من «الحلة السيراء» لابن الأبار (ت ٦٥٨هـ)
الْمِائَة الْخَامِسَة (٥)
الصفحة ١ من ٢
وَهَذَا أَيْضا مِمَّا نبّهت عَلَيْهِ قبل وعَلى وُقُوعه نَادرا حَتَّى لَا تعتل صِحَة المحكي عَنهُ من ضيَاع منظوماته فِي الانتجاع على أَن حكم العتاب خَارج عَن هَذَا الْبَاب
وَأما قصائده الشهيرة فِي الْمُعْتَمد وبنيه فلتوفيه حق الاصطناع وتعفيه مَا أوقعه فِي الارتياع وَدفعه إِلَى الاستعطاف والاستشفاع وَإِن أطلت ب بِحَسب الِاضْطِرَار الْكَلَام واستسهلت فِي دَعْوَى الِاخْتِصَار الملام فلغرابة هَذِه الْأَخْبَار وبراعة مَا يتخللها من الْأَشْعَار
ونعود إِلَى خبر ابْن رَشِيق مَعَ ابْن عمار وَمَا آل إِلَيْهِ أمره بعد ذَلِك ذكر أَبُو بكر مُحَمَّد بن يُوسُف بن قَاسم الشلبي مَا تلخيصه وإيجازه مَعَ زيادات تخيرتها وَبَعضه على الْمَعْنى دون اللَّفْظ أَن ابْن رَشِيق لما قرئَ كِتَابه المتضمن دُخُوله مرسية بإشبيلية ارْتَاحَ ابْن عمار وأعمل نظره فِي اللحاق بهَا وَأَشَارَ على الْمُعْتَمد بذلك فَمَا خَالفه فواقاً فَلم يتْرك ابْن عمار بإشبيلية فِي ملك سُلْطَانه وَلَا ملك أحد من معارفه فرسا عتيقاً وَلَا مَطِيَّة وَلَا زاملةً إِلَّا استخرج ذَلِك من أَيْديهم رَغْبَة وَرَهْبَة حَتَّى لاجتمع لَهُ مائَة جنيبة وَمِائَة زاملة وأحضر لَهُ التُّجَّار مَا بِأَيْدِيهِم على اخْتِلَاف بضائعهم من الديباج والخز إِلَى مَا دون ذَلِك من نَفِيس الكسا ليعمّ بذلك أهل مرسية على قدر مَنَازِلهمْ عِنْده وَلم يخف عَن ابْن عباد وَجه مُرَاده فَلَمَّا سلم عَلَيْهِ مودعاً قَالَ لَهُ سر إِلَى خيرة الله وَلَا تظن أَنِّي مخدوع فَقَالَ لست بمخدوع وَلَكِنَّك مُضْطَر فحلم عَنهُ
وَخرج من إشبيلية على بَاب مقرانة وَأقَام بظاهرها أَرْبَعَة أَيَّام يَسْتَوْفِي أغراضه ثمَّ رفع ألويته وقرع طبوله وَسَار لَا يمر بِبَلَد من أَعمال ابْن عباد إِلَّا استخرج مِنْهُ كل ذخيرة حَتَّى وصل إِلَى مرسية فَدَخلَهَا فِي يَوْم مَشْهُور وَابْن رَشِيق بَين يَدَيْهِ قد برز لَهُ وَخرج يزفه إِلَى الْقصر وَجلسَ فِي الْيَوْم الثَّانِي مجْلِس التهنئة للخواص والعوام فسجعت الشُّعَرَاء بأمداحه وَقد تزييّ بزيّ
ابْن عباد فِي حمل الطّويلة على رَأسه وَحَكَاهُ فِي التَّعْبِير وَكتب ينفذ هَذَا إِن شَاءَ الله فِي أَسْفَل قرطاسه وتحتّم فِي كلتا يَدَيْهِ وبلغه أَن ابْن عبد الْعَزِيز عَابَ ذَلِك عَلَيْهِ فَكتب إِلَيْهِ
قل للوزير وَلَيْسَ رَأْي وَزِيرأَن يتبع التنزير بالتندير
إِن الوزارة لَو سلكت سَبِيلهَاوقف على التعزيز والتوقير
وَأرى الفكاهة جلّ مَا تَأتي بِهِرحماك فِي التَّعْجِيز والتصدير
وصلت دعابتك الَّتِي أَهْدَيْتهَافِي خَاتم التَّأْمِين والتأمير
وأظنها للطاهريّ فَإِن تكنفخليقة التَّقْدِيس والتطهير
وَلَعَلَّ يَوْمًا أَن يصيّر نَعتهفِي طِينَة التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير
وَترى بلنسية وَأَنت قدارهاسينالها التّدمير من تدمير
وَحكى غَيره أَن ابْن طَاهِر هُوَ الَّذِي غمز على رَسُول ابْن عمار الْمعلم بخاتميه وَأَنه نسب أَحدهمَا للمؤتمن بن هود وَالثَّانِي لأذفونش بن فردلند وَترْجم أَبُو الطَّاهِر التَّمِيمِي على هَذِه الْقطعَة فِي مَجْمُوعَة من شعر ابْن عمار قَالَ وَله للوزير الْأَجَل أبي بكر بن عبد الْعَزِيز وَقد ندّر فِيهِ حِين بلغه أَن أذفونش ملك الرّوم أعطَاهُ خَاتمًا عِنْد اجتماعه بِهِ ولياذه فِرَارًا من الوحشة الْوَاقِعَة بَينه وَبَين ابْن عباد وتخوفاً مِنْهُ فَقَالَ أخاتم التأمير أم خَاتم التَّأْمِين فَقَالَ ابْن عمار واعتقد إنفاذها إِلَيْهِ وَذكر الأبيات وَزَاد فِي آخرهَا
فرسا رهان أَنْتُمَا فتجاريالنقول فِي التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير
قَالَ ابْن بسام وَاسْتعْمل ابْن عمار خساس عبيده على الْحُصُون وأقطعهم الضّيَاع وَأعْرض عَن النصيح وَأَقْبل على الغبوق والصّبوح وَابْن رَشِيق فِي خلال ذَلِك يسْتَبْدل أُولَئِكَ الأوباش ببني أخوته وأخواته وَكَانُوا جمَاعَة حَتَّى إِذا صَارَت عَن آخرهَا فِي ضَبطه وَعلم أَن أَمر ابْن عمار قد نقل لِابْنِ عباد
قطع عَنهُ تِلْكَ الْموَاد وأغرى الأجناد بِطَلَب أَرْزَاقهم مِنْهُ فأيقظته الضَّرُورَة من سنة البطالة وَفِي مُدَّة إقباله على سفاهته كَانَ ابْن عباد يستلطفه بأعيان الْأَصْحَاب فيذكّرونه بالأذمّة ويوعدونه على وجاهر بِهِ وَكتب إِلَيْهِ الْمُعْتَمد
تغيّر لي فِيمَن تغير حَارِثوَرب خَلِيل غيرته الْحَوَادِث
أحارث إِن شوركت فِيك فطالمانعمنا وَمَا بيني وَبَيْنك ثَالِث
فجاوبه ابْن عمار
لَك الْمثل الْأَعْلَى وَمَا أَنا حَارِثوَلَا أَنا مِمَّن غيرته الْحَوَادِث
وَلَا شاركتك الشَّمْس فيّ وَإنَّهُلينأى بحظي مِنْك ثَان وثالث
فديتك مَا للبشر لم يسر برقهوَلَا نفحت تِلْكَ السجايا الدمائث
أَظن الَّذِي بيني وَبَيْنك أذهبتحلاوته عني الرِّجَال الأخابث
تنكّرت لَا أَنِّي لفضلك ناكرلديّ وَلَا أَنِّي لعهدك ناكث
وَلَكِن ظنون ساعدتها نمائمكَمَا ساعدت صَوت المثاني المثالث
أبعد انقضا خمس وَعشْرين حجَّةتجافت لنا عَنْهَا الخطوب الكوارث
مَضَت لم ترب مني أُمُور شوائبوَلَا تليت عني مساع خبائث
حللت يدا بِي هَكَذَا وتركتنينهاباً وللأيام أيد عوابث
وَهل أَنا إِلَّا عبد طَاعَتك الَّتِيإِذا مت عَنْهَا قَامَ بعدِي وَارِث
أعد نظرا لَا توهن الرَّأْي إِنَّهقَدِيما كبا هاف وَأدْركَ رائث
ستذكرني إِن بَان حبلي وأصبحتتَئِنُّ بكفيك الحبال الرثائث
وتطلبني إِن غَابَ للرأي حَاضروَقد غَابَ مني للخواطر باعث
أعوذ بِعَهْد نطته بك أَن ترىتحل عراه العاقدات النوافث
وَذكر ابْن بسام هَذَا الشّعْر بعد أَن قَالَ وأفضت الْحَال بالرشيد إِلَى الاعتقال بأيدي نَصَارَى الإفرنجة فِي جملَة من المَال كَانُوا أَكْثرُوا بهَا فَحَسبُوا الرشيد بِسَبَبِهَا إِلَى أَن افتكّه أَبوهُ الْمُعْتَمد فِي خبر طَوِيل وَابْن عمار صَاحب ذَلِك الرحيل والملوم فِي الْمَعْلُوم من أمره والمجهول وَفَسَاد حَاله عِنْد الْمُعْتَمد يتزايد وتدابره يتساند وَفِي أثْنَاء مَا وَقع من تَدْبِير تِلْكَ الْأُمُور ونجوم ذَلِك الاستيحاش والتغيير خاطبه الْمُعْتَمد عاتباً متمثلاً بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ وَقد كَانَ خرج عَنهُ وأوردهما وَجَوَاب ابْن عمار إِلَى آخِره
قَالَ ابْن قَاسم فَكَانَ لَا ينثني عَن هَوَاهُ وَلَا يزلّ عَن مرقاة حَتَّى قَالَ لَهُ من كَانَ يعصيه من نصّاحه تعرف الْحصن الْفُلَانِيّ قَالَ نعم أَلَيْسَ صَاحبه فلَان من عَبِيدِي فَيَقُول لَهُ لَا وَالله مَا فِيهِ إِلَّا فلَان ابْن أخي ابْن رَشِيق أَو ابْن أُخْته وَجعل يعدد لَهُ المعاقل وَيذكر خُرُوجهَا من أَيدي ثقاته وَرِجَاله فَسقط فِي يَده وفر على وَجهه من مرسية إِلَى جليقية لاحقاً بأذفونش بن فردلند وشاكياً إِلَيْهِ غدر ابْن رَشِيق رَجَاء إعدائه عَلَيْهِ لم يذكر ابْن قَاسم مروره ببلنسّية فِي خُرُوجه من مرسية وَهُوَ صَحِيح وَفِي ذَلِك يَقُول يُخَاطب ابْن عبد الْعَزِيز صَاحبهَا وَقد أخرج إِلَى لِقَائِه رجلا استجهله
تناهيتم فِي برنا لَو سمحتمبِوَجْه صديق فِي اللِّقَاء وسيم
وسلسلتم رَاح البشاشة بَيْننَالَو أَنكُمْ ساعدتم بنديم
سألتمس الْعذر الْجَمِيل عَن الْعلَاوأحتال للفضل احتيال كريم
وأثني على روض الطلاقة بالجنيوَإِن لم أفز من نشره بنسيم
بخلتم بأعيان الرِّجَال على النَّوَىفَلم تصلونا مِنْهُم بزعيم
وَلَكِن سأستعدي الْوَفَاء وأقتضيسماحك بالأنس اقْتِضَاء غَرِيم
وَحكى ابْن بسام فِي أَخْبَار ابْن عمار من تأليفه أَنه قَالَ هَذَا الشّعْر فِي بعض رسالاته عَن الْمُعْتَمد واجتيازه ببلنسية لَا عِنْد فراره من مرسية
قَالَ ابْن الْقَاسِم وَقد كَانَ ابْن رَشِيق قدّم الحزم فاستمال أذفونش بألطافه وهداياه وغيّره على ابْن عمار فَانْصَرف خائباً وَيُقَال إِنَّه قَالَ لَهُ بِلِسَانِهِ يَا ابْن عمار مثلك مثل السَّارِق سرق السّرقَة فضيّعها حَتَّى سرقت مِنْهُ
وَعند ذَلِك عدل إِلَى سرقسطة بِظَاهِر الْخدمَة لواليها المؤتمن أبي عمر يُوسُف بن المقتدر بن هود والنيابة عَنهُ بالوزارة فَأمر لَهُ بدار تحمله وَمن مَعَه وأدرّ عَلَيْهِ من الإجراء مَا وسعهم ووسعه وتجافى عَنهُ مَعَ ذَلِك فَأَقَامَ على البطالة مُقبلا وَفِي ذَلِك يَقُول وَقد عذل عَن الإدمان
نقمتم عليّ الراح أدمن شربهَاوقلتم فَتى لَهو وَلَيْسَ فَتى مجد
وَمن ذَا الَّذِي قاد الْجِيَاد إِلَى الوغىسواي وَمن أعْطى كثيرا وَلم يكد
فديتكم لم تفهموا السرّ إِنَّمَاقليتكم جهدي فأبعدتكم جهدي
وَحكى غَيره أَنه سئم تِلْكَ الْحَالة فَرَحل إِلَى صَاحب لاردة المظفر حسام الدولة أبي عمر يُوسُف بن سُلَيْمَان المستعين وَكَانَ أكبر أَوْلَاده وَالَّذِي يحادّ المقتدر لما كَانَ عَلَيْهِ من الشجَاعَة وَالْأَدب الْمفضل بِهِ على أهل بَيته فَأكْرمه
وأنزله ثمَّ وكرّ عَائِدًا إِلَى سرقسطة وبلاردة قَالَ قصيدته الفريدة الَّتِي أَولهَا
عليّ وَإِلَّا مَا بكاء الغمائموفيّ وَإِلَّا مَا نياح الحمائم
وأنفذها إِلَى الْمُعْتَمد وَهِي تنيف على تسعين بَيْتا مر لَهُ فِيهَا إِحْسَان كثير وَمن فَاحش الْغَلَط قَول ابْن بسام أَن ابْن عمار قَالَ هَذِه القصيدة لما خَافَ من المعتضد لغلبته على ابْنه الْمُعْتَمد ففر من إشبيلية وَلحق بشرق الأندلس وَتمكن من المؤتمن بن هود قَالَ وَمن هُنَالك خاطبه بهَا فَلَمَّا قرعت سمع الْمُعْتَمد وجّه عَن ابْن عمار على التَّرْغِيب والتمكين واستوزره عدَّة سِنِين إِلَى الْمِيقَات الْمَضْرُوب وَالْأَجَل الْمَكْتُوب حكى ذَلِك فِي كتاب الذَّخِيرَة
وَفِي أَخْبَار ابْن عمار من تأليفه وَلَا أَدْرِي كَيفَ غَابَ عَنهُ أَن مَا ادَّعَاهُ لوصح كَانَ قبل السِّتين أَو الْخمسين وَأَرْبَعمِائَة وَولَايَة المؤتمن فِي جمادي الأول سنة أَربع وَسبعين وَلقَائِل أَن يَقُول لَعَلَّ ابْن عمار صَحبه فِي حَيَاة أَبِيه المقتدر وَهُوَ إِذْ ذَاك مرشح لمكانه فَيلْزمهُ أَن يَأْتِي على مقاله بِمَا يؤمنّه من إِبْطَاله والمتعارف أَن ابْن عمار لم يصحب المؤتمن بسرقسطة إِلَّا عِنْد فراره من مرسية فغلط ابْن بسام لَا خَفَاء بِهِ وَلَا امتراء فِيهِ
قَالَ ابْن قَاسم وَاتفقَ أَن انتزى عَام لِابْنِ هود يَعْنِي المؤتمن
فِي معقل منيع من أَعماله وَكَانَت بَينه وَبَين ابْن عمار معرفَة فضمن لَهُ استنزاله وَسَار إِلَيْهِ فَلَمَّا نزل بساحته تشوّف ذَلِك الْعَامِل إِلَى برّه وَلم ير بَأْسا فِي إرقائه إِلَى قَصَبَة حصنه فِي رجلَيْنِ من جملَته فأوعز ابْن عمار إِلَى الصاعدين مَعَه أَن صبا سيفكما عَلَيْهِ إِذا رأيتماني أماشيه ويدي فِي يَده وَلَو قتلتماني وإياه ففعلا ذَلِك وفر أَصْحَابه عِنْد قَتله وألقوا بِأَيْدِيهِم إِلَى ابْن عمار متطارحين عَلَيْهِ ومستشفعين بِهِ إِلَى المؤتمن فضمن لَهُم تأمينه إيَّاهُم وصفحه عَن جنايتهم وخاطبه بذلك فورد جَوَابه بإمضاء مَا ألتزمه عَنهُ من الإغضاء ولطف محلّه عِنْده واستأنف الاعتناء بشؤونه فخاطب الْمُعْتَمد فِي تَسْرِيح عِيَاله وأبنائه الَّذين بإشبيلية فَلم يبعد لَهُ عَن الْإِسْعَاف على أَنه كتب فِي أثْنَاء مُرَاجعَته يحذرهُ مِنْهُ
وَالشَّيْخ لَا يتْرك أخلاقهحَتَّى يواري فِي ثرى رمسه
إِذا ارعوى عَاد إِلَى ضِدّهكذى الضّنى عَاد إِلَى نكسه
قَالَ وَكَانَ إقبال الدولة عليّ بن مُجَاهِد صَاحب دانية قبل غَلَبَة ابْن هود عَلَيْهِ يَعْنِي المقتدر وَذَلِكَ فِي شعْبَان من سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة قد اسْتعْمل ابْنه سراج الدولة على معقل شقورة فَلَمَّا استولى المقتدر على دانية وَاحْتمل أَبَاهُ إِلَى سرقسطة انْفَرد هُوَ بشقورة وضبطها ثمَّ مَاتَ حتف أَنفه وَخلف على حرمه وَولده فِي قصبتها عَبْدَيْنِ أَبوهُمَا عبد لِأَبِيهِ من سبى سردانية هما إِبْرَاهِيم وَعبد الْجَبَّار ابْنا سُهَيْل فرأيا أَنَّهُمَا لَا يستقلان بضبط المعقل فَجعلَا يساومان بِهِ الرؤساء المحيطين بهما حَتَّى وصلت إشارتهما إِلَى المؤتمن بن هود فللذي اتّفق لِابْنِ عمار قبل مَعَ عَامل المؤتمن المنتزى عَلَيْهِ
سَوَّلت لَهُ نَفسه الخائنة إِعْمَال تِلْكَ الْحِيلَة فِي ابْني سُهَيْل أَو استنزالهما بالإرغاب فِي الثّمن فضمن لِابْنِ هود أَمرهمَا وَطلب مِنْهُ تَجْهِيزه فِي عَسْكَر يَسْتَعِين بِهِ على محاولته فأسعفه وَلما وصل إِلَى حضيض شقورة لم يقدّم شَيْئا على الصعُود إِلَيْهِمَا مَعَ صَاحِبيهِ الملازمين لَهُ وهما جَابر وهاد اللَّذَان يَقُول فيهمَا من كلمة لَهُ
عطّلت من حلي الرّكاب جياديوسلبت أَعْنَاق الرِّجَال صعادي
فَإِذا كسرت فثمّ خدن جَابروَإِذا ضللت فثم آخر هاد
كَذَا أنْشد ابْن قَاسم وَلَا يعرف هَذَا الْبَيْت فِي قصيدته وَهِي شهيرة جليلة يُرَاجع بهَا أَبَا عِيسَى بن لبّون أَو أَخَاهُ أَبَا مُحَمَّد وَالْبَيْت الأول يرويهِ أَبُو الطَّاهِر التَّمِيمِي
عطّلت من حلي السُّرُوج جياديوسلبت أَعْنَاق الْمطِي صعادي
قَالَ وَلما انْتهى ابْن عمار من مصعدها إِلَى درج لَا يتخطاه الصاعد حَتَّى يجذب بضبعه تقدم هُوَ فَرفع بِالْأَيْدِي وأشير على صَاحِبيهِ فولّيا منحدرين وَاحْتمل هُوَ إِلَى ذرْوَة القصبة فَشد وثَاقه وَانْصَرف عَسْكَر سرقسطة وَكَانَ ابْن عمار قد أحقد هذَيْن الْعَبْدَيْنِ حِين كتب أَيَّام رئاسته بمرسية إِلَيْهِمَا بِشعر أَوله
شمخت بكم فشمختم الأجبالتستنزل الْأَفْعَال
وَبعد قبضهما عَلَيْهِ طلبا بَيْعه من رُؤَسَاء الأندلس فتثاقلوا جَمِيعًا عَن ذَلِك وخفّ ابْن عباد إِلَيْهِ فأنفذ نَحْوهمَا بِكُل مَا سألاه ابْنه يزِيد الْمُسَمّى بالراضي فَنزلَا على حكمه وأسلماها إِلَيْهِ وإياه إِلَيْهِ فقدّم على الْحصن وَانْصَرف إِلَى أَبِيه
الْمُعْتَمد وَهُوَ بقرطبة وَابْن عمار بَين يَدَيْهِ مُقَيّد بَين عدلي تبن على هجن زوامل الْعَسْكَر وميل بِهِ إِلَى سجن قد أعد لَهُ وَعند قدوم الراضي شقورة لتسلمه كتب إِلَيْهِ
قَالُوا أَتَى الراضي فَقلت لَعَلَّهَاخلعت عَلَيْهِ من صِفَات أَبِيه
فال جرى فَعَسَى الْمُؤَيد واهباًلي من رِضَاهُ وَمن أَمَان أَخِيه
قَالُوا نعم فَوضعت خدي فِي الثرىشكرا لَهُ وتيمّناً ببنيه
يَا أَيهَا الراضي وَإِن لم تلقنيمن صفحة الراضي بِمَا أدريه
هبك احْتَجَبت لوجه عذر بيّنبذل الشَّفَاعَة أيّ عذر فِيهِ
سهل على يدك الْكَرِيمَة أحرفاًفِي من أسرت فتنثني تفديه
وَلما قَارب قرطبة قَالَ يُخَاطب الْمَأْمُون الْفَتْح بن الْمُعْتَمد مستشفعاً بِهِ
هلا سَأَلت شَفَاعَة الْمَأْمُونأَو قلت مَا فِي نَفسه يَكْفِينِي
مَا ضرّ لَو نبّهته بِتَحِيَّةيسري النسيم بهَا على دارين
يَقُول فِيهَا
بيد من الْمَأْمُون أوثق عصمَةلَو أَن أَمْرِي فِي يَد الْمَأْمُون
أَمْرِي إِلَى ملك إِلَيْهِ أمرهوَكَفاهُ من فَوق كَفاهُ وَدون
يَا فتح جرّدها عناية فَارسدرب على نصر الوليّ أَمِين
واقرن شفاعتك الْكَرِيمَة عِنْدهبتواضع عَن عزة لَا هون
فِي شكة من هَيْبَة وسكينةوبضجة من رَحْمَة وحنين
يَا فتح إِن نازلته مستنزلاًفاهنأ بِفَتْح من رِضَاهُ مُبين
وليخلصنّ إِلَيْك من أنفالهعلق يشد عَلَيْهِ كفّ ضنين
وَكتب إِلَى الرشيد بن الْمُعْتَمد يستشفع بِهِ
قل لبرق الْغَمَام ظَاهر بريديقَاصِدا بِالسَّلَامِ قصر الرشيد
فتقلّب فِي جوّه كفؤاديوتناثر فِي صحنه كالفريد
وانتحب فِي صلاصل الرَّعْد تحكيضجّتي فِي سلاسلي وقيودي
فَإِذا مَا اجتلاك أَو قَالَ مَاذَاقلت إِنِّي رَسُول بعض العبيد
بعض من أبعدته عَنْك اللَّيَالِيفاجتني طَاعَة الْمُحب الْبعيد
ثمَّ قَالَ يُخَاطب الْمُعْتَمد وَهُوَ بقرطبة
سجاياك إِن عافيت أندى وأسمحوعذرك إِن عَاقَبت أجلى وأوضح
وَإِن كَانَ بَين الخطّتين مزيةفَأَنت إِلَى الْأَدْنَى من الله أجنح
(حنانيك فِي أخذي بِرَأْيِك لَا تُطِع ... وشاتي وَلَو أثنوا عليّ وأفصحوا ... وإنّ رجائي أنّ عنْدك غير مَا ... يَخُوض عدوي الْيَوْم فِيهِ ويمرح)
وَلم لَا وَقد أسلفت ودّاً وخدمةيكرّان فِي ليل الْخَطَايَا فَيُصْبِح
وهبني قد أعقبت أَعمال مُفسدأما تفْسد الْأَعْمَال ثمّت تصلح
أَقلنِي بِمَا بيني وَبَيْنك من رضَالَهُ نَحْو روح الله بَاب مفتّح
وعفّ على آثَار جرم جنيتهبهبّة رحمى مِنْك تمحو وتمصح
وَلَا تستمع زور الوشاة وإفكهمفَكل إِنَاء بِالَّذِي فِيهِ يرشح
سيأتيك فِي أَمْرِي حَدِيث وَقد أَتَىبزور بني عبد الْعَزِيز موشّح
تخيّلتهم لَا درّ لله درّهمأشاروا تجاهي بالشمات وصرحوا
وَمَا ذَاك إِلَّا مَا علمت فإننيإِذا ثَبت لَا أَنْفك آسو وأجرح
وَقَالُوا سيجزيه فلَان بِذَنبِهِفَقلت وَقد يعْفُو فلَان ويصفح
أَلا إِن بطشاً للمؤيد يرتميوَلَكِن عفوا للمؤيد يرجح
وَبَين ضلوعي من هَوَاهُ تَمِيمَةستنفع لَو أَن الْحمام يجلّح
وماذا عَسى الْأَعْدَاء أَن يتزيدواسوى أَن ذَنبي ثَابت متصحّح
نعم لي ذَنْب غير أَن لحلمهصفاة يزلّ الذَّنب عَنْهَا فيفصح
سَلام عَلَيْهِ كَيفَ دَار بِهِ الْهوىإليّ فيدنو أَو عليّ فينزح
ويهنيه إِن متّ السّلوّ فإننيأَمُوت وَبِي شوق إِلَيْهِ مبرّح
وكل مَا صدر عَن ابْن عمار فِي نكبته فَمن حرّ كَلَامه وَكفى بِهَذِهِ القصيدة حسن براعة ولطف ضراعة وَقد كَانَ خَاطب الْمُعْتَمد قبل ذَلِك من معتقله بِأَبْيَات مِنْهَا
وَالله مَا أَدْرِي إِذاقَالُوا غَدا يَوْم اللِّقَاء
مَا أقتل الْحَالين ليإِن كَانَ خوفي أَو حيائي
فَمَا أصغي إِلَيْهِ وَلَا أُبْقِي عَلَيْهِ
وَحكى أَبُو مُحَمَّد عبد الْملك بن أَحْمد بن صَاحب الصَّلَاة الْبَاجِيّ عَن بعض الكتّاب أَنه ماشى أَبَا جَعْفَر بن عَطِيَّة الْوَزير فِي صَدره عَن الأندلس
إِلَى مراكش وَقد أحس بالتغير عَلَيْهِ وتمكّن أعدائه مِنْهُ فِي مغيبه وَذَلِكَ فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَخَمْسمِائة قَالَ فرأيته مستوحشاً قلقاً فاستدناني واستنشدني قَول ابْن عمار
سجاياك إِن عافيت أندى وأسجحوعذرك إِن عَاقَبت أجلى وأوضح
فَأَنْشَدته القصيدة إِلَى آخرهَا فَلَمَّا أكملتها قَالَ لقد كَانَ ابْن عباد قاسي الْقلب
وَقَول ابْن عمار فِيهَا سيأتيك فِي أَمْرِي حَدِيث الْبَيْت أَرَادَ بِهِ الْوَزير الأجلّ أَبَا بكر أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز وَكَانَ وَاحِد وقته رفْعَة وجلالة وضدّ ابْن عمار صِيَانة وأصالة فتولّع بانتقاصه وغرى بذمّه فَكَانَ لَا يصدر عَنهُ مجتاز بِهِ إِلَّا أبلغه قدحه وَلَا يرد عَلَيْهِ شَاعِر إِلَّا ألزمهُ ثلبه وَلَا يحضرهُ ضيف إِلَّا أسمعهُ استراحته فِيهِ تعرّض المشروف للشريف حَتَّى لخاطب أهل بلنسية يغريهم بِهِ ويحضهم على الْقيام عَلَيْهِ وَقيل إِنَّمَا قَالَ ذَلِك حِين غدره ابْن عبد الْعَزِيز فِي حصن جملّة من أَعمال مرسية
خبّر بلنسية وَكَانَت جنَّةأَن قد تدلّت فِي سَوَاء النَّار
غدرت وفياًّ بالعهود وقلماعثر الوفيّ سعى إِلَى الغدّار
يَا أَهلهَا من غَائِب أَو حَاضروقطينها من راسخ أَو طَار
جازوا بني عبد الْعَزِيز فَإِنَّهُمجرّوا إِلَيْكُم أَسْوَأ الأقدار
يَقُول فِيهَا
جَاءَ الْوَزير بهَا يكشّف ذيلهعَن سوءة سوءي وعار عَار
نكث الْيَمين وجار عَن سنَن التقىوَقضى على الإقبال بالإدبار
آوى لينصر من نبا المثوى بِهِودهاه خذلان من الْأَنْصَار
مَا كُنْتُم إِلَّا كأمةٍ صَالحفرماكم من طَاهِر بقدار
هَذَا وخصّكم بأشام طَائِروَرمى دِيَاركُمْ بألام جَار
وَفِي هَذِه القصيدة
كَيفَ التفلّت بالخديعة من يَديرجل الْحَقِيقَة من بني عمار
فذيّله الْمُعْتَمد لما اتَّصل بِهِ هَذَا الشّعْر بقوله معرّضاً بِابْن عمار وزارياً عَلَيْهِ
الْأَكْثَرين مسوّداً ومملّكاًومتوجاً فِي سالف الْأَعْصَار
والمؤثرين على الْعِيَال بزادهموالضاربين لهامة الْجَبَّار
الناهضين من المهود إِلَى الْعلَاوالمنهضين الْغَار بعد الْغَار
إِن كوثروا كَانُوا الْحَصَى أوفوخروافَمن الأكاسر من بني الْأَحْرَار
يُضحي مؤمّلهم يؤمّل سيبهويبيت جارهم عَزِيز الْجَار
تبْكي عَلَيْهِم شنّبوس بعبرةكأتيّها المتدافع التيار
يَقُول فِيهَا
يَا شمس ذَاك الْقصر كَيفَ تخلّصتفِيهِ إِلَيْك طوارق الأقدار
لما تنلك شعوب حَتَّى جَاوَزتغلب الرّقاب وسامي الأسوار
يُرِيد بشمس أمّ ابْن عمار وبشنّبوس قَرْيَة أَوَائِله من نواحي شلب فاهتاج ابْن عمار لذَلِك واستوحش وَبَلغت أَبْيَات الْمُعْتَمد إِلَى ابْن عبد الْعَزِيز فطار بهَا سُرُورًا وأحدثت لَهُ فِي نَفسه على ابْن عمار مكيدة وَذَلِكَ أَنه دس إِلَى مرسية نبيلاً من يهود الشرق لابس ابْن عمار حَتَّى اطْمَأَن إِلَيْهِ وأحله محلى الرِّوَايَة لأشعاره فِي هجاء ابْن عباد وَمن ذَلِك قَوْله
أَلا حيّ بالغرب حياًّ حَلَالاأناخوا جمالاً وحازوا جمالا
وعرّج بيومين أمّ الْقرىونم فَعَسَى أَن ترَاهَا خيالا
لتسأل عَن ساكنيها الرمادوَلم تَرَ للنار فِيهَا اشتعالا
وفيهَا إقذاع وَمِنْهَا
سأكشف عرضك شَيْئا فَشَيْئًاوأهتك سترك حَالا فحالا
ويومين اسْم قَرْيَة مِنْهَا أوّليّة بني عباد فَلَمَّا حصل الْيَهُودِيّ مِنْهَا وَهِي بِخَط يَده على بغيته طَار بهَا صادراً إِلَى ابْن عبد الْعَزِيز فطيّرها مدرجة طيّ كِتَابه إِلَى الْمُعْتَمد فَكَانَ ذَلِك مِمَّا أحنقه على ابْن عمار وأحفظه
وَلما أَتَاهُ بِهِ ابْنه يزِيد الراضي أَقَامَ بقرطبة عدَّة لَيَال يحضرهُ فِي كل لَيْلَة مِنْهَا راسفاً فِي قيوده فيقرره على غدره ويوبخه بِفِعْلِهِ ويوقفه على أشعاره المدرجة إِلَيْهِ طيّ كتاب ابْن عبد الْعَزِيز ثمَّ انحدر بِهِ إِلَى إشبيلية فسجنه فِي بَيت خامل من بيُوت الْقصر أَيَّامًا ثمَّ قَتله بِيَدِهِ وَكَانَ أسره بشقورة لست بَقينَ من شهر ربيع الأول سنة سبع وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة وقدوم الراضي بِهِ على قرطبة يَوْم الْجُمُعَة السَّادِس من رَجَب فِيهَا
وَقيل إِن القادمين بِهِ مَعَ الراضي لما سلموه إِلَى الْقصر دعوا ذَلِك الْيَوْم بعد الْعَصْر فِي سلَاح شَاك وتعبئة ظَاهِرَة ليصحبوه إِلَى إشبيلية فأقاموا على ذَلِك إِلَى اللَّيْل ينتظرون تَسْلِيمه إِلَيْهِم ثمَّ لم يرعهم إِلَّا خُرُوج الْمُعْتَمد والشمع بَين يَدَيْهِ وَالْحرم حواليه وَابْن عمار بَينهُنَّ على بغل وَهن يهزأن بِهِ ويتضاحكن مِنْهُ فأعربت حَاله يَوْمئِذٍ بمبادئها عَن سوء الْعَاقِبَة فِيهَا وَورد على الْمُعْتَمد غير مَا خطاب فِيهِ بالشفاعة فسدّ الْبَاب فِي ذَلِك وشدّ صفاده هُنَالك
وَحدث أَبُو بكر المنجم أَن ابْن عمار استدعى سحاءة ودواة فِي اعتقاله بقصر إشبيلية فَبعث الْمُعْتَمد إِلَيْهِ بِزَوْج كاغد فَكتب إِلَيْهِ شعرًا بستعطفه بِهِ فعطف عَلَيْهِ وأحضره ليلته تِلْكَ ووعده الْعَفو عَنهُ فخاطب ابْن عمار الرشيد بن الْمُعْتَمد بذلك فلمح المخاطبة وزيره عِيسَى ابْن الْأُسْتَاذ أبي الْحجَّاج الأعلم فأشاع الحَدِيث وَبلغ ذَلِك أَبَا بكر بن زيدون وَكَانَ شَدِيد الْعَدَاوَة لِابْنِ عمار فتخلّف عَن الرّكُوب إِلَى الْقصر حَتَّى وجّه فِيهِ الْمُعْتَمد فعرّفه أَن مَجْلِسه مَعَ ابْن عمار وصل إِلَيْهِ فازداد الْمُعْتَمد حنقاً عَلَيْهِ وحرّك ذَلِك من ضغنه وَقَالَ لأحد المجابيب سل ابْن عمار كَيفَ وجد السَّبِيل مَعَ الترقيب إِلَى إفشاء مَا أخذت مَعَه البارحة فِيهِ فسلك سَبِيل الْإِنْكَار ثمَّ قَالَ إِنِّي خاطبت الرشيد وأعلمته بِمَا وَعَدَني بِهِ مَوْلَانَا من الْعَفو فاتقّد الْمُعْتَمد وَقَامَ من فوره وَأخذ زَعَمُوا طبرزيناً وَدخل إِلَيْهِ فَفَزعَ
كَمَا كَانَ فِي قيوده إِلَى تَقْبِيل رجلَيْهِ فَضَربهُ بِهِ ثمَّ أَمر فأجهز عَلَيْهِ
وَمِمَّا يشْهد أَنه بَاشر قَتله قَول عبد الْجَلِيل بن وهبون يرثيه بِبَيْت مُفْرد وَهُوَ
عجبا لمن أبكيه ملْء مدامعيوَأَقُول لَا شلت يَمِين الْقَاتِل
وَأخْبر ذُو الوزارتين صَاحب الْمَدِينَة أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن سَلام بتَخْفِيف اللَّام الشّلبي وَكَانَ من صميم إخْوَان ابْن عمار قَالَ إِنِّي لفي أَرْجَى مَا كنت لإقالة ابْن عمار وَقد هيأت لِخُرُوجِهِ مَجْلِسا من أحسن مجَالِس دوري يُقيم فِيهِ ريثما تخلى لَهُ دوره إِذا رَسُول الْمُعْتَمد بستدعيني فَمَا شَككت فِي تَمام مَا كنت أريده لِابْنِ عمار فَلَمَّا وصلت فصيل الْقصر إِذا هُوَ متشحّط فِي دمائه ممرّغ فِي ثِيَابه طريح فِي قَيده فَقَالَ لي الفتيان يَقُول لَك السُّلْطَان هَذَا صديقك الَّذِي كنت أَعدَدْت لَهُ سر بِهِ وأنزله فَأمرت من حضرني من الحرس بسحبه فِي أسماله طوراً على وَجهه وَتارَة على قذاله إِلَى أساس جِدَار قريب من سواقي الْقصر فَطرح فِي حَوْض محتفر للجيّار وَهدم عَلَيْهِ شفيره
قَالَ ابْن قَاسم الشّلبي وَأكْثر خبر ابْن عمار عَنهُ إِلَى مَا تخلله من الزِّيَادَات المفيدة عَن ابْن بسام وَغَيره وَوجد لَهُ فِي قرَابه بعد قَتله بِخَط يَده
يَقُول قوم إِن الْمُؤَيد قدأحَال فِي فديتي على نَقده
فَقلت مَاذَا الشِّرَاء ثَانِيَةترى لِمَعْنى يريب من عِنْده
أوحشني والسماح عَادَتهسماحه بِالْعَلَاءِ فِي عَبده
الْحَمد لله إِن يكن حرجاًفَلَيْسَ فِي مثلهَا سوى حَمده
وحيلة إِن وصلت حَضرتهأجعلها رَغْبَة إِلَى جنده
لَو سامحوا فِي الفرند أرمقهمن طرفه لم أخفه من غمده
لَكِن على الغرب عَارض زجلمرتمياً بالشرار من زنده
أَخْضَر يفترّ من جوانبهكالبحر فِي جزره وَفِي مدّه
يَا ربّ بشّر برحمة وَحيايُونُس من برقه وَمن رعده
النص من طبعة دار المعارف بالقاهرة (١٩٨٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع