من «الحلة السيراء» لابن الأبار (ت ٦٥٨هـ)
الْمِائَة السَّادِسَة
الصفحة ٢ من ٢
ثمَّ قدم ابْن هود وَدخل غرناطة من بَاب مورور وَمَعَهُ ابْنه عماد الدولة فَخرج إِلَيْهِ ابْن أضحى رَاجِلا وَسلم عَلَيْهِ وأنزله واستسقى ابْن هود فأمرله ابْن أضحى بقدح زجاج فِيهِ مَاء معدّ لإتلاف من يشربه فَعِنْدَ إِخْرَاجه صاحت بِهِ الْعَامَّة لَا تشربه يَا سُلْطَان وحذّرته الْعَاقِبَة فَخَجِلَ ابْن أضحى وَتَنَاول الْقدح وعبّ فِيهِ يَنْفِي الظّنّة بذلك عَنهُ فَمَاتَ من ليلته
وَنزل ابْن هود بعض الْبَسَاتِين بِظَاهِر غرناطة وَأقَام هُنَالك عشرَة أَيَّام
ثمَّ انْتقل إِلَى القصبة الْحَمْرَاء والقتال بَين الملثمين وَأهل الْمَدِينَة مُتَّصِل وَفِي بعض تِلْكَ الْأَيَّام أثخنوا ابْنه جراحاً وأسروه فَمَاتَ من ليلته فدفعوه إِلَى أهل الْبَلَد مكفناً ليدفنوه أَو يحملوه وَلم يقم ابْن هود بعد ذَلِك إِلَّا نَحْو شهر فِي مظالم وتنويع مغارم حَتَّى لهمّ بِهِ أهل غرناطة فانخزل عَنْهُم لَيْلًا وفر إِلَى مرسية وَقيل إِلَى جبان
وَقَامَ بعده بِأَمْر غرناطة أَبُو بكر مُحَمَّد بن أبي الْحسن بن أضحى وَذَلِكَ فِي أول سنة أَرْبَعِينَ وَخَمْسمِائة وَأقَام ثَمَانِيَة أَيَّام يغادي ويراوح بِالْقِتَالِ حَتَّى هرب من لَيْلَة الْجُمُعَة الْقَابِلَة إِلَى المنسكب وَعند هربه تصالح أهل الْمَدِينَة والملثمون وأميرهم عَليّ بن فنّو قد توفّي فخلفه مَيْمُون بن يدّر بن وَرْقَاء وَقيل بل دَخلهَا عنْوَة على أبي عَليّ الْمَنْصُور بن مُحَمَّد بن الْحَاج فِي نيابته عَن يحيى بن عَليّ ابْن غانية وَأقَام إِلَى أَن أسلمها إِلَى الْمُوَحِّدين أعزهم الله سنة إِحْدَى وَخمسين وَخَمْسمِائة
وَكَانَ أَبُو الْحسن بن أضحى فِي حداثته وَبعدهَا أبي النَّفس عَليّ الهمة فَقِيها يناظر عَلَيْهِ أديباً صَاحب بديهة قَرَأت بِخَط أبي عبد الله مُحَمَّد بن أبي عمر يُوسُف بن عبد الله بن عبّاد البلنسيّ وحَدثني الْحَافِظ أَبُو الرّبيع ابْن سَالم عَنهُ وأنشدني ذَلِك غير مرّة قَالَ قَالَ أبي أنشدنا صاحبنا أَبُو بكر بن الغفائري ببلنسيّة وكتبها لي بِخَطِّهِ قَالَ أَنْشدني الشَّيْخ الْمُحدث
أَبُو حَفْص عمر بن مُحَمَّد بن عمر الْيحصبِي قَالَ أَنْشدني القَاضِي أَبُو الْحسن بن أضحى لنَفسِهِ وَقد دخل مجْلِس عليّ بن يُوسُف بمراكش فَلم يهتبل بِهِ أحد وَنزل حَيْثُ انْتهى بِهِ الْمجْلس فحضره هَذَانِ البيتان فَاسْتَأْذن الْأَمِير فِي إنشادهما فَأذن لَهُ فَقَالَ
نَحن الأهلّة فِي ظلام الحندسحَيْثُ احتللنا ثمّ صدر الْمجْلس
إِن يبخل الزَّمن الخؤون بعزّناظلما فَلم يذهب بعزّ الْأَنْفس
فَأمر بترفيعه فِي الْمجْلس لَو قَالَ يذهب مَكَان يبخل لَكَانَ أَجود
وَله
يَا سَاكن الْقلب رفقا كم تقطّعهالله فِي منزل قد ظلّ مثواكا
يشيّد النَّاس للتحصين منزلهموَأَنت تهدمه بالعنف عيناكا
وَالله وَالله مَا حبي لفاحشةأعاذني الله من هَذَا وعافاكا
وَله
أزف الْفِرَاق وَفِي الْفُؤَاد كلومودنا الترحّل وَالْحمام يحوم
قل للأحبة كَيفَ أنعم بعدكموَأَنا أسافر والفؤاد مُقيم
قَالُوا الْوَدَاع يهيج مِنْك صبَابَةويثير مَا هُوَ فِي الْهوى مَكْتُوم
قلت اسمحوا لي أَن أفوز بنظرةودعوا الْقِيَامَة بعد ذَاك تقوم
وَله
روحي لديك فردّية إِلَى جَسَدِيمن لي على فَقده بِالصبرِ وَالْجَلد
بِاللَّه زوري كئيباً لَا عزاء لَهُوشرّفيه ومثواه غَدَاة غَد
لَو تعلمين بِمَا أَلْقَاهُ يَا أمليبايعتني الودّ تصفيه يدا بيد
عَلَيْك مني سَلام الله مَا بقيتآثَار عَيْنَيْك فِي قلبِي وَفِي كَبِدِي
وَله
وشمعة يحملهَا شادنيستر وَجها قمريا بهَا
فَكَانَ كَالشَّمْسِ على نورهايكسف مِنْهَا الْبَدْر حَيْثُ انْتهى
وَله وَكتب بِهِ إِلَى ذِي الوزارتين أبي جَعْفَر بن أبي الْقُرْطُبِيّ معتذراً
ومستشفع عِنْدِي الورى بِخَبَر عِنْدِيوأولاهم بالشكر مني وبالحمد
وصلت فَلَمَّا لم أقِم بجزائهلففت لَهُ رَأْسِي حَيَاء من الْمجد
وَله فِي الزّهْد يُخَاطب
عليّ قد آن أَن تَتُوبَامَا أقبح الشيب والعيوبا
شبت وَمَا تبت من بعيدسَوف ترى نَادِما قَرِيبا
تركب للهو والمعاصيصعباً وتستهل الذنوبا
مَرْوَان بن عبد الله بن مَرْوَان بن مُحَمَّد بن مَرْوَان ابْن عبد الْعَزِيز أَبُو عبد الْملك
لما انْتهى إِلَى بلنسية الْخَبَر بِقِيَام أبي جَعْفَر حمدين بن مُحَمَّد بن حمدين وبيعته بقرطبة وبجامعها الْأَعْظَم فِي يَوْم السبت الْخَامِس من شهر رَمَضَان سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة وبانصراف ابْن غانية عَن لبلة وَقد أعجزه أمره وَتعذر عَلَيْهِ فتحهَا اضْطربَ أهل بلنسية وواليها حِينَئِذٍ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد بن عَليّ ابْن أخي أبي زَكَرِيَّاء بن غانية وقاضبها أَبُو عبد الْملك هَذَا ولاه تاشفين بن عَليّ بن يُوسُف فِي الرَّابِع وَالْعِشْرين من ذِي الْحجَّة سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة فاجتمعا فِي الْحِين على مُنَافَسَة كَانَت بَينهمَا فِي الْبَاطِن واتفقا على الائتلاف وَترك الْخلاف وَحضر النَّاس بِالْمَسْجِدِ الْجَامِع فَقَامَ فيهم مَرْوَان خَطِيبًا يذكّر بجهاد اللمتونيين للروم ونصرهم للجزيرة واستنقاذهم بلنسية من أَيْديهم ويحض على التَّمَسُّك بدعوتهم وَالْوَفَاء لَهُم ثمَّ قَامَ عبد الله بن مُحَمَّد الْوَالِي وَتكلم بِمَا حَضَره فِي هَذَا الْمَعْنى وَذكر النَّاس بِمَا انتظم بَينهم وَبَين عَمه من الصُّحْبَة وانفصلوا
فنمى إِلَى عبد الله من القَوْل عَن القَاضِي وَغَيره مَا أزعجه وَلَيْلَة يَوْم الْأَرْبَعَاء الثَّامِن عشر من رَمَضَان أنفذ عِيَاله وأثقاله إِلَى شاطبة وَأصْبح هُوَ بالولجة فدار بَينه وَبَين الْجند مَا أوجب تمزيق خبائه وللفوز أَخذ فِي الْفِرَار مَعَ قومه فَلَمَّا استقروا بشاطبة أغارت خيله على جِهَات بلنسية فاكتسحت مَا وجدت وتظلم النَّاس إِلَى ابْن عبد الْعَزِيز وَرغب إِلَيْهِ الْجند وَالْعرب ووجوه أهل الْبَلَد فِي التأمر عَلَيْهِم فَأبى وَقَالَ اخْتَارُوا من شيوخكم من تقدّمونه فاتفقوا على بعض اللّمتونيين البَاقِينَ ببلنسية بعد فرار عبد الله ابْن مُحَمَّد وتمشّت الْحَال على هَذَا أَيَّامًا
وَأَرَادَ هذاا لمجتمع عَلَيْهِ من لمتونة أَن يقبض على ابْن عبد الْعَزِيز فَلم يسْتَطع ثمَّ خامره الروع فلحق بشاطبة هُوَ وَالْبَاقُونَ مَعَه من أشياعه وَحِينَئِذٍ وَقع الْإِجْمَاع على ابْن عبد الْعَزِيز فاستخفى إِلَى أَن انْفَرد بِهِ أَبُو مُحَمَّد عبد الله ابْن عِيَاض قَائِد الثغر وَعبد الله بن مردنيش وَقَالا لَهُ هَذَا الْأَمر لابد لَك مِنْهُ والرأي الْمُبَادرَة فَقبل ذَلِك وَتمّ أمره والبيعة لَهُ يَوْم الِاثْنَيْنِ الثَّالِث من شَوَّال وولّى عبد الله بن عِيَاض الثغر وَمَا وَالَاهُ وَضم إِلَى نظره مَا كَانَ بأيدي أصهاره بني مردنيش قبل ظُهُورهمْ والملثمون أثْنَاء ذَلِك يغيرون على جِهَات ويعيثون فِيمَا يجاورهم من البسائط والمعاقل فاستدعى ابْن عبد الْعَزِيز أجناد الثغر ونهض بهم إِلَى منازلة شاطبة فانحدر الملثمون من قصبتها إِلَى الْمَدِينَة
ونبهوا الديار وَسبوا النِّسَاء وَقدم ابْن عبد الْعَزِيز على هَذِه الْحَال يَوْم الْجُمُعَة الثَّامِن عشر من شهرشوال فَكَانَت بَينه وَبينهمْ مواقفات ظهر فِيهَا عَلَيْهِم حَتَّى لجأوا إِلَى القصبة منهزمين
وَوصل أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن عبد الله بن أبي جَعْفَر بعسكر مرسية فِي آخر شَوَّال فأقاما على حِصَار شاطبة متفقين فِي الظَّاهِر مُخْتَلفين فِي الْبَاطِن وكل وَاحِد مِنْهُمَا يرى أَنه أولى بهَا
واضطربت مرسية إِثْر ذَلِك فَتوجه إِلَيْهَا ابْن أبي جَعْفَر مصلحاً ومسكّناً ثمَّ عَاد إِلَى حِصَار شاطبة وَوصل ابْن عِيَاض بِأَهْل الثغر معينا لأميره ابْن عبد الْعَزِيز فَلم يجد عبد الله بن مُحَمَّد بداًّ من الْفِرَار وَلحق بالمريّة فِي خبر طَوِيل وَمِنْهَا ركب الْبَحْر إِلَى أَبِيه مُحَمَّد بن عَليّ وَهُوَ بميورقة قد ملكهَا وَاسْتقر فِيهَا بِرَأْي أَخِيه أبي زَكَرِيَّاء يحيى بن عَليّ عِنْد ثورة الْعَامَّة بإشبيلية منصرفة من حِصَار لبلة
وَلما هرب عبد الله من قَصَبَة شاطبة استولى عَلَيْهَا ابْن عبد الْعَزِيز صلحا فحصّنها وعيّن لَهَا ضابطاً وَصدر إِلَى بلنسية فَيُقَال إِنَّه دَخلهَا رَاكِبًا على جمل فِي زِيّ الْجند وجددت لَهُ الْبيعَة يَوْم قدومه وَذَلِكَ فِي صفر سنة أَرْبَعِينَ وَانْصَرف ابْن أبي جَعْفَر إِلَى مرسية ثمَّ قتل على إِثْر ذَلِك بِجِهَة غرناطة فانضافت لقنت وأعمال شاطبة إِلَى ابْن عبد الْعَزِيز
وَعند استقلاله بالرئاسة خانه الْجند وَلم تف الجباية بالواجبات فتعللوا عَلَيْهِ بذلك وعزموا على خلعه وخاطبوا ابْن عِيَاض يستعجلونه فِي الْوُصُول إِلَيْهِم من مرسية وَكَانَ قد ملكهَا بمداخلة أَهلهَا وخلع أَبَا عبد الرَّحْمَن بن طَاهِر مِنْهَا فِي الْعَاشِر من جمادي الأول من سنة أَرْبَعِينَ الْمَذْكُورَة فَلم يرع ابْن عبد الْعَزِيز إِلَّا إحداق الْجند بقصره يَوْم الثُّلَاثَاء السَّادِس وَالْعِشْرين من شهر جُمَادَى الأولى الْمَذْكُور وَحكى ابْن صَاحب الصَّلَاة أَن ذَلِك كَانَ فِي الْخَامِس وَالْعِشْرين مِنْهُ فَخرج رَاجِلا متنكراً وتدلّى من سور بلنسية لَيْلًا واعتسف الطَّرِيق دون دَلِيل حَتَّى لحق بجبال المريّة وَاجْتمعَ بالقائد مُحَمَّد بن مَيْمُون فَقبض عَلَيْهِ وَقَيده وَفَاء لبني غانية وَأقَام عِنْده إِلَى أَن دَفعه إِلَى عبد الله بن مُحَمَّد عدوّ ابْن عبد الْعَزِيز وطريده من بلنسية وشاطبة وَقد ورد على المرية فِي قطع
ميورقة برسم اتّباع الْعَدو فعفّ عبد الله عَن دَمه واحتمله مَعَه مُقَيّدا ونقم النَّاس على ابْن مَيْمُون فعله
وَيُقَال إِن عبد الْعَزِيز لما غدر بِهِ الْجند فر إِلَى قلييرة ثمَّ رَجَعَ إِلَى بلنسية مستتراً وَدخل دَاره الْقَدِيمَة فعثر على خَبره وَطلب حَتَّى أحرق بعض دوره فَخرج ثَانِيَة مستخفياً إِلَى مرسية واقتفى أَثَره يُوسُف بن هِلَال إِلَى مقربة مِنْهَا ففاته وَأقَام هُوَ بمرسية ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ خرج مِنْهَا إِلَى المرية فَقبض عَلَيْهِ ابْن مَيْمُون
وَلما خلعه الْجند قدّموا عبد الله بن مُحَمَّد بن سعد بن مردنيش نَائِبا عَن ابْن عِيَاض وأسكنوه قصر بلنسية وَقدم ابْن عِيَاض فِي آخر جُمَادَى الأولى وَقد وافته بيعَة أَهلهَا فِي طَرِيقه إِلَيْهَا فَأَقَامَ بهَا نَاظرا فِي أمورها ومصلحاً لثغورها ثمَّ عَاد إِلَى مرسية وَترك صهره أَبَا مُحَمَّد بن سعد ببلنسية أَمِيرا عَلَيْهَا من قبله وَهُوَ عمّ أبي عبد الله بن سعد أَمِير الشرق بعد ذَلِك وَالْمَعْرُوف
بِصَاحِب الْبَسِيط لِأَنَّهُ اسْتشْهد فِيهِ مَعَ سيف الدولة بن هود وَقبض أهل
الثغر على أبي جَعْفَر أَحْمد بن جُبَير وَهُوَ وَالِد أبي الْحُسَيْن الأديب الزَّاهِد وَاحْتَمَلُوهُ مُقَيّدا إِلَى حصن مطرنيش وَهُوَ من أمنع معاقل بلنسية وسجن فِيهِ إِلَى أَن فدى نَفسه بِثَلَاثَة آلَاف دِينَار إِلَى مَا نهب لَهُ من دفاتر وذخائر فسرّح وَتوجه إِلَى شاطبة واتخذها دَارا
واستطالت الْأَيْدِي على سَائِر أَصْحَاب ابْن عبد الْعَزِيز وانتهب الْقصر أَيَّامًا وَعند إشخاصه مَقْبُوضا عَلَيْهِ إِلَى ميورقة سجن فِي بَيت مظلم مطبق كَانَ لَا يعرف النَّهَار فِيهِ من اللَّيْل وَترك أوقاتاً دون غذَاء وَلَا مَاء وَأقَام مسجوناً نَحوا من عشرَة أَعْوَام وَقيل اثْنَي عشر عَاما وَفِي سجنه ذَلِك قَالَ قصيدة يُعَارض بهَا أَبَا مَرْوَان الجزيري أَولهَا
يَا نفس دُونك فاجزعي أَو فاصبريطلع الزَّمَان بِوَجْهِهِ المتنمّر
النص من طبعة دار المعارف بالقاهرة (١٩٨٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع