تجاوز إلى المحتوى

من «أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)

محنة أبي الخطيب ووفاته

ثم ذكر أبن خلدون الخبر عن مقتل أبن الخطيب فقال: ولمّا استولى السلطان أبو العباس على البلد الجديد دار ملكه فاتح سنة ست وسبعين استقل بسلطانه والوزير محمّد بن عثمان مستبد عليه وسليمان بن داود بن أعراب كبير بني عسكر رديف له وقد كان الشرط وقع بينه وبين السلطان أبن الأحمر عندما بويع بطنجة على نكبة أبن الخطيب وإسلامه إليه لمّا نمى إليه عنه أنه كان يغري السلطان عبد العزيز المريني بملك الأندلس فلما زحف السلطان أبو العباس من طنجة ولقيه أبو بكر بن غازي بساحة البلد الجديد فهزمه السلطان ولازمه بالحصار أوى معه أبن الخطيب إلى البلد الجديد خوفا على نفسه. فلما استولى السلطان على البلد أقام أياما ثم أغراه سليمان بن داود بالقبض عليه فقبضوا عليه وأودعوه السجن وطيروا بالخبر إلى السلطان أبن الأحمر وكان سليمان بن داود شديد العداوة لابن الخطيب لمّا كان سليمان قد بايعه السلطان أبن الأحمر على مشيخة

الغزاة بالأندلس، متى أعاد الله إلى ملكه، فلما استقر له سلطانه، جاز له سليمان سفيراً عن الوزير عمر بن عبد الله، ومقتضيا عهده من السلطان، فصده أبن الخطيب عن ذلك، محتجاً بأن تلك الرياسة إنّما هي لأعياض الملك من بني عبد الحق، لأنهم يعسوب زناتة، فرجع سلمان، وأثار حقد ذلك لأبن الخطيب، ثم جاوز الأندلس لمحل إمارته من جبل الفتح، فكانت تقع بينه وبين أبن الخطيب مكتبات، يشير كل واحد منهما لصاحبه، بما يحفظه، مما كمن في صدورهما. وحين بلغ خبر القبض على أبن الخطيب إلى السلطان أبن الأحمر بعث كاتبه ووزيره بعد أبن الخطيب، وهو أبو عبد الله أبن زمرك، فقدم على السلطان أبي العباس، وأحضر أبن الخطيب بالمشور في مجلس الخاصة، وعرض عليه بعض كلمات وقعت له في كتابه المحبة، فعظم النكير فيها، فوبخ ونكل، وامتحن بالعذاب بمشهد ذلك الملأ، ثم نقل إلى محبسه، واشتوروا في قتله بمقتضى تلك المقالات المسجلة عليه، وأفتى بعض الفقهاء فيه، ودس سليمان بن داود لبعض الأوغاد من حاشيته بمقتله، فطرقوا السجن ليلا، ومعهم زعانفة جاءوا في لفيف الخدم، مع سراء السلطان أبن الأحمر، وقتلوه خنقا في محبسه، واخرج شلوه من الغد، فدفن في مقبرة باب المحروق، ثم أصبح من الغد على سافة قبره طريحا، وقد جمعت له أعواد، وأضرمت

عليه نار، فاحرق شعره، واسود بشره، فأعيد إلى حفرته، وكان في ذلك انتهاء محنته. وعجب الناس من هذه الشنعاء التي جاء بها سليمان، واعتدوها من هناته، وعظم النكير فيها عليه وعلى قومه وأهل دولته، والله الفعال لمّا يريد. وكان، عفا الله عنه، أيام امتحانه بالسجن يتوقع مصيبة الموت، فتجهش هواتفه بالشعر، يبكي نفسه، ومما قال في ذلك:

بعدنا وإنَّ جاورتنا البيوتوجئنا بوعظ ونحن صموت
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «بعدنا وإن جاورتنا البيوت»
وأنفاسنا سكنت دفعةكهجر الصلاة تلاه القنوت
وكنا عظاماً فصرنا عظاماًوكنا نقوت فيها نحن قوت
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «بعدنا وإن جاورتنا البيوت»
وكنا شموس سماء العلاغربن فناحت علينا السموت
فكم خذلت ذا الحسام الظباوذو البخت كم جدلته البخوت
وكم سيق للقبر في خرقةفتىً ملئت من كساه التخوت
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «بعدنا وإن جاورتنا البيوت»
فقل للعدا ذهب أبن الخطيبوفات ومن ذا الذي لا يفوت
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «بعدنا وإن جاورتنا البيوت»
ومن كان يفرح منهم لهفقل: يفرح اليوم من لا يموت

انتهى كلام أبن خلدون في ديوان العبر.

ورأيت تخميسا لبعض بني الصباغ على هذه القطعة، لكنه زاد فيها بعض أبيات على ما ذكره أبن خلدون، وها أنا أثبته تتميما للفائدة، وهو:

أيا جاهلا غره ما يفوتوألهاه حال قليل الثبوت
تأمل لمن بعد أنسٍ يصوتبعدنا وإنَّ جاورنا البيوت

وجئنا بوعظ ونحن صموت

لقد نلت من دهرنا رفعةتقضت كبرق مضى سرعة
فهيهات ترجوا لها رجعةوأصواتنا سكنت دفعة

كهجر الصلاة تلاه تفوت

بدا لي من العز وجه شبابيؤمل سيبي وبأسي يهاب
فسرعان مزق ذاك الإهابومدت وقد أنكرتنا الثياب

علينا نسائجها العنكبوت

فآها لعز تقضي منامامنحنا به الجاه دوما كراما
وكنا نسوس أموراً عظاماوكنا عظاماً فصرنا عظاماً

وكنا تقوت فها نحن قوت

وكنا لذا الملك حلي الطلافآها عليه زماناً خلا
نعوض من جدة بالبلىوكنا شموس سماء العلا

غربن فناحت علينا السموت

تعودت بالرغم صرف اللياليوحملت نفسي فوق احتمالي
وأيقنت أنَّ سوف يأتي ارتحاليومن كان منتظراً للزوال

فكيف يؤمل منه الثبوت

هو الموت يا ما له من نبايجوز الحجاب إلى من أبى
ويألف أخذ سنى الحبافكم أسلمت ذا الحسام الظبا

وذا البخت كم جدلته البخوت

هو الموت أفضح من عجمةٍوأيقظ بالوعظ من نومةٍ
وسلى عن الحزن ذا حرقةٍفكم سيق للقبر في خرقةٍ

فتى ملئت من كساه التخوت

تقضى زماني بعيش خصيبوعندي لذنبي انكسار المنيب
وها الموت قد صبت مني نصيبيفقل للعدا ذهب أبن الخطيب

وفات ومن ذا الذي لا يفوت

مضى أبن الخطيب كمن قبلهومن بعده يقتفي سبله
وهذا الردى ناثر شملهفمن كان يفرح منهم له

فقل يفرح اليوم من لا يموت

هو الموت عم فما للعدايسرون بي حين دقت الردى
ومن فاته اليوم يأتي غداًسيبلي الجديد إذا ما المدى

تتابع آحاده والسبوت

أخي توخ طريق النجاةوقدم لنفسك قبل الممات
وشمر بجد لمّا هو آتيولا تغترر بسراب الحياة

فإنك عما قريب تموت

انتهى. وقد تذكرت بقوله:

سيبلي الجديد إذا ما المداتتابع آحاده والسبوت

قول الآخر:

نطوى سبوات وآحادا وننشرهاونحن في الطي بين السبت والأحد
فعد ما شئت من سبت ومن أحدٍلا بد أنَّ يدخل المطوي في العدد

النص من طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من روضة الورد في أولية هذا الإمام الفرد

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.