تجاوز إلى المحتوى

من «الحلة السيراء» لابن الأبار (ت ٦٥٨هـ)

الْمِائَة الْخَامِسَة (٦)

كتب لأبي مُحَمَّد بن لبّون صَاحب لورقة وَخَلفه عَلَيْهَا بعد وَفَاته واستبد

بضبطها دون بنيه إِلَى أَن تخلى عَنْهَا للمعتمد مُحَمَّد بن عباد وَنَدم عَلَيْهِ بقرطبة وَحضر غَزْوَة الزّلاّقة مَعَه وَذكر أَبُو بكر بن قَاسم الشّلبي فِي تَارِيخه الْمَجْمُوع فِي أَخْبَار ابْن عمّار مَا يُخَالف هَذَا وَسَيَأْتِي نَصه بعد إِن شَاءَ الله تَعَالَى كَانَ ابْن اليسع مَاجِنًا صَاحب بطالة وراحة أديباً شَاعِرًا وَهُوَ الْقَائِل يُخَاطب أَبَا بكر ابْن اللبانة

تشرق آمالي وسعيى يغرّبوتطلع أوجالي وأنسي يغرب
سريت أَبَا بكر إِلَيْك وَإِنَّمَاأَنا الْكَوْكَب الساري تخطاه كَوْكَب
فبالله إِلَّا مَا منحت تَحِيَّةتكرّ بهَا السّبع الدراري وَتذهب
وَبعد فعندي كلّ علق تصونهخلائق لَا تفني وَلَا تتقلب
كتبت على حَالين بعد وعجمةفيا لَيْت شعري كَيفَ ندنو فنعرب

وَكَانَ فِي لَيْلَة الشَّك من شعْبَان بِخَارِج قرطبة إِذْ قدم على الْمُعْتَمد فِي لمّة من أعيانها مِنْهُم أَبُو الْحُسَيْن بن سراج وَقد غلبوه على الْمسير مَعَهم فَخرج مكْرها وغرضه الاسْتِرَاحَة وَكَانَ تَحْتَهُ فرس عَتيق فَأخذ مَعَهم فِي أمره حِيلَة فِي إجرائه والانفصال عَنْهُم على تِلْكَ الْحَال وركضه موليا عَنْهُم وراجعاً إِلَى منزله ليخلو براحته فَمَا انصرفوا إِلَّا وهلال رَمَضَان ظَاهر فَكتب إِلَيْهِ أَبُو الْحُسَيْن ابْن سراج

عمري أَبَا حسن لقد جِئْت الَّتِيعطفت عَلَيْك ملامة الإخوان
للشاعر سراج بن عبد الملك بن سراج، اقرأ القصيدة
لما رَأَيْت الْيَوْم ولّى عمرهوَاللَّيْل مقتبل الشبيبة دَان
للشاعر سراج بن عبد الملك بن سراج، اقرأ القصيدة
وَالشَّمْس تنفض زعفراناً بالرّبىوتفتّ مسكتها على الْغِيطَان
أطلعتها شمسا وَأَنت عُطَارِدوخففتها بكواكب النّدمان
للشاعر سراج بن عبد الملك بن سراج، اقرأ القصيدة
وأتيت بدعاً فِي الْأَنَام مخلداًفِيمَا قرنت ولات حِين قرَان
ولهيت عَن خلّي صفاء لم يكنيلهيهما عَنْك اقتبال زمَان
للشاعر سراج بن عبد الملك بن سراج، اقرأ القصيدة
غَنِيا بذكرك عَن رحيق سلسلوَحَدَائِق خضر وعزف قيان
للشاعر سراج بن عبد الملك بن سراج، اقرأ القصيدة
ورضيت فِي دفع الْمَلَامَة أَن ترىمُتَعَلقا بالعذر من حسّان
للشاعر سراج بن عبد الملك بن سراج، اقرأ القصيدة

فَرَاجعه بقوله

وَأَنا أَسَأْت فَأَيْنَ عفوك مُجملاهبني عصيت الله فِي شعْبَان
لَو زرتني والآن تحمد زورتيكنت الْهلَال أَتَى بِلَا رَمَضَان

وَله فِي أبي بكر بن القبطورنة يستهدي مشروباً وَهُوَ ببطليوس فِي غزَاة الزلاّقة

عطشت أَبَا بكر وكفّك دِيمَةوذبت اشتياقاً والمزار قريب
فخفّف وَلَو بعض الَّذِي أَنا وَاجِدفَلَيْسَ بحقّ أَن يضاع غَرِيب
ووفّر لنا من تِلْكَ حظاًّ نرى بِهِنشاوي وَبعد الْغَزْو سَوف نتوب

فوجّه إِلَيْهِ مَطْلُوبه وتضييفاً مَعَه وَكتب إِلَيْهِ

أَبَا حسن مثلي بمثلك عَالموَمثلك بعد الْغَزْو لَيْسَ يَتُوب
للشاعر الوزير أبو بكر ابن القُبطُرنة البطليوسي، اقرأ القصيدة
فَخذهَا على مَحْض الصفاء كَأَنَّهَاسنا مَالهَا بعد الْحساب ثؤوب
للشاعر الوزير أبو بكر ابن القُبطُرنة البطليوسي، اقرأ القصيدة

وَله إِلَى أبي بكر بن عمار

لما دَنَوْت وَعِنْدِيحَظّ من الشوق واف
قدّمت قلبِي قبليفصنه حَتَّى أوافي

وَلما تحرّك الْمُعْتَمد إِلَى لورقة فِي الْجَيْش الَّذِي ترك عِنْده ابْن تاشفين

بعد غَزْوَة الزلافة وغرضه التَّمَكُّن من ابْن رَشِيق لتمنّعه عَلَيْهِ بمرسية كتب إِلَيْهِ أَبُو الْحسن بن اليسع وَقد قرب مِنْهُ

هذي سماؤك فلتصعد إِلَى أملأمنيتي مِنْهُ رعيي فِي كواكبها
منعتها وملوك الْوَقْت تطلبهاسعياً لملكك فلتهنأ بِهِ وَبهَا

وَقصد الْمُعْتَمد مرسية فِي هَذِه الْحَرَكَة فَلم يظفر مِنْهَا بطائل وخدعه ابْن رَشِيق وداخل الواصلين مَعَه من المرابطين على جَيش ابْن تاشفين فَانْصَرف إِلَى إشبيلية وَفِي سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة حرك الْمُعْتَمد ابْن تاشفين للغزو بعد أَن أجَاز إِلَيْهِ الْبَحْر ولقيه على وَادي سبوا وبمنعطف مِنْهُ يعرف بالدّخلة فقصدوا جَمِيعًا حصن ألييط وَبَينه وَبَين لورقة اثْنَا عشر ميلًا وَالروم يعيثون مِنْهُ فِيمَا حوله وَابْن رَشِيق يعينهم وَعلم الطاغية أذفونش بذلك فَتحَرك لغياث الْحصن والدفاع عَن أَهله فَوَقع الانزعاج واستراب ابْن تاشفين وتحيز إِلَى لورقة وَأقَام هُنَاكَ أَيَّامًا وَيُقَال إِن جَيش الطاغية فِي حركته هَذِه نيّف على ثَمَانِيَة عشر ألفا بَين خيل وَرجل فأهلكهم الله بالوباء وَلم ينْصَرف إِلَّا فِي أقل من خَمْسَة آلَاف وَلما فصلت جيوش الْمُسلمين مَعَ ابْن تاشفين وَقد صَار أَمر مرسية إِلَى الْمُعْتَمد وَكَانَ ابْن رَشِيق فِي قَبضته ترك ابْن اليسع على لورقة والياً وَترك ابْن رَشِيق مسجوناً عِنْده فَقَالَ فِي ذَلِك أَبُو الْحسن جَعْفَر بن إِبْرَاهِيم بن الْحَاج اللورقي

قل لي ابْن لي هَل تأملتهاأَو هَل تدبرت لَهَا عاقبه
بالْأَمْس أعيتك رشيقيةوَالْيَوْم أحدثت لَهَا صَاحبه

هَذَا خبر ابْن الشّلبي مَعَ مَا انضاف إِلَيْهِ من غَيره

حريز بن حكم بن عكّاشة

صحب أَبوهُ حكم أَبَا الْحسن إِبْرَاهِيم بن يحيى الْمَعْرُوف بِابْن السّقاء وَزِير أبي الْوَلِيد بن جهور رَئِيس قرطبة فسجن عِنْد قَتله مَعَ أَصْحَاب الجرائم

إِلَى أَن هرب من محبسه وَلحق بالمأمون بن ذِي النُّون فنصح لَهُ وَكَانَ شهماً صَارِمًا فولاه بعض الْحُصُون الْمُجَاورَة لقرطبة فَدَخلَهَا بعد خلع بني جهور فِي خبر طَوِيل وَقتل أميرها حِينَئِذٍ عبّاداً الملقب بسراج الدولة بن الْمُعْتَمد مُحَمَّد ابْن عباد وَبعث بِرَأْسِهِ إِلَى الْمَأْمُون وَهُوَ ببلنسية وَذَلِكَ فِي سنة سبع وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة فورد الْمَأْمُون قرطبة وَأقَام بهَا نَحوا من سِتَّة أشهر تمّ توفّي فِي ذِي الْقعدَة من السّنة الْمَذْكُورَة وَاحْتمل إِلَى طليطلة فَدفن بهَا وَبَقِي حكم ابْن عكاشة بقرطبة نَائِبا عَن الْقَادِر يحيى بن إِسْمَاعِيل بن الْمَأْمُون بن ذِي النُّون بعد أَن جددت لَهُ الْبيعَة بهَا وَبلغ ذَلِك الْمُعْتَمد مُحَمَّد بن عباد فَأقبل فِي جموعه طَالبا بثأر ابْنه عباد وَعلم ابْن عكّاشة أَنه لَا طَاقَة لَهُ بِهِ فهرب عِنْد ذَلِك وَأسلم قرطبة فَدَخلَهَا الْمُعْتَمد وَأتبعهُ خيلاً لحقته فَقتل وَجِيء لَهُ بِهِ فصلب مَعَ كلب

وَولى ابْنه حريز هَذَا قلعة رَبَاح للقادر بن ذِي النُّون وَهُوَ الَّذِي

امتحن أَبَا الْحسن بن السّيد البطليوسي لما اتهمه وكاتبه بمداخلة المتَوَكل بن الْأَفْطَس صَاحب بطليوس فبطش بالكاتب وأفات نَفسه وَحبس أَبَا الْحسن فِي بَيت ضيق وَكَانَ يجْرِي عَلَيْهِ رغيفا لَا شَيْء مَعَه إِلَّا أَن ضعف وَهلك

وَقتل حريز فِي سنة ثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة على حصن مسطاسة وَقد كَانَ

أهل فحص البلوط أسروه وسيق إِلَى الْمُعْتَمد فمنّ عَلَيْهِ وَأطْلقهُ وَمن شعره مَا حكى الْفَتْح بن عبيد الله فِي كتاب مطمح الْأَنْفس من تأليفه أَن الْوَزير أَبَا مَرْوَان بن مثنى كتب إِلَيْهِ

يَا فريداً دون ثَانوهلالاً فِي العيان
عدم الراح فَصَارَتمثل دهن البلسان

فَبعث بمطلوبه وجاوبه بقوله

جَاءَ من شعرك روضجاده صوب الْبَيَان
فبعثناها سلافاًكسجاياك الحسان
يَا فريداً لَا يجاريبَين أَبنَاء الزَّمَان

عبد الله بن عبد الْعَزِيز الْبكْرِيّ أَبُو عبيد الْوَزير

هُوَ عبد الله بن عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد بن أَيُّوب بن عَمْرو من أَبنَاء الْأُمَرَاء يكنى أَبَا عبيد الله ولى أَبُو زيد مُحَمَّد بن أَيُّوب ولبة وشلطيش وَمَا بَينهمَا من الثغر الغربي وأصلهم من لبلة

وَكَانَ أَيُّوب بن عَمْرو قد ولى خطة الردّ بقرطبة وَولى أَيْضا الْقَضَاء بِبَلَدِهِ وَسَماهُ ابْن حيّان فِي الَّذين سمعُوا من هِشَام الْمُؤَيد مَا أَمر بعقده للمنصور مُحَمَّد بن أبي عَامر مجدّداً للألفة وسمّى مَعَه مُحَمَّد بن عَمْرو وأخاه وتاريخ هَذَا العقد شهر صفر سنة سبع وَثَمَانِينَ وثلاثمائة وَذكر أَبُو الْقَاسِم بن بشكوال أَيُّوب بن عَمْرو الْمَذْكُور فِي تَارِيخه

قَالَ ابْن حَيَّان لما تولى الْوَزير أَبُو الْوَلِيد بن جهور الْإِصْلَاح بَين ابْن الْأَفْطَس والمعتضد بعد امتداد شأوهما فِي الْفِتْنَة وسنى الله السّلم بَينهمَا فِي شهر ربيع الأول سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين يَعْنِي وَأَرْبَعمِائَة اعْتدى إِثْر ذَلِك المعتضد على جَارِيَة ابْن يحيى أَمِير لبلة وَأبي زيد الْبكْرِيّ أَمِير شلطيش وولبة فأخرجهما عَن سلطانهما الْمَوْرُوث وَحصل لَهُ عملهما بِلَا كَبِير مؤونة وضمه إِلَى سَائِر عمله العريض وازداد بذلك المعتضد سُلْطَانا وَقُوَّة وَذَلِكَ أَنه لما خلا وَجهه من المظفر بن الْأَفْطَس فرغ لِابْنِ يحيى بلبلة وصمّم فِي قَصده بِنَفسِهِ فَنزل لَهُ عَن لبلة وَخرج عَن الْبَلَد وانزعج إِلَى قرطبة مسلوب الْإِمَارَة لائذاً بكنف ابْن جهور سادّ الخلّة ومأوى الطريد وَكَانَ من الْغَرِيب النَّادِر أَن شَاركهُ المعتضد بِقِطْعَة من خيله وصّلته إِلَى مأمنه بقرطبة

ثمَّ سقط إِلَيْنَا النبأ بعد بامتداد يَده إِلَى الْبكْرِيّ بولبة وشلطيش وَكَانَ

هَذَا الْفَتى وَارِث ذَلِك الْعَمَل لِأَبِيهِ وَكَانَ أَبوهُ من بَيت الشّرف والحسب والجاه وَالنعْمَة والاتصال الْقَدِيم بسُلْطَان الْجَمَاعَة وَكَانَ لَهُ ولسلفه إِلَى إِسْمَاعِيل بن عبّاد جدّ المعتضد وَسَائِل وأذمّة خلّفاها فِي الأعقاب اغترّ بهَا عبد الْعَزِيز الْبكْرِيّ فبادر الْبعْثَة إِلَى المعتضد سَاعَة دخل لبلة يهنئه بِمَا تهَيَّأ لَهُ مِنْهَا وذكّره بالذّمام الْمَوْصُول بَينهمَا واعترف بِطَاعَتِهِ وَعرض عَلَيْهِ التخلي عَن ولبة وَإِقْرَاره بشلطيش إِن شَاءَ فَوَقع ذَلِك من المعتضد موقع إِرَادَة ورد الْأَمر إِلَيْهِ فِيمَا يعزم عَلَيْهِ وَأظْهر الرَّغْبَة فِي لِقَائِه وَخرج نَحوه يَبْغِي ذَلِك فَلم يطمئن عبد الْعَزِيز إِلَى لِقَائِه وتحمّل بسفنه جَمِيع مَاله إِلَى جَزِيرَة شلطيش وتخلى للمعتضد عَن ولبة فحازها حوزه للبلة وَبسط الْأمان لأَهْلهَا وَاسْتعْمل عَلَيْهَا ثِقَة من رِجَاله ورسم لَهُ الْقطع بالبكري وَمنع النَّاس طراًّ من الدُّخُول إِلَيْهِ فَتَركه محصوراً وسط المَاء إِلَى أَن ألْقى بِيَدِهِ من قرب وَلم يعزب عَنهُ الحزم فَسَأَلَ المعتضد أَن ينْطَلق انطلاق صَاحبه فأمّنه وَلحق بقرطبة

وبوشر مِنْهُ رجل سريّ عَاقل عفيف أديب يفوت صَاحبه ابْن يحيى خلالاً وخصالاً إِلَى زِيَادَة عَلَيْهِ بِبَيْت السرو والشرف وبابن لَهُ من الفتيان بذّ الأقران جمالاً وبهاء وسرواً وأدباً وَمَعْرِفَة يكنى أَبَا عبيد

وتحدث النَّاس من حزم عبد الْعَزِيز يَوْمئِذٍ أَنه لما احتل شلطيش علم أَنه لَا يُقَاوم عبّاداً فَأخذ بالحزم أَولا وتخلى لَهُ عَنْهَا بِشُرُوط وفى لَهُ بهَا فَبَاعَ مِنْهُ

سفنه وأثقاله بِعشْرَة آلَاف مِثْقَال واحتل قرطبة فِي كنف ابْن جهور الْمَأْمُون على الْأَمْوَال والأنفس وصفت لعبّاد تِلْكَ الْبِلَاد لَو أَن شَيْئا يَدُوم صفاؤه وَالْملك الْبَاقِي لله وَحده

وَحكى غَيره أَن الْبكْرِيّ فِي قَصده قرطبة اجتاز بإقليم البصل وطلياطة وَقد أعدّ المعتضد لَهُ النزل والضيافة هُنَالك ومذهبه الْقَبْض عَلَيْهِ وعَلى نعْمَته فقدّم إِلَى صَاحب قرمونة مُحَمَّد بن عبد الله البرزالي يُعلمهُ باجتيازه عَلَيْهِ وَبِأَنَّهُ لَا يَأْمَن غائلة عبّاد وَسَأَلَهُ مشاركته وخفارته فعجّل لَهُ

قِطْعَة من خيل مُجَرّدَة لَقيته بِموضع اتفقَا عَلَيْهِ وَلم يلو الْبكْرِيّ على مَوضِع النزل وحث حمولته حَتَّى لفيته خيل ابْن عبد الله فوصل مَعهَا إِلَى قرمونة ثمَّ توجه مِنْهَا إِلَى قرطبة وَنَجَا من حبائل المعتضد

قَالَ وَكَانَت مُدَّة البكرتيين بشلطيش وَمَا إِلَيْهَا إِحْدَى وَأَرْبَعين سنة

فِي أول هَذَا الْخَبَر عَن ابْن حَيَّان ذكر ابْن يحيى وَأبي زيد الْبكْرِيّ

وَأَبُو زيد إِنَّمَا هُوَ مُحَمَّد بن أَيُّوب وَالِد عبد الْعَزِيز وَلم يدْرك المعتضد زَمَانه وَأما عبد الْعَزِيز فكنيته أَبُو المصعب وَكَانَ جواداً ممدحاً وَفِيه يَقُول أَبُو عَليّ إِدْرِيس بن الْيَمَانِيّ من قصيدة فريدة وَكَانَ إِدْرِيس هَذَا مقدما فِي فحول شعراء الأندلس

فدى للَّتِي لم يثن لين فؤادهاعلى كبد جَار الْفِرَاق فآدها
من الْبيض ريا فِي رِدَاء ذوائبيباري سَواد الْعين مِنْهَا سوادها

يَقُول فِيهَا

( ... ... .... الرَّوْض ... .... ... سَقَاهَا الصِّبَا السلسال حَتَّى أنادها)

تقود بِلَا رفق خُيُول مدامعيلتورد هيجاء الملام ورادها
وَمَا أنصفتها حِين ضنت بجودهاعَلَيْهَا وحثّت بالطّراد جيادها
أفدت غَدَاة الْبَين مِنْهَا التماحةشكرت صَنِيع الْبَين بِي إِذْ أفادها
أعيدي سقِِي مثواك ألعس أشنبإِذا مَرضت أَرض الْأَحِبَّة جادها
يضوع بواديك الأغنّ أغانياًمَتى مَا يعدها لم تملّ معادها
إِذا مَا أجادت كفّه حول رَوْضَةحَسبنَا جدي عبد الْعَزِيز أجادها

ثمَّ تصرف فِي المديح تصرفه فِي النسيب وَأحسن وأبدع

وَابْن يحيى هُوَ يحيى بن أَحْمد بن يحيى اليحصبيّ من أهل لبلة استولى عَلَيْهَا أَحْمد أَبوهُ فِي بضع عشرَة وَأَرْبَعمِائَة وملكها نَحوا من عشْرين سنة إِلَى أَن مَاتَ سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ فوليها بعده

وَكَانَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ من مفاخر الأندلس وَهُوَ أحد الرؤساء الْأَعْلَام وتواليفه قلائد فِي أجياد الْأَيَّام ذكره ابْن بشكوال فِي تَارِيخه وَحكى أَنه كَانَ يمسك كتبه فِي سنباني الشّرب وَغَيرهَا إِكْرَاما لَهَا قَالَ وَجمع كتابا فِي إِعْلَام

نبوة نَبينَا ﷺ أَخذه النَّاس عَنهُ وَتُوفِّي فِي شَوَّال سنة تسع وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة

وَحكى الْفَتْح بن عبيد الله فِي مَا وجد بِخَط ابْن حيّان على زَعمه أَن أَبَا عبيد صَار إِلَى مُحَمَّد بن معن صَاحب المرية فاصطفاه لصحبته وآثر مُجَالَسَته والأنس بِهِ وَرفع مرتبته ووفر طعمته وَمن شعره يُخَاطب أَبَا الْحسن إِبْرَاهِيم ابْن مُحَمَّد بن يحيى الْمَعْرُوف بِابْن السّقاء وَزِير أبي الْوَلِيد بن جهور بقرطبة وَقد خرج رَسُولا إِلَى باديس بن حبّوس بغرناطة أنشدها لَهُ ابْن حيّان فِي تَارِيخه الْكَبِير ونقلتها من خطّ أبي الْوَلِيد بن الدّباغ المحدّث

كَذَا فِي بروج السعد ينْتَقل الْبَدْروتحسن حَيْثُ احتلّ آثاره الْقطر
وتقتسم الأَرْض الحظوظ فبقعةلَهَا وافر مِنْهَا وَأُخْرَى لَهَا نزر
لذلّ مَكَان غَابَ عَنهُ مملّكيوعزّ مَكَان حلّه ذَلِك الْبَدْر
فَلَو نقلت أَرض خطاها لأقبلتتهنيه بَغْدَاد بقربك أَو مصر

وَله فِي الْمُعْتَمد مُحَمَّد بن عباد عِنْد إِجَازَته الْبَحْر مستجيراً بِيُوسُف بن تاشفين

يهون علينا مركب الْفلك أَن يرىمحيي الْعلَا لما نبا مركب الجدّ
فجزت أجاج الْبَحْر تبغي زلالهوذقت جني الْأَهْوَال تبغي جني الشهد
يذكرنَا ذَاك الْعباب إِذا طماندى كفك الهامي على الْقرب والبعد

وَمِنْهَا

مُحَمَّد يَا ابْن الأكرمين أرومةلِيَهنك تشييد المكارم وَالْمجد
فَلَو خلّد الْإِنْسَان بالمجد والتّقىوآلائه الْحسنى لهنّئت بالخلد

وَله

أجدّ هوى لم يأل شوقاً تجدداًووجداً إِذا مَا أتهم الحبّ أنجدا
وَمَا زَالَ هَذَا الدَّهْر يلحن فِي الورىفيرفع مجروراً ويخفض مبتدا
وَمن لم يحط بِالنَّاسِ علما فإننيبلوتهم شَتَّى مسوداً وَسَيِّدًا

وَله وَكَانَ مُولَعا بِالْخمرِ منهمكا فِيهَا

خليلي إِنِّي قد طربت إِلَى الكاسوتقت إِلَى شم البنفسج والآس
فَقومُوا بِنَا نَلْهُو ونستمع الْغِنَاونسرق هَذَا الْيَوْم سراًّ من النَّاس
فَلَيْسَ علينا فِي التّعلّل سَاعَةوَإِن وَقعت فِي عقب شعْبَان من باس

النص من طبعة دار المعارف بالقاهرة (١٩٨٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الحلة السيراء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.