابْن الأشيري
فيمّمه تَجِد ملكاعَلَيْهِ سكينَة الْملك
وَلَا تجزع فَلَيْسَ لَهُعلى القصاد من دَرك
قَالَ وشاعت هَذِه الأبيات وَإِلَى تلمسان وَبَلغت أَبَا بكر بن مزدلي فخاف قائلوها وَكَانَ رفيع الدولة إِذْ ذَاك مقدّماً على بُنيان سور الرّبص مِنْهَا بحيلة قَالَ ابْن الأشيري وَكنت أرى فِي النّوم من يَقُول
... بِهِ ... سفر فارغة فَذكرت ذَلِك لأبي يحيى بن صمادج ... من خصّه بِالنعَم السابغة ... فَجرى الْقدر بذلك ... فيسير والربرتير هَذَا علج لبني تاشفين من كبار قوادهم وأبطال رِجَالهمْ كَانَت لَهُ
فِي الحروب مقاوم شهيرة وَكَانَ مقتل تاشفين لَيْلَة سبع وَعشْرين من شهر رَمَضَان من سنة تسع وَثَلَاثِينَ الْمَذْكُورَة
وجّه ابْنه إِبْرَاهِيم وليّ عَهده إِلَى مراكش خوفًا عَلَيْهَا فِي شعْبَان وَسَار كَاتبا مَعَه أَبُو جَعْفَر بن عَطِيَّة وَاسْتقر هُوَ
بوهران ولجأ إِلَى حصن شرع فِي بُنْيَانه فِي تِلْكَ الْأَيَّام
فقصده الموحدون وأضرموا النَّار حوله فَلَمَّا رأى ذَلِك ودع أَصْحَابه لَيْلًا واقتحم وَالنَّار محتدمة بَاب الْحصن فَوجدَ من الْغَد مَيتا لَا أثر فِيهِ لضربة وَلَا طعنة
وَيُقَال إِن فرسه صرعه وسيق فصلب
وَقَالَ غير ابْن الأشيري كَانَ مهلك تاشفين بِخَارِج مَدِينَة وهران تردى بِهِ فرسه فِي الْبَحْر فَهَلَك وتكسّرا جَمِيعًا وَكَانَ قصد الرّباط بِخَارِج وهران على الْبَحْر فِي قِطْعَة من أَصْحَابه ليقوم بِهِ لَيْلَة سبع وَعشْرين من رَمَضَان الْمَذْكُور فنبّه عَلَيْهِ الموحدون أعزهم الله فطرقوهم لَيْلًا فِي جمع وافر وَأَحْدَقُوا بالرّباط وَفِيهِمْ أَمِير الْأُمَرَاء والمخصوص بنصر الْأَوْلَوِيَّة ونجح الآراء الشَّيْخ الْمُعظم الْمُجَاهِد الْمُقَدّس المرحوم أَبُو حَفْص عمر بن يحيى رضوَان الله عَلَيْهِ وراث الممالك ومورثها ومطفئ نَار الْفِتَن والتجسيم مؤرّثها الَّذِي كَانَت الْفتُوح تنثال عَلَيْهِ وتتلاقي لَدَيْهِ وكتائب النَّصْر والرعب تسير خَلفه وَبَين يَدَيْهِ
فَلَمَّا علم تاشفين بهم ركب وَخرج هُوَ وَأَصْحَابه مستميتين فَوَقع تاشفين على من يَلِيهِ
من محاربيه وَظن الأَرْض مُتَّصِلَة فهوى بِهِ فرسه وتمزق بِأَسْفَل المهوى وَانْهَزَمَ عسكره
وَذَلِكَ بعد مكنه فِي الْحَرْب خَمْسَة أَعْوَام إِلَّا أشهراً ثَلَاثَة مَا آوى إِلَى بلد وَلَا عرّج على أهل وَلَا ولد وَمن يحارب أَمر الله محروب
واتصل مَقْتَله بِابْن أَخِيه يحيى بن أبي بكر بن عَليّ بن يُوسُف وَهُوَ الْمَعْرُوف بِابْن الصّحراوية وَكَانَ بتلمسان فَخرج مِنْهَا فِي أَصْحَابه وأسلمها
وَخرج أَبُو يحيى بن صمادح وَابْن الأشيري مُهَاجِرين فَقبلا
وَلأبي يحيى مِنْهُمَا قصائد مطولات فِي مدح الْأَمر العالي
وَفِي هَذَا الْخَبَر أَن ابْن الصحراوية كَانَ بتلمسان وَقد تقدم عَن ابْن الأشيري أَن أَبَا بكر بن مزدلي كَانَ والياً عَلَيْهَا فِي هَذِه السّنة الْمَذْكُورَة فَلَعَلَّهُ ولى بعده أَو كَانَ مدَدا لَهُ فِي تِلْكَ الْمدَّة
أَحْمد بن الْحُسَيْن بن قسيّ أَبُو الْقَاسِم
أول الثائرين بالأندلس عِنْد اختلال دولة الملثمين وَهُوَ رومي الأَصْل من بادية شلب
نَشأ مشتغلاً بِالْأَعْمَالِ المخزنية ثمَّ تزهد بِزَعْمِهِ وَبَاعَ مَاله وَتصدق بِثمنِهِ وساح فِي الْبِلَاد
وَلَقي أَبَا الْعَبَّاس بن العريف بالمرية قبل إشخاصه إِلَى مراكش ثمَّ انْصَرف إِلَى قريته
وَأَقْبل على قِرَاءَة كتب أبي حَامِد الْغَزالِيّ فِي الظَّاهِر وَهُوَ يستجلب أهل هَذَا الشَّأْن محرضاً على الْفِتْنَة وداعياً إِلَى الثورة فِي الْبَاطِن
ثمَّ ادّعى الْهِدَايَة مخرقة وتمويهاً على الْعَامَّة وَتسَمى بِالْإِمَامِ وَطلب فاستخفى وَقبض على طَائِفَة من أَصْحَابه فأزعجوا إِلَى إشبيلية
وَلما دخلت سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة أَشَارَ من مَوضِع استخفائه على أَصْحَابه المريدين أَن يَسِيرُوا مَعَ مُحَمَّد بن يحيى الشّلطيشي الْمَعْرُوف بِابْن الْقَابِلَة وَكَانَ يُسَمِّيه بالمصطفى لاختصاصه الْكُلِّي بكتابته واطلاعه على أُمُوره ثمَّ قَتله بعد ذَلِك وَأمرهمْ أَن يغدروا قلعة ميرتلة وَهِي إِحْدَى القلاع المنيعة بغرب الأندلس فِي وَقت رسمه لَهُم من هَذِه السّنة القارضة ملك اللمتونيين بمقتل تاشفين أَمِيرهمْ فِي رَمَضَان مِنْهَا
فكمنوا فمكنوا بالرّبض وهم نَحْو من سبعين رجلا وتغلبوا عَلَيْهَا سحر لَيْلَة الْخَمِيس الثَّانِي عشر من صفر مِنْهَا بعد أَن قتلوا بوّاب القلعة وأعلنوا بدعوة ابْن قسيّ وَأَقَامُوا على ذَلِك إِلَى أَن وصلهم فِي غرَّة شهر ربيع الأول فِي جمع وافر من المريدين شعارهم التهليل وَالتَّكْبِير فَصَعدَ إِلَى قصبتها واحتل بقصرها وَشرع فِي مُخَاطبَة أَعْيَان الْبِلَاد مخبّباً وللفتنة محزباً فَاسْتَجَاب لَهُ كثير مِنْهُم وأولهم أهل يابرة
ثمَّ أهل شلب واتسع على المرابطين خرق لم يرفعوه وهجم عَلَيْهِم حَادث طالما توقعوه
وآلت الْحَال بِابْن قسيّ إِلَى أَن خلع بميرتلة ثمَّ أُعِيد وَمِنْهَا هَاجر إِلَى الْمُوَحِّدين أعزهم الله فَقدم عَلَيْهِم بسلا متبرئاً من دعاويه وتائباً مِمَّا أسلفه من مساويه فِي ربيع الآخر سنة أَرْبَعِينَ ثمَّ انْصَرف فِي الْمحرم سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين صُحْبَة الْجَيْش الَّذِي افْتتح جَزِيرَة طريف ثمَّ الجزيرة الخضراء
وَلما فتحت شلب ترك ابْن قسيّ عَلَيْهَا والياً وَمِنْهَا كَانَ قدومه فِي شهر رَمَضَان من السّنة مهنئاً بِفَتْح إشبيلية وَكَانَ فتحهَا يَوْم الْأَرْبَعَاء الثَّالِث عشر من شعْبَان
وَبعد عوده إِلَى شلب ظهر مِنْهُ غير مَا فورق عَلَيْهِ إِلَى أَن صرّح بِالْخِلَافِ وداخل الطاغية ابْن الرّيق صَاحب قلنبرية فِي إعانته وإمداده فأظهر إجَابَته إِلَى مُرَاده وَبعث إِلَيْهِ بفرس وَسلَاح فَأنْكر ذَلِك أهل شلب وفتكوا بِهِ فِي قصر الشّراجب مِنْهَا مَوضِع سكناهُ فِي قصَّة طَوِيلَة ونصبوا مَكَانَهُ ابْن الْمُنْذر الْأَعْمَى معلنين بدعوة الْمُوَحِّدين وَذَلِكَ فِي جُمَادَى الأولى من سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة وَمن شعر ابْن قسيّ بَين يَدي ثورته
إِذا صفر الأصفار جَاءَ فَإِنَّمَايَجِيء بِأَمْر لَا يمرّ وَلَا يحلي
وشهرا ربيع فيهمَا كلّ آيَةوَعند جُمَادَى يَنْقَضِي أمد الخبل
وَله
وَمَا تدفع الْأَبْطَال بالوعظ عَن حمىوَلَا الْحَرْب تطفي بالرّقي والتمائم
وَلَكِن ببيض مرهفات وذبلمواردها مَاء الطّلي والغلاصم
وَلَا صلح حَتَّى نطعن الْخَيل بالقناونضرب بالبيض الرّقاق الصوارم
وَنحن أنَاس قد حمتنا سُيُوفنَاعَن الظُّلم لما جرم بالمظالم
وَكَانَ أَبُو عمر أَحْمد بن عبد الله بن حربون الشلبي من كتّابه وَفِيه يَقُول
اهرب إِلَى الله وابرأمن أَحْمد بن قسيّ
أَو فاتخذه إِمَامًاواكفر بِكُل نبيّ
وَكتب إِلَيْهِ يمدحه
لم أر جوداً لمستماحعلّمني صَنْعَة امتداح
قد خلق الله راحتيهمن طِينَة الْبَأْس والسماح
ألْقى على الْجُود نور بشرفجَاء كالغيث فِي الصَّباح
راش إِمَام الْهدى جناحيوَلَيْسَ فِي الْحق من جنَاح
أريتني الْيَوْم كَيفَ أوريوَكنت أصلدت فِي اقتداحي
تبَارك الله أيّ جدّأفرغ فِي قالب المزاح
فَقَالَ ابْن قسيّ يجِيبه
جددت جداًّ بِلَا مزاحورضت مُعْتَادَة الجماح
حليته من نتاج فكرحوليّه ثقفة القداح
دهماء قد لطمت بلَيْلوخوضت لجة الصَّباح
إِن سوبقت بالرياح جَاءَتبلقاء فِي مقدم الرِّيَاح
أَهْدَيْتهَا وَالزَّمَان بادصَلَاحه لِذَوي الصّلاح
فَكَانَت الزّهر لانتساموَكَانَت الزّهر لالتماح
فَأَقْبَلت بِي على اغتباقلَيْلًا وَيَوْما على اصطباح
وَكنت أعتدّ أنّ رُمْحِيفِي الطعْن من أثقف الرماح
حَتَّى طلعتم لَدَى عجاجكالليل غشّى من النواحي
فَمن لموح من العواليوَمن لموع من الصّفاح
فثم كسّرت من صعاديوَثمّ ألقيت بِالسِّلَاحِ
وَبعد يَا من أعَار خلقيحلى من أخلاقه السّماح
فها أَنا الْيَوْم فِي بساطيهزل وجدّ من امتداح
أعطي إِلَى الْجد صفح رسمبَاقٍ وللهزل صفح ماح
فأعقب المزح حَال جدّوالجدّ أولى من المزاح
مُحَمَّد بن عمر بن الْمُنْذر أَبُو الْوَلِيد
أحد أَعْيَان شلب ونبهائها من بَيت قديم فِي المولّدين وَكَانَ من أحسن النَّاس وَجها ولازم التَّعَلُّم بإشبيلية فِي صغره حَتَّى تميز بالمعارف الأدبية والفقهية
وَولى خطة الشورى بِبَلَدِهِ ثمَّ تزهد وانزوى ورابط على سَاحل الْبَحْر فِي
رِبَاط الرّيحانة وَتصدق بِمَالِه وَصَاحب أَحْمد بن قسيّ الدّعي وامتحن من أَجله ثمَّ خلص من ذَلِك واتّبعه عِنْد ثورته وَقَامَ فِي بَلَده بدعوته مستعيناً على ذَلِك بِأبي مُحَمَّد سيدراي بن وَزِير الثائر بيابرة قبله وَكَانَت بَينهمَا قيل صُحْبَة وصداقة ثمَّ سَار إِلَى حصن مرجيق من أَعمال شلب وَقد ضَبطه الملثمون فتغلب عَلَيْهِم وقتلهم
وسرى خبرهم إِلَى من كَانَ مِنْهُم بباجة فطلبوا من أَهلهَا تأمينهم على أَن يلْحقُوا بإشبيلية وإثرخروجهم مِنْهَا دَخلهَا ابْن الْمُنْذر فِي الْعَسْكَر الَّذِي أمده بِهِ ابْن وَزِير وَعَلِيهِ أَخُوهُ أَحْمد وخاله عبد الله بن عَليّ بن الصّميل ثمَّ قدم هُوَ وَأَبُو مُحَمَّد بن وَزِير على ابْن قسيّ فِي أول شهر ربيع الآخر من سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة وَقد اسْتَقر بقلعة مبرتلة قبل ذَلِك بِشَهْر فسلما عَلَيْهِ بالإمارة وأذعنا لَهُ بِالطَّاعَةِ فَأقر ابْن وَزِير على باجة وَمَا والاها أَمِيرا وَابْن الْمُنْذر على شلب وَمَا والاها كَذَلِك
ثمَّ انْصَرف ابْن وَزِير وتلوّم ابْن الْمُنْذر بميرتلة أَيَّامًا وَقد أبدى مُنَافَسَة ابْن وَزِير وحسادته ثمَّ لحق بِبَلَدِهِ حَتَّى إِذا اجْتمع عَسْكَر أكشونبة
إِلَى من عِنْده من الشّلبيين وَأَصْحَابه المريدين قدم على ابْن قسيّ ثَانِيَة يظْهر الْجد فِي نصرته وَالْعَمَل على نشر دَعوته فسرّ بمقدمه وجدد لَهُ عَهده على مَا بِيَدِهِ وسّماه الْعَزِيز بِاللَّه ثمَّ عبر وَادي آنة مُتَقَدما فِي جمعه إِلَى ولبة فَدَخلَهَا وامتد مِنْهَا إِلَى لبلة فقاتلها حَتَّى ملكهَا بمعاونة يُوسُف بن أَحْمد البطروجي أحد مَرَدَة الثوار من هَؤُلَاءِ المريدين وَأنزل من تمنع فِي بروجها من الملثمين
وطمح بِهِ الاغترار إِلَى إشبيلية وَقد نمى إِلَيْهِ أَنَّهَا حِينَئِذٍ دون أَمِير يضبطها فَتحَرك من لبلة نَحْوهَا وَدخل حصن الْقصر وطلياطة من أَعمال شرفها وَقد كثف جمعه وَكثر حشده فَانْتهى إِلَى الْحصن الزَّاهِر ودخله
وبظاهر اطريانة انْكَشَفَ أَصْحَابه أَمَام طَائِفَة من جَيش أبي زَكَرِيَّاء يحيى بن عَليّ بن غانية
وَكَانَ لما بلغه أَمر لبلة وبلاد الغرب قد بَادر من قرطبة بِالْخرُوجِ لغزو أَهلهَا فَوَافى إشبيلية وَابْن الْمُنْذر يعيث فِي نَوَاحِيهَا فعيّن من أَصْحَابه لاتّباعهم وعبور الْوَادي نحوهم من هَزَمَهُمْ وطردهم وَقتل عدد وافر مِنْهُم فَأسْرى ابْن الْمُنْذر لَيْلَة إِلَى لبلة وَأقَام بهَا يَوْمَيْنِ يحصنها ثمَّ لحق بشلب وَترك يُوسُف البطروجي بهَا فنازله ابْن غانية فِي جيوشه ثَلَاثَة أشهر وَذَلِكَ فِي كلب الشتَاء وحدّته إِلَى أَن بلغه قيام ابْن حمدين بقرطبة فَانْصَرف عَنْهَا إِلَى إشبيلية وَقد تغير على النَّاس وَاشْتَدَّ حذره مِنْهُم فجرت لَهُ مَعَهم وَلَهُم مَعَه قصَص طَوِيلَة
وَلما سمع ابْن قسيّ بِقِيَام ابْن حمدين أَمر ابْن الْمُنْذر هَذَا أَن يعسكر ويسير هُوَ وَمُحَمّد بن يحيى الْمَعْرُوف بِابْن الْقَابِلَة كَاتب ابْن قسيّ وَصَاحبه إِلَى قرطبة طَمَعا فِي دُخُولهَا وخاطب مَعَهُمَا أَهلهَا يرغبهم فِي أمره ويحرضهم على الْقيام بدعوته وَكَانَ بالرّبض الشَّرْقِي من لَهُ حرص عَلَيْهِ ورغبة فِيهِ كَأبي الْحسن ابْن مُؤمن وَغَيره فَتحَرك ابْن الْمُنْذر وَصَاحبه بعسكر شلب ولبلة فوجدوا أَحْمد بن عبد الْملك بن هود سيف الدولة قد جَاءَ بِهِ أهل قرطبة من بعض ثغورها الْمُجَاورَة لَهَا وملكوها عَلَيْهِم وطردوا ابْن حمدين فانحاز إِلَى الْحصن
الْمَعْرُوف بفرنجولش وَمِنْهَا أعادته الْعَامَّة لما قَامَت على ابْن هود وَقتلت وزيره ابْن شمّاخ وفر هُوَ بعد اثْنَي عشر يَوْمًا من دُخُولهَا وَلم يعد إِلَيْهَا بعد
وَانْصَرف أَصْحَاب ابْن قسيّ خائبين وَبعد وصولهم إِلَيْهِ استدعى أَبَا مُحَمَّد سيدراي بن وَزِير للاجتماع بِهِ فتوقف وارتاب لما كَانَ من قَبضه عَلَيْهِ بقصبة مبرتلة وخلعه ثمَّ صرفه إِلَى حَاله أثْنَاء مغيب ابْن الْمُنْذر فِي قصد إشبيلية
وَلما يئس مِنْهُ ابْن قسيّ أَمر ابْن الْمُنْذر بمحاربته فَهَزَمَهُ ابْن وَزِير وَقبض عَلَيْهِ واعتقله بِمَدِينَة باجة ثمَّ تذكر يَوْمًا خَاله وَقد صَارَت إِلَيْهِ بطليوس وأعمالها إِلَى مَا كَانَ بِيَدِهِ من بِلَاد الغرب فَأمر خَاله عبد الله بن الصّميل الْمَذْكُور قبل بِأَن يسير إِلَى باجة ويستخرج ابْن الْمُنْذر من سجنه ويسمل عَيْنَيْهِ فَفعل ذَلِك وَأقَام فِي معتقله إِلَى أَن فتح الموحدون أعزهم الله باجة وَسَائِر بِلَاد الغرب فأنقذه الله على أَيْديهم وَعَاد إِلَى شلب
وَكَانَ يُجَالس ابْن قسيّ فِي ولَايَته عَلَيْهَا من قبل الْمُوَحِّدين إِلَى أَن خلع دعوتهم وانسلخ من طاعتهم وداخل النَّصَارَى فاستراح ابْن الْمُنْذر إِلَى وُجُوه بَلَده بِمَا كَانَ عِنْده من بَاطِن أُمُوره ودبر مَعَهم وَهُوَ ذَاهِب الْبَصَر قَتله فتم ذَلِك كَمَا تقدم ذكره وَخَلفه فِي ولَايَته قَائِما بالدعوة المهدية خلّدها الله وَذَلِكَ فِي جمادي الأولى سنة سِتّ وَأَرْبَعين مخيف مِنْهُ أَن يثور ثَالِثَة فَنقل إِلَى إشبيلية بعد أَن خلعه ابْن وَزِير وَملك شلب دونه فِي خبر ذكره ابْن صَاحب
الصَّلَاة فِي كتاب ثورة المريدين من تأليفه وَبعد ذَلِك أجَاز الْبَحْر إِلَى سلا فَتوفي بهَا سنة ثَمَان وَخَمْسمِائة
وَمن شعره يُخَاطب ابْنَته وَتوفيت بعد خلعه وسمل عَيْنَيْهِ
أواحدتي قد كنت أرجوك خلفةلعينيّ أختيك اللَّتَيْنِ سبا الدَّهْر
رضيت بِحكم الله فِيمَا أصابنيإِذا لم يكن يسر فيا حبذا الْعسر
وَله وَبعث بِهِ إِلَى أبي بكر بن المنخّل فِي نكبته وَكَانَ قد استوزره فِي ولَايَته
يَا واحدي من ذَا الورى بولاتهووحيدهم إِن ناظروا بذكائه
أما الْكَلَام فقد ملكت زَمَانهنوعا فنوعاً فَانْفَرد بلوائه
إِن شِئْت فانظم درّ لفظ رائقيحْكى حمام الأيك حَال غنائه
أَو شِئْت فانثر من كلامك جوهراًتغلو بِهِ الأرباح عِنْد شِرَائِهِ
يَا طَالبا علم الْكَلَام تحققاًأبشر فقد أَدْرَكته بلقائه
إِن كنت تبغي كشف غامضه فقدأنجحت فَانْزِل وارتبط بفنائه
واسمع إِذا ألقِي إِلَيْك معلماوالقن هديت الحقّ من إلقائه
من كَانَ يرتاد الشِّفَاء لنَفسِهِفلديه مِنْهُ مَا يَفِي بشفائه
مَا إِن يناظر حائراً فِي دينهإِلَّا اهْتَدَى وشفاه من أدوائه
وَإِذا تخطّ يَمِينه فِي مهرقأهْدى لنا الْحسنى بِحسن رُوَائِهِ
إبه أَبَا بكر وماذا من أَخناديت غَيْرك لم يجب لندائه
عثرت بِي الدُّنْيَا فَأصْبح معرضًاعني كَأبي لم أدن بإخائه
ومنحته ودي وصنت إخاءهمن نائبات الدَّهْر حَال بلائه
ورعيت ظهر الْغَيْب حقّ جوارهوحفظته من خَلفه وورائه
فَعدا عليّ وَلم أظنّ ببغيهوَأَنا بِحَال من أَمَان عدائه
لَو أنني مِمَّن تسوء ظنونهمَا نالني مَا نَالَ من تلقائه
مَا سَاءَ فعلي مرّة فيسوء بِيظنّ بِمن قدمتّ لي بولائه
فَأَجَابَهُ بقصيدة مِنْهَا
يَا ملبسي النّعمى بِحسن ثنائهومميّزي نَقْدا بِصدق ولائه
ألْقى عليّ مديحه فلبستهبردا وردّ عليّ فضل رِدَائه
وأعارني من خلقه وَصِفَاتهفسحبت ذيل الوشي من صنعائه
لبيْك من دَاع تيم حبّهقلبِي فصيّره إِلَى سودائه
إِن كَانَ أَبنَاء الزَّمَان تشبهوابأبيهم مَا أَنْت من أبنائه
فذر الحسود لما بِهِ فدواؤهفِي مَوته وحياته من دائه
لله درّك من فَتى عبثت بِهِأَيدي الزَّمَان فأخلفت بعلائه
أفديه من حرّ جفاه زَمَانهلَو كَانَ يسمح دَهْرنَا بفدائه
قد كَانَ مثل السهْم ينفذ فِي الوغىوالنصر مَعْقُود بِرَأْس لوائه
شهماً إِذا دجت الخطوب تبلّجتلعقولنا الأقمار من لألائه
شيم كأزهار الرّبيع وَرَاءَهَاهمم تحطّ النَّجْم من غلوائه
وَإِذا ترقّى منبراً لملمةعطف الْقُلُوب على مناهج رائه
كَانَت لياليه نُجُوم زَمَاننَافتناثرت حمماً على ظلمائه
وَله إِلَى ابْن المنخّل أَيْضا
لَئِن غضّ مِنْك الدَّهْر يَوْمًا بأزمةفحسبك أَن تلقى وَأَنت صبور
فَلَيْسَ أسى يبْقى وَإِن جلّ مثل مَاعلى كل حَال لَا يَدُوم سرُور
أيوجد فِي الدُّنْيَا من النَّاس صَاحبإِذا أَعرَضت أبقى لذاك عسير
طلبت عَزِيزًا لَا ينَال فَإِن يكنفَإِن أَبَا بكر بِذَاكَ جدير
رضيت بِهِ حظاًّ من النَّاس كلهمفَمَا بعده حرّ إِلَيْهِ نشِير
فَأَجَابَهُ بقوله
تجاف عَن الدُّنْيَا وَعَن برد ظلّهافإنّ بروداً لَا يَدُوم حرور
فديتك لَا تأسف لدُنْيَا تقلّصتوأوحش يَوْمًا مِنْبَر وسرير
وَإِن عريت جرد المذاكي وذلّلتأسود فَلم يسمع لَهُنَّ زئير
وغودرت الرَّايَات تهفو كَأَنَّهَاجوابح من ذعر عَلَيْك تطير
وَكَانَت وَلم تذْعَر عَلَيْك كَأَنَّهَاإِذا رفرفت يَوْم الْهياج نسور
طلبت وَفَاء وَالْوَفَاء سجيةوَلكنهَا أمّ الْوَفَاء نزور
رَأَيْتُك تبغي مثل نَفسك فِي الْعلَاطلاب لعمري مَا أردْت عسير
وَمن ذَا الَّذِي يسمو سمّوك للعلاوَيَعْفُو عَن الزلات وَهُوَ قدير
وَلابْن المنخّل فِيهِ يرثيه من قصيدة
بأيّ حسام أدفَع الْخطب بعد مَافقدت الحسام المنذريّ اليمانيا
وَمن لي بِمثل المنذريّ مُحَمَّدصديقا صَدُوقًا أَو خَلِيلًا مصافياً
وَقد كنت أستدني الْبعيد بِرَأْيهِفَيَأْتِي على حكم الْإِرَادَة دانيا
عَليّ بن عمر بن أضحى الْهَمدَانِي أَبُو الْحسن
هُوَ عَليّ بن عمر بن مُحَمَّد بن مشرّف بن أَحْمد بن أضحى بن عبد اللَّطِيف بن غَرِيب بالغين الْمُعْجَمَة ابْن يزِيد بن الشّمر من هَمدَان فِي ذؤابة شرفها وصميم بيوتاتها وَقد تقدم ذكر نباهة سلفه وَقيام مُحَمَّد بن أضحى بِأَمْر الْعَرَب بعد سعيد بن جوديّ السّعديّ فِي خلَافَة الْأَمِير عبد الله بن مُحَمَّد وَلم سميّ وَالِد عبد اللَّطِيف غَرِيبا حَتَّى غلب عَلَيْهِ وَإِنَّمَا اسْمه خَالِد وَيزِيد بن الشّمر أَبوهُ هُوَ الدَّاخِل إِلَى الأندلس
وَولد أَبُو الْحسن على بن عمر هَذَا بالمريّة فِي شهر ربيع الأول سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة وَولى قضاءها بعد أبي عبد الله مُحَمَّد بن يحيى بن الفرّا الزَّاهِد ثمَّ صرف بِعَبْد الْمُنعم بن سمجون وأعيد بعده ثَانِيَة
وَلما انْقَضتْ دولة الملثمين فِي سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة ودعا ابْن حمدين
لنَفسِهِ بقرطبة خَاطب أَبَا الْحسن بن أضحى يحضه على اتّباعه وَهُوَ إِذْ ذَاك بغرناطة وقاضيها أَبُو مُحَمَّد بن سماك فَقَامَ بدعوة ابْن حمدين وَتَابعه أهل بَلَده وأخرجوا الملثمين من الْمَدِينَة فَتَحَصَّنُوا بالقصبة ونشب الْقِتَال بَين الطَّائِفَتَيْنِ فاتصل ذَلِك مُدَّة
وَذكر أَبُو مُحَمَّد بن صَاحب الصَّلَاة أَن الَّذِي قَامَ عَلَيْهِ ابْن أضحى من الملثمين هُوَ على بن أبي بكر الْمَعْرُوف بِابْن فنوا وَهِي أُخْت عَليّ بن يُوسُف بن تاشفين كَانَ أَمِيرا عَلَيْهَا بعد أبي زَكَرِيَّاء بن غانية قَالَ واستصرخ يَعْنِي ابْن أضحى بِابْن حمدين بقرطبة وبابن جزيّ قَاضِي جيّان فوجّه إِلَيْهِ ابْن حمدين ابْن أَخِيه عليّ بن أبي الْقَاسِم أَحْمد الْمَعْرُوف بِابْن أم الْعِمَاد فِي عَسْكَر قرطبة وَعلم بذلك سيف الدولة أَحْمد بن هود فعجّل وَدخل مَدِينَة غرناطة وَانْصَرف ابْن أم الْعِمَاد خائباً
وتعاون ابْن هود مَعَ ابْن أضحى على قتال الملثمين وحصارهم بالقصبة أشهراً وَفِي أثْنَاء ذَلِك جرحوا ولد ابْن هود وأسروه وأدخلوه القصبة فَمَاتَ من جراحه فغسلوه وكفنوه وجعلوه فِي نعش ودفعوه إِلَى أَبِيه فدفنه
قَالَ ثمَّ مَاتَ القَاضِي ابْن أضخى وَتقدم ابْنه مُحَمَّد بعده مَعَ الرّعية فِي معاونة ابْن هود ثمَّ إِن ابْن أبي جَعْفَر قَاضِي مرسية الثائر بهَا جَيش لمعونة أهل غرناطة فَلَمَّا وصل إِلَى مَا يقرب مِنْهَا وَهُوَ فِي ألفى فَارس من أهل الشرق خرج الملثمون إِلَيْهِ فهزموه وقتلوه وَكَثِيرًا مِمَّن كَانَ مَعَه وَدفن هُوَ بغرناطة وَعجز ابْن هود ففر إِلَى جيّان وَكَانَ قد ترك بهَا ابْن عَمه نَائِبا عَنهُ وَابْن مشرف البراجلي
فوفيا لَهُ وتغلب الملثمون على مَدِينَة غرناطة وفر مُحَمَّد بن عَليّ بن أضحى إِلَى المنكّب ثمَّ مِنْهَا إِلَى حصن بني بشير
وَحكى غَيره أَن ابْن أضحى لما دَعَا لِابْنِ حمدين فِي رَمَضَان سنة تسع وَثَلَاثِينَ تمنع الملثمون بقصبة غرناطة وَكَانُوا جمَاعَة أهل بَأْس ونجدة فيهم بَقِيَّة أمرائهم ونقاوة أبطالهم فحاربوه ثَمَانِيَة أَيَّام إِلَى أَن وصل من جيّان بعض قواد الثغر مدَدا لِابْنِ أضحى فاضطربت محلته بالمصلى وانضاف إِلَيْهِ من غرناطة جمع وافر فَخرج إِلَيْهِم الملثمون من الْغَد وهزموهم أقبح هزيمَة وَقتلُوا مِنْهُم مقتلة عَظِيمَة ثمَّ عَادوا إِلَى القصبة وضيقوا على ابْن أضحى وَأهل الْبَلَد ومنعوهم الْمرَافِق ودامت الْحَرْب بَين الطَّائِفَتَيْنِ بداخل الْمَدِينَة وخارجها إِلَى أَن ورد ابْن أبي جَعْفَر الْقَائِم بمرسية فِي جموع وافرة يُقَال إِنَّهُم كَانُوا اثْنَي عشر ألفا بَين خيل وَرجل فَخرج إِلَيْهِ الملثمون مستميتين وَقد اشتدت شوكتهم وكثفت جَمَاعَتهمْ فهزموه وَقتل ابْن أبي جَعْفَر وَلم ينج من عسكره إِلَّا الْقَلِيل وَانْصَرف الملثمون إِلَى معقلهم ظَاهِرين على عداتهم ظافرين فِي حركاتهم
النص من طبعة دار المعارف بالقاهرة (١٩٨٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع