من «أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
رجع إلى ذكر الشريف
الصفحة ١ من ٢
وكان الشريف المذكور يصنع أنواع المطاعم الرفيعة، ويتبسط في ألوانها، ويطعمها الغني والفقير، والقوي والضعيف، ممن يحضر مجالسه أو يأتي إليه، وبالجملة فهو قطب الجود الذي عليه المدار، وإمام الأدب الذي لا يجاريه الرضي ولا مهيار؛ ومن نظمه وقد ساير قاضي الجماعة بحضرة غرناطة، أبا البركات البلفيقي الشهير بابن الحاج السلمي، ومن ولد العباس بن مرداس ﵁، زمن الشبيبة في بعض أسفاره ببر الأندلس، فلما أنتهبا إلى قرية بزليانة وأدركهما النصب، واشتد عليهما حر الهجير، نزولا وأكلا من باكر التين الذي هنالك، وشربا من ذلك الماء العذب، واستلقى أبو البركات على ظهره تحت شجرة مستظلا بظلها، ثم التفت إلى الشريف وقال:
ماذا تقول، فدتك النفس في حالييفنى زماني في حل وترحال
وارتج عليه فقال لأبي العباس: أجز؛ فقال بديها:
كذا النفوس اللواتي العز يصبهاترضى بمقام دون آمال
دعها تجوب الفيافي والقفار إلىأنَّ تبلغ السؤال أو تفنى بتجوال
وكان عطاء هذا السيد الشريف المرسوم له من بيت المال، ثلاثين ديناراً من الذهب العين في رأس كل شهر، وهو خاتمة الشرفاء العظام بمدينة سبتة. ولهؤلاء الشرفاء بمدينة سبتة نحو الثلاثين قبراً، في روضتهم المنسوبة إليهم، بالجانب الشرقي من رابطة الفصال. وهؤلاء الشرفاء من ذرية أبي الطاهر الذي خرج من جزيرة صقلية، وكانت لهم بسبتة وجاهة وسيادة، وجلالة ومجادة؛ لمكان بيتهم الشريف، ونسبهم العالي المنيف؛ ما منهم واحد إلاّ غذاه العلم بلبانه، والأدب ببيانه. وولى منهم قضاء بلدهم سبتة رجلان، لم يطلع مثلهما الملوان؛ تقى وعلماً، وأناة وحلما؛ وأولهما القاضي أبو الشرف الرفيع، والثاني ابنه القاضي أبو الحسن علي. وكم نشأ عن هذا الأصل الطاهر من جهبذ تحرير، وعالم ماهر؛ وسخى جواد، له إلى الإعطاء ارتياح وإلى الكرم استناد؛ وناهيك بخاتمهم أبي العباس المذكور.
وكان فائدة مضرب الميناء لهذا الشريف الحسيني، دون أنَّ يشكره غيره، وكان له بضرب أويات يوم يضرب فيه، ويومان لبيت المال،
وكانت عادة عامل المضارب، الناظر في فوائدها وما تحتاج إليه من نفقة وآلة، أنَّ يأمر رجاله وأعوانه، حين يقعد النواتية الكيس، بالوقوف إليه، والدفاع عنه، بعد أنَّ يحضر الشهود، خفراً وضبطاً لمّا يحصل من فائدة المضرب المالي في يوميه؛ فإذا كان يوم السيد الشريف يأمر رجاله وخادمه وأعلاجه الإسلاميين، بإباحة المضرب للمساكين، وتفريق الحوت على من لا يصل إليه، ممن يحضر متنزها، إما لحفظ مروءة، وإما لغير ذلك. ولا يزال الناظر من قبله، وهو القائد فارح أحد أعلاجه، واقفاً على حصانه، وقد أحاطت به رجاله، إلى أنَّ يرضى كل من يحضر، وما فضل عن ذلك فهو له. وأما السيد الشريف فلا يحضر، إذ همته أرفع من ذلك، وقدره أعظم، ومكانته بسبته مكانته، بحيث يأتي إليه في الموضع الذي أعده لجلوسه برياضة الذي بالصفارين صبيحة كل يوم صاحب القصبة، كائنا من كان، مسلماً عليه، ثم ينصرف، ثم يأتي الوالي على قبض الجباية مسلماً، ثم ينصرف بعد تقبيل قدمه، ثم يأتي صاحب الشرطة، وكذا جميع أمراء سبتة، إلاّ القاضي، لمكان خطته، فيعامل كلا بما يستحق من إكرام وإهانة، وإغلاظ ومجاملة، فلا يتخلف أحد عن غرضه، ولا يصدر إلاّ عن رأيه ونظره. وهذا كله مع النصيحة للمسلمين، وجلب المنفعة لهم بالقول والفعل، وإطعام الطعام الذي لا يقدر عليه الأمير فمن دونه، ورفع المظالم، ومنح الجاه، إلى غير ذلك، نفعه الله. فكان من حكمة الله ﷿ وبركته أهل البيت،
وفضل الجود والكرم ومكارم الأخلاق، وإيصال المنفعة للعباد، أنَّ يخرج في اليوم الذي له بالمضرب من الحوت، أي نوع كان من الجاري، أضعاف ما يخرج في اليومين، ويحصل له من الفائدة أكثر مما يحصل لمتولي النظر فيهما، فيتصل بيده من فائدة يومه خمس مائة الدينار وسبع المائة، وربما يزيد، وقد انتهى في بعض الأحيان إلى ألفي دينار في اليوم، حسبما يسنيه الله ﷿؛ هذا بهد العادة التي عودها نفسه النفيسة، من الإيثار والبذل، للسرى والنذل. ولم تكن له همة، ﵀، في احتكار المال وجمعه، بل يصرف ذلك كله في إطعام الطعام، الخاص والعام، وفي تشديد البنيان، والإنفاق على الفعلة والصناع والخدام، وآثاره ومصانعه بداخل سبتة وخارجها شهادة بذلك مدى الأيام؛ وكم في أثناء هذا التصرف من مؤاساة الفقير، وإعانة الضعيف، وإغاثة الملهوف، برفع لازم أو وظيف، حسبما هو معلوم معروف منقول.
وكان ملوك بني مرين يعتنون له أتم اعتناء، ويبادرون إلى موافقة أغراضه، وقبول شفاعته، وما يتلقاه حين وروده على حضرتهم فاس إلاّ الملك بنفسه، إلى غير ذلك من مناقبه ﵁، ونفعنا به، وبسلفه الطاهر.
قلت: وإنّما ذكرت التعريف بهذا الشريف الفياض، تفاؤلا بالابتداء به بعد عياض، لأني اشترط إني أخرج من الشيء إلى ما يناسبه، فبدأت
في ذلك بهذا السيد الشريف، الذي عظمت مجادته، وكرمت مناسبه، وزكت مآثره، وعلت مناصبه؛ والأعمال بالنيات، والله يبلغنا في الدارين غاية الأمنيات.
وبعد أنَّ بلغت سبته ما ذكرناه من أحوالها، وبقيت مدة آمنة من شرور الدنيا وأهوالها، وأطلعت في سمائها نجومها، كانت علومها للمردة وجومها؛ كعياض المؤلف فيه هذا الكتاب، وهؤلاء الشرفاء الذين لا يمترى في فضلهم ولا يرتاب، وبنى العز في المشاهير الذين برزوا في ميدان السبق على الخاصة والجماهير؛ وحازوا رياسة الدين والدنيا، وفازوا بالمكانة السامية والمرتبة العليا؛ وغيرهم ممن لا يحصى كثره، ممن كان لهم تقديم وأثرة، عدا عليها الدهر بعدوانه، وسقط شرفها من إيوانه؛ واستولى عليها العدو الكافر، في قضية يطول شرحها، وعظم على أهل الإيمان قرحها، وأعضل أطبائها الملوك إلى الآن جرحها، ولم يزل بنفوس المؤمنين شجوها وبرحها.
أخبرني الفقيه الطيب العدل الفرضي، سيدي أبو القاسم بن محمّد الوزير الغساني ﵀: أنّه لمّا دخل سبته، حين وجهه أمير المؤمنين، مولانا المنصور، ﵀، إليها في شأن فداء الكفار المأخوذين بالغزوة الشهيرة، ذهب إلى المدرسة التي كان بناها أحد ملوك بني مرين ﵏، وأظنه أبا عنان،
وهي من أجلّ المدارس وأعظمها، فرأى في محرابها ناقوساً وصليباً، قال: فساءني ذلك، فرفعت بصري فإذا كتابة بخط رائق، في تلك النقوش فوق ذلك الناقوس، فيها قوله تعالى:) شهد الله أنّه لا إله إلاّ هو والملائكة وأولو العلم قائماً بالقسط لا إله إلاّ هو العزيز الحكيم إنَّ الدين عند الله الإسلام (. وكان ذلك الكتب قديماً فيها من جملة ما كتب المسلمون بها حين بناها، على ما جرت به عادة الملوك من كتب الآيات القرآنية في النقوش بالزليج والمرمر. قال لي ﵀: فتعجبت من ذلك الاتفاق، وسلاني ذلك بعض التسلى، وإلى الله ترجع الأمور.
وكان أخذ سبتة، أعادها الله، سنة تسع وعشرون وثمان مائة. بعد ما استولى العدو الكافر على معظم بلاد الأندلس، مثل قرطبة، ومرسية، وطليطلة، وبلنسية، وغيرها، مما يطول تعداده.
وقد قال بعض الشعراء حين أخذت طليطلة، وكانت من أوّل ما اخذ من القواعد العظام، يخاطب أهل الأندلس:
يأهل أندلس شدوا رحالكمفما المقام بها إلاّ من الغلط
السلك ينثر من أطرافه وأرىسلك الجزيرة منثور من الوسط
من جاور الشر لا يأمن بوائقهكيف الحياة مع الحيات في سفط
ولله در الإمام العلامة خاتمة أدباء الأندلس، أبي الطيب صالح أبن شريف الزندي ﵀ إذ قال بلاد الأندلس، ويبعث العزائم ويحركها من أهل الإسلام لنصرة الدين، وإنقياد البلاد من يد الكافرين، ولسان الحال ينشده " لقد أسمعت لو ناديت حياً ".
لكل شيء إذا ما تم نقصانفلا يغر بطيب العيش إنسان
هي الأمور كما شهدتاها دولمن سرة زمن ساءته أزمان
وهذه الدار لا تبقى إلى أحدولا يدوم على حالٍ لها شان
يمزق الدهر حتما كل سابغةإذا نبت مشرفيات وخرصان
وينتضى كل سيف للفناء ولوكان أبن ذي يزن والغمدان غمدان
أين الملوك ذوو التيجان من يمنوأين منهم أكاليل وتيجان
وأين ما شداه شداد في إرموأين ما ساسه في الفرس ساسان
وأين ما حازه قارون من ذهبٍوأين عاد وشداد وقحطان
أتى على الكل أمر لا مرد لهحتى قضوا فكان القوم ما كانوا
وصار ما كان من ملك ومن ملككما يحكى عن خيال الطيف وسنان
دار الزمان على داراً وقاتلهوأم كسرى فما آواه إيوان
كأنما الصعب لم يسهل له سببيوما ولا ملك الدنيا سليمان
فجائع الدهر أنواع منوعة وللزمان مسران وأحزان
وللحوادث سلوان يهونهاوما لمّا حل بالإسلام سلوان
دهى الجزيرة أمر لا عزاء لههوى له أحد وانهد ثهلان
أصابها العين في الإسلام فارتزئتحتى خلت منه أقطار وبلدان
فاسأل بلنسية ما شأن مرسيةٍوأين شاطبة أم أين جيان
وأين قرطبة دار العلوم فكمكم عالم قد سما فيه له شأن
وأين حمص وما تحويه من نزهٍونهرها العذب فياض وملآن
قواعد كن أركان البلاد فماعسى البقاء لم تبق أركان
تبكي الحيفة البيضاء من أسفٍكما بكى لفراق الإلف هيمان
على ديار من الإسلام خاليةٍقد أسلمت ولها بالكفر عمران
حيث المساجد قد صارت كنائس مافيهن إلاّ نواقيس وصلبان
حتى المحاريب تبكي وهي جامدةحتى المنابر ترثى وهي عيدان
يا غفلان وله في الدهر موعظةإنَّ كنت في سنة فالدهر يقظان
وماشياً مرحا يلهيه موطنهأبعد حمص تغر المرء أوطان
تلك المصيبة أنست ما تقدمهاوما لها مع طول الهر نسيانُ
يا أيّها الملك البيضاء رايتهأدرك بسيفك أهل الكفر لا كانوا
يا راكبين عتاق الخيل ضامرةكأنها في مجال السبق عقبانُ
وحاملين سيوف الهند مرهفةًكأنها في ظلام النقع نيرانُ
وراتعين وراء البحر في دعةٍلهم بأوطانهم عزٌ وسلطانُ
أعندكم نبأ من أهل أندلسفقد سرى بحديث القوم ركبانُ
كم يستغيث بنو المستضعفين وهمأسرى وقتلى فما يعتز إنسانُ
ماذا التقاطع في الإسلام بينكموانتم يا عباد الله إخوانُ
ألا نفوس أبيات لها هممأما على الخير أنصارٌ وأعوانُ
يا من لذة قوم بعد عزهمأحال حالهم كفر وطغيانُ
بالأمس كانوا ملوكاً في منازلهمواليوم هم في بلاد الكفر عبدانُ
فلو ترهم حيارى لا دليل لهمعليهم من ثياب الذل ألوانُ
ولو رأيت بكاهم عند بيعهملهالك الأمر واستهوتك أحزانُ
يا رُبَّ أم وطفلٍ حيل بينهماكما تفرق أرواح وأبدانُ
وطفلةٍ ما رأتها الشمس إذ برزتكأنها هي ياقوت ومرجانُ
يقودها العلج للمكروه مكرهةوالعين باكية والقلب حيرانُ
لمثل هذا يذوب القلب من كمدإن كان في القلب إسلام وإيمانُ
انتهى وكان السيخ الإمام العلامة الفقيه الوزير الكاتب أبو يحيى بن عاصم صاحب الشرح على تحفة أبيه، رحم الله الجميع، عند ما رأى اختلال أمر الجزيرة أعادها الله وأخذ النصارى دمرهم الله لمعظمها، ولم يبق إذ ذاك بيد المسلمين إلاّ غرناطة، وما يقرب منها، مع وقوع فتن بين ملوك بني نصر حينئذ ثم أفضى الملك إلى بعضهم، بعد تمحيص وأمور يطول بيانها، ألف كتابا سماه: " جنة الرضى، في التسليم لمّا قدر الله وقضى " وهو كتاب جدا غريب، رأيت بعضه بتلمسان، ونقلت منه ما نصه: " من استقرأ التواريخ المنصوصة، وأخبار الملوك المقصوصة، علم أنَّ النصارى دمرهم الله لم يدركوا في المسلمين ثارا، ولم يرحضوا عن أنفسهم عارا، ولم يخربوا من الجزيرة منازلا وديارا، ولم يستولوا عليها بلادا جامعة وأمصارا، إلاّ بعد تمكينهم لأسباب الخلاف، واجتهدوا في وقوع الافتراق، بين المسلمين والاختلاف؛ وتضربهم بالمكر والخديعة بين ملوك
الجزيرة؛ وتحريشهم بالكيد والخلابة بين حماتها في الفتن المبيرة؛ ومهما كانت الكلمة مؤتلفة، والأهواء لا مفترقة، والعلماء بمعاناة اتفاق القلوب إلى الله مزدلفة؛ فالحرب إذ ذاك سجال، ولله إقامة الجهاد في سبيله رجال، وللممانعة في غرض المافعة ميدان رحب ومجال وروية وارتحال.
ثم قال: وتطاولت الأيام ما بين مهانة ومقاطعة؛ ولا أمل للطاغية إلاّ في التمرس بالإسلام والمسلمين، وإعمال الحيلة على المؤمنين، وإضمار المكيدة للموحدين، واستبطان الخديعة للمجاهدين؛ وهو يظهر أنّه ساع للوطن في العاقبة الحسنى، وأنّه المصلحة لخاصتهم وجمهورهم؛ وهو يسر حسواً في ارتغائه، ويعمل الحيلة في التماس هلك الوطن وابتغائه. فتباً لعقول تقبل مثل هذا المحال، وتصدق هذا الكذب بوجه أو حال؛ وليت المغرور الذي يقبل هذا لو فكر في نفسه، وعرض هذا المسموع على مدركات حسه، وراجع أوليات عقله وتجريبات حدسه، وقاس عدوه الذي لا ترجى مودته على أبناء جنسه؛ فأنا أناشده الله هل بات قط بمصالح النصارى وسلطانهم مهتما، وأصبح من خطب طرقهم مغتما؛ ونظر المفكر في العاقبة الحسنة، أو قصد لهم قصد
المدبر في المعيشة المستحسنة؛ أو خطر على قلبيه أن يحفظ في سبيل القربة أربابهم وصلبانهم، أو عمر ضميره من تمكين عزهم بما ترضاه أحبارهم ورهبانهم؛ فإن لم يكن ممن يدين بدينهم الخبيث ولم يشرب قلبه حب التثليث؛ ويكون صادق اللهجة منصفا عند قيام الحجة؛ فسيعترف أنَّ ذلك لم يخطر له قط على خاطر ولا مر له ببال، وأنَّ عكس ذلك هو الذي كان به ذا اغتباط وبفعلة ذا اهتبال، وإنَّ نسب لذلك المعنى فهو عليه أثقل من الجبال، وأشد على قلبه من وقع النبال؛ هذا وعقده التوحيد، وصلاته التحميد؛ وملته الغراء وشريعته البيضاء ودينه الحنيف القويم، ونبيه الرءوف الرحيم، وكتابه القرآن الحكيم، ومطلوبه بالهداية الصراط المستقيم؛ فكيف نعتقد هذه المزية الكبرى، والمنقبة الشهرى؛ لمن عقده التثليث، ودينه المليث؛ ومعبوده الصليب، وغافر ذنبه القسيس؛ وربه عيسى المسيح ونظره ليس البين ولا الصحيح، وإن ذلك الرب قد ضرج بالدماء، وسقى الخل عوض الماء؛ وأن اليهود قد قتلته مصلوبا، وأدركته مطلوبا وقهرته
مغلوباً؛ وأنّه جزع من الموت وخاف إلى سوى ذلك مما يناسب هذه الأقاويل السخاف فكيف يرجى من هؤلاء الكفرة من الخير مثقال الذرة أو يطمع منهم في جلب المنفعة أو دفع المضرة اللهم أحفظ علينا العقل والدين واسلك بنا سبيل المهتدين " انتهى.
ومنه أيضاً ما نصه: " كانت خزانة هذه الدار النصرية مشتملة على كل نفيسة من الياقوت ويتيمة من الجوهر وفريدة من الزمرد وثمينة من الفيروز وفاخر من الآلة ونادر من الأمتعة فمن عقود فذة وسلوك جمة وأقراط تفضل على قرطى مارية نفاسة فائقة وحسنا رائقا ومن سيوف شواذ في الإبداع غرائب في الإعجاب منسوبات الصفائح في الطبع خالصة الحلى من التبر ومن دروع مقدرة السرد متلاحمة النسج واقية للبأس في يوم الحرب مشهورة النسبة إلى داود نبي الله ومن جواشن سباغة اللباسة وذهبية الحلي
هندية الضرب ديباجية الثوب ومن بيضات عسجدية الطوق جوهرية التنضيد زبرجدية التقسيم ياقوتية المركز ومن مناطق لجينية الصوغ عريضة الشكل مزججة الصفح ومن درق لمطية مصمتة المسام لينة المجسة معروفة المنعة صافية الأديم ومن قسى ناصعة الصبغة هلالية الخلقة منعطفة الجوانب زارية بالحواجب إلى آلات فاخرة من أتوار نحاسية ومناور بلورية وطيافير دمشقية وسبحات زجاجية وصحاف صينية وأكواب عراقية وأقداح طباشيرية وسوى
ذلك مما لا يحيط به الوصف، ولا يستوفيه العد؛ وكل ذلك ألهبه شواظ الفتنة، والتقمه تيار الخلاف والفرقة، فرزئت الدار منه بما يتعذر إتيان الدهور بمثله، وتقتصر ديار الملوك المؤثلة عن بعضه فضلا عن كله ". انتهى.
وسنذكر من كلامه ﵀ بعد هذا، زيادة على ما جلبناه الآن، والله المستعان.
وكانت غرناطة منتهى الآمال، ووسطى قلادة الأمصار، ولم تزل محاسنها مجلوة على منصة الدهور والأعصار. وقد استولى وصفها لسان الدين الوزير أبو عبد الله بن الخطيب في كتاب الإحاطة، ويرحم الله القائل:
غرناطة ما لها نظيرما مصر ما الشام ما العراق؟
ما هي إلاّ العروس تجلىوالأرض من جملة الصداق
قال الفقيه الأديب أبو عبد الله بن محمّد بن أحمد بن الحداد الشهير بالوادي آشى، نزيل تلمسان:
كان على ظهر النسخة الرائقة الجمال، والفائقة الكمال، من الإحاطة، في تاريخ غرانطة، المحبسة على المدرسة اليوسفيه، من الحضرة العليه، بخط قاضي الجماعة، ومنفذ الأحكام الشرعية المطاعة، صدر البلغاء، وعلم العلماء، ووحيد الكبراء، وأصيل الحسباء، الوزير المعظم أبي يحيى بن عاصم ﵀، ما نصه:
" الحمد لله، الاستدلال بالأثر على المؤثر مما سلمه الإعلام، وشهدت به العقول الراجحة والأحلام، وهو الحجة المعتمدة حين تتفضل الألباب، وتتقصر الأفهام، وبه الاستمساك إنَّ طرقت الشكوك، أو عرضت الأوهام. وحسبك بما يسلم في هذا المقام المتعالى من الأدلة، وما يعتمد في هذا المجال المتضايق من البراهين المستقلة؛ فتحقيق أنَّ يتلقى هذا النوع من الاستدلال فيما دون الفن المشار إليه بالقبول، ويستقبل المهتدي لاستنباطه لمّا فيه من التبادر إلى الأفهام والتسابق للعقول؛ وإذا ثبت أنَّ المستدل بهذه الأدلة سالك على سواء سبيل، ومنتمٍ من صحة النظير إلى أكرم قبيل، فلا خفاء إنَّ كتاب " الإحاطة " للشيخ الرئيس ذي الوزارتين أبي عبد الله بن الخطيب ﵀، من أثر هذه الدولة النصرية أدامها الله بكل اعتبار، ومآثرها التي هي عبرة لأولي الألباب، وذكرى لأولي الأبصار.
أما الأول فلأن الأنباء التي أظهرت صحتها، وأوضحت حجتها، وشرفت مقصدها، وكرمت مصعدها، وإنّما هي مناقب ملوكها الكرام، ومكارم خلفائها الأعلام، وأخبار من اشتملت عليه دولتهم الشريفة من صدور حملة السيوف والأقلام؛ وأفذاذ حفظة الدين والدنيا، والشرف والعليا، والملك والإسلام؛ أو ما يرجع إلى مفاخر حضرة الملك، وينظم نظم الجمان في ذلك السلك، من حضانة قلعتها، وأصالة منعتها؛
وقديم اختطاطها، وكريم جهادها ورباطها؛ وحسن ترتيبها ووضعها، وما اشتمل عليه من مقاصد الأنس أهل ربعها؛ وما سوى هذه الأقسام الثلاثة فمن قبيل القليل، ومما يرجع إلى شرف الحضرة، ممن انتابها من أهل الفضل الواضح والمجد الأثيل.
وأما ثانياً فإنَّ راسم آياتها المتلوه، ومبدع محاسنها المجلوة، وناقل صورتها من الفعل إلى القوه، وإنّما هو حسنة من حسنات هذه الدولة النصرية الكريمة، ونشأة من نشأت جودها الشامل النعمة، الهامل الديمة، فما ظهر عليه من كمالات الأوصاف، على الإنصاف، فأخلاف هذه المكارم النصرية أرضعته، وعنايتها الجميلة أسمته، فوق الكواكب ورفعته؛ وإليها ينسب إحسان إنَّ انتسب، منشؤه الذي عظم فيه قدره، بل افقه الذي اشرق فيه بدره؛ والتشريفات السلطانية هي التي فتقت اللهى باللهى، وأحلت من مراق العز فوق السها؛ وأمكنت الأيدي من الذخائر والأعلاق، وطوقت المنن كالقلائد في الأعناق؛ وقلدت الرياسة والأقلام أعلام؛ فبهرت أنواع المحاسن، وورد معين البلاغة غير المطرق ولا الآسن؛ وبرعت التواليف، في الفنون المتعددة، واشتهرت التصانيف، ومنها هذا التصنيف المشار إليه، لمّا له
من الأذمة المتأكدة. وإذا ظهر هذا الاستدلال، وأوضح البيان ما كتمه الإجمال، فلنفضح الآن بما قصد، ولنلحق من انجم السعادة ما رصد، وذلك أن لمولاي أمير المؤمنين، المجاهد في سبيل رب العالمين، الغالب بالله، المؤيد بنصره أبي عبد الله، محمد بن الخلفاء النصريين أيده الله ونصره، وسنى له الفتح المبين ويسره مآثر لم يسبق إليها، ومكارم لم يجر أحد ممن وسم بالكرم عليها، لجلالة قدرها، وضخامة أمرها، من ذلك هذا للقصد الذي آثر لها كالكتاب المذكور وسواه مما هو أحد وفذلك في معناه؛ عقد جميعها التحبيس على أهل العلم والطلبة بحضرته العلية هنالك، ليشتمل به الامتناع، ويعم به الانتفاع؛ والله ينفع بهذا القصد الكريم، ويتولى المثوبة على هذا العقد الجسيم.
وهذه النسخة في أثنى عشر سفراً، متفقة الخط والعمل، أكتتب هذا على ظهر الأول منها بتاريخ رجب الفرد، عام تسعة وعشرين وثمان مائة، عرف الله بركته بمنة، آمين ". انتهى.
وقال الوزير أبو يحيى بن عاصم المذكور، قدس الله روحه الطيبة، وسقى مثواه غيث رحمته الصيبة، في كتابه المسمى ب " الروض الأريض، في ترجمة شموس العصر، من ملوك بني نصر "، في اسم الغني بالله محمّد بن يوسف بن إسماعيل أبن فرج بن نصر الخزرجي، بعد كلام ما نصه:
" كان قد جرى عليه التمحيص الذي أزعجه عن وطنه، إلى الدار البيضاء بالمغرب من إيالة بني مرين، فأفاده الحنكة والتجربة هذه اليسيرة التي وقف شيوخها على تحقيقها، وانتهجوا واضح طريقها، وبلغتنا منقولة بألسنة صدقهم، معبراً عنها في عرف التخاطب بالعادة، فلم يكن الوزير الكيس، والرئيس الجهبذ يجريان من الاستقامة على قانون، ولا يطردان من الصواب على أسلوب، إلاّ بالمحافظة على ما رسم من القواعد، والمطابقة لمّا ثبت من العوائد، وكان ذوو نبل من هذه الطبقة، وأولو الحذق من أرباب هذه المهن السياسية، يتعجبون من صحة اختيارها لمّا رسم، وجوده تمييزه لمّا قعد، ويرون المفسدة بالخروج عنها ضربة لازب، وأنَّ الاستمرار على مراسمها آكد واجب؛ فيتحرونها بالالتزام كما تتحرى السنن، ويتوخونها بالإقامة كما تتوخى الفرائض، وسواء تبادر لهم معناها ففهموه، أو خفي عليهم وجه رسمها فجهلوه ".
حدثني شيخنا القاضي أبو العباس أحمد بن أبي القاسم الحسني: أنَّ الرئيس أبا عبد الله بن زمرك دخل على الشيخ ذي الوزارتين أبي عبد الله بن الخطيب يستأذنه في جملة مسائل، مما يتوقف عادة على إذن الوزير، وكان معظمها فيما يرجع إلى مصلحة الرئيس أبي عبد الله. قال الشريف: فأمضاها كلها له، ما عدا واحدة منها تضمنت نقص عادة مستمرة، فقال له ذو الوزارتين
أبن الخطيب: لا والله يا رئيس أبا عبد الله، لا آذن لك في هذا، لأنا ما استقمنا في هذه الديار إلاّ بحفظ العوائد.
ثم قال صاحب الروض: فلما تأذن الله تعالى للدولة بالاضطراب، واستحكم الوهن بتمكن الأسباب، عدل عن هذه القواعد الراسخة، واستخف بتلك القوانين الثابتة؛ فنشأ من المفاسد ما أعوز رفعه، وتعدد وتره وشفعه، واستحكم ضرره حتى لم يمكن دفعه، وتعذر فيه الدواء الذي يرجى نفعه، وكان قد صحبه من الجد ما سنى آماله، وانجح بأذن الله أقواله وأعماله؛ فكان يجري الأمر على رسم من السياسة واضح، ونطر من الآراء السديدة راجح؛ ثم يحفه من الجد السياج لا يفارقه، إلى تمام الغاية المطلوبة من حصوله، وتمكن مقتضى الإرادة السلطانية من فروعه وأصوله.
انتهى كلام أبن عاصم، وإنّما أتيت به لغرابته. وقال أبو عبيد البكري ﵀: " الأندلس شامية في طيبها وهوائها، يمانية في اعتدال استوائها، هندية في عطرها وذكائها، أهوازية في عظم جبايتها، صينية في جواهر معادنها، عدنية في منافع سواجلها، فيها آثار عظيمة لليونانيين ".
قال ذو الوزارتين أبو عبد الله بن الخطيب: خص الله بلاد الأندلس من الريع، وغدق السقيا، ولذاذة الأقوات، وفراهة الحيوان، ودرور الفواكه، وكثرة المياه، وتبحر العمران، وجودة اللباس، وشرف الآنية وكثرة السلاح، وصحة الهواء، وابيضاض ألوان الإنسان، ونبل الأذهان، وقبول الصنائع، وشهامة الطباع، ونفوذ الإدراك، وإحكام التمدن والاعتمار، بما حرمه الكثير من الأقطار، مما سواها.
ثم قال: وحديث الفتح، وما فتح الله على الإسلام من المنح، وأخبار ما أفاء الله من خير، على موسى من نصير، وكتب من جهاد، لطارق بن زياد، مملول قصاص وأوراق، وحديث أفول وإشراق، وإرعاد وإبراق؛ وعظم امتشاش. وآلة معلقة في دكان قشاش. انتهى.
ولا خفاء بما كان لملوك المسلمين بالأندلس والعداوة على النصارى. دمرهم الله من الاستطالة والغلبة، حتى وقع التخاذل والتدابر، فأنعكس الأمر. وقد حكي غير واحد أنَّ دن جناحه بن دن افنش، استنصر على أبيه بالسلطان المجاهد أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق المريني، ولاذ به، ورهن عنده تاجه ذخيرة النصارى، ولقيه بصخرة عباد، من أحواز رنده، فسلم عليه،
ويقال إنَّ أمير المسلمين لمّا فرغ من ذلك، طلب بلسان زناتة الماء، ليغسل يده به من قبلة الفنش، أو مصافحته.
أبن الخطيب:
" والشيء يذكر بالشيء، فأثبت حكاية اتفقت بسبب ذلك، استدعى بها الدعاء ممن يحسن عنده موقعها، وهي أنَّ اليهودي الحكيم أبن زرزار، على عهد ملك النصارى، حفيد هذا الفنش المذكور، وصل إلينا بغرناطة في بعض جوائجه، وحخل إلى بدار سكناي، مجاوراً لقصر السلطان بحمراء غرناطة، وعندي القاضي اليوم بغرنطة وغيرها من أهل الدولة، وبيده كتاب من سلطان المغرب محمّد بن أبي عبد الرحمن بن السلطان الكبير المولى أبي الحسن، وكان محمّد هذا قد فر إلى صاحب قشتالة، واستدعى من قبله إلى الملك، فسهل له ذلك، وشرط عليه ما شاء، وربما وصله خطابه بما لم يقنعه في إطرائه، فقال لي: مولاي السلطان دن بطرة يسلم عليك، ويقول لك: انظر مخاطبة هذا الشخص، وكان بالأمس كلباً من كلاب بابه، حتى ترى خسارة الكرامة فيه، فأخذت الكتاب من يده، وقرأته وقلت له: ابلغه عني أنَّ هذا الكلام ما جرك إليه إلاّ خلو بابك من الشيوخ، الذين يعرفونك بالكلاب والأسود، وبمن تغسل الأيدي منهم إذا قبلوها، فتعلم من الكلب الذي تغسل اليد منه، ومن لا، وأنَّ جد هذا الولد هو الذي قبل جدك يده،
واستدعى الماء ليغسل يديه منه بمحضر النصارى والمسلمين؛ ونسبة الجد إلى الجد كنسبة الحفيد إلى الحفيد؛ وكونه لجأ إلى بلادك بعار عليه، وأنت معرض إلى اللجإ إليه، فيكافئك بأضعاف ما عاملته به. فقام أبن الحسن المستقصي يبكي ويقبل يدي، ويصفني بولي الله، وكذلك من حضرني. وتوجه إلى المغرب رسولا، فقص على بني مرين خبر ما شاهد مني وسمعه؛ وبالحضرة اليوم ممن تلقى منه ذلك كثير، جعل الله ذلك خالصاً لوجهه ". انتهى.
النص من طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع