من «أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
حاله
الصفحة ٢ من ٢
من القدح فيه والسعاية وربما تخيل السلطان مال إلى قبوله وأنهم قد أحفظوه عليه فأجمع التحول عن الأندلس إلى المغرب واستأذن السلطان في تفقد الثغور الغربية وسار إليها في لمة من فرسانه ومعه أبنه علي الذي كان خاصة للسلطان وذهب لطيته فلما حاذى جبل الفتح فرضة المجازة إلى العدوة مال إليه وسرح اذنه بين يديه فخرج قائد الجبل لتلقيه. وقد كان السلطان عبد العزيز أوعز إليه بذلك وجهز له الأسطول من حينه فأجاز إلى سبتة وتلقاه ولاتها بأنواع التكرمة وامتثال المراسم ثم سار لقصد السلطان فقدم عله سنة ثلاث وسبعين بمقامه تلمستان فهتزت له الدولة وأركب السلطان خاصته لتلقيه وأحله لمجلسه بمحل الأمن والغبطة ومن دولته بمكان التنويه والعز وأخرج لوقته كتابه أبا يحيى بن أبي مدين سفيرا إلى صاحب
الأندلس في أهله وولده فجاء بهم على أكمل حالت الأمن والتكرمة ثم أكثر المنافسون له في شأنه وأعزوا سلطانه بتتبع عثراته وإبداء ما كان كامنا في نفسه من سقطاته وإحصاء معايبه وشاع على ألسنة أعدائه كلمات منسوبة إلى الزندقة أحصوها عليه ونسبوها إليه ورفعت إلى قاضي الحضرة أبي الحسن بن الحسن فإسترعاها وسجل عليه بالزندقة وراجع صاحب الأندلس رأيه فيه وبعث القاضي أبن الحسن إلى السلطان عبد العزيز في الانتقام منه بتلك السجلات وإمضاء حكم الله فيه فصم على ذلك وأنف لذمته أن تخفر ولجواره أن يرد وقال لهم: هلا انتقمتم منه عندكم وانتم عالمون بما كان عليه وأما أنا فلا يخلص إليه بذلك أحد ما كان في جواري ثم وفر
الجراية والإقطاع له ولبنيه، ولمن جاء من أهل الأندلس في جملته. فلما هلك السلطان عبد العزيز سنة أربع وسبعين، ورجع بنو مرين إلى المغرب، وتركوا تلمسان، سار هو في ركاب الوزير أبي بكر بن غازي، القائم، فنزل بفاس، واستكثر من شراء الضياع، وتأنق في بناء المساكن، واغتراس الجنات، وحفظ عليه القائم بالدولة الرسوم التي رسمها له السلطان المتوفى، واتصلت حاله على ذلك، إلى أنَّ ما نذكره.
انتهى كلام أبن خلدون وأكثره بلفظه.
قلت: وقد وقفت على كتاب القاضي أبي الحسن المذكور يخاطب به أبن الخطيب يعظه، ويشير إلى ما نشغل من البنيان، وفيه ما بين كلام أبن خلدون السابق وزيادة، وما يدل على ما ذكره أبن خلدون من أنّه سجل عليه بأمور منكرة، وعند الله تجتمع الخصوم، وقد أسقطت بعضه اختصاراً، ونص ما تعلق به الغرض قوله يخاطب الوزير أبن الخطيب: فشرعتم في الشراء، وتشديد البناء؛ وتركتم الاستعداد لهدام اللذات، هيهات هيهات؛ تبنون ما لا تسكنون مالا تأكلون، وتؤملون مالا تدركون؛ أينما تكونوا يدركم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة، فأين المهرب مما هو كائن! ونحن إنّما نتقلب في قدرة الطالب، شرقتم أو غربتم، والأيام تتقاضى الدين، وتنادي بالنفس الفرارة إلى أين إلى أين! نترك الكلام مع الناقد فيما ارتكبه من تزكية نفسه، وعد ما جلبه من مناقبه، ما عدا ما هدد به من حديد لسانه، خشية اندراجه في نمط من قال فيه رسول الله):
" إنَّ من شر الناس من تركه الناس اتقاء فحشه ". ولا غيبة فيمن ألقى جلباب الحياء عن وجهه؛ ونرحمه على ما أبداه وأهداه من العيوب التي نسبها لأخيه، واستراح على قوله بها فيه، ونذكره على طريقة نصيحة الدين، بالحديث الثابت في الصحيح عن رسول الله)، وهو قوله: " أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع! فقال: إنَّ المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطي هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته قبل أنَّ يقضى مت عليه أخذ من خطاياهم، فطرحت عليه، ثم طرح في النار ". ويعلم الله أنَّ معنى هذا الحديث الثابت عن النذير الصادق، هو الذي حملني على نصحكم ومراجعتكم في كثير من الأمور، منها الإشارة عليكم بإذهاب عين ما كتبتم به في التاريخ وأمثاله، فإنكم نفعتم بما وقعتم فيه من الغيبة المحرمة أحياء وأمواتاً، لغير شيء حصل بيدكم، وضررتم نفسكم بما رتبتم من المطالبات بنص الكاتب والسنة قبلكم، والرضا بهذه الصفقة الخاسرة أمر بعيد من الدين والعقل. وقد قلت لكم غير ما مرة عن أطراسكم المسودة، بما دعوتم إليه من البدعة، والتلاعب بالشريعة: إنَّ حقها التخريق والتحريق، وإنَّ أطراها لكم فقد خدع نفسه وخدعكم، والله الشهيد بأني نصحتكم وما غششتكم، وليس هذا القول وإنَّ كان ثقيلا عليكم، بمخالف لمّا ذنبتم به من تقدم المواجهة بالملاطفة، والمعاملة بالمكارمة، فليست المداراة بقادحة في الدين، بل هي محمودة
وفي بعض الأحوال، مستحسنة على ما بينه من العلماء، إذ هي مقاربة في الكلام، أو مجاملة بأسباب الدنيا، لصلاحها أو صلاح الدين، وإنّما المذموم المداهنة، وهي بذل الدين لمجرد الدنيا به لتحصيلها؛ ومن خالط للضرورة مثلكم وزايله بأخلاقه، ونصحه مخاطبة ومكاتبة، واستدل له بكتاب الله وسنة رسول الله) على صحة مقالته، فقد سلم والحمد لله من مداهنته، وقام لله بما يجب عليه في حقكم من التحذير والإنكار، مع الإشفاق والوجل. وأكثرهم في كتابهم من المن بما ذكرتم أنكم صنعتم، وعلى تقدير الموافقة لكم، ليتكم فعلتم فسلمنا من المعرة وسلمتم، وجل القائل سبحانه:) قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم (. وقلما شاركتم أنتم في شيء إلاّ بأعراض حاصلة في يدكم، أو لأغراض دنيوية خاصة بكم، فالملام إذاً في الحقيقة إنّما هو متوجه إليكم. وأما ما أظهرتم بمقتضى حركاتكم، من التندم على فراق محلكم، والتعلل بأخبار قطركم وأهلكم، فتناقص منكم، وإنَّ كنتم فيه بغدركم:
أتبكي على لبنى وأنت تركتهافكنت كآتٍ حتفه وهو طائع
وما كأنَّ ما منتك نفسك خالياتلاقي ولا كل الهوى أنت تابع
فلا تبكين في إثر شيء ندامةإذا نزعته من يديك النوازع
وعلى أنَّ تأسفكم لمّا وقعتم فيه من الغدر لسلطانكم، والخروج لا لضرورة غالبة عن أوطانكم، من الواجب بكل اعتبار عليكم، سيما وقد مددتم إلى التمتع لغيرها عينيكم. ولو لم يكن لهذه الجزيرة الفريدة من الفضيلة إلاّ ما خصت به من بركة الرباط، ورحمة الجهاد، لكفاها فخراً على ما يجاورها من سائر البلاد، قال رسول الله): " رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم سواه ". وقال ﵇: " الروحة يروحها العبد في سبيل الله والغدوة خير من الدنيا وما فيها ". وعلى كل تقدير فإذا لم يكن يا أخي فراركم من الأندلس إلى الله وحده بالتوبة المكملة والاستغفار، مع الانقطاع في أحد المواطن المكرمة المعظمة بالإجماع، وهي طيبة أو مكة أو بيت المقدس، فقد خسرتم صفقة رحلتكم، وتبين أنَّ لغير وجه الله العظيم كانت نية هجرتكم؛ اللهم إلاّ إنَّ كنتم قد لاحظتم مسألة الرجل الذي قتل مائة نفس، وسأل أعلم أهل الأرض، فأشار عليه بعد إزماع التوبة بمفارقة المواطن التي ارتكب فيها الذنوب، وأكتسب بها العيوب؛ فأمر آخر، مع أنَّ كلام العلماء في هذا الحديث معروف؛ ويقال لكم من الجواب الخاص بكم: فعليكم إذاً بترك القيل والقال، وكسر حربة الجدال والقتال، وقصر ما بقي من مدة العمر على الانشغال بصالح الأعمال. ووقعت في مكتوبكم كلمات اوردها النقد في قالب الاستهزاء والازدراء، والجهالة بمقادير الأشياء، منها: ريح صرصر، وهو لغة القرآن، وقاع قرقر: وهو لفظ سيد العرب والعجم محمّد)، ثبت في الصحيح في باب التغليظ فيمن لا يؤدي زكاة ماله، " قيل: يا رسول الله، والبقر والغنم؟ قال: ولا صاحب بقر ولا غنم
لا يؤدي منها حقها، إلاّ إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر لا يفقد منها شيئاً، تنطحه بقونها، وتطؤه بأظلافها ". الحديث الشهير. قال صاحب المعلم: بطح لها البقاع قرقر، أي ألقى على وجهه، والقاع: المستوى من الأرض، والقرقر: كذلك؛ هذا ما حض من الجواب. وبقي في مكتوبكم حشو كثير من كلام الإقذاع، وفحش بعيد من الحشمة والحياء، رأيت أنَّ من الصواب الإضراب عن ذكره، وصون اليد عن الاستعمال فيه، والظاهر أنّه إنّما صدر عنكم وانتم بحال مرض، فلا حرج فيه عليكم إن شاء الله، أجلكم، ومكن أمنكم، وسكن وجلكم، ومنه جل اسمه نسأل لي ولكم حسن الخاتمة، والفوز بالسعادة الدائمة، والسلام الأتم يعتمدكم، والرحمات والبركات من كتابه علي بن عبد الله بن الحسن، وفقه الله.
وذلك بتاريخ أخريات جمادى الأولى من عام ثلاثة وسبعين وسبع مائة.
وقيد ﵀ في مدرج طي هذا الكتاب ما نصه: يا أخي، أصلحنى الله وإياكم، وبقي من الحديث شيء، الصواب الخروج عنه لكم، إذ هذا أوانه، وتأخير البيان عن وقت الحاجة فيه ما فيه، وليكن البناء بعد أنَّ كان على أصل صحيح بحول الله، وحاصله:
أنكم عددتم ما شاركتم فيه بحسب الأوقات، وقطعتم بنسبة الأمور كلها لنفسكم، وأنها إنّما صدرت عن أمركم وبأذنكم، من غير مشاركة في شيء منها لكم، ثم مننتم بها المن القبيح، المبطل لعمل بركم، على تقدير
التسليم في فعله لكم، ورميتم غيركم بالتقصير في حاله كله، طريقة من يبصر القذى في عين أخيه ويدع الجذع في عينه، وأقصى ما تسنى للمحب أيام كونكم بالأندلس، تقلد كلفة قضاء الجماعة، وما كان إلاّ أنَّ وليتها بقضاء الله وقدره، فقد تبين لكل ذي عقل سليم أنّه لا موجد إلاّ الله، وإذا كان كذلك كان الخير والشر والطاعة والمعصية حاصلاً بإيجاده سبحانه وتخليقه وتكوينه، من غير عاضد له على تحصيل مراده ولا معين، ولكنه، جلت قدرته، وعد فاعل الخير بالثواب فضلا منه، وأوعد فاعل الشر بالعقاب عدلا منه، وكأني بكم تضحكون من تقرير هذه المقدمة، وما أحوجكم إلى تأملها بعين اليقين، فكابدت أيام تلك الولاية النكدة من الكناية، باستحقاركم للقضايا الشرعية، وتهاونكم بالأمور الدينية، ما يعظم الله به الأجر، وذلك في جملة مسائل، منها مسألة أبن الزبير المقتول على الزندقة بعد تقضي موجباته، على كره منكم؛ ومنها مسألة أبن أبي العيش المثقف في السجن على آرائه المضلة، التي كان منها دخوله على زوجه إثر تطليقه إياها بالثلاث، وزعمه أنَّ رسول الله) أمره بالمشافهة بالاستمتاع بها، فحملتم أحد ناسكم تناول إخراجه من الثقاف، ومن غير مبالاة بأحد؛ ومنها أنَّ أحد الفتيان المتعلقين بكم توجهت عليه مطالبة بدم القتيل، وسيق المدعي عليه للذبح بغير سكين، فما وسعتني بمقتضي الدين إلاّ حبسه على ما أحكمته السنة، فأنتقم لذلك، وسجنتم الطالب ولي الدم، وسرحتم الفتى المطلوب على الفور، إلى غير ذلك مما لا يسع الوقت شرحه، ولا يجمل بي ولا بكم
ذكره. والمسألة الأخرى أنتم توليتم كبرها، حتى جرى فيها القدر بما جرى من الانفصال، والحمد لله على كل حال. وأما الرمى بكذى وكذا مما لا علم لنا به بسببه، ولا عذر لكم من الحق في التكلم به، فشئ قلما يقع من البهتان، ممن كان يرجوا لقاء ربه، وكلامهم في المدح والهجو هو عندي من قبيل اللغو الذي نمر به كراما، والحمد لله فكثروا أو أقلوا من أي نوع شئتم، وانتم وما ترضونه لنفسكم، وما فهت لكم بما فهت من الكلام، إلاّ على جهة الإعلام، لا على جهة الانفعال، لمّا صدر أو يصدر عنكم من الأقوال، فمذهبي غير مذهبكم، وعندي ما ليس عندكم.
وكذلك رأيتم تكثرون في مخاطبتكم من لفظ الرقية في معرض الإنكار لوجود نفعها، والرمى بالمنقصة والحمق لمستعملها، ولو كنتم قد نظرتم في شيء من كتب السنة، وسير الأمة المسلمة، نظر مصدق، لمّا وسعكم إنكار ما أنكرتم، وكتبه بخط يدكم، فهو قادح كبير في عقيدة دينكم، فقد ثبت بالإجماع في سورة الفلق أنّه خاطب للنبي)، وإنَّ المراد بها هو وآحاد أمته؛ وفي أمهات الإسلام الخمس أنَّ رسول الله) كان إذا اشتكى رقاه جبريل، فقال: بسم الله يبريك، ومن كل داء يشفيك، ومن شر حاسد إذا حسد، ومن شر كل ذي عين. وفي الصحيح أيضاً إنَّ أناساً من أصحاب رسول الله) كانوا في سفر، فروا بحي من أحياء العرب، فاستضافوهم فلم يضيفوهم، فقالوا: هل فيكم راق؟ فإنَّ سيد الحي لديغ أو مصاب: فقال رجل من القوم: نعم، فأتاه بفاتحة الكتاب، فبرئ الرجل، فأعطى قطيعا من
غنم، الحديث شهير. قال أهل العلم: فيه دليل على جواز اخذ الأجرة على الرقية والطب وتعليم القرآن، وهو قول مالك والشافعي وأحمد وأبي ثور وجماعة من السلف، وفيه جواز المقارضة، وإنَّ كان ضد ذلك أحسن، وفي هذا القدر كفاية. وما رقيت قط أحداً على الوجه الذي ذكرتم، ولا إسترقيت، والحمد لله، وما حملني على تبين ما تبينته الآن لكم في المسألة، إلاّ إرادة الخير التام لجهتكم، والطمع في إصلاح باطنكم وظاهركم، فأبى أخاف عليكم من الإفصاح بالطعن في الشريعة، ورمى علمائها بالمنقصة، على عادتكم وعادة المستخف أبن هذيل سيخكم، منكر علم الجزيئات، القائل بعدم قدرة الرب على جمع الممكنات؛ وانتم قد انتقلتم إلى جوار أناس أعلام، قلما تجوز عليهم، حفظهم الله، المغالطات، فتأسركم شهادة العدول التي لا مدافع لكم فيها، وتقع الفضيحة، والدين النصيحة، أعاذنا الله من درك الشقاء، وشماتة الأعداء، وجهد البلاء. وكذلك أحذركم من الوقوع بما لا ينبغي في الجانب الرفيع، جناب سيد المرسلين، وقائد الغر المحجلين، صلوات الله وسلامه عليه، فانه نقل عنكم في هذا الباب أشياء منكرة، يكبر في نفوس التكلم بها، انتم تعاملونها، وهي التي زرعت في القلوب ما زرعت من بغضكم، وإيثار بعدم، مع استشعار الشفقة والوجل من وجه آخر عليكم ولولا أنكم سافرتم قبل تقلص ظل السلطنة عنكم، لكانت الأمة المسلمة، امتعاضاً لدينها ودنياها، قد برزت الجهات، لطلب الحق منكم، فليس يعلم أنّه صدر عن مثلكم من خدام الدول ما صدر عنكم، من البعث في الأبشار والأموال، وهتك الأعراض، وإفشاء الأسرار، وكشف الأستار، واستعمال المكر والحيل والغدر في غلب الأحوال، للشريف والمشروف، والخديم والمخدوم، ولو لم يكن في الوجود من الدلال على صحة ما رضيتم به لنفسكم، من
النص من طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع