من «أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
رجع إلى ذكر الشريف (٣)
الصفحة ٢ من ٢
وقوله:
قلت لمّا جبرت بالعاج ثغراًولقد رمت بالمحال احتجاجاً
صاح لا بأس أنَّ يعوج شبابيتلافي أما ترى الثغر عاجا
وقوله:
أتراني أحوط الثغر ربطاً فأضحكتوتاهت بثغر بالجفون يحاط
فقلت لخوف الحل منه ربطتهأينكر في الثغر المخوف رباط
وقوله:
إلهي لك الشكوى وحسبي رحمةنداؤك في شكوى الخطوب إلهي
وحقك ما للهو أبدعت خلقيوها أنا في غي البطالة لاهي
بنفسي وشيطاني ودنياي والهوىفتنت ولكن أنت حسبي لاهي
ولنختم ما أردنا جلبه من نظمه الذي هو بحر لا ساحل له بقوله:
يا رب قلت وقولك الحق الذيأحكمت: انك تستجيب لمن دعا
فاختم لعبدك بالرضا وأحكم لهبالستر في الدنيا وفي الآخرة معا
وأما الرئيس أبو يحيى بن عاصم فهو الإمام العلامة، الوزير الرئيس، والكاتب البليغ الجليل الخطيب الجامع الكامل، الشاعر المفلق الناثر، الحجة، والخاتمة رؤساء الأندلس بالاستحقاق، القاضي محمّد بن محمّد بن محمّد بن محمّد بن محمّد بن عاصم القيسي الأندلسي الغرناطي، قاضي الجماعة بها، كان رحمه الله تعالى من اكابر فقهائها وعلمائها، أخذ عن الإمام المحقق أبي الحسن بن سمعة، والإمام القاضي أبي القاسم بن سراج، الشيخ الراوية أبي عبد الله المنتوري، والإمام أبي عبد الله البياني وغيره من وذكر في شرحة تحفة والده أنّه ولى القضاء عام ثمان وثمانين وثمان مائة، وله عدة تآليف منها شرحه العجيب على تحفة والده في الأحكام، وهو كتاب نافع، فيه فقه متين، ونقل صحيح، وكانت بينه وبين عصريه الإمام مفتي غرناطة أبي عبد الله السرقسطي، مراجعات ومنازعات في مسائل فقهية. ومن تآليفه ﵀: كتاب جنة الرضى، في التسليم لمّا قدر الله وقضى؛ وكتاب الروض الأريض، كأنه ذيل به إحاطة أبن الخطيب،
وله غير ذلك، وسنذكر شيئاً من كلامه بعد هذا إن شاء الله تعالى. ومن أغرب ما صدر عنه، ﵁، قصيدة، تنفك منها قصيدتان أخريان بديعتان، إحداهما من المكتوب الأحمر، والأخرى من المكتوب بالأخضر، وكل واحدة من هاتين البنتين تلد موشحة، كما ستراه، وقد ألفيتها بخط بعض أعلام سبته، وهو الفقيه أبو عبد الله محمّد بن علي بن محمّد بن فرج، وجده محمّد بن فرج هو الذي نأتي بجملة من نظمه في النعل النبوية، عند ما نتعرض لذلك إن شاء الله تعالى، في محل هو انسب من هذا الموضع، وقد سقط من هذه القصيدة نحو ثلاثة أبيات، فعوضتها بغير ذلك السنن، على أنَّ بعض كلماتها لم تسقط إلى الطرف.
ونص ما كتبه السبتي المذكور من نظم السيد الأستاذ العلم الصدر المفتي القاضي رئيس الكتاب، ومعدن السماحة، ومنبع الآداب يسدي أبي يحيى أبن عاصم ﵀ ورضى عنه، يمدح السلطان العادل المقدس المنعم المرحوم المجاهد، أبا الحجاج يوسف بن نصر، قدس الله روحه، ونضر ضريحه، قال: ونقلتها من خط ناظمها ﵀. انتهى. وهذه هي القصيدة:
أما الهوى " ما كنت " مذ بان عهدهأهيم بلقيا من تناثر وده
رعى الله " لو أنصف " الصب في الهوىلمّا فاض منه الدمع مذ بان صده
ولو جاد من " بعد المطال " بروزةلمّا شب اشواقي وقلبي زنده
كما خان صبري يوم أصبح و " أصلىلظى " زاد ماء من جفوني وقده
لذلك أسال الدمع كالدر مدمعيمن " الوجد " فاستولى على الجفن سهده
حكى لؤلؤاً من سلكه متناثراو " إلاّ ليم " قد تتابع مده
ذخرت الثمين القدر منه بمقلتيوما زلت من خوف " الكنال " أعده
ولا عجب مذ أعوز القرب أنَّ غداو " كالقمر الزاهي " سناه وبعده
أيلحق باللقيا أو الوصل من يغور " في نوره " بدر السماء وجنده
وصير جسمي للصبابة والتلاقي يتم قلبي إذ تمكن وجده
أقطع أنفاسي " عليه كآبة "والله من بدر لغيري سعده
فمن شعره " الليل البهيم " ومن سنىمقبله للحسن نور يمده
بحكم " الدلال " الجور حكم جورهومن شأنه ألا قرين يرده
له معطف " مستحسن القد " ناعمبه علقت في الحب بالرغم أسده
رمى في فؤادي جمراً " ذكى " لهيبهبه ظبي أنس قد تلهب خده
فيعبق من نار الحيا عاطر " الشذاكأني " بذاك الخال قد نم نده
ويبدو بآفاق الجمال هلالهله " الليل فراعوا " الكواكب عقده
كأنَّ الظبي في مرتع الطرف لظهكأنَّ " القنا في " اللين والفعل قده
يروق العيون العطف منه فشبهتبه قضب ألبان " اعتدال " وملده
ويا نعم ورد الخد لو جاز قطفهوطيب رحيق الثغر لو حل ورده
يجول به ريق " شهي " يحيلنيإليه لظى في القلب قد شب وقده
ويحمي المحيا و " اللمى " بلواحظعن الدنف المغرى به فتصده
فلله من ريم ضلوعي كناسهوروض يسقيه من الدمع عهده
ويمنع منه المستهام فما لهو " في لثمه " لو جاد باللثم قصده
وبالحسن منه يستبيح حمى النهىو " كان المنى واليمن يحويه برده
ويلوي بديني في الهوى وهو موسرله در ثغر " لو ينال " وعقده
أفي العدل أنَّ يحكم بتحريم ريقهلأن " كان للشهد المعلل ورده
تخيلته لو نيل بالنهب في الكرى" وما ذقته يشفي من السقم شهده
فأجنى كما شاء الوصال " رضابه "ويجني على قلبي هواء وصده
ويشفي بذلك المبسم " العذب " ريقهفؤادي إذ يشفي بلثمي خذه
وحلو " الجنى " مر الجفا باهر السنى له نهب هذا القلب قسرا ورده
بدا " في المثال " كالغزال محاسناًوتخشاه أبطال العرين وأسده
وللحب يدعو لحظه الأوطف الورىألا هكذا قلب المشوق أقده
تملك رقى طرفه " مع سقمه "وبالشرع في حكم الغرام يرده
وأظهر مكنون الهوى منذ جار في ألمعنى الذي قد طال في الحب جهده
وقد كان تحت الكتم عذرى ووجدهفأسهر منه ما اختفى قبل صده
ويحسبه في الحكم بالجور كالورىوهل بالسليم القلب يحسب ضده
إذا بالظنون الكاذبات ينالهينام فكم عم الليالي سهده
يلوح سناه للمشوق وقربهعليه حرام إذ يحلل بعده
وفي مجتلاه الباهر الحسن والرواحياتي، وشبه القتل للنفس فقده
وأنعش القلب بالإنصاف " مهما بدا " وإنَّأرى منه ظلماً عاود القلب وجده
ويبديه نور الحسن وهناً " لمقلتي "ويخفيه فرع فاحم الوصف جعده
يميل على المشتاق بالهجر حكمةفمنه استعار الميل عني قده
فيا هاجري والصد قاتلوروض " نعيمي " في رضاك وخلده
أما والفتون البابلي وسحرهليقنعني هزل " الوصال " وجده
ويا مقولي مالي سواك مؤزرفخل الهوى وامدح لمن حق حمده
فصغ لؤلؤء من مدحي أبن ملوكنا" إمام الورى " الباهي على الخلق رفده
من أورثه الملك المؤصل نصرهوأكسبه المجد المؤثل سعده
لباب العلى " قطب المعالي " وتاجهاوبدر أهدى الوضاح في الدهر سعده
به قد غدا ثغر " الهدى " وهو باسممنير سناه مشرق الأفق سعده
وأضحى الكمال طوده فإنَّ أعتدىعلى البدر نقص فالجبين يمده
ومهما عفا عاد الحجا وهو قائلكذلك الحلم والصفح الذي أستعده
وبالشم يزرى عقله " الأرجح " الذيلنحو المعالي والمجادة قصده
فمعنى الحلى تهديه للقلب ذاتهو " سر العلى " يبديه للعين مجده
ومن كفه غيث الندى وغمامهومعنى السماح المستماح ورغده
إذا انهل منه الواكف الثر للورىفصفو الندى والجود قد لذلك ورده
تخال هتون البذل منهن زائلايكفيه برق الجلال ورعده
وكل نوال هامل من بنانهفأقصى صفات الجود قد جاز جوده
وفيض نداه يشرح الحال إنهيمد الحيا في السمح إذ يستمده
وفي غيثه الثجاج للمعتفي الغنيإذا بالأيادي منه يبدأ رفده
وللفضل والإحسان والبأس سبقهوللملك والإسلام والعلم عضده
وأفعله عند استباق المدا شأتوفعل ظباه بالكماة وجرده
له مشرفي دائم القطع للطلافكل كمي للعدا فيه فقد
وبين سكون في الندى من الحجاوبين مضا بالقتال يعده
وزينه من قصده الجمع للعلاكما زين السيف الصقيل فرنده
وحزم وعزم بين بكر وثيببه المرهف الماضي يفلل حده
فيوم الندى الإسلام يسعد دهرهويوم الوغى الإشراك يتعس جده
ومن بأسمه أضحى الحما متمنعاًوللفخر منه صارم يستعده
وتمسي عداه كالحميم شرابهموما شيدوا في دهره فيهده
ويغدو الموالي في سرور وغبطةمن البشر أبكار وعون توده
قد اعتاد ترك الكافرين وشأنهملهيب وشأن هامل الدمع ورده
فأبطالهم رهن الفناء ومالهمإلى البذل عقباه وبالسيف رده
ولم يبق إلاّ من حمى الحسن للعطاوشفع في أحيائه منه خده
ولأصبح في العلياء كالبحر كفهكما قد غدا مثل الجواهر رفده
فصوب الحيا في جوده برقه الظبييربك هشيم الكفر مما يقده
نداه المعين الثر قد نعم الهدىويشفي به حزب الضلال وجنده
وأحكم رفع الملك إذا نصب العداعلى حال ذل نال من ضل جهده
أيا سامي القدر الذي جل ذكرهويا محرز المجد الذي عز نده
صفاتك في العيا عزيز منالهالها كل طبع أحرز الفضل فرده
فما شئته من عزة الجار والحمىوقد رسما فوق السماكين مجده
وابعدت في وصف العلى عن مسابقلها وتداني من نوالك رغده
وجودك فيه ذو الرجا مغرم فإنحمى جوده ذم المهلب أزده
وكم من فنون يستمد بها الضحىإذا ما تناءى لمنال ممده
وكم بات يتلو سورة الفتح عزمهويحكم مثل الأمر والنهى وجده
وأصبح باستحقاقه الحمد من أولى الذيعدالة في الأحكام قد بان رشده
بعدل وإحسان قد آخت كليهماحلاه كما آخى المهند غمده
وبأس وبطش يحميان حمى الهدىفحتى لقد تلفى مع السرح أشده
وحلم وجودها تن ومكارمعلاهن كل الوصف عنها وجهده
وكيف ينال المدح أوصاف ماجديود العلا حينا وحينا توده
يعم بعفو خص بالذنب مطقهوتهدي إلى الرشد المبين ألده
وللسيف نصر يا بن نصر على العدافساعة إذ يجلى جلي الكفر حده
وللملك عز أكسب الذل من بغيفحاقت به من مؤلم القهر نكده
ففي ذمة العلياء تلك الحلا العلىولمّا بدت للدين أنجز وعده
أنرت بها من فاحم الظلم ما دجافلجت سعودهن للملك عضده
فزالت دجون الجور عن مطلع الهدىفنور سناه في اقتبال وسعده
هو الملك لم تغطه إلا نزارهبما ليس في إمكانها ومعده
وفي منتهاك الأشرف الصل للورىدليل يحوز الشفع في المجد فرده
ويمناك يوم الجود ترب الحيا أغدتألا فهي أقسام السمح وحده
لك المرهف السفاح بالفتح مثنىمع العلم الموعود بالنصر جنده
وجمعت شتى الجود في وتر راحةفغيث الندى منها قد انهل عهده
فكم كامل الأوصاف والذات ماجدإلى ذلك الهامي العميم مرده
علي يمين قلتها غير حانثلجودك تنظم النوال ونضده
فقد عز في الدنيا له المثل في العلىفما يوسف إلاّ الحيا طاب ورده
وأبن المسامي والمضاهي مجادةلناصر دين الله والمجد مجده
سففي الفخر أضحى الفضل والمجد طبعهوفي الدهر أمسى ليس يوجد نده
ومحتده السامي الكريم نجارهيماثله في رفعة القدر بنده
فشتى الخلال العز جمعهن عندهبما حاز من علم ودين يمده
ودونك الأعطاف تلعب بالنهىفتسبى الحجا طورا وطورا ترده
هدية عبد مخلص لك قلبهوفي تلكم الذات الكريمة وده
فالفاظها تحكي جمان دموعهوقرطاسها يحكيه في اللون خده
قال جامع هذا التصنيف: أشار الرئيس أبو يحيى بهذا الشطر الأخير إلى الكاغد الأصفر الذي كانت فيه هذه القصيدة مكتتبة، ثم قال:
وأنقاسها من كل لون غريبهاوترتيبها من ذاته يستهده
فأكحلها من مقلتي أستميحهوأحمرها من أدمعي أستمده
وأخضرها من طيب عيشي الذي مضىلديك وأرجو بالرضا تسترده
وأعجب شيء أنها بكر فكرتيوما بلغت معشار شهر نعده
وقد ولدت بنتين ثنتين مثلهايروقك من معناها ما توده
وكلتاهما قد جردت من نظامهاموشحة كالسيف راق فرنده
فخذها ففيها للتواظر مسرحومن مدحك الحسن الذي تستمده
بقيت كما تهواه ما هبت الصبافمالت بها بان العذيب ورنده
انتهت القصيدة الفريدة، وهأنا أذكر البنتين اللتين ولدت، ثم أذكر ما ولدت كل واحدة منهما بحول الله وقوته.
فاما القصيدة الخارجة من المكتوب بالأخضر فهذا نصها، وتوشيحها ينتظم من المكتوب فيها بالأخضر وهي هذه:
تناثر الدمع من جفونيكالدر من سلكه الثمين
مذ أعوز الوصل والتلاقيمن بدر حسن بلا قرين
علقت في الحب ظبي أنسجماله مرتع العيون
وحل في القلب عن كناسفماله يستبيح ديني
يحكم بالنهب في فؤاديإذ ناله نهبه العرين
أهكذا الشرع في المعنىالعذري والحكم بالظنون
يحلل القتل منه ظلمابالهجر والصد والفتون
مالي سوى مدحي أبن نصربدر الهدى المشرق الجبين
ذا الحلم والصفح والمعاليغيث الندى الواكف الهتون
قد جاز في السمح والأياديسبق المدى دائم السكون
وقصده الجمع بين بكرللفخر في دهره وعون
وشأنه البذل للعطاياكالبحر في جوده المعين
نال من المجد كل طبعوصف العلا فيه ذو فنون
وسور الحمد من حلاهلقد تلاهن كل حين
تهدى إلى الرشد إذ تجلىتلك الحلى فاحم الدجون
كأنها الشفع فهي مثنىفي وتر الأوصاف واليمين
قل له المثل والمضاهيفي الدهر في رفعة ودين
انتهت البنت الخضراء، وهذا نص بنتها الموشحة، المستخرجة من الأخضر:
تناثر الدمع، كالدرمذ أعوز الوصل من بدر
علق في الحبجماله
وحل في القلبفماله
يحكم بالنهبإذ ناله
أهكذا الشرع العذرييحلل القتل بالهجر
ما لي سوى ودحيبدر الهوى
ذا الحلم والصفحغيث الندى
قد جاز في السمحسبق المدى
وقصده الجمع للفخروشأنه البذل كالبحر
نال من المجدوصف العلا
وسور الحمدلقد تلا
تهدى إلى الرشدتلك الحلى
كأنها الشفع في الوترقل لها المثل في الدهر
النص من طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع