من «الحلة السيراء» لابن الأبار (ت ٦٥٨هـ)
الْمِائَة الثَّالِثَة (٥)
الصفحة ١ من ٢
عبد الرَّحْمَن بن بدر بن أَحْمد
كَانَ بدر وصيفاً للأمير عبد الله فَأعْتقهُ وَصَرفه فِي الخطط الشَّرِيفَة
ثمَّ وُلَاة النَّاصِر الوزارة والحجابة والقيادة وَالْخَيْل وَالْبرد وَكَانَ ينْفَرد بالولايات فتكنب السجلات فِي دَاره ثمَّ يبعثها للطبع فتطبع وَتخرج إِلَيْهِ فيبعث فِي الْعمَّال وينفذون على يَدَيْهِ وَولى عبد الرَّحْمَن هَذَا الْكِتَابَة والوزارة وَالْعرض والخزانة للناصر وَصَرفه فِي عمَارَة كورة إشبيلية وَمن شعره
لساني كَانَ من أَعدَاء قلبِيإِذْ الزمه الذُّنُوب بِغَيْر ذَنْب
إِلَى من اشْتَكَى عدوي اعتذارأَمر مذاقتي طعمي وشربي
وأسهر مقلتي وأسال دمعيلفرط الوجد سكبا بعد سكب
وَله
يَا وردة وسط رَوْضَة سفرتلَو رمتها باللحاظ لَا نتثرت
ودرة فِي الْجمال مفرغةلَوْلَا حجاب يكنها بهرت
دع كَبِدِي فِي الضلوع آمِنَةوَخذ جفوني فَإِنَّهَا نظرت
إِسْمَاعِيل بن بدر بن إِسْمَاعِيل بن زِيَاد أَبُو بكر
كَانَ مولى نعْمَة لبني أُميَّة وَولى إشبيلية للناصر عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد وَكَانَ أثيراً لَدَيْهِ ومنادماً لَهُ وعاش إِلَى أول دوله ابْنه الحكم الْمُسْتَنْصر بِاللَّه وَقد حمل عَنهُ الحَدِيث لسماعه من بَقِي بن مخلد والخشنى وَمُحَمّد بن وضاح وطبقتهم فَاحْتَاجَ إِلَيْهِ النَّاس ذكره ابْن الفرضى فِي تَارِيخه وَذكر أَن صناعَة الشّعْر غلبت عَلَيْهِ وَهُوَ أحد المكثرين أنْشد لَهُ ابْن فرج فِي كتاب الحدائق من تأليفه
وَذي لجب كالبحر عب عبابهفَضَاقَ بِهِ رحب الفلا والتنائف
قريب الخطى نائى المدى مالئ الملابِجمع ترَاهُ وَاقعا غير وَاقِف
تركنَا بِهِ أَرض الْعَدو كَأَنَّهَامجاهل للمرتاد غير معارف
غَدَتْ بعد سحب الْبيض فِيهَا ذيولهامجر ذيول الطامسات العواصف
وَله فِي النَّاصِر
لَو كَانَ يعبد دون الله من أحدمَا كَانَ غَيْرك فِي الدُّنْيَا بمعبود
قد فَاتَ قدرك وصف الواصفين فَمَاذكراك إِلَّا بتحميد وتمجيد
لما ذكرتك يَوْمًا قلت من جذليَا نعْمَة الله فِي أَيَّامه زيدي
وَله فِي بيعَة الْمُسْتَنْصر بعد وَفَاة أَبِيه النَّاصِر
لَئِن غربت شمس لقد طلعت شمسفَمَا فِي صَلَاح الأَرْض ريب وَلَا لبس
بمستنصر بِاللَّه دَان لملكهوأيامه الميمونة الْجِنّ وَالْإِنْس
تولى أَمِير الْمُؤمنِينَ فَأَصْبحُواوَمَا بَينهم نجوى بعدوى وَلَا هَمس
فَلَا سقيت أَرض بِغَيْر سحابهبِلَالًا وَلَا سرت لساكنها نفس
وَإِن شدّ حلْس لَا يكون ثِيَابهفلاا نهضت يَوْمًا بِمن شده عنس
وَأنْشد لَهُ الْحميدِي عَن أبي مُحَمَّد بن حزم
أُنَاجِي حسن رَأْيك بالأمانيوأشكو بالتوهم مَا شجاني
ولي ب عَسى وَلَو وَلَعَلَّ روحينفس عَن كئيب الْقلب عان
ومحض هوى بِظهْر الْغَيْب صَافترى عَيْني بِهِ من لَا يراني
على ذَاك الزَّمَان وَإِن نقضيسَلام لَا يبيد على الزَّمَان
كفاني يَا مدى أمْلى بعادتمنيت الْمَمَات لَهُ كفاني
وَله يرثي ابْنه
غرست قَضِيبًا زعزعته يَد الردىفَخلوا دموع الْعين تبك على غرسي
وَهَذَا حمام الأيك يبكى هديلهفَمَا لهديلي لَا تذوب لَهُ نَفسِي
وَله فِيهِ
مَا حزن يَعْقُوب على يُوسُفأَشد من حزني على أَحْمد
أَحْمد ملحود فَهَل نستوىوَذَاكَ لم يقبر وَلم يلْحد
وَكَانَ يرجوه وَهل أرتجىهَذَا وَقد غمضته بِالْيَدِ
وَله فِي توت أهداه
تفاءلت بالتوت التأتي لزورةوَذَلِكَ قَالَ مَا علمت صَدُوق
فأهديته غضا حكى حذق المهالَهُ منظر بالْحسنِ مِنْهُ يروق
وَبَعض حكى الْيَاقُوت مِنْهُ احمرارهوَمَا مجه للذائقين رحيق
فَذا سبج فِيمَا يرى لَا سودادهوَذَا لَا حمرار اللَّوْن مِنْهُ عقبق
عبيد الله بن أَحْمد بن يعلى بن وهب
ولاه النَّاصِر عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد مَا كَانَ بيد أَبِيه أَحْمد بن يعلى قائده الْجَلِيل الْمِقْدَار الحميد الْآثَار من قيادة الْجوف بطليوس وأعمالها حِين نوه بِأَحْمَد الْمَذْكُور وولاه طليطلة وأعمالها من الثغر الْأَدْنَى وَرفع رزقه إِلَى أرزاق الوزراء مَعَ مقَامه على خطته فِي الشرطة الْعليا وسمى قَائِد الأعنة وَذَلِكَ فِي صفر سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وثلاثمائة فأغنى عبيد الله فِي قتال الرّوم غناء أَبِيه وتوالت لَهُ فيهم فتوح وَكَانَ أديباً شَاعِرًا وَهُوَ الْقَائِل من قصيدة
ترى الأَرْض فِينَا لَا يقر قَرَارهَاإِذا لم يسسها من أُميَّة سائس
ذَوُو الهضبات الشم والأبحر الَّتِيتفيض ملاء والملوك الأشاوس
هم ذَهَبُوا بالمكرمات وَلم يزللَهُم جبل الْعِزّ الْقَدِيم القوامس
وهم نزلُوا من خَنْدَق حَيْثُ تلتقىرُؤُوس قصى فِي الذرى والمغاطس
وهم غمسوا فِي جَفْنَة الطّيب قبل أَنيرى أحد من قَومهمْ وَهُوَ غامس
وهم أوقدوا حَرْب الْفجار حفيظةفَقَامَتْ بهَا أعياصهم والعنابس
بهاليل من إِن يستضيف إِلَيْهِمبِمَا شيدوا إِلَّا الْخِصَال النفائس
إِذا سوجلوا لم يَحْتَمِلهُمْ مساجلوَإِن قويسوا لم يستطعهم مقابس
تطيف بهم ساحات مَكَّة فِي الْعلَاوتكنفهم مِنْهَا البطاح الأمالس
وَكَانَ أَخُوهُ يعلى بن أَحْمد أديباً أَيْضا وَسَيَأْتِي ذكره
جَعْفَر بن عُثْمَان المصحفي
الْحَاجِب الْوَزير أَبُو الْحسن
هُوَ جَعْفَر بن عُثْمَان بن نصر بن قوى بن عبد الله بن كسيلة من برابر بلنسية ينتمي إِلَى قيس بالمخالفة
وَذكر ابْن الفرضى فِي تَارِيخه أَبَاهُ عُثْمَان وَقَالَ فِي نسبه بعد نصر ابْن عبد الله بن حميد بن سَلمَة بن عباد بن يُونُس القيسى
وَكَانَ قد أدب الحكم وَذَلِكَ أزلف جعفراً عِنْده وَأَدْنَاهُ مِنْهُ فاستخدمه بِالْكِتَابَةِ فِي إمارته وَولى جَزِيرَة ميورقة فِي أَيَّام النَّاصِر ثمَّ تقلد الحكم
الْخلَافَة فاستوزره وأمضاه مَعَ ذَلِك على كِتَابَته الْخَاصَّة وَضم إِلَيْهِ بعد مُدَّة ولَايَة الشرطة وأخدمه ابْنه هشاماً
وَأقَام على ذَلِك إِلَى وَفَاة الحكم واستخلاف هِشَام ابْنه فحجبه يَوْم قعوده لِلْبيعَةِ وَذَلِكَ يَوْم الأثنين لخمس خلون من صفر سنة سِتّ وَسِتِّينَ وثلاثمائة وَعَن يَمِينه ويساره الفتيان جؤذر وفائق ثمَّ أهل الخطط على مَنَازِلهمْ وَكَانَ الْقَائِد مُحَمَّد بن عبد الله بن أبي عَامر وَهُوَ إِذْ ذَاك يتَوَلَّى الشرطة الْوُسْطَى وَالسِّكَّة والمواريث وَالْوكَالَة يشرف على عقد الشَّهَادَات فِي نسخ الْبيعَة بَين يَدَيْهِ بعد مَا كَانَ القَاضِي مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن السَّلِيم يَأْخُذهَا على طَبَقَات من شَهِدَهَا من الْأَعْمَام وَأَبْنَائِهِمْ والوزراء وضروب أهل الْخدمَة ورجالات قُرَيْش وأعلام قرطبة حكى ذَلِك عِيسَى بن أَحْمد الرَّازِيّ
قَالَ ثمَّ لما كَانَ يَوْم السبت لعشر خلون من صفر المؤرخ قلد هِشَام حجابته جَعْفَر بن عُثْمَان لقدم صحبته لِأَبِيهِ الْمُسْتَنْصر وَكَانَ الْمُسْتَنْصر قد شرفه لتأديب أَبِيه عُثْمَان بن نصر لَهُ وَصَرفه فِي الْأَعْمَال وَقدمه إِلَى الكور ثمَّ اسْتَكْتَبَهُ وَهُوَ ولى عهد وَذكر نَحوا مِمَّا تقدم من خَبره قَالَ ثمَّ قدم هِشَام الْمُؤَيد ابْن أَخِيه هِشَام بن مُحَمَّد بن عُثْمَان إِلَى خطة الْخَيل ثمَّ إِلَى الوزارة وَولى بنيه مُحَمَّدًا وَعُثْمَان وَعبد الرَّحْمَن وأخاه سعيداً وَابْن أَخِيه مُحَمَّدًا الشرطة الْعليا وَالْوُسْطَى فَلم ينْهض بعبء مَا قَلّدهُ وَخلف على الْمَدِينَة ابْنه مُحَمَّدًا
فأساء السِّيرَة وزكا على الْمحبَّة أَبُو عَامر مُحَمَّد بن أبي عَامر فَبسط الْمُؤَيد يَده وَقبض يَد جَعْفَر بن عُثْمَان فأداله وَابْن أَخِيه
وَقَالَ ابْن حَيَّان استطال عَلَيْهِ مُحَمَّد بن أبي عَامر بكفايته ودفاعه الْعَدو المتكالب لأوّل ولَايَة هِشَام ووفاة الحكم وَاسْتظْهر على ذَلِك بمصاهرة غَالب القائدة مولى النَّاصِر عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد
وَقد كَانَ غَالب فِيمَا حكى الرَّازِيّ شَارك جَعْفَر بن عُثْمَان فِي الحجابة وصير فرَاشه فِي الصَّدْر وَعَن يَمِينه جعفروعن يسَاره أَبُو عَامر للوزارتين قَالَ ابْن حَيَّان فَأدى ذَلِك إِلَى الْقَبْض على جَعْفَر وعَلى وَلَده وأسبابه وعَلى أَخِيه هِشَام وَسَائِر أَقَاربه وطولبوا بالأموال وَكَانَ ابْن أبي عَامر يحمل جعفراً مَعَه فِي الْغَزَوَات تعنيتاً وانتقاماً مِنْهُ فَلَمَّا بَان عَجزه وَضعف أقرّ بالمطبق إِلَى أَن هلك فِيهِ سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وثلاثمائة فَأسلم إِلَى أَهله فِي أقبح صُورَة وَقيل قتل خنقاً وَكَانَ مقدما فِي صناعَة الْكِتَابَة مفضلا على طبقته بالبلاغة وَله شعر كثير مدون يدل على تمكنه من الإجادة وتصرفه فِي أفانين الْبَيَان وَهُوَ الْقَائِل
سَأَلت نُجُوم اللَّيْل هِيَ يَنْقَضِي الدجىفخطت جَوَابا بِالثُّرَيَّا كخط لَا
وَكنت أرى أَنِّي بآخر لَيْلَةفَأَطْرَقَ حَتَّى خلته عَاد أَولا
وَمَا عَن هوى سامرتها غير أننيأنافسها المجرى إِلَى رتب الْعلَا
وَله
أما والهوى مَا كنت أعرف مَا الْهوىوَلَا مَا دواعي الشوق حَتَّى تكلما
دَعَاني بِلَفْظ لَو دَعَا يذبلاً بِهِللباه مشتاقاً ووافاه مغرما
وَله ويروى لغيره
كَلَّمتنِي فَقلت در سقيطفتأملت عقدهَا هَل تناثر
وازدهاها تَبَسم فأرتناعقد در من التبسم آخر
وَله
إِن فَاه أشربت الضلوع هوىحَتَّى كَأَن جَمِيعهَا أذن
لَا تنكروا كلف الضلوع بِهِفَحَدِيثه لوجيبها سكن
وقرأت فِي كتاب الفرائد فِي التَّشْبِيه لِابْنِ أبي الْحسن الْقُرْطُبِيّ مَنْسُوبا إِلَيْهِ
بَادر فَإِن نَذِير الْغَيْث قد نذرامجدداً لسرور كَانَ قد دثرا
أرخت عزاليه واصطرت بعنصرهريح الصِّبَا واستدرت دمعه فَجرى
أوفى فبرد من حر الْقُلُوب كَمَاأوفى علينا حبيب طالما هجرا
فلاقه بكؤوس الراح مترعةشكرا لَهُ فكريم الْقَوْم من شكرا
وَله فِي سوسنة
يَا رب سوسنة قد بت ألثمهاوَمَالهَا غير طعم الْمسك من ريق
مصفرة الْوسط مبيض جوانبهاكَأَنَّهَا عاشق فِي حجر معشوق
وَله فِي الخيال
لَئِن سلبوني شخصه ووصالهلما قدرُوا أَن يسلبوني خياله
إِذا حجبت عني الْحَوَادِث وَجههأَقَامَ الْهوى لي حَيْثُ كنت مِثَاله
وَله
وَكم مهمه لَا يُوجد الركب مشرعاًقطعت وبحر شامخ الموج أسفعا
خضم إِذا استعلت بِهِ الشَّمْس لَا يزليطاولها حَتَّى تمل فتخضعا
تغيب وتبدو فِيهِ حَتَّى كَأَنَّمَاغَدا مغربا تجرى إِلَيْهِ ومطلعا
إِذا مَا ارتمت أمواجه خلت أَنَّهَاذرى الشم أمتنَا من الْبر نزعا
تقاذف فِي رحب الْجمال بسيطهايرد وقود الرّيح حسرى وظلعا
وَله فِي تفاحة
لعمري لَئِن أهديت نَفسِي وَمَا حوتفَأَنت بهَا منى أَحَق وأملك
ولكنني أهْدى الَّتِي لَا تردهايَمِين وَلَا فِيهَا لذِي اللحظ مترك
تناولتها من غصنها وَكَأَنَّهَامن الْحسن ذَاك الناجم المتفلك
وَله فِي سفرجلة
ومصفرة تختال فِي ثوب نرجسوتعبق عَن مسك ذكى التنفس
لَهَا ريح مَحْبُوب وقسوة قلبهولون محب حلَّة السقم مكتس
فصفرتها من صفرتي مستعارةوأنفاسها فِي الطّيب أنفاس مؤنسى
فَلَمَّا استتمت فِي الْقَضِيب شبابهاوحاكت لَهَا الأنواء أبراد سندس
مددت يَدي باللطف أبغى اقتطافهالأجعلها ريحانتي وسط مجلسي
وَكَانَ لَهَا ثوب من الزغب أغبريرف على جسم من التبر أملس
فَلَمَّا تعرت فِي يَدي من لباسهاوَلم تبْق إِلَّا فِي غلالة نرجس
ذكرت بهَا من لَا أبوح بِذكرِهِفأذبلها فِي الْكَفّ حر تنفسي
وَله وَقد أهديت إِلَيْهِ رامشنة ورد فِي زمن الْبرد فاستغربها وَكتب إِلَى مهديها
لعمرك مَا فِي فطْرَة الرَّوْض قدرَةيحِيل بهَا مجْرى الزَّمَان عَن الْقَصْد
وَلكنهَا أخلاقك الغر نبهتبربعك فِي كانون نَائِمَة الْورْد
وَله فِي الْخمر وَقد أنْشد ذَلِك أَبُو مَنْصُور الثعالبي فِي الْيَتِيمَة
صفراء تطرق فِي الزّجاج فَإِن سرتفِي الْجِسْم دبت مثل صل لادغ
خفيت على شرابها فَكَأَنَّمَايَجدونَ ريا فِي إِنَاء فارغ
عَبث الزَّمَان بجسمها فتسترتعَن عينهَا فِي ثوب نور سابغ
وَله
كم لَيْلَة بت أطويها وأنشرهاوَلَا أرى فِي الَّذِي أقضى بهَا حرجاً
فِي فتية نجب صَارُوا بمعتركيجرى النَّعيم على الصرعى بهَا خلجا
والجو ملتحفوالنجم مكحولة ألحاظه دعجا
لفوا دجى ليلهم فِي نور كاسهمونفسوا من خناق الزق فانبلجا
وَله
لعينيك فِي قلبِي على عُيُونوَبَين ضلوعي للشجون فنون
لَئِن كَانَ جسمي مخلقاً فِي يَد الْهوىفحبك غض فِي الْفُؤَاد مصون
نَصِيبي من الدُّنْيَا هَوَاك وَإنَّهُعَذَابي وَلَكِنِّي عَلَيْهِ ضنين
وَله
يَا ذَا الَّذِي لم يدع لي حبه رمقاًهَذَا محبك يشكو البث والأرقا
لَو كنت تعلم مَا شوقي إِلَيْك إِذاأيقنت أَن جَمِيع الشوق لي خلقا
لم يبصر الْحسن مجموعاً على أحدمن لَيْسَ يبصر ذَاك الخد والعنقا
وَله فِي وَفَاة النَّاصِر عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد وبيعة ابْنه الْمُسْتَنْصر بِاللَّه الحكم ابْن عبد الرَّحْمَن
أَلا إِن أَيَّام هفت بإمامهالجائرة مشتطة باحتكامها
تَأمل فَهَل من طالع غير آفلبِهن وَهل من قَاعد لقيامها
وعاين فَهَل من عائش برضاعهامن النَّاس إِلَّا ميت بفطامها
كَأَن نفوس النَّاس كَانَت بِنَفسِهِفَلَمَّا توارى أيقنت بحمامها
فطار بهَا يأس الأسى وتقاصرتيَد الصَّبْر عَن إعوالها والتدامها
وَمِنْهَا لَهُ
إِمَام تَلَقَّتْهُ الْخلَافَة صبةإِلَى نسم مَحْمُولَة عَن إمامها
فَصَارَت إِلَيْهِ فِي حُدُود تَمَامهوَصَارَ إِلَيْهَا فِي حُدُود تَمامهَا
فَلم ينْتَقل بِالنَّاسِ يَوْم انتقالهاإِلَيْهِ سَبِيل عَن مَحل قوامها
أَتَوْهُ فَأَعْطوهُ المواثق عَن هوىتمكن فِي أبشارها وعظامها
وناولهم كفا يطول الْهدى بهَارضَا الله فِي تقبيلها واستلامها
أناف على الدُّنْيَا بِعَين مُحِيطَةوَقَالَ ادخُلُوا فِي أمنها وسلامها
وَله
يطالعنا فِي كل يَوْم بغرةبَنو الدّين وَالدُّنْيَا مَعًا يأملونها
إِذا مَا تراءته الْعُيُون تواضعتلإجلاله عَن أَن تقل شؤونها
عَلَيْهَا من الرَّحْمَن نور جلالةيقصر بالألحاظ أَن تستبينها
وَله مِمَّا قَالَه بديهاً بَين يَدي الحكم عِنْدَمَا بشر بِوِلَادَة ابْنه هِشَام
اطلع الْبَدْر من حجابهواطرد السَّيْف من قرَابه
وجاءنا وَارِث الْمَعَالِيليثبت الْملك فِي نصابه
بشرنا سيد البرايابِنِعْمَة الله فِي كِتَابه
لَو كنت أعْطى البشير عمريلم أقض حَقًا لما أَتَى بِهِ
وَله فِي نكبته
تَأَمَّلت صرف الحادثات فَلم أزلأَرَاهَا توافي عِنْد مقصدها الحرا
فَللَّه أَيَّام مَضَت لسبيلهافَإِنِّي لَا أنسى لَهَا أبدا ذكرا
تجافت بهَا عَنَّا الْحَوَادِث بُرْهَةوأبدت لنا مِنْهَا الطلاقة والبشرا
ليَالِي لم يدر الزَّمَان مَكَاننَاوَلَا نظرت منا حوادثه شزرا
وماا هَذِه الْأَيَّام إِلَّا سحائبعلى كل حَال تمطر الْخَيْر والشرا
وَله
أجارى الزَّمَان على حَالهمجاراة نَفسِي لأنفاسها
إِذا نفس صاعد شفهاتَوَارَتْ بِهِ بَين جلاسها
وَإِن عكفت نكبة للزمانعكفت بصدري على رَأسهَا
وَله يستعطف الْمَنْصُور مُحَمَّد بن أبي عَامر وَكتب إِلَيْهِ بهَا من محبسه
هبني أَسَأْت فَأَيْنَ العفور وَالْكَرمإِذْ قادني نَحْوك الإذعان والندم
يَا خير من مدت الْأَيْدِي إِلَيْهِ أماترثى لشيخ نعاه عنْدك الْقَلَم
بالغت فِي السخط فاصفح صفح مقتدرإِن الْمُلُوك إِذا مَا استرحموا رحموا
هَذِه الأبيات متنازعة ينسبها إِلَى المصحفي جمَاعَة وَقد وَجدتهَا منسوبة إِلَى أبي عمر بن دراج القسطلي وَذكر أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن الْقَاسِم الرَّقِيق فِي
تَارِيخه أَنَّهَا لكاتب إِبْرَاهِيم بن أَحْمد بن الْأَغْلَب وَكِلَاهُمَا أَسَاءَ الرَّد على من قالهاوتمثل بهَا أما إِبْرَاهِيم فَقَالَ لجهله وفظاظته وَقلة رَحمته إِن الْمُلُوك إِذا مَا استرحموا قتلوا وَبعث إِلَيْهِ من قَتله وقرأت فِي كتاب الافتخار لأبي بكر عَتيق بن خلف القيرواني أَن إِبْرَاهِيم بن أَحْمد لما قَرَأَ رِسَالَة كَاتبه إِلَيْهِ من محبسه قَالَ يكْتب إِلَى هبني أَسَأْت وَهُوَ قد أَسَاءَ وَالله لَو كتب إِلَى بقول الأول
(وَنحن الكاتبون وَقد أسأنا ... فهبنا للكرام الكاتبينا) لعفوت عَنهُ ثمَّ أَمر بِهِ فَجعل فِي تَابُوت وأحرق بالنَّار وَهُوَ حَيّ وَأما ابْن أبي عَامر فَأمر عبد الْملك بن إِدْرِيس أَن يجاوبه عَن هَذِه الأبيات فَقَالَ
الْآن يَا جَاهِلا زلت بك الْقدَمتبغى التكرم لما فاتك الْكَرم
أغريت بِي ملكا لَوْلَا تثبتهمَا جَازَ لي عِنْده نطق وَلَا كلم
فايأس من الْعَيْش إِذْ قد صرت فِي طبقإِن الْمُلُوك إِذا مَا ستنقموا نقموا
نَفسِي إِذا سخطت لَيست براضيةوَلَو تشفع فِيك الْعَرَب والعجم
وَيُقَال إِن الأبيات لِابْنِ أبي عَامر وكلتا الفعلتين من أَفعَال الْجَبَابِرَة الَّذين أطغتهم النِّعْمَة ونزعت من قُلُوبهم الرَّحْمَة
وللمصحفي لما يئس من الْمَنْصُور وصفحه
لَا تأمنن من الزَّمَان تقلباًإِن الزَّمَان بأَهْله يتقلب
وَلَقَد أَرَانِي والليوث تخافنيفأخافني من بعد ذَاك الثَّعْلَب
حسب الْكَرِيم مذلة ونقيصةأَلا يزَال إِلَى لئيم يطْلب
وَإِذا أَتَت أعجوبة فاصبر لَهَافالدهر يَأْتِي بعد مَا هُوَ أعجب
وَله
لي مُدَّة لَا بُد أبلغهَافَإِذا انْقَضتْ أَيَّامهَا مت
لَو قابلتني الْأسد ضاريةوَالْمَوْت لم يقدر لما خفت
فَانْظُر إِلَى وَكن على حذرفبمثل حالك أمس قد كنت
مُحَمَّد بن عبد الله بن أبي عَامر
الْحَاجِب الْمَنْصُور أَبُو عَامر
هُوَ مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله بن عَامر بن أبي عَامر بن الْوَلِيد ابْن يزِيد بن عبد الْملك المعافرى أَمِير الأندلس فِي دولة الْمُؤَيد بِاللَّه هِشَام بن الحكم الْمُسْتَنْصر بِاللَّه وَالْغَالِب عَلَيْهِ أَصله من الجزيرة الخضراء ولسلفه بهَا قدر ونباهة وَقدم قرطبة شَابًّا فَطلب بهَا الْعلم وَالْأَدب وَسمع الحَدِيث وَكَانَ أَبوهُ أَبُو حَفْص عبد الله قد سمع الحَدِيث أَيْضا وَصَحب أَبَا مُحَمَّد الْبَاجِيّ الراوية فِي الْأَخْذ عَن الشُّيُوخ بقرطبة وَقد ذكرته فِي كتابي الموسوم ب التكملة لكتاب الصِّلَة لِابْنِ بشكوال
وَكَانَت للمنصور همة ترمى بِهِ المرامى وَيحدث نَفسه بِإِدْرَاك معالي الْأُمُور وَيزِيد فِي ذَلِك حَتَّى كَانَ يحدث من يخْتَص بِهِ بِمَا يَقع لَهُ من ذَلِك فتم لَهُ مُرَاده وَكَانَ أحد أَعَاجِيب الدُّنْيَا فِي ترقيه وَالظفر بتمنيه تصرف أول أمره فِي الْوكَالَة لصبح أم هِشَام وَالنَّظَر فِي أموالها وضياعها وَالْجد ينْهض بِهِ والأقدار تساعده إِلَى أَن توفّي الحكم وقلد هِشَام الْخلَافَة وَهُوَ صَغِير
وَلما انْتقض الْعَدو على إِثْر ذَلِك وَخيف الِاضْطِرَاب وَلم يكن عِنْد المصحفي
غناء وَلَا دفاع ضمن مُحَمَّد بن أبي عَامر لصبح أم هِشَام سُكُون الْحَال وَزَوَال الْخَوْف واستقرار الْملك لابنها على أَن يمد بالأموال وَيجْعَل إِلَيْهِ قَود الجيوش إِلَى مَا كَانَ بِيَدِهِ من الخطط السّنيَّة وَهُوَ بِقُوَّة نَفسه وسعادة جده يعد النَّصْر وَلَا يمترى فِي الظُّهُور ويستعجل الْأَسْبَاب الْمعينَة على الْفَتْح حَتَّى أسعف ولقى الْعَدو فَهَزَمَهُ ووالى غَزْو بِلَاد الرّوم عالي الْقدَم مَنْصُور الْعلم لَا يخْفق لَهُ مسعى وَلَا يؤوب دون مغنم كرة بعد أُخْرَى إِلَى أَن صَار صَاحب التَّدْبِير والمتغلب على جَمِيع الْأُمُور فدانت لَهُ أقطار الأندلس كلهَا وَأمنت بِهِ وَلم يضطرب عَلَيْهِ مِنْهَا شَيْء أَيَّام حَيَاته لحسن سياسته وَعظم هيبته
وَكَانَ رُبمَا أنذر خاصته بِمَا يكون وَرَاءه من الْفِتَن حَتَّى ليكدر عَلَيْهِم مجَالِس أنسه بِمَا يلقى من ذَلِك إِلَيْهِم فَوَقع الْأَمر على مَا توقع وَجرى الْقدر بِمَا قدر على ذَلِك فَمَا زَالَ يبطش بأعدائه وَيسْقط من فَوْقه بقهره واستيلائه إِلَى أَن صَار الْخَلِيفَة حِينَئِذٍ هِشَام بن الحكم لَيْسَ لَهُ من الْأَمر غير الِاسْم خَاصَّة فَمَا ظَنك بِرِجَالِهِ ومواليه الَّذين مِنْهُم كَانَ يرهب وبهم كَانَ يتمرس هَذَا ونصرته على النَّصَارَى مُتَوَالِيَة وغزواته فِي كل صائفة مُتَّصِلَة أَزِيد من خمسين عدهَا ابْن حَيَّان فِي كِتَابه الْمَوْضُوع فِي أَخْبَار الدولة العامرية وَجعله لمن شَاءَ خزله عَن تَارِيخه الْكَبِير أَو ضمه إِلَيْهِ حَتَّى أذعن لَهُ مُلُوك الرّوم وَرَغبُوا فِي مصاهرته تنَاول ذَلِك كُله بتأييد إلهي مُدَّة طَوِيلَة وأورثه بنيه وقتا قَصِيرا
فَأَما أَبُو مَرْوَان عبد الْملك المظفر مِنْهُم فَقَامَ بالدولة مقَام أَبِيه وأغنى فِي غَزْو
الْعَدو إِلَّا أَن مدَّته لم تطل وَبَلغت الأندلس فِي أَيَّامه نِهَايَة الْكَمَال وَكَانَ على أَهلهَا أسعد مَوْلُود حكى ابْن حَيَّان عَن زعيم المنجمين على عهد الحكم أَنه نظر فِي مولد عبد الْملك هَذَا وَهُوَ طِفْل فَأَشَارَ من بعد سعادته إِلَى أَمر كَبِير لم يدْرك هُوَ آخِره فَعجب من شَاهده من جودة إِصَابَته وَذَلِكَ أَنه قَالَ لم يُولد قطّ بالأندلس مَوْلُود أسعد مِنْهُ على أَبِيه وعَلى نَفسه وعَلى حَاشِيَته نعم وعَلى أهل الأندلس طراً وعَلى أرْضهَا طراً فضلا عَن ناسها وَإِنَّهَا لَا تزَال كَذَلِك حَال حَيَاته وَإِذا هلك فَمَا أَرَاهَا إِلَّا بالضد فَكَانَ كَذَلِك
وَأما أَبُو الْمطرف عبد الرَّحْمَن النَّاصِر أَخُو عبد الْملك فَإِنَّهُ ولى الحجابة بعده فَلم يقم إِلَّا يَسِيرا حَتَّى قَامَ عَلَيْهِ الْمهْدي مُحَمَّد بن هِشَام بن عبد الْجَبَّار بن عبد الرَّحْمَن النَّاصِر فَقتل وصلب وانبعثت الْفِتَن على الْأَثر فَمَا خمدت نارها إِلَّا فِي النَّادِر إِلَى وقتنا هَذَا وَهُوَ سنة أَرْبَعِينَ وسِتمِائَة وَقد استولى الرّوم فِيهِ على الأندلس بأسرها مَعَ الجزائر الشرقية المضافة إِلَيْهَا بَين صلح وعنوة
وشؤم عبد الرَّحْمَن النَّاصِر هُوَ الَّذِي جر افْتِرَاق الْجَمَاعَة وجرأ على خلعان الطَّاعَة وعَلى رجله كَانَ الْفساد الْعَام لما استشرف إِلَى الْخلَافَة واستقل خطة الحجابة وَلم يرض إِلَّا بِالْإِمَامَةِ فداخل هشاماً المضعوف وطالبه بِأَن يَجعله ولى عَهده ويلقى إِلَيْهِ بِجَمِيعِ أمره فاستفتى فِي ذَلِك فُقَهَاء قرطبة وعلماءها
حِينَئِذٍ فسوغوا لَهُ مَا طلب وَاحْتَجُّوا بقوله ﷺ لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى يخرج رجل من قحطان يَسُوق النَّاس بعصاه وَكَانَ ابْن أبي عَامر معافريا قحطانيا فَقَالُوا عَسى أَن يكون الَّذِي وعد بِهِ رَسُول الله ﷺ وجد فِي ذَلِك السعى الْخَبيث أَبُو الْعَبَّاس بن ذكْوَان القَاضِي وَأَبُو حَفْص ابْن برد الْكَاتِب حَتَّى قَالَ فيهمَا ابْن أبي يزِيد الْمصْرِيّ
إِن ابْن ذكْوَان وَابْن بردقد ناقضاً الدّين بعد عمد
وعاندا الْحق إِذْ أَقَامَاحفيد شنجه ولى عهد
وَلم يقم كَذَلِك إِلَّا أَرْبَعَة أشهر فِي مَا ذكر الْحميدِي وَغَيره واختل أمره وأسلمته الجيوش فَكَانَ من خَبره مَا تقدم ذكره
وَكَانَ مولد الْمَنْصُور مُحَمَّد بن أبي عَامر سنة سبع وَعشْرين وثلاثمائة وفيهَا كَانَت الْهَزِيمَة الْعَظِيمَة بالخندق على عبد الرَّحْمَن النَّاصِر فاخذ الله بثأر
الْإِسْلَام على يَدي الْمَنْصُور وَكَانَت وَفَاته سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وثلاثمائة خرج غازياً وَقد وَقع فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ فاقتحم جليقية من تِلْقَاء مَدِينَة طليطلة ومرضه يخف وقتا ويثقل أوقاتاً وقويت عَلَيْهِ الْعلَّة بِأَرْض قشتيلة فَاتخذ لَهُ سَرِير من خشب يحمل على أَعْنَاق الرِّجَال قطع بذلك أَرْبَعَة عشر يَوْمًا حَتَّى وصل إِلَى مَدِينَة سَالم فَوجه ابْنه عبد الْملك ليخبر هشاماً بِمَا ترك عَلَيْهِ أَبَاهُ وَتُوفِّي لَيْلَة الِاثْنَيْنِ لثلاث بَقينَ من شهر رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة قيل وَدفن بِمَدِينَة سَالم وقبره بهَا وَكَانَ عَلَيْهِ مَكْتُوبًا
آثاره تنبيك عَن أخبارهحَتَّى كَأَنَّك بالعيان ترَاهُ
تالله لَا يَأْتِي الزَّمَان بِمثلِهِأبدا وَلَا يحمى الثغور سواهُ
وعَلى مَا كَانَ عَلَيْهِ من الهيبة والرهبة فقد كَانَ لَهُ حلم وَاحْتِمَال مَعَ محبَّة للْعلم وإيثار للأدب وإكرام لمن ينتسب إِلَيْهِمَا يحْكى أَن أَبَا مُحَمَّد الْبَاجِيّ الراوية دخل عَلَيْهِ وَقَالَ أصلحك الله يَا حَاجِب وحفظك ووفقك وَأحسن عونك فَرد عَلَيْهِ ابْن أبي عَامر أجمل رد وبجله ووقره وَأدنى مَكَانَهُ حَتَّى أقعده إِلَى جَانِبه وَقَالَ لَهُ كَيفَ أَنْت الْيَوْم وحالك فَقَالَ لَهُ بِخَير مَا كنت بِهِ ثمَّ قَالَ لَهُ الْبَاجِيّ أَي وَالِد كَانَ لَك رَحْمَة الله عَلَيْهِ كَانَ وَالله
مَا علمت من أهل الْخَيْر والعافية وَالصَّلَاح والعفة والحرص على الطّلب والمعرفة اخْتلف معي إِلَى مُحَمَّد بن عمر بن لبَابَة وَإِلَى أَحْمد بن خَالِد وَإِلَى مُحَمَّد بن فطيس اللبيرى وَغَيرهم وَكَانَ لي خير صديق وَصَاحب أنتفع بِهِ وَينْتَفع بِي وأقابل مَعَه كتبه وكتبي وَلم يكن فضولياً الْبَتَّةَ وَأما أَنْت فَلم تمتثله وأدخلت يدك فِي الدُّنْيَا فانغمست فِي لجها وَطلبت الفضول فَعلمت أَخْبَارًا كَثِيرَة وأوبقت نَفسك وَالله يَا مغرور وَعز على انتشابك فَقَالَ لَهُ ابْن أبي عَامر يَا فَقِيه هَكَذَا صَاحب الدُّنْيَا لَا بُد أَن يخلط خيرا بشر وَيَأْتِي مَعْرُوفا ومنكراً وَالله يَتُوب على من يَشَاء برحمته وَسَأَلَهُ الْبَاجِيّ إِثْر هَذَا رفع الغرامة عَن مَاله بإشبيلية فَأمر بإسقاطها وَوَصله ببدرة دَرَاهِم كَامِلَة ومنديل كسْوَة تشاكله فِيهَا خلعة تَامَّة وَمن شعره يفخر
رميت بنفسي هول كل عَظِيمَةوخاطرت وَالْحر الْكَرِيم مخاطر
وَمَا صَاحِبي إِلَّا جنان مشيعوأسمر خطي وأبيض باتر
وَمن شيمي أبي على كل طَالبأَجود بِمَال لَا تقيه المعاذر
وَإِنِّي لزجاء الجيوش إِلَى الوغىأسود تلاقيها أسود خوادر
لسدت بنفسي أهل كل سيادةوكاثرت حَتَّى لم أجد من أكاثر
وَمَا شدت بنياناً وَلَكِن زِيَادَةعلى مَا بنى عبد المليك وعامر
رفعنَا الْمَعَالِي بالعوالي حَدِيثهوأورثناها فِي الْقَدِيم معافر
النص من طبعة دار المعارف بالقاهرة (١٩٨٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع