من «أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
رجع إلى ذكر الشريف (٣)
الصفحة ١ من ٢
ثم ذكر خمسة أبيات أقذع فيها، فلذا تركتها، ثم قال:
فاقسم بالأيمان لولا تعففيعن السوء لا نحلت عقيدة إيماني
فعد للذي كنا عليه فإنَّ ليعلى الغير إن صاحبته حقد غيران
فمن يوم إذ صيرت ودي جانباًوأعرضت عني ما تناطح عنزان
ولا روت الكتاب بعد نفرانمحاورة من ثعلبان لسرحان
وما هو قصدي منك إلا إجازةتخولني التفضيل ما بين خلاني
وإنك إن سخرت لي وأجزتنيلنعم ولياً صان ودي وجازاني
ولم لا ترويني وأنت أجل منسقاني من قبل الرحيق فرواني
ولا تنس للدباغ نظما عرفتهفإنكما في ذلك النظم سيان
ومزدوجات ينسبون نظامهاإلى أبن شجاع في مديح أبن بطان
وألمم بشيء من خرافات عنتروألمع ببعض من حكايات سوسان
وإن كنت طالعت اليتيمة وانسىبلامية في الفحش من نظم واساني
أجزني بكشف الدك أرضى وسيلةوخير جليس في بساط ودكان
وناولني المصباح فهو لغربتيميسر أغراضي ورائد سلواني
وألحق به شمس المعارف إننيأسائل عن إسناده كل إنسان
وقد كنت قبل اليوم عرفتني بهولكنني أنسيته بعد عرفان
ولا بد يا أستاذ من أن تجيزنيببدء أبن سبعين وفصل أبن رضوان
وكتب أبن أخلي كيف كنت فإنهالوزن رقيق القول أكرم ميزان
ولا تنس ديوان الصبابة والصفالإخوان صدق في الصفا خير إخوان
وزهر رياض في صنوف أضاحكوجبذ كساء في مكايد نسوان
كذاك فناولني كتاب حباحبوزدني تعريفاً بها وببرجان
ولي أمل في أن أروي رسالةمضمنة أخبار حي بن يقظان
وحبس على الكاس والكوز والعصافإنك مثر من عصي وكيزان
وصير لي الدلفاس أرفع لبسةفقد جل قدري عن حرير وكتان
وقد رق طبعي وأعتراني خشيةيكاد بها روحي يفارق جثماني
وخل مفاتيح الطريقة في يديوسوغ لهم مزيدى ونقصاني
فإني لم أخدمك إلاّ بنيةوإني لم أتبعك إلاّ بإحسان
فكن لي بالأسرار افصح معلنفإني قد أخلصت سري وإعلاني
انتهت المقامة. وأثبتها لأنها أخف ما رأيت من هزليات الفقيه عمر المالقي، ﵀ وسامحه، ومثل هذا الهزل قد وقع لكثير من الأئمة على سبيل
الإحماض، ولم يعنوا غالباً إلاّ إظهار البلاغة والاقتدار، كما فعل الحريري وغير واحد، والأعمال بالنيات.
ومن نظم الفقيه عمر المذكور قوله عفا الله عنه:
إلى الله ربي أشتكي حالتيعسى فرج يأتي بأفضل حالي
وما أسفي إلاّ لمالي أبيعهوخائن مالي يشتري بمالي
ومن أبدع ما صدر عنه ﵀ مقامة في أمر الوباء، رأيت أن أثبتها لغرابة منزعها، وإن كان بعض فصولها لا يجري على المشهور من مذاهب العلماء، ونصها:
إلى حمراء الملك وقلعته، ومقر العز ومنعته، ومطلع كل قمر نصري يخجل الأقمار بطلعته، أبقاها الله على تعاقب الزمان، منزل أمان ودار إيمان، وأمتعها بحياة الملك الخزرجي الإيمان، من موجبة إجلالها كما يجب، المعترفة بفضلها وشرفها وأنوار الشمس لا تحتجب، والواقفة عند إشارتها وطاعتها، فإن تأمر أمتثل وإن تدع أستجب، مالقة، المستمسكة بذمتها الوثيقة، المتشوفة إلى أخبارها تشوف المحبة الشفيقة، إلى ريحانة قلبها في الحقيقة، وإلى هذا يا سيدتي ويا عدتي، ويا ذخيرتي ويا عمدتي، أمتعنا الله وإياك بحياة من استنفذها من الورطات، وردنا إلى الصواب مما كان منا من الغلطات، مولانا الغالب بالله وحده، الموعود بعزيز النصر وقريب الفتح والله ميسر وعده.
سلام عليك يتعطر بذكر مولانا أمير المسلمين فوحه، وينشق
كالمسك الفتيت روحه، ورحمة الله وبركاته.
أما بعد فإني أحمد الله الذي إذا استكفى بعزته كفى، وإذا استشفى بكلمته شفى، وإذا سئل بواسع رحمته عفا؛ واصلي على رسوله محمد الكريم المصطفى، وعلى آله وأصحابه، أكرم من نصح له وأخلص ووفى.
كتبته إليك يا سيدي عن نفس قلقة، ساهرة أرقه، حاذرة مشفقة، ملهبة بل محترقة؛ وإني اقسم عليك بالرب الذي كرمك بالعز وشرفك، وعرفك من لطائف الفرج بعد الشدة ما عرفك، أن تسعدني على تسكين لوعتي، وتأمين روعتي وتراجع رقادي بعد سهادي، وقضاء حاجة جلت في فؤادي، وتفهمي مراد إشارتي وإشارة مرادي.
ومبنى هذه الرسالة إليك على قولهم: " الشفيق مولع بسوء الظن "، ومن منن الله على عبده الوقاية من المتالف جل الله العظيم المن؛ وعلى قول المتنبي:
ربما ضر عاشق معشوقاومن البر ما يكون عقوقا
والمثل الأول لي والآخر لك، والله ييسر في حفظ مولانا أملي وأملك. وإني أتعجب من مساعتتك على إقامة مولانا بمنزل، هذا المرض به فاش، وهذا الهواء الفسد بين دياره جاء وماش، وسمعت أنَّ حديث السفر لمالقة اثقل عليك من حديث رقيب وعاذل وواش؛ وأنَّ الآراء في ذلك اختلف، ولم يرجع فيها إلى سنن تقدمت وعوائد سلفت؛ والأوائل من المؤمنين ﵏ ما تركوا شيئاً سدى، بل نصبوا كل طريق إلى النجاة علم هدى، وسمعت
يا سيدي أنَّ القضية عول على المقام والاستسلام، وخلوف فيها رأي الخليفة الرشيد لمّا تحول في مثلها عن سكنى دار السلام، بمحضر أركان الدين وأعلام الإسلام؛ وقد سمعت في الأجوبة الظريفة، ما صدر من قوله: أخشى أن أكون أول خليفة؛ وقد كنت يا سيدي أرتجي أن يكون لهذا المرض ارتفاع، أو يحصل بدخول فصل البرد انتفاع؛ فتركت الكتب منتظرة لذلك إلى أن تزايدت الحال وأنت على حالك، لا يمر الترحال بخاطرك ولا ببالك، وأنا أقول: أما واجب التسليم، لتقدير العزيز العليم؛ فمتأكد شرعاً، لا يضيق به المؤن ذرعاً؛ لكن ما يفعل المستسلم بالروح والجسد، إذا قيل له اهرب من الأسد؛ وقد أبصره مقبلا إليه، أو منقضا عليه؛ أنَّ يأخذ في تحفظه واحتراسه، أم يصبر لافتراسه؟ ومن قيل له في ظلم الليل: ارتفع عن هذا المكان تنج من السيل؛ أنَّ ينام في مكانه، أم يبادر إلى السلامة بجهد إمكانه؟ ومن نوى: هذه الخيل قد طلعت مغيرة، والرعاة في الجبال مستجيرة؛ فارفع غنمك قبل الاكتساح، فالوقت في انفساح؛ أيتركها تسرح، ولا يبرح؛ أم يرفعها لتسلم، مما تدرب وتعلم؟ وكذلك إذا قامت الرماة صفوفا وأصابت سهامهم من الخلق ألوفا؛ أيرجح الحق يباعداً أم وقوفاً؟ وكذلك أيضاً المنازل، التي تدوم بها الزلازل فأرضها في كل يوم تميد، ودهش القلوب بها حاضر عتيد أو الخسوف بها في يوم ينقض وفي يوم يزيد لا تسمع فيها إلا سقوط جدار، على ركن دار؛ وانفكاك الأركان، على السكان؛ وإخراج ميت، من تحت بيت؛ وسقوط سارية، على جارية؛ أيعزم على السكنى والاستيطان تحت هذه الحيطان؛ أم يؤخذ في الاحتيال،
بالخروج بالأطفال والعيال؟ يا سيدتي الحمراء، سألتك فاخبريني، وإن تحير فهمي فاعذريني ووصل إلي الكتاب الشريف، من جنان العريف؛ يذكر أن السلامة كانت به مستصحبة لمولانا ولناسه، وأن العافية كانت بهم منتشقة أنفاس رنده وآسه، ما عرضت به إلى طبيب حاجة ولا استدعى فيه المعاور للنظر في زجاجة؛ ولا لقول ولا عمل، ولا بلغ في الجساوة والقساوة أقل أمل؛ ولم ينتقص من الساكنين بهذا البستان، من عبيد مولانا السلطان، غير فتى من الخصيان، لا يساوي عشرة دراهم في سوق الفتيان، والجميع بحمد الله استمرت عافيتهم على استقامة، بطول أيام الإقامة؛ وعرفني أيضا جنان العريف في وافد كتابه، ووارد خطابه، أن رغبته كانت في انتقال مولانا نصره الله من صحيح هوائه، وسلسبيل مائه؛ ونفحة جنابه، وتلاعب النسيم العاطر بين قبابه. إلى مالقة حيث الجو الصقيل، والروض الذي يطيب به المقيل، والراحة التي تمتزج بالأرواح كما قيل؛ حيث العرف الأرج، والوادي المعرج والساحل الذي ينشرح به الصدر الحرج، حيث البنفسج يدير كئوس البهار، والياسمين نجوم طالعة بالنهار؛ حيث يتمازج طيب الزهر، بعرف الأترج ونفحات السحر حيث يشبه أنين السواني، حنين المتعشقات من الغواني، إذا حمد الصباح، وانفلق الإصباح؛ وعمرت صغار القوارب، ونادت بحرية الشباك:
إلى المضارب، وسالت أنوار المشارق على جوانب المغارب، ونادى محرك الجيش: ظهور الخيل، وصباح الخير، واستقبلوا الوادي الكبير لمصيد الأرانب والحوت والطير؛ شكر الله جنان العريف على ما قصد ونوى، وعلى ما اظهر من اتباع حق ومخالفة هوى، اعتماداً من أخبار الدول القديمة على ما حفظ وروى. وقال لي يا سيدتي انك وقفت مع الحديث المنصوص، الوارد في مثل هذا المرض على الخصوص؛ وفيه النهى عن الخروج من منازل هذا المرض على الخصوص؛ وفيه النهى عن الخروج من منازل هذا المرض ومواضعه، ومن القدوم على معتركاته ومصارعه؛ والحديث الصحيح، والرشد فيه قول صريح؛ ولكن للعلماء فيه أقوال طويلة التفصيل، وقد لخصها وبينها الإمام أبن رشد في كتابه الجامع من البيان والتحصيل؛ والاتفاق من الجميع أن النهى في هذا الحديث ليس بنهى تحريم، وإنّما هو على سبيل إرشاد وأدب وتعليم؛
فلا إثم ولا حرج، على من أقام ولا على من خرج. وقال عمرو بن العاص: الأفضل الخروج لأهل الفطنة، اتقاء من يؤدى إلى فتنه؛ وكفى بعمرو بن العاص حجة لمن أراد انتصارا، والكلام كثير، ولكني اختصرته اختصارا؛ وإن نظراً قدمه كثير من الصحابة ورجحه، لخليق بأن يقال فيه ما أسعده وما أنجحه! يا ليت تفقهي كله يكون من هذا القبيل، وجاريا على هذا السبيل، مستنداً إلى قول صحابي جليل، ومستدلاً بأرشد علم ودليل، ولو كان على خلاف المشهور من قول
خليل. وهنا يقال: ما في هذه القلة غير هذا الإغريل. يا سيدتي الحمراء؛ أراك في هذه القضية تفقهت فيما بينه عالم وذو علم، ومنعت مما ليس فيه حرج ولا إثم؛ ولو كنت حاضرة لكان لي معك حديث طويل، واحتجاج ينصره نص وتأويل. وسمعت أنك اشفقت من عظيم النفقة، وليس هذا موضع الشفقة؛ فالأمر ليس بغال، ولو يشترى بكل ذخيرة وكل مال؛ والأولى بالملامة، من يفضل شيئاً على السلامة. القمح يأكله السوس، والذهب تغنى عنه النفوس، فكيف يستعظمان فيما تؤمن به النفوس. وبلغني أنك قلت: مالقة ليس بها زرع، وبقليل المقام يضيق لها صدر وذرع وفلاحتها وحرثها ليس لهما أصل ولا فرع؛ وعز علي هذا الكلام وكنني سلمت والسلام؛ فإن سعري عن سعر غرناطة منحط، وفي لمحة بصر يضيق مني بالطعام في كثير من الأيام ساحل وشط، ولا يعلم أنه دامت لي شدة قط. لي في الاعتصام بالتوكل على الله ما يزيد على سبع مائة العام، ما اشغلت فيها فكراً ولا قلباً بادخار قوت ولا باحتكام طعام؛ أثق في اليوم والغد، بالرزق الرغد؛ تأتى به الرياح على الأعناق، ويفيض سيله على جوانب الدواوين وأكناف الأسواق، وتجلبه الأحباب والأعداء بإذن اللطيف الخبير الوهاب الرزاق.
قالت النملة: افتخاري، بادخاري؛ قالت العصفورة: توسلي، بتوكلي؛ قالت النملة: أعتمد على الحب؛ قالت العصفورة: أتوكل على الرب. فلما جن الليل، اقبل السيل؛ فخرجت النملة بالعوم، وبقيت الحبوب بين الدوم؛ فنزلت العصفورة وسجدت، والتقطت من مدخر النملة كل ما وجدت؛ وقالت: خسر المحتكر، وربح طالب الرزق المبتكر، الكريم لا يفتخر بما يدخر.
وصح عندي أنَّ الوزير أعزه الله ليس عنده في هذا كله كلام ولا قول وأنَّ الأمر عنده مفروض إلى الرب الذي له القوة والحول. وسمعت يا سيدتي أنَّ هذا السقم، أعظم تأثيره إنّما هو في قطع الأكباد، من صغار الأولاد؛ الذين من فوق السبع ودون العشر، وهم في هذه السنين رياحين القلوب العاطرة النشر؛ وهذا إلى كتبي لك اعظم داع، فإنَّ الأولاد سوائم والوالد راع؛ والراعي لا يترك غنمه في الطريق سبع ضار، ولا قريباً من حريق نار؛ ومحن نشاهد الطير ينقل أفراخه من وكر إلى وكر، ويسترها بملتف الشجر إذا خاف عليها عادية جارح أو صاحب مكر؛ فكيف لا نقتدي في تأمين روعتنا بمن تقدم من الأكابر، ونقف في حامل السيل بأولادنا الأصاغر؛ فما عندك في هذا كله من القول ومن الجواب؟ وما يظهر لك من وجه الرأي والصواب؟ اكتبي بذلك كتاباً اعتمد عليه، وأستند إليه؛ وقبلي عني يد مولانا تقبيلا، ويا ليتني وجدت إلى ذلك سبيلا؛ وأخبريه أني في خدمته على نيتي الأولى، عاكفة على شكر منته الطولى؛ أدام الله حياطة البلاد والنفوس بحفظه وحياطته؛ وأسمعني البشارة
بقدومه ع محدث مالقة من حمراء غرناطة؛ ويحفظه في النفس والأولاد والملك والبلاد، بمنه وفضله.
وكتب بتاريخ ربيع الآخر عام أربعة وأربعين وثمان مائة. انتهت المقامة.
وكلام المذكور كثير، ومحله من عذوبة المنطق أثير؛ أعلى طبقة من نثره طريقة معريه، حسبما يظهر ذلك بالتأمل لنفوس بالإنصاف حرية؛ وله عدة تآليف أكثرها هزلية، ولذلك لم اجلب شيئاً منها سوى ما تقدم، مما يقتضي ما أصلناه من المزية، والفضيلة للبلاد الأندلسية.
ومن أحسن مقطوعاته التي تطرح بها على باب الكريم، وتطفل بها تطفل من لا يبرح عن باب سيده ولا يريم؛ ويرجى له بها كل جميل، والله لا يخيب ما أمله من تأميل قوله ﵀:
عقيدة دين الحق أن محمداله الفضل إطلاقاً على كل مخلوق
وإن سبقت رسل بكتب وبعثةفما هو في مجد وفضل بمسبوق
فهذا إذا ما عشت أولى عقيدتيوهذا إذا ما مت آخر منطوق
وقوله:
جئتك يا رب ولا عذر ليوهل لعبد السوء من معذرة؟
أرجوك فيما أنت أهل لهفأنت أهل العفو والمغفرة
وقوله في مرضه:
يا سامعين الكلام مختلطانظماً ونثراً قلائداً ودرر
صلوا على المصطفى وسيلتنامحمد وارحموا الفقيه عمر
وأما الكاتب الرئيس أبو عبد الله الشران، فهو الشيخ الفقيه الرئيس الصدر، العلامة العماد، الذخر الأرفع، العلم الأوحد، الأمجد الأسرى، الذي لا يجارى في الإنشاد والاختراع كلاماً جزلاً، وقولاً فصلاً، رئيس الكتبة بالحضرة العلية، أبو عبد الله أبن الشيخ الفاضل الماجد الأعز الأرفع الأوجه أبي إسحاق، كان حيا سنة سبع وثلاثين وثمان مائة. هذا كلام بعض الأندلسيين فيه.
وقال القلصادي في حقه: هو الفقيه الوجيه اللبيب اليقظ الأدرى، الأديب الأحظى، الرئيس النبيل الأرقى؛ وحيد عصره وأوانه، وفريد دهره وأقرانه، أبو عبد الله محمد الشران الغرناطي، تغمده الله برحمته.
وذكر هذا الشيخ القلصادي في طالعة شرحه لأرجوزة أبي عبد الله الشران المذكور، التي أولها:
بحمد خير الوارثين أبتدىوبالسراج النبوي أهتدى
وهي أرجوزة عذبة النظم، سهلة المأخذ مختصرة في علم الفرائض.
ومن بديع نظم الكاتب أبي عبد الله الشران رحمه الله تعالى قوله:
فلا تمنع العين انهمالاً فأنهغرام شجٍ إسناده غير مهمل
أحاديث ترويها الجفون عن الحشاويثبت منها مرسل بمسلسل
وقوله يخاطب الفقيه الصالح سيدي أحمد بن حرشون، وقد أهدى له قرص زعفران:
أهلا بقرص زعفران أطلعتمن حسنها للقلب باعث أنسه
حيا الخوص به وغير عجيبةللبدر أن حيا بقرص شمسه
يا نيرا للمجد أهدي نيراكل امرئ إهداؤه من جنسه
لمّا اختفت شمسك عن ناظريأرست منه مطر الدمع
وأقبلت ظلمة الليل النوىفما ترى في رخصة الجمع
ز حكى الحافظ أبو عبد الله التنسي ﵀ أنه لمّا صرف الفقيه أبو الفضل أبن جماعة عن رياسة الكتابة بغرناطة إلى قضاء الجماعة وولى مكانه صاحب الترجمة أبو عبد الله الشران لقي بعض رؤساء الدول جماعة يوما فقال له: يا سيدي إنَّ السر الذي عهدناه الحضر غاب عنها بغيبتك. فقال له: وكيف لا وقد تركتم الفضل المجموع وأخذتم الشر المكرر.
قم إنَّ أبن جماعة كان عنده إعذار فدعا أعيان البلد إليه ولم يدع الشران فكتب إليه الشران:
ماذا أعد المجد من أعذارهفي ترك دعوتنا إلى إعذاره
إن كان الرسم دون محضرنا اكتفىلا بد أن يبقى على إعذاره
ثم قال الشيخ التنسي: والشران هذا ممن له باع مديد في الشعر وتصرف حسن. انتهى.
ومن بديع نظم الشران المذكور قوله ﵀:
دوام الحال من قضايا المحالواللطف موجود على كل حال
والنصر بالصبر محلى الظبيوالجد بالجد مريش النبال
وعادة الأيام معهودةحرب وسلم والليالي سجال
وما على الدهر انتقاد علىحال فإن لحال ذات انتقال
من لليالي بائتلاف وكممن اعتبر باختلاف الليال
أخذ عطاء محنة محنةتفرق جمع جلال جمال
حال انتظام وانتثار معاكأنما هذي الليالي لآل
وهل سنى الصبح وجنح الدجىلخقة الأضداد إلاّ مثال
والظلم الحلك على نورهاتدل والعسر بيسر يدال
والسيف قد يصدأ في غمدهثم يجلى صفيحته الصقال
والمس بعد الغيم تجلى كماللغيث من بعد القنوط انهمال
والفرج الموهوب ترجي بهلطائف لم تجر يوما ببال
فصابر الدهر بحاليه منحلو ومر واعتدا واعتدال
فما للصبر على حالةوإنما الصبر حلى الرجال
ولا يضيق صدرك من أزمةضاقت فصنع الله رحب المجال
إلى هنا توجد هذه القصيدة بأيدي الناس ورأيت بخط بعض الأخيار بعد هذا البيت زيادة كثيرة على ذلك منسوبة لصاحب القصيدة وهي لا تبعد من نفسه على إنَّ فيها إطاء. وها أنا أيضا أثبتها بجملتها لغرابتها وجزالتها ولاشتمالها على مديح المصطفى المجتبى) ونصها بعد قوله: " رحب المجال ":
وانظر بلطف العقل كم كربةفرجها لطف كحل العقال
وكل إليه كل حاج فمالذي حجا إلاّ عليه اتكال
وكل بدء فله غايةوغاية الخطب الخطب الشديد انحلال
وكل عود فله آيةوأية العقل اعتبار المآل
وفي مآل الصبر عقبى الرضامن فرج يدني وأجر ينال
عجبت للعبد الضعيف القوييغر بالرب الشديد المحال
يهوي على الآمال مسترسلاطوع الهوى حيث أمالته مال
تخدعها النفس بتخييلهاوهل خيال النفس إلاّ خبال
يخال أن الأمر جار علىتدبيره هيهات مما يخال
الخلق والأمر لمن لم يزلفي ملكه الملك وما إن يزال
والفعل والترك دليل علىمراده والكل طوع انفعال
يعطي فلا منع ويقضي فلادفع ويمضي حكمه لا يبال
يدبر الأمر فعن أمرهتقدير ما في الكون سفل وعال
يضل يهدي حكمة أنفذتفضلا وعدلا في هدى أو ضلال
وحكمة البارئ في حكمهما لمجال العقل فيها مجال
والرب لا يسأل عن فعلهقد قضى الأمر ففيم السؤال
فيا أخا الفكر اشتغالا بمافي غيره للفكر حق اشتغال
سلم ففي التسليم من كل ماينفذ تسليم وتنعيم بال
وارض بما فاتك أو نلتهفعكسه ما لك فيه مجال
وفوض الأمر إلى الحق لاتركن من الدنيا لحال محال
فذو الحجا فيما اتقى وارتجىبالعدل حال ومن العذل خال
يرضى بقسم الرب كل الرضافي كل حال ما عن العهد حال
يرى خلال الشكر والصبر فيما سر أو ساء أبر الخلال
فهو على الحالين قد نال منمناه في الدارين اقصى منال
ما أقصر الدنيا على مرهاكال الظل ما أقصر مدّ الظلال
فافطن لها حزما ففي ظلهاما قال حازم حيث قال
ما يقظات العيش إلاّ كرىولا مرائي العين إلاّ خيال
يا ليت شعري والمنى غبرةوالشعر قول ينافي الفعل
هل يستحيل العهد من صبوتهفقد مضى عهد الصبا واستحال
والشيب هل يقظني صبحهفالنوم في ليل من اللهو طال
وكسرتي من عسرتي هل تقىوعثرتي من عبرتي هل تقال
هذا زماني في تول وفيعزمي توان والهوى في توال
حال من احتلبدار البلا ولم يحدث نفسه بارتحال
يا رب ما المخلص من زلتيلا عمل لا حجة لا احتيال
يا رب ما يلقاك مثلي بهعن طاعة لم ألقها بامتثال
يا رب لا أحمل حر الصبافكيف بالنار لضعفي احتمال
أو كيف عذري وقد أعذرت ليبأخذ حذري من دواعي النكال
رحمتك اللهم فهي التيلها على العاصين مثلي انثيال
ولا تعاملنا بأعمالنالكن رجا آمالنا صل ووال
وبامتداح المصطفى هب لنامآثم الفعل لبر المقال
فما سوى حبي للمصطفىوسيلة لي بعرها اتصال
ذلك تجري وعلى فضلهطمعت في الفضل بلا رأس مال
فإن يفز قدحي بمدحي لهفقد يجل النور قدر الذبال
ورائد الغر الغوالي علىموثقة مما نوى من نوال
أعظم بأمداح نبي الهدىحبل اعتلاق أو شفاء اعتلال
خير الورى من باد أو حاضرأكرمهم من خاف أو ذي انتعال
فاديهم من فتكات الردىهاديهم في هلكات الضلال
حاميهم بالعض ذا لا حمىكاليهم في الخطب إذ ليس كال
منيلهم إذ لا جدى يرتجىمقيلهم إذ لا عثار يقال
قريعهم في بقات العلاشفيعهم في عرضات السؤال
مؤويهم من حوضه من صدىمؤويهم من جاهه في ظلال
أطول من سال بسيب الندىأصول من في الحق بالسيف صال
من خصه الله بخصل المدىفي كل ما عم الهدى من خصال
من باهر الحسن وفضل التقىوحكمة النطق ومجد الفعال
حال من العلم بأسنى حلىواف من الحلم بأزكى خلال
نور مبين صادق فارقمبشر هاد ختام كمال
أبيض يستسقي الحيا بأسمهكهف الأيامي لليتامى ثمال
الرحمة المهداة ضمن احتفاوالتعمة المسداة خلف احتفال
كم آية جلى لنا أو تلاوغاية جلى بها دون تال
ذو العرش أسمى قدره فاسمهفي العرش مقرون مع اسم الجلال
وذكره رفع في ذكرهحمدا ليتلو مدحه كل تال
أعطاه دون الرسل خمسا كفتيد امتنان العطايا الجزال
لم يبعث الرسل اشتمالا وفيبعثته للثقلين اشتمال
وقسمة الأنفال حلا ومامن قبل كانت لنبي حلال
والأرض طهرا ومصلى لأنَّكان له كون بها واحتلال
والنصر بالرعب لشهر مدىينازل الأعداء قبل النزال
والنعمة الكبرى التي نالهاشفاعة الأخرى ونعم المنال
وليلة المعراج أسرى فمااسرى واسنى شرفا في الليال
جال وجبريل أنيس لهمن السماوات العلى حيث جال
حتى انتهى من سدرة المنتهىإلى مقام لم ينله مقال
قال له الروح مقامي هناوأنت فاصعد لمقام الوصال
فقال: يا أنسى أفردتنيحيث دهتني مدهشات الجلال
فقال: كلا إنّما الأنس ماأنت موال ولك الله والْ
طأ حضرة القدس اتصالا فماأبيح منها لسوك اتصال
فزجه في النور زجا رأىوراءه للحق نور الجمال
شاهد ما شاهد مما ارتقىعن مبلغ العقل ووهم الخيال
فقال قوم بفؤاد رأىوعالم بالعين والقلب قال
وليس ذا وهو محال علىحال مقام الحب مما يحال
حيث تدلى قاب قوسين أو أدنى نجيباً في ظلال الدلال
وبعد ما في النجم يتلى علاثم أتى والنجم في الأفق عال
وباحتمال الجسم والروح فيمسراه صح القول دون احتمال
وبانشقاق الصدر فقسله انشقاق البدر عند اكتمال
لنسبة بينهما في الهدى والحسن والقرب وبعد المنال
فنور هذا كم جلا من دجىونور هذا كم هدى من ضلال
كلا بل الأنوار حيث انجلتحسا ومعنى منه كلا تنال
لا نشقاق البدر من نورهأبدى انشقاقاً وهو تغيير حال
شق هلالين على صفحتىظلمائه في كل شق هلال
والشطر منه لاستلام الثرىبين يديه بالسلام استمال
بل اخجل البدر لنقصانهفانحط منشقا لبدر انكمال
هم سألوها آية أعرضواعنها وقد جاءت وفاق السؤال
قالوا وقد جالوا بسحر أتيفقالت هذا السحر سحر حلال
بل عجبوا من نكتة الكون أنَّأعطاه رب الكون ما منه سال
وهجرة بل وصلة للرضاوربما نيل بهجر وصال
ضفا لحجب الستر دون العدافي الدار والغار عليه انسدال
إذ غار بالحكمة نور الهدىفي الغار من غارة حزب الضلال
وما اختفي من خيفة بل لأنتظهر أسرار معاني المعال
حيث ثنى بعد عنان الردىسراقة عما سرى واستقال
هيل كثيب الطرف خسفاً بهعن كثب والصنع للطرف هال
أهوى كما أهوت بميلادهمن قصر كسرى الشرفات العوال
نسبة حال كان من سرهاأنَّ بسواريه غدا وهو حال
هناك هامت بالحمام العدافحام حوليه حمام فحال
فاطرد الكسر على جمعهم واطرد الفتح له صدق فال
والعنكبوت اعتمدوا حجةخالوا بها الغيل من الليث خال
فأعجب لهم بالوهن استوثقواظنا وللبرهان هم في جدال
ما أصدق الصديق في قولهعدل لنا في حجج الصدق قال
أشفق لا حرصاً على نفسهبل غار من علق نفيس يذال
يا أيها الصديق بشراك لاتحزن وشم للنصر أمضى النصال
فحكمة العصمة إحرازهاما بين أظفار الظبي والعوال
لله ما أشرفها عزةليس لغير الله منها ابتهال
نبوة لاحت براهينهاقطيعة ترغم أنف الجدال
وهل جدال في عُلى أوجبتوآدم في طينه ذو انجدال
وإذ نجى في فلكهكان على أنوار هذا اشتمال
كذا خليل الله في نارهمن نوره أهدى هدى الخلال
إذ قال جبريل له سل تنلفقال علم الحال حسب السؤال
ونال إسماعيل منه الفدابالذبح أو إسحاق إنَّ صح نال
وهود استجلى لديه الهدىويوسف منها تحلى الجمال
وخلعة الإشراق منها أكتسىبالطور موسى عند خلع النعال
والروح روح الله لاقى بهابشرى تلقتها صدور الرجال
فيا له نور انتقاء بدافي غرر الآباء منه انتقال
والشمس والبدر معاً والضحى والشهب منه أشرفت والهلال
ونوره أجلى، وبرهانهأعلى، وكم من دونها من معال
تفجرت أنمله الندىمعنى وبالحس جرت بالزلال
وأنطق الطير بتصديقهوأفصح الذئب به والغزال
وسبحت في راحتيه الحصىوانهزم الجمع لحثو الرمال
والجذع إذ عوض من وصلهبفصله حن حنين الفصال
وهل إلى آياته منتهىوعن غاياته النجم آل
فما بليغ بالغاً وصفهيقصر عن ذاك المقام المقال
وبعد معبد نون أو منتهىبراءةٍ ماذا عسى أنَّ يقال
يا سيد الكونين فضلا بهقد ساد في الأولى ويوم المآل
يا سابق الرسل اصطفاء وياخاتمهم جمعا لمعنى الكمال
يا ملجأ الخلق ومنجاهمإذا بهم ضاق انفساح المجال
يا من به نال المحب الرضاويا شفيعا في الذنوب الثقال
رحماك فينا يا بني الهدىفلم تزل رحماك ذات انهمال
رحماك في أوطاننا راعهامن لحظك الأحمى بعين ابتهال
رحماك في سلطاننا والهمن نصرك الأمضى بأرضى نوال
رحماك في غربتنا كن لهاأنسا فإنَّ العهد بالأنس طال
رحماك في كربتنا حلهامنك بسر فهي رهن اعتقال
رحماك في عيلتنا أغنهاأنا على رفدك طرا عيال
رحماك في قلتنا زكهازكاة تكثير لجاه ومال
صالت علينا بالوفور العداوهل على راجيك غوثا يصال
صالت بعد واعتداد معاًوما على ذاك الحمى يستطال
خالت بأنا لا غياث لناحاشى غياث الخالق مما يخال
وبالغنى اختالت وما إنَّ لنافي غير أفياء غناك اختيال
فأنت للخلق ملاذ الورىوالوزر الأحمى لدى ذي الجلال
صلى عليك الله نور الهدىأزكى صلاة قرنت باتصال
انتهت القصيدة. ومن ذلك قوله ﵀:
لك يا فقيه وضعت خدى في الثرىطمعا بوصلك منك غير مؤجل
فأجاب ذلك لا يجوز لأنهعندي رباً من باب ضع وتعجل
وقوله:
لي سيد زار وما زرتهفمني النقص ومنه التمام
إنَّ يحتمل سهوى ففقه مضىلأنني المأموم وهو الإمام
وطالما زار الغمام الثرىولم يزر قط الثرى للغمام
وقوله ﵀، وهو غاية في بابه:
بعثت بها ذكرى على ثقة إلىمؤمل وعد من لقائك مرقوب
فما زلت فذا في رءوس ذوي العلىوما وعد رأس مثل موعد عرقوب
وقوله:
عاب مني العداة شعراً وثغراًرميا في الصبا بشيب وشين
قلت: لا عيب في ما دام فضلفي النهى واللسان والشفتين
النص من طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع