من «أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
حاله
الصفحة ١ من ٢
قال أبن الأحمر: " هو شاعر الدنيا وعلم المفرد والثنيا وكتاب الأرض إلى يوم العرض لا يدافع مدحه في الكتاب ولا يجنح فيه إلى العتب آخر من تقدم في الماضي وسيف مقولة ليس بالكهام إذ هو الماضي وإلاّ فانظر كلام الكتاب الأول من العصبة كيف كان فيهم بالإفادة صاحب القصبة للبراعة باليراعة وبه اسكت صائلهم وما حمدت بكرهم وأصائلهم المشوبة بالحلاوة الممكنة من مفاصل الطلاوة وهو نفيس العدوتين ورئيس الدولتين بالاطلاع على العلوم العقلية والإمتاع بالفهوم النقلية لكن صل لسانه في الهجاء لسع ونجاد نظاقة في ذلك اتسع حتى صدمني وعلى القول فيه أقدمني بسبب هجوه في أبن عمي ملك الصعق الأندلسي سلطان ذلك الوطن في النفر الجنسي المعظم في الملوك بالقول الجني والإنسي ثم صفحت عنه صفحة القادر الوارد من مياه الظفر غير الصادر لأنَّ مثلي لا يليق به إظهار العورات ولا يجمل به تتتبع العثرات اتباعا للشرع في تحريم الغيبة وضربا عن الكريهة وإثباتا لحظوظ النقيبة الرغيبة فما ضره لو اشتغل بذنوبه وتأسف على ما شرب من ماء الهجو بذنوبه. وقد قال بعض الناس: من تعرض للأعراض أرسى عرضه هدفا لسهام الأغراض ". انتهى كلام أبن الأحمر.
وقال غيره: تقلد الكتابة أيام السلطان أبي الحجاج في أخريات دولته بعد
شيخه أبن الجياب.
قال أبن الصباغ العقيلي: " كان أبو الحسن بن الجياب رئيس كتاب الأندلس وهم رؤساء غيرهم واختص به الوزارتين أبو عبد الله بن الخطيب اختصاصا تاما وأورثته رتبته من بعده وعهد بها إليه مشيرا بذلك على من استشاره من أعلام الحجاب عند حضوره عمره. وتدرب بذكائه حتى استحق أزمته فأنسى بحسن سياسته شيخه المذكور ونال التي لا فوقها من الحظوة وبعد الصيت وسعادة البخت.
اتفق له يوما بعد ما عزم النصراني على ورود البلاد وضاقت به الصدور فأنشد أبن الجياب بديها بمحضر الكتاب:
هذا العدو قد طغىوقد تعدى وبغى
وقال لابن الخطيب: أجز أبا عبد الله فأنشده بديها:
وأظهر السلم وقدأسر حسوا في أرتغا
فبلغ الرحمن سيفي النصر فيه ما ابتغى
ورده رد ثمودوالفصيل قد رغا
حتى يرى وليمةلكل مرهوب الثغا
فقال أبن الجياب: هكذا وإلاّ فلا وعجب الحاضرون من هذه البديهة ". انتهى كلام أبن الصباغ.
ولمّا توفي أبو الحجاج ازدادت منزلة أبن الخطيب عند ابنه أبي عبد الله إلى أن كانت عليه الدائرة فقبض على أبن الخطيب وعلى أملاكه ثم تخلص منها نكبة مصحفية بشفاعة السلطان المستعين بالله أبي سالم إبراهيم أبن السلطان الشهير الكبير أبي الحسن المريني صاحب المغربو كان تحريك عزائم السلطان ابى سالم للشفاعة فيه بسعاية الغالبع دولته الحاجب الرئس الخطيب الراحل أبي عبد الله بن مرزوق. ولمّا تخلص لبن الخطيب من هذه الأنشوطة لحق بسلطانه أبي عبد الله كما نذكره قريبا وورد صحبته المغرب واستقر أبو عبد الله بن الخطيب بسلا تحت الجراية التامة متكلفا خدمة ضريح الملوك من بني مرين ليمت باب إلى صاحب الملك من بينهم كما يقضي له ما بقي من مآربه بالأندلس بشفاعة غير مردودة وفي أثناء هذه المدة كان يتطوف ببلاد المغرب مثل مراكش وأنظارها. ثم لمّا رجع مخدومة لغرناطة عاد هو في صحبة أولاده فألقى مقاليد رياسته وأزمة سياسته ورقاه إلى الذروة
التي لا فوقها ثم سم الخدمة وتسخط النعمة وأضمر الفرار عندما سمع بأن الملك استوثق للسلطان أبي فارس بن أبي الحسن المريني وأنّه ملك تلمستان فأظهر الذهاب إلى تفقد أحوال بعض الثغور فكان آخر عهد الأندلس به وخرج بتلمستان واهتزت دولة السلطان أبي فارس لقدومه ثم كان من أمه ما سنذكره.
ولنورد بعض تفضيل لمّا سبق الإلمام به وما لم يسبق فنقول: قال في كتابه المسمى باللمحة البدرية في الدولة النصرية عند ذكره خلع السلطان أبي عبد الله وقيام الأمير إسماعيل عليه وذلك في شهر رمضان المعظم من عام ستين وسبع مائة ما نصه:
" وكان السلطان أبو عبد الله عند تنصير الأمر إليه قد ألزم أخاه إسماعيل قصرا من قصور أبيه بجوار داره مرفها عليه متممة وظائفه له وأسكن معه أمه وأخواته منها وقد أستأثر يوم وفاة والده بمال جم من خزائنه الكائنة في بيتها فوجدت السبيل إلى السعي لولدها فجعل تواصل زيارة ابنتها التي عقد لها الوالد مع أبن عمه الرئيس أبي الوليد أبن الرئيس أبي عبد الله المبايع له بأندروش أبن الرئيس أبي السعيد جدهم الذي تجمعهم جرثومته وشمر المهر المذكور عن ساعد عزمه وجده وهو على ما هو من الإقدام ومداخلة ذؤبان الرجال واستعان بمن آسفه الدولة وهفت به الأطماع فتألف منها زهاء مائة قصدوا جهة
من جهات القلعة متسنمين شفا صعب المرتقي واتخذوا آلة تدرك ذروته لصعود بنية كانت عن التمام وكسبوا حرسيا بأعلاه بما اقتضى صماته فاستووا به ونزلوا إلى القلعة سحر الليلة الثامنة والعشرين من شهر رمضان عام ستين وسبع مائة فاستظهروا بالمشاعل والصراخ وعالجوا دار الحاجب رضوان ففضوا أغلاقها ودخلوا فقتلوه بين أهله وولده وانتهبوا ما اشتملت عله داره وأسرعت طائفة مع الرئيس فاستخرجت الأمير المستقل إسماعيل وأركبته وقرعت الطبول ونودي بدعوته وقد كان أخوه السلطان متحولا بولده إلى سكنى الجنة المنسوبة إلى العريف لصق داره وهي المثل المضروب في الظل الممدودة والماء المسكوب والنسيم البليل يفصل بينها وبين معقل الملك السور المنيع والخندق المصنوع فما راعه إلاّ النداء والعجيج وأصوات الطبول وهب إلى الدخول إلى القلعة. فألفها قد أخذت دونه شعائها كلها ونقابها وقذفته الحراب ورشقته السهام فرجع أدراجه وسدده الله في مخل الحيرة ودس له عرق الفحول من قومه فامتطى صهوة فرس كان مرتبطا عنده وصار لوجهه فأعيا المتبع وصبح مدينة وادي آش ولم يشعر حافظ قصبتها إلاّ به وقد تولج عليها فالتف بها أهلها وأعطوه صفتهم بالذب عنه فكان أملك بها وتجهزت الحشود إلى منازلته وقد جدد
أخوه المتغلب على ملكه عقد السلم مع طاغية قشتالة باحتياجه إلى سلم المسلمين لجراء فتنة بينه وبين البرجلونيين من أمته واغتبط به أهل المدينة فذبوا عنه ورضوا بهلاك عمتهم دونه واستمرت الحال إلى يوم عيد النحر من عام التاريخ ووصله رسول صاحب المغرب مستنزلا منها ومستدعيا إلى حضرته لمّا عز عن إمساكها. وراسل ملك الروم فلم يجد عند من معول فانصرف ثانية يوم عيد النحر المذكور وتبعه الجمع الوافر من أهل المدينة خيلا ورجالا إلى مربلة من ساحل إجازته. وكان وصوله إلى مدينة فاس مصحبا من البر والكرامة بما لا مزيد عله في السادس من شهر محرم فاتح عام واحد وستين وسبع مائة وركب السلطان للقائه ونزل إليه عند ما سلم عليه وبالغ في الحفاية به.
وكانت قد لحق به مفلتا من شرك النكبة التي استأصلت المال وأوهمت سوء الحال بشفاعة السلطان أبي سالم قدس الله روحه فقمت بين يديه في المحفل المشهود يومئذ وأنشدته:
سلا هل لديها من مخبرة ذكروهل أعشب الوادي ونم به الزهر
وهل باكر الوسمي دارا على اللوىعفت آيها إلاّ التوهم والذكر
بلادي التي عاطيت مشمولة الهوىبأكنافها والعيش فينان مخضر
وجوى الذي ربي جناحي وكرهفها أنا ذا مالي جناح ولا وكر
نبت بي لاعن جفوة وملالةولا نسخ الوصل الهني بها هجر
ولكني الدنيا قليل متاعهاولذاتها دأبا تزور وتزور
فمن لي بقرب العهد منها ودونهامدى طال حتى يومه عندنا شهر
ولله علينا من رآنا وللأسى ضرام له في كل جارحة جمر
وقد بددت در الدموع يد النوىوللشوق أَشجان يضيق لها الصدر
بكينا على نهر الشروب عشيةفعاد أجاجا بعدنا ذلك النهر
أقول لأظعاني وقد غالها السرىوآنسها الحادي وأوحشها الزجر
رويدك بعد العسر يسر أنَّ أبشريبأنجاز وعد الله قد ذهب العسر
ولله فينا سر غيب ربماأتى النفع من حال أريد بها الضر
وإنَّ تخن الأيام لم تخن النهىوإنَّ يخذل الأقوام لم يخذل الصبر
وإنَّ عركت مني الحظوب مجربانقابا تساوى عنده الحلو والمر
فقد عجمت عوداً صليبا على الردىوعزما كما تمضي المهندة البتر
إذا أنت بالبيضاء قررت منزليفلا اللحم حل ما حييت ولا الظهر
زجرنا بإبراهيم برء همومنافلما رأينا وجهه صدق الزجر
بمنتخب من آل يعقوب كلمادجا الخطب لم يكذب لعزمته فجر
تناقلت الركبان طيب حديثهفلما رأته صدق الخبر الخبرَ
ندى لو حواه البحر لذ مذاقهولم مده أبداً جزر
وبأس غدا يرتاع من خوفه الردىوترفل في أثوابه الفتكه البكر
أطاعته حتى العصم في قنن الرباوهشت إلى تأميله الأنجم الزهر
قصدناك يا خير الملوك على النوىلتنصفنا مما جنى عبدك الدهر
كففنا بك الأيام عن غوائلهاوقد رابنا منها التعسف والكبر
وعذنا بذاك المجد فانصرم الردىولذنا بذاك العز فانهزم الذعر
ولمّا أتينا البحر يرهب موجهذكرنا نداك الغمر فاحتقر البحر
خلافتك العظمى ومن لم يدن بهافإيمانه لغو وعرفانه نكر
ووصفك يهدي المدح قصد صوابهإذا ضل في أوصاف من دونك الشعر
دعتك قلوب المؤمنين واخلصتوقد طاب منها السر لله والهجر
ومدت إلى الله الأكف ضراعةفقال لهن الله قد قضى الأمر
وألبسها النعمى ببيعتك التيلها الطائر الميمون والمحتد الحر
فأصبح ثغر الثغر بيسم ضاحكاوقد كان مما نابه ليس يفتر
وأمنت بالسلم البلاد وأهلهافلا ظبة تعرى ولا روعة تعرو
وقد كان مولانا أبوك مصرحابأنك في أبنائه الولد البر
وكنت خليقاً بالإمارة بعدهعلى الفور لكن كل شيء له قدر
وأوحشت من دار الخلافة هالةأقامت زمانا لا يلوح بها البدر
فرد عليك الله حقك إذ قضىبأن تشمل النعمى وينسدل الستر
وقاد إليك الملك رفقا بخلقهوقد عدموا ركن الإمامة واضطروا
وزادك بالتمحيص عزا ورفعةًوأجرا ولولا السبك ما عرف التبر
وأنت الذي تدعى إذا دهم الردىوأنت الذي ترجى إذا أخلف القطر
وأنت إذا جار الزمان محكملك النقض والإبرام والنهى والأمر
وهذا أبن نصر قد أتى وجناحهمهيض ومن علياك يلتمس الجبر
غريب يرجى منك ما أنت أهلهفإنَّ كنت تبغي الفخر قد جاءك الفخر
ففز يا أمير المسلمين ببيعةموثقة قد حل عروقها الغدر
ومثلك من يرعى الدخيل ومن دعابيا لمرين جاءه العز والنصر
وخذ يا إمام الحق بالحق ثأرهففي ضمن ما تأتى به العز والأجر
وأنت لها يا ناصر الحق فلتقمبحق فما زيد يرجى ولا عمرو
فإنَّ قيل مال مالك الدهر وافروإنَّ قيل جيش عندك العسكر المجر
يكف باب العادي ويحيا الهدى ويبني بك الإسلام ما هدم الكفر
أعده إلى أوطانه عنك راضياًوطوقه نعماك التي مالها حصر
وعاجل قلوب الناس فيه بجبرهافقد صدهم عنه التغلب والقهر
وهم يرقبون الفعل منك وصفقةتحاولها يمناك ما بعدها خسر
مرامك سهل لا تؤودك كلفةسوى ما إنَّ له في العلا خطر
وما العمر إلاّ زينة مستعارةترد ولكن الثناء هو العمر
ومن باع ما يفني باق مخلدفقد انجح المسعى وقد ربح التجر
ومن دون ما تبغيه يا ملك الهدىجياد المذكى والمحجلة الغر
وراد وشقر واضحات شياتهافأجسامها تبر وأرجلها در
وشهب إذا ما ضمرت يوم غارةٍمطهمة غارت بها الأنجم الزهر
وأسد رجال من مرين مخيفةعمائمها بيض وآسالها سمر
عليها من الماذى كل مفاضةتدافع في أعطافها اللجج الخضر
هم القوم إنَّ هبوا لكشف ملمةفلا الملتقى صب ولا المرتقى وعر
إذا سئلوا أعطوا وإنَّ نوزعوا سطواوإنَّ واعدوا وفوا وإنَّ عاهدوا بروا
وإنَّ مدحوا أهتزوا ارتياحا كأنهمنشاوى تمشت في معاطفهم خمر
وإنَّ سمعوا العوراء فروا بأنفسحرام على هماتها في الوغى الفر
وتبسم ما بين الوشيج ثغورهموما بين قضب الدوح يبتسم الزهر
أمولاي غاضت فكرتي وتبدلتطباعي فلا طبع يعين ولا فكر
ولولا حنان منك داركتني بهوأحييتني لم تبق عين ولا أثر
فأوجدت مني فائتاً أي فائتوأنشرت ميتا ضم أشلاءه قبر
بدأت بفضل لم أكن لعظيمةبأهل فجل اللطف وانفرج الصدر
وطوقتني النعمى المضاعفة التييقل عليها مني الحمد والشكر
وأنت بتتميم الصنائع كافلإلى أنَّ يعود الجاه والعز والوفر
جزاك الذي أسنى مقامك عصمة يفك بها عانٍ وينعش مضطر
إذا نحن أثنينا عليك بمدحةفهيهات يحصى الرمل أو يحصر القطر
ولكننا نأتى بما نستطيعه ومن بذل المجهود حق له العذر
فلا تسأل عن امتعاض وانتقاض، وسداد أنحاء في التأثر لنا وأغراض، والله غالب على أمره.
وفي صبيحة يوم السبت السابع عشر من شهر شوال عام اثنين وستين وسبع مائة كان انصرافه إلى الأندلس، وقد ألح صاحب قشتالة في طلبه، وترجح الرأي على قصده، فقعد السلطان بقبة العرض من جنة المصارة، وبرز الناس وقد أسمعهم البيرح، واستحضرت البنود، والطبول والآلة، وألبس خلعة الملك، وقيدت له مراكبه فاستقل، وقد التف عليه كل من جلا عن الأندلس من لدن الكائنة في جملة كثيفة، ورئي من رقة الناس وإجهاشهم وعلو أصواتهم بالدعاء ما قدم به العهد، إذ كان مظنة ذلك سكوناً وعطافاً وقربا، قد ظله الله بوارق الرحمة، وعطف عليه وشاج المحبة، إلى كونه مظلوم العقد، منزع الحق، فتبعته الخواطر وحميت عليه الأنفس، وانصرف لوجهته؛ وهو الآن برندة مستقل بها وبجهاتها، ومقتنع برسم سلطانها وقد قام له برسم الوزارة الشيخ القائد أبو الحسن علي بن يوسف بن كماشة الحضرمي، وبكتابه الفقيه أبو عبد الله بن زمرك، وقد استفاض عنه الحزم والتدرب والتيقظ للأمور والمعرفة بوجوه المصالح ما لا ينكر، كان الله له ولنا بفضله. انتهى كلام أبن الخطيب في اللمحة البدرية.
وقد عرفت أنّه في ذلك التاريخ لم يكن دخل السلطان غرناطة، ولم يلحق به أبن الخطيب حتى دخلها.
وقد ذكر ولي الدين بن خلدون هذه الواقعة في تاريخه الكبير وأحسن سردها فقال في ترجمة أيام السلطان أبي سالم ما نصه: الخبر عن خلع أبن الأحمر صاحب غرناطة ومقتل رضوان ومقدمه على السلطان لمّا هلك السلطان أبو الحجاج سنة خمس وخمسين وسبع مائة ونصب ابنه محمّد للأمر واستبد عليه رضوان مولى أبيه وكان قد رشح ابنه الأصغر إسماعيل بما ألقى عليه وعلى أمه من محبته فلما عدلوا بالأمر عنه حجبوه ببعض قصورهم وكان له صهرا من أبن عمه إسماعيل بن الرئيس أبي سعيد فكان يدعوه سرا إلى القيام بأمره حتى أمكنته فرصة في الدولة بخروج السلطان إلى بعض متنزهاته برياضه فصعد سور الحمراء ليلة سبع وعشرين لرمضان من سنة ستين في بعض أوشاب جمعهم من الطغام وعمد إلى دار الحاجب رضوان فاقتحم عليه الدار وقتله بين حرمه وبناته وقربوا إلى إسماعيل فرسه فركب فأدخلوه القصر وأعلنوا بيعته وقرعوا طبولهم بسور الحمراء وفر السلطان من مكانه بمتنزهه فلحق بوادي آش وغدا الخاصة والعامة على إسماعيل فبايعوه واستند على هذا الرئيس أبن عمه فخلعه لأشهر من بيعته واستقل
بسلطان الأندلس. ولمّا لحق السلطان أبو عبد الله محمّد بوادي آش بعد مقتل حاجبه رضوان واتصل الخبر بسلطان المولى أبي سالم امتعض لمهلك رضوان وخلع السلطان رعيا لمّا سلف له في جوارهم وأزعج لحينه أبا القاسم الشريف من أهل مجلسه لاستقدامه فوصل إلى الأندلس وعقد مع أهل الدولة على إجازة المخلوع من وادي أش إلى المغرب وأطلق من اعتقلهم الوزير الكاتب أبا عبد الله أبن الخطيب كانوا اعتقلوه لأول أمرهم لمّا كان رديفا للحاجب رضوان وركنا لدولة المخلوع فأوصى المولى أبو سالم إليهم بإطلاقه فأطلقوه ولحق مع الرسول أبي القاسم الشريف بسلطانه المخلوع بوادي آش للإجازة إلى المغرب وأجاز لذي القعدة من سنته وقدم على السلطان بفاس وأجل قدومه وركب للقائه ودخل به إلى مجلس ملكه وقد احتفل ترتيبه وغص بالمشيخة والعلية ووقف وزيره أبن الخطيب فأنشد السلطان قصيدته الرائية يستصرخه لسلطانه ويستحثه لمظاهرته على أمره واستعطف واسترحم بما أبكى الناس شفقة له ورحمة.
ثم سرد ولي الدين بن خلدون القصيدة التي قدمنا ذكرها إلى آخرها قال: ثم انفض المجلس وانصرف أبن الأحمر إلى نزله وقد فرشت له القصور وقربت الجياد بالمراكب الذهبية وبعث إليه بالكسى الفاخرة ورتبت الجرايات له ولمواليه من المعلوجي وبطانته من الصنائع وحفظ عليه رسم سلطانه في الراكب والراجل ولم يفقد من ألقاب ملكه إلاّ الآلة
أدبا مع السلطان واستقر في جملته إلى أن كان من لحاقه بالأندلس وارتجاع ملكه سنة ثلاث وستين ما نحن نذكره.
انتهى كلام أبن خلدون وفيه بعض مخالفة يسيرة لكلام أبن الخطيب في اللمحة البدرية.
ولا بد أن نسرد كلام أبن خلدون في شأن أبن الخطيب إذ ذكره في ترجمة السلطان أبي الفارس أبن السلطان أبي الحسن المريني بما نصه: الخبر عن قدوم الوزير أبن الخطيب على السلطان بتلمستان نازعا إليه عن سلطانه أبن الأحمر صاحب الأندلس أصل هذا الرجل من لوشة على مرحلة من غرناطة في الشمال من البسيط الذي فيه ساحاتها المسمى بالمرج على وادي شنجيل ويقال شنبيل المخترق في ذلك البسيط من الجنوب إلى الشمال كان بها له سلف معدود في وزرائها وانتقل أبوه عبد الله إلى غرناطة واستخدم لملوك بني الأحمر واستعمل على مخازن الطعام ونشأ ابنه محمّد بغرناطة وقرأ وتأدب على مشيختها واختص بصحبة الحكيم المشهور يحيى بن هذيل وأخذ عنه العلوم الفلسفية وبرز في الطب وانتحل الأدب وأخذ عن أشياخها وامتلأ حوض السلطان من نظمه
ونثره مع انتقاء الجيد منه ونبغ في الشعر والترسيل بحيث لا يجاري فيهما وامتدح السلطان أبا الحجاج من ملوك بني الأحمر لعصره وملأ الدنيا بمدائحه وانتشرت في الآفاق فرقاه السلطان إلى خدمته وأثبته في ديوان الكتاب ببابه مرؤوسا بأبي الحسن بن الجياد شيخ العدوتين في النظم والنثر وسائر العلوم الأدبية وكاتب السلطان بغرناطة من لدن أيام محمّد المخلوع من سلفه عندما قتل وزيره محمّد بن الحكيم المستبد عليه كما مر في أخبارهم. فاستبد أبن الجياد برياسة الكتاب من يومئذ إلى أن هلك في الطاعون الجارف سنة تسع وأربعين وسبع مائة فولى السلطان أبو الحجاج يومئذ محمّد أبن الخطيب رياس الكتاب ببابه مثناة بالوزارة ولقبه بها فاستقل بذلك وصدرت عنه غرائب من الترسيل في مكاتبات جيرانهم من ملوك العدوة ثم دخله السلطان في تولية العمال على يده بالمشارطات فجمع له بها أموالا وبلغ به في المغالطة إلى حيث لم يبلغ بأحد ممن قبله وسفر عنه إلى السلطان أبي عنان ملك بني مرين بالعداوة معزيا بأبيه السلطان أبي الحسن فجلى في أغراض سفارته. ثم هلك السلطان أبو الحجاج سنة خمس وخمسين عدا عليه بعض الزعانف يوم الفطر بالمسجد في سجوده للصلاة وطعنه فأشواه وفاظ لوقته وتعاورت سيوف الموالي المعلوجي هذا القاتل فمزقوه أشلاء
وبويع ابنه محمّد بالأمر لوقته وقام بأمره مولاهم رضوان الراسخ القدم في قيادة عساكرهم وكفالة الأصاغر من ملوكهم واستبد بالدولة وأفرد أبن الخطيب بوزارته. كما كان لأبيه واتخذ لكتابته غيره وجعل أبن الخطيب رديفا له في أمره ومشاركا في استبداده معه فجرت الدولة على أحسن حال وأقوم طريقة ثم بعثوا الوزير أبن الخطيب سفيرا إلى السلطان أبي عنان مستمدين له على عدوهم الطاغية على عادتهم مع سلفه فلما قدم على السلطان ومثل بين يديه تقدم الوفد الذين معه من وزراء الأندلس وفقهائها واستأذنه في إنشاد شعره قدمه بين يدي نجواه فأذن له وأنشد وهو قائم:
خليفة الله ساعد القدرعلاك ما لاح في الدجى قمر
ودافعت عنك كف قدرتهما ليس يستطيع دفعه البشر
وجهك في النائبات بدر ذجيلنا وفي المحل كفك المطر
والناس طرا بأرض أندلسلولاك ما أوطنوا ولا عمروا
وجملة الأمر أنّه وطنفي غير علياك ما له وطر
ومن به مذ وصلت حبلهمما جحدوا نعمة ولا كفروا
وقد أهمتهم بأنفسهمفوجهوني إليك وانتظروا
فاهتز السلطان لهذه الأبيات وأذن له في الجلوس وقال له قبل أن يجلس
ما ترجع إليهم إلاّ بجميع طلباتهم ثم أثقل كاهلهم بالإحسان وردهم بجميع ما طلبوه. وقال شيخنا القاضي أبو القاسم الشريف وكان معه في ذلك الوفد: لم نسمع بسفير قضى سفارته قبل أن يسلم على السلطان إلاّ هذا.
ومكثت دولتهم هذه بالأندلس خمس سنين ثم ثار بهم محمّد الرئيس أبن عم السلطان شركه في جده الرئيس أبي سعيد وتحين خروج السلطان إلى متنزهه خارج الحمراء وتسوروا دار الملك المعروفة بالحمراء وكبس رضوان في بيته فقتله ونصب للملك إسماعيل أبي الحجاج بما كان صهره على شقيقته وكان معتقلا بالحمراء فأخرجه وبايع له وقام بأمره مستبدا عليه وأحس السلطان محمّد بقرع الطبول وهو بالبستان فركب ناجيا إلى وادي آش وضبطها بالخبر إلى السلطان أبي سالم إثر ما استولى على ملك آبائه بالمغرب وقد كان مثواه أيام أخيه أبي عنان عندهم بالأندلس واعتقل الرئيس القائم بالدولة هذا الوزير أبن الخطيب وضيق عليه في محسبه وكانت بينه وبين الخطيب أبن مرزوق مودة استحكمت أيام مقامعه بالأندلس وكان غالبا على هوى السلطان أبي سالم فزين له استدعاء هذا السلطان المخلوع من وادي آش يعده زبونا على أهل الأندلس ويكف به عادية القرابة المرشحين هناك متى طمحوا إلى ملك المغرب فقبل ذلك منه وخاطب أهل الأندلس في تسهيل طريقه من وادي آش إليه وبعث من أهل مجلسه الشريف أبا القاسم التلمساني وحمله مع ذلك الشفاعة في أبن الخطيب وحل معتقله فأطلق وصحب الشريف أبا القاسم إلى وادي آش وسار في ركاب سلطانه وقدموا على
السلطان أبي سالم فهتز لقدوم أبي الأحمر وركب في الموكب لتلقيه وأجلسه إزاء كرسيه وأنشد أبن الخطيب قصيدته كما مر يستصرخ السلطان لنصره فوعده وكان يوما مشهودا وقد مر ذكره ثم أكرم مثواه وأرغد نزله ووفر أرزاق القادمين في ركابه وأرغد عيش أبن الخطيب في الجراية والإقطاع. ثم استأنس واستأذن السلطان في التجوال بجبهات مراكش والوقوف على آثر الملك بها فأذن له وكتب إلى العمال بإتحافه فتباروا في ذلك وحصل منه على حظ وعندما مر بسلا إثر قفوله من سفره دخل مقبرة الملوك بشالة ووقف على قبر السلطان أبي الحسن وأنشد قصيدته على روي الراء الموصولة يرثيه ويستجير به في استرجاع ضياعه بغرناطة مطلعها:
إن بان منزله وشطت دارهقامتمقام عيانه أخباره
قسم زمانك عبرة أو عبرةهذا ثراه وهذه آثاره
فكتب السلطان أبو سالم في ذلك إلى أهل الأندلس بالشفاعة فشفعوه واستقر هو بسلا منتبذا عن سلطانه طول مقامه بالعدوة. ثم عاد السلطان محمّد المخلوع إلى ملكه بالأندلس سنة ثلاثة وستين وبعث عن مخلفه بفاس من الأهل والوالد والقائم بالدولة يومئذ عمر بن عبد الله بن علي فاستقدم أبن الخطيب من سلا وبعثهم لنظره فسر السلطان لقدومه ورده إلى منزلته كما كان مع رضوان كفله وكان عثمان بن يحيى بن عمر شيخ الغزاة وأبن أشياخهم قد لحق بالطاغية في ركب أبيه عندما أحس بالشر من الرئيس
صاحب غرناطة وأجاز يحيى من هنالك إلى العداوة وأقام عثمان بدار الحرب فصحب السلطان في مثوى اغترابه هنالك وتقلب في مذاهب خدمته وانحرفوا عن الطاغية بعد ما يئسوا من الفتح على يده فتحولوا عنه إلى ثغور بلادهم وخاطبوا الوزير عمر بن هب في أن يمكنهم من بعض الثغور الغريبة التي لطاغيتهم بالأندلس يرتقبون منها الفتح وخاطبني السلطان المخلوع في ذلك وكانت بيني وبين عمر بن عبد الله أذمة مرعية وخاصة متأكدة فوفيت للسلطان بذلك من عمر بن عبد الله وحملته على أن يرد عليه مدينة زندة إذ هي من تراث سلفه فقبل إشارتي في ذلك وتسوغها السلطان المخلوع ونزل بها وعثمان بن يحيى في جملته وهو المقدم في بطانته ثم غزوا منها مالقة فكانت ركابا للفتح وملكها السلطان واستولى بعدها على دار ملكه بغرناطة وعيمان بن يحيى متقدم القوم في الدولة عريق في المخالصة وله على السلطان دالة واستبداد على هواه. فلما وصل أبن الخطيب بأهل السلطان وولده وأعاده إلى مكنه في الدولة من علو يده وقبول اشارته أدركته الغيرة من عثمان ونكر على السلطان الأستكفاء به وأراه التخوف من هؤلاء الأعياض فحذره السلطان وأخذ في التدبير عليه حتى نكبه وأباه وإخوته في رمضان سنة أربع وستين وأودعهم المطبق ثم غربهم بعد ذلك وخلا لابن الخطيب
الجو وغلب على هوى السلطان ودفع إليه تدبير الدولة وخلط بنيه بندمائه ولعل خلوته وانفراد أبن الخطيب بالحل والعقد وانصرفت إليه الوجوه وعلقت به الآمال وغشى بابه الخاصة والكافة وغصت به بطانة السلطان وطشيته فتفننوا في السعايات فيه وقد صم السلطان عن قبولهم ونمى الخبر بذلك إلى أبن الخطيب فشمر عن ساعده في التفويض واستخدم للسلطان عبد العزيز أبن السلطان أبي الحسن ملك الغدوة يومئذ في القبض على أبن عمه عبد الرحمن أبن أبي يفلوس أبن السلطان أبي علي كانوا قد نصبوه شيخا على الأندلس لمّا أجاز من العدوة بعد ما جاس خلالها لطلب الملك وأضرم بها نار الفتنة في كل ناحية وأحسن دفاعه الوزير عمر بن عبد الله القائم يومئذ بدولة بني مرين فاضطر إلى الإجازة إلى الأندلس فأجاز هو ووزيره مسعود بن ماساي ونزلوا على السلطان المخلوع عام سبعة وستين فأكرم نزلهم وتوفى على بن بدر الدين شيخ الغزاة فقدم عبد الرحمن مكانه. وكان السلطان عبد العزيز قد استبد بملكه بعد مقتل الوزير عمر بن عبد الله غص بما فعله السلطان المخلوع من ذلك وتوقع انتقاض أمره منهم ووقف على مخاطبات من عبد الرحمن يسر بها في بني مرين فجزع لذلك وداخله أبن الخطيب في اعتقاله أبن يفلوسن وابن ماساي وإراحة نفسه من شغبهم على أن يكون له المكان من دولته متى نزع إليه فأجابه إلى ذلك وكتب له العهد بخطه على يد سفيره إلى الأندلس وكاتبه أبن يحيى بن أبي مدين وأغرى أبن الخطيب سلطانه بالقبض على أبن يفلوسن بن ماساي فقبض عليهم واعتقلهم وفي خلال ذلك استحكمت نفرة أبن الخطيب لمّا بلغه من البطانة
النص من طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع