تجاوز إلى المحتوى

من «أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)

رجع إلى ذكر الشريف (٤)

الصفحة ١ من ٢

انتهت.

ويمكن أن تستخرج باختصار هكذا: تناثر الدمع، مذ أعوز الوصل علقت في الحب، وحل بالقلب، يحكم بالنهب أهكذا الشرع، يحلل القتل؟ مالي سوى مدحي، ذا الحلم والصفح، قد حاز في السمح وقصده الجمع، وشأنه البذل له من المجد، وسور الحمد، تهدي إلى الرشد كأنها الشفع، قل لها المثل انتهت.

وأما البنت الحمراء فهي الخارجة من المكتوب بالأحمر، وتوشيحها ينتظم من المكتوب فيها بالأحمر، وهذا نصها:

ما كنت لو أنصف بعد المطالأصلى لظى الوجد الأليم النكال
للشاعر الرئيس أبو يحيى ابن عاصم الغرناطي، اقرأ القصيدة
كالقمر الزاهي في نورهعليه كالليل البهيم الدلال
للشاعر الرئيس أبو يحيى ابن عاصم الغرناطي، اقرأ القصيدة
مستحس القد ذكى الشذاكالليل فرعا والقنا في اعتدال
للشاعر الرئيس أبو يحيى ابن عاصم الغرناطي، اقرأ القصيدة
مورد الخد شهي اللمىفي لثمه كل المنى لو ينال
للشاعر الرئيس أبو يحيى ابن عاصم الغرناطي، اقرأ القصيدة
كأن للشهد وما ذقتهرضابه العذب الجني في المثال
للشاعر الرئيس أبو يحيى ابن عاصم الغرناطي، اقرأ القصيدة
ولحظه الأوطف مع سقمهأسهر منه كالسليم الليل
للشاعر الرئيس أبو يحيى ابن عاصم الغرناطي، اقرأ القصيدة
وحسنه الباهر مهما بدالمقلتي منه نعيم الوصال
للشاعر الرئيس أبو يحيى ابن عاصم الغرناطي، اقرأ القصيدة
خل الهوى والمدح إمام الورىقطب المعالي والهوى والكمال
طود الحجا الأرجح سر العلىمعنى اليماح والندى والجلال
للشاعر الرئيس أبو يحيى ابن عاصم الغرناطي، اقرأ القصيدة
نواله يشرح للمعتفىفعل ظباه لبا لعدا في القتال
للشاعر الرئيس أبو يحيى ابن عاصم الغرناطي، اقرأ القصيدة
لسيفه المرهف يوم الوغىأضحى الحمام كالحميم الموال
للشاعر الرئيس أبو يحيى ابن عاصم الغرناطي، اقرأ القصيدة
مرفع القدر عزيز الحمىوقد تدانى جوده للمنال
للشاعر الرئيس أبو يحيى ابن عاصم الغرناطي، اقرأ القصيدة
ممثل الأمر والأحكام قدحمى الهوى وجوده أن ينال
للشاعر الرئيس أبو يحيى ابن عاصم الغرناطي، اقرأ القصيدة
وخص بالنصر على من بغىلمّا بدت سعوده في اقتبال
للشاعر الرئيس أبو يحيى ابن عاصم الغرناطي، اقرأ القصيدة
الملك الأشرف ترب الحياغيث الندى الهامي العميم النوال
للشاعر الرئيس أبو يحيى ابن عاصم الغرناطي، اقرأ القصيدة
يوسف الناصر دين الهدىذو الفضل والمجد الكريم الخلال
للشاعر الرئيس أبو يحيى ابن عاصم الغرناطي، اقرأ القصيدة

انتهت البنت الحمراء.

وهذا نص موشحتها، وهي بنتها، الخارجة منها من المكتوب بالأحمر:

ما كنت لو أنصفأصلى لظى الوجد الأليم
للشاعر الرئيس أبو يحيى ابن عاصم الغرناطي، اقرأ القصيدة
كالقمر الزاهيعليه كالليل البهيم
للشاعر الرئيس أبو يحيى ابن عاصم الغرناطي، اقرأ القصيدة
مستحسن القدكالليل فرعاً والقنا
للشاعر الرئيس أبو يحيى ابن عاصم الغرناطي، اقرأ القصيدة
مورد الخدفي لثمه كل المنى
للشاعر الرئيس أبو يحيى ابن عاصم الغرناطي، اقرأ القصيدة
كأن للشهدرضابه العذب الجني
للشاعر الرئيس أبو يحيى ابن عاصم الغرناطي، اقرأ القصيدة
ولحظه الأوطفاسهر منه كالسليم
وحسنه الباهرلمقلتي منه نعيم
خل الهوى والمداحقطب المعالي والهوى
طود الحجا الأرجحمعنى السماح والندى
للشاعر الرئيس أبو يحيى ابن عاصم الغرناطي، اقرأ القصيدة
نواله يشرحفعل ظباه بالعدى
للشاعر الرئيس أبو يحيى ابن عاصم الغرناطي، اقرأ القصيدة
لسيفه المرهفأضحى الحمام كالحميم
للشاعر الرئيس أبو يحيى ابن عاصم الغرناطي، اقرأ القصيدة
فيترك الكافروقد غدا مثل الهشيم
للشاعر الرئيس أبو يحيى ابن عاصم الغرناطي، اقرأ القصيدة
مرفع القدروقد تدانى جوده
للشاعر الرئيس أبو يحيى ابن عاصم الغرناطي، اقرأ القصيدة
ممثل الأمرحمى الهوى وجوده
للشاعر الرئيس أبو يحيى ابن عاصم الغرناطي، اقرأ القصيدة
وخص بالنصرلمّا بدت سعوده
الملك الشرفغيث الندى الهامي العميم
يوسف الناصرذو الفضل والمجد الكريم
للشاعر الرئيس أبو يحيى ابن عاصم الغرناطي، اقرأ القصيدة

ويمكن اختصارها أيضاً هكذا: ما كنت لو انصف، كالقمر الزاهر مستحسن القد، مورد الخد، كأن للشهد ولحظه الأوطف، وحسنه الباهر خل الهوى وامدح، طود الحجا الأرجح، نواله يشرح لسيفه المرهف، فيترك الكافر

مرفع القدر، ممثل الأمر، وخص بالنصر

الملك الأشرف، يوسف الناصر

قلت: وإنّما لم أجزم بهذه المختصرة لأجل أن الناظم صرح بأن كل واحدة من البنتين الحمراء والخضراء لم تلد إلاّ موشحة واحدة من البنتين، ولو ولدت موشحين لصرح بذلك، ولا شك أنَّ الموشحة غير المختصرة أتم معنى، وأكمل مساقا، فالأصوب الاقتصار عليها، وإن كان يمكن استخراج أكثر منها لمن تأمل حق التأمل، والله تعالى أعلم.

وعلى كل حال فقد أبدع هذا الرئيس في هذه القصيدة، وإن كان فيها بعض تكلف، وقصده ابداع من قصد صاحب عنوان الشرف الشامي، لأن هذا اخرج من الخارج شيئين على ما لا يخفى، غير أنَّ صاحب عنوان الشرف أطال، واستخرج أربعة علوم متباينة، من أول وهلة، وكلاهما قد أبدع رحمهما الله؛ ولم أتحقق: هل وقف أبن عاصم على كتاب عنوان الشرف، فاهتدى بأضوائه أم لا؟ والله تعالى أعلم.

ومن كتاب جنة الرضى له ﵀ ما نصه:

" الحمد لله الذي عوض من الخلاف وفاقاً من الافتراق اجتماعا واتفاقا، وهيأ لأسواق الائتلاف برفع الخلاف نفاقا، ويسر لوطن الجهاد من توثير المهاد أرفاقا، وزين بأنجم المسعود من النصر الموعود آفاقاً، وعقد على جمع الكلمة من الأمة المسلمة إجتماعا وإصفاقاً. نجمده سبحانه وهو المحمود بجميع اللغات،

ونشكره على ما سنى من آمال على وفق الأمنية مبلغات، ونثني عليه بما أسدى من عوارف مخولات، ومواهب مسوغات؛ حمدا نستنكثر من درره النفيسة إنفاقا، وأمانته العظيمة فلا نابى من حمدها إشفاقا؛ ونشهد أنه الله لا إله إلاّ هو الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد؛ شهادة نرفع لواءها المرنح العذبات خفاقا، فلا لاقي بعد هذه الشهادة لمقاصد السعادة إخفاقا؛ ونشهد أنَّ سيدنا ومولانا محمدا ﷺ عبده ورسوله، ونبيه المصطفى وخليله؛ نبي الرحمة، ونور الظلمة، وشفيع الأمة، والمبعوث بالكتاب والحكمة، والمجموع له بين مزية السبق ومزية التتمة؛ شهادة تستحفظ بقاع الأرض أرفاقا، فلا تخشى معها القلوب، وقد حصل منها الغرض المطلوب، شكاً ولا نفاقا؛ ونصلي على النبي الكريم، المبعوث بالحق العظيم؛ صلاة نحل بها من عقلة الذكر وثاقا، ونؤكد بها القبول إذا عارض العمل المقبول ميثاقا؛ ونرضى عن آل محمد وصحبه، وعشيرته وحزبه، المختصين بالقربة، الفائزين بالرضا من ربه؛ أكرم الناس أعراقا، وأعظمهم من خشية الله إطراقا، وأبهرهم في مقامات الهداية إشراقا؛ ونستوهب منه التأييد والنصر، والفتح الذي تفوت عجائبه الحصر، والمنح الذي لا تعرف صلاته القصر؛ لهذه الخلافة الغالية، التي أطبقت على الإغضاء أحداقا، وأظهرت من احلم لمّا كان من مكنون العلم مصداقا؛ ونبتهل إلى الله في دوام أيامها، وإعلامها، وإمضاء ذابلها المرهوب وحسامها؛ حتى يتنفس الإسلام خناقها، وتسير بها الرفاق، وقد تهادتها الآفاق، وخداً وإعنلقا، وتخضع لها الجبابرة، والملوك القياصرة، رقابا وأعناقا؛ ونمد إليه

يد الافتقار، ونبسط كف الضراعة والاضطرار في كف الفتن عن هذا الوطن وكف الكفار عن هذه الديار وتيسير الفرج القريب لهذا القطر الغريب وتسهيل الصعب العسير لهذا الصعق النائي عن الولي والنصير فيجمع بين القلوب النافرة والنفوس المتنافرة افتراقا ويجعل دم العداة بسيوف الحماة الكماة مراقا ويتحف بأنبائه المعجبة وأخباره المغربة المطربة شاما وعراقا.

أما بعد فإن الله على كل شيء قدير وإنه بعباده لخبير بصير وهو لمن أهل نيته وأخلص طويته نعم المولى ونعم النصير بيده الرفع والخفض والبسط والقبض والرشد والغي والنشر والطي والمنح والمنع والضر والنفع والبطء والعجل والرزق والأجل والمسرة والمساءة والإحسان والإساءة والإدراك والفوت والحياة والموت فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون فهو الفاعل في الحقيقة وتعالى الله عما يقول الآفكون وهو الكفيل بأن يظهر دينه على الدين كله ولو كره المشركون وإن في أحوال الوقت الداهية لذكرى لمن كان عنده قلباو ألقى السمع وهو شهيد وعبرة لمن تفهم قوله تعالى: إنَّ الله يفعل ما يشاء وإنَّ الله يحكم ما يريد فبينما الدسوت عامر والولاة آمرة والفئة مجموعة والدعوة مسموعة والإمرة مطاعة والأجوبة سمعا وطاعة إذا بالنعمة قد كفرت والذمة قد خفرت ".

ثم قال ﵀:

" والسعيد من اتعظ بغيره ولا يزيد المؤمن عمره إلاّ خيرا جعلنا الله ممن قضى بخيره وبينما الفرقة حاصلة والقطيعة فاصلة والمضرة واصلة والحبل

في انبتات والوطن في شتات والخلاف يمنع رعى متات والقلوب شتى من قوم أشتات والطاغية يمتطي لقصم الوطن وقضمه ويلحظه لحظ الخائف على هضمه والأخذ بكضمه ويتوقع الحسرة إن يأذن الله بجمع شمله ونظمه على رغم الشيطان ورغمه إذا بالقلوب قد ائتلفت والمتنافرة قد اجتمعت بعدما اختلفت والأفئدة بالألفة قد اقتربت إلى الله وازدلفت والمتضرعة إلى الله قد ابتهلت في إصلاح الحالة التي سلفت فألقت الحرب أوزارها وأدنت الفرقة النافرة مزارها وجلت الألفة الدينية أنوارها وأوضحت العصمة الشرعية آثارها ورفعة الوحشية الناشبة أضافرها وأعذارها وأرضت الخلافة الفلانية أنصارها وغضة الفئة المتضرعة أبصارها وأصلح الله أسرارها فتجمعت الأوطان بالطاعة والتزمت نصيحة الدين بأقصى الأستطاعة وتسابقت إلى لزوم السنة والجماعة وألقت إلى الإمامة الفلانية يد التسليم والضراعة فتقبلت فيئاتهم وأحمدت جيئاتهم وأسعدت آمالهم وارتضيت أعمالهم وكملت مطالبهم وتممت مآربهم قضيت حاجاتهم واستمعت مناجاتهم وألسنتهم بالدعاء قد انطلقت ووجهتهم إلى الخلوص قد صدقت وقلوبهم على جمع الكلمة قد اتفقت وأكفهم بهذه الإمامة الفلانية قد اعتلقت وكانت الإدالة في الوقت على عدو الدين قد ظهرت وبرقت ".

إلى أن قال رحمه الله تعالى: " وكفت بقدرة ربه القدرة القاهرة والعزة الباهرة من عدوان الطاغية غوائل بإعزاز دين الله الموعود بظهوره على الدين كله فواتح وأوائل. ومعلوم بالضرورة أن الله لطيف بعباده حسبما شهد بذلك برهان الوجود وإنَّ تعدوا نعمة الله لا تحصوها دليل على سوغ الكرم والجود وإنَّ من أعظم نعمه التي يعجز عن أداء شكرها وإن طالت آماد الأعمار ويتناغى في الثناء عليه في أمرها فلا يبلغون من ذلك معشار المعاشر وتتجارى الألسنة والأقلام في تقرير وصفها فلا تصل من ذلك إلى حدّثني يقنع ولا إلى مقدار وفي مثلها قال الله تعالى:) واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار (. وما ذلك إلاّ منة قدرها عظيم وخطرها جسيم وصراط العدل بها مستقيم وبها أمتن الله في قوله:) وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله (إلى:) حكيم (. فهل يستطاع شكر النعمة التي لا يكون إنفاق الأرض جميعها أهل قيمة أو يختلف اثنان بوجه أو حال في كون هذه النعمة عظيمة أو يتمارى أحد في كون جمع الكلمة في هذا الوطن الغريب منة ومنحة كريمة! ومن استقرأ التواريخ المنصوصة وأخبار الملوك المقصوصة علم أن النصارى دمرهم الله لم يدركوا في المسلمين ثارا ولم يرفعوا في أنفاسهم عارا ".

قال الجامع الموضوع وفقه الله: قد قدمت هذا من كلام الرئيس أبن عاصم وهو قوله: " ومن استقرأ التواريخ المنصوصة فراجعه فيما سبق إلى قوله هناك: " وروية وارتجال ".

ثم قال هنا بإثره ما نصه: " إلى أن استقلت هذه الدولة الفلانية على قواعدها واستقرت بأحلامها الراجحة وأعلامها الشامخة واستمرت على قوانين من السياسة كانت ضابطة نشر المملكة عن الأفتراق واستظهرت أبناؤها الغر من الوفاء بشم اعتلقت بها أتم الاعتلاق فحفظ الله الدولة الفلانية إلاّ في الندرة ووقاها من ذلك الأمر الصعب بوقاية من الاكتساب ووقاية من القدر وتطاولت الأيام ما بين مهادنة ومقاطعة ".

وقال جامع الموضوع وفقه الله: راجع تمام هذا الكلام فيما قدمنها إلى قوله هنالك: " اللهم احفظ علينا العقل والدين واسلك بنا سبيل المهتدين ".

وقال هنا بإثره ما نصه: " وإنّما النعمة التي لا يقدر قدرها ولا يوفى شكرها هي التي تكلفت بتبينها تكييفات الأقدار وانجلت عن بيانها تدبيرات الفاعل المختار فجمع الله بها القلوب وهيأ الغرض المطلوب وتتابعت بيعات البلاد وتوافقت أهواء العباد وانتظم الملك جسما واحدا له روحا طاهرة واستقل الإسلام رسما ثابتا حكمه نص وعدله ظاهر وهدى الله المسلمين مع جمع الكلمة إلى القصد الشرعي ووفقهم إلى القيام بحكمه المحتوم وحقه المرعى فاتخاذ السلطان في مثل

هذه الأوطان واجب قياسا وسماعة وتعذر الخلافة في مثل هذه المسافة غير جائز إجماعا.

أيها الملأ المشتمل على الشرفاء الذين بتقديمهم يستنجز من البركة موعودها والعلماء الذين هم حفظة الشريعة الحنفية أن تتعدى حدودها والأشياخ الذين بجهادهم أستقر واجبها واستقام واجبها واستند عمودها والقواد الذين بحمايتها تقام أحكامها وتحاط أعلامها وتوفى عهودها والفرسان الذين هم حماتها وأنجادها وأنصارها وجندها والخاصة الذين بهم يرجح عملها وينجح أملها ويتم مقصودها.

تعلمون حقا إنَّ هذا الوطن الفلاني كان قد تعين للهلاك بسبب هذا الخلاف وتوقدت القلوب المشفقة حدوث الفاقرة بسبب هذا الأختلاف وإنَّ الشارع صلوات الله سلامه عليه يمنع من كل ما يؤدي إلى الفرقة بأتم الوجوه ويؤكد الترغيب والترهيب بكل ما يخافه المؤمن ويرجوه وأن الفقه المذهبي إذا حصلت البيعة في الأعناق وتحلت بها تحلي الحمام بالأطواق معروف ومعلوم وإنَّ اشتداده في سد باب الافتراق على العموم والإطلاق لازم محتوم والأقدار الإلهية قد هيأت قصد الألفة بلا كلفة ويسرت سبب الاتفاق بحكم الوفاق فأقبلوها نعمة مسداه وتحفة مهداه وشدوا عليها أيدي الضنة واعلموا ما فيها لله عليكم من منة وتعاقدوا على ألا تبقوا من الخلاف أثرا واتفقوا على القصد الذي يخلصكم عند الله سمعا ونظرا وفي هذا التيسر الذي ساعدت به الألطاف الخفية وساعفت به من قبل الرب الصنائع الحفية ما يتأكد

به الأعتبار ويرشد إلى أنّه أراد الله نفوذه وربك يخلق ما يشاء ويختار ومما يستكمل هذا القصد الذي أشرنا إليه ويستوفيه قول تاج الدين ﵀ عليه: ما ترك من الجهل شيئا من أراد أن يظهر في الوجود غير ما أراد الله أن يظهر فيه.

وفرض على كل إنسان في نفسه ما طلبه به الشارع وعذبت فيه بالتفويض لحكم الله المشارع. فالواجب علينا أن نجتمع ونأتلف ونتفق ولا نختلف ونعتمد صريح الفقه أخذا وتركا ونتبع صحيح النقل الذي لا يدع ريبا ولا شكا ونسأل من الله الهداية إلى سبيل السلف الذين سبقوا ونعزم العزم على أمر الله في قوله:) واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا (.

وإنَّ أولى الناس في ذلك بإرهاف العزيمة وتوخي السبل المستقيمة والقيام بمضمون هذا الرسم المستقل والوفاء بتكميل قصد الكاتب فيه والممل لخواص الدولة الفلانية الذين لحقهم التمحيص والاختبار وتخولتهم بأبلغ الموعظة الأقضية والأقتدار وهم الذين ربحت منهم في هذه السوق والتجارة والمقصودون بالخطاب من باب إياك أعني واسمعي يا جارة وهم الممنون عليهم باسترجاع المغصوب المستحق والواقفون من انكسار القلوب والتنصل من الذنوب موقف الأولى به والأحق والمعنيون بقوله:) ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق (. ويختص منهم عماد الدولة وعميد الجملة بالحظ الأوفر مما يتضمنه هذا التأنيب ويستمنح من الله عقب التذكرة بهذه الموعظة:) وما يتذكر إلاّ من ينيب (.

فإنا إذا نظرنا إلى ما كان قد طرق من الابتلاء وشاهدنا ما كان معرضا للوقع من البلاء وراجعنا البصيرة في النعم التي كنا عنها مسلوبين والتربة التي كنا عليها مغلوبين والأبواب التي كنا عنها محجوبين والشرذمة التي كتابها مربوبين والأنفال التي كنا في عدد من يحيى رسومها محسوبين وقد سلط الله علينا كثيرا من الظلمة الذين أعناهم فعند ذلك لعناهم وأهاننا الذين كنا أكرمناهم جزاء لمّا احترمناهم فنسونا أحوج ما كنا إلى أن يذكرونا وخذلونا أفقر ما كنا إلى أن ينصرونا وأسلمونا أشد ما كنا فاقة إلى أن ينجدونا وتركونا أعظم ما كنا حاجة إلى أن يساعدونا وخانونا أظهر ما كنا اضطرارا إلى وفائهم وظاهروا علينا أتم ما كنا افتقارا إلى غناهم فلا شك إنَّ المؤاخذة كانت بسبب تلك الذنوب وأن الجناية هي التي أوجبت ما طرقنا من الخطوب فأزف العذب وعاد من أعدى الأعادي الأحباب وتبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا وتقطعت بهم الأسباب وكادت العقوبة العظيمة إنَّ تلحق والأخذة الربانية أن تمحق لولا أن الله تداركنا بالعفوا وتجاوز عن الهفوا وأنالكم من الإدالة ما كنتم تؤملون واستخلفكم في الأرض لينظر كيف تعملون. فلنجعل ما وعظنا الله به من تلك الأزمات نصب العين ولنتخذ حمده على ما مننا من الإنالة هجير الألسن ولنعلم أن ذلك التمحيص إنّما كان تنبيها من الله على ما عطلنا من حدوده وإيقاظا من الغفلة عن القيام بحقوقه والوفاء بعهوده ولنتحقق أن ما من الله به من جبر الأحوال وخلف

الأموال؛ واستقبال العز غضا جديدا، وصرف الهوان كان عذابا شديداً؛ إنّما هو إبلاغ في الحجة علينا، وأعذار بالموعظة إلينا؛ وربما عاهدنا الله لئن آتانا من فضله لنقصدن ولنكونن من الصالحين، أو لننزعن عما ارتكبنا من جرائر العاصين وجرائم الطالحين؛ فالوفاء حتما إن أردنا أنَّ نكون من المفلحين. وقلما أزف العذاب فرفع إلاّ عمن كان من الصالحين،) فلولا كانت قرية آمنت (إلى قوله:) إلى حين (؛ فلنقدر قدر هذا التدارك، الذي أخذ بأيدينا من مهاوي الانتقام، ولنتأمل موقع البلاء الذي أحلنا من تجديد النعمة بأسنى مقام؛ ولنحذر نسيان ما ذكرنا به، فلم نذكر تلك الشدائد بل نسيناها، ولا نفرح بما أوتينا فرح المغرور الذي لا يتراجع ولا يتناهى؛ فإنَّ في ذلك أمل الشيطان وسؤله، ولعن الله ومقته، قال الله تعالى:) فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء (إلى قوله:) بغته (.

اللهم هل بلغت، وبالغت في النصح وأبلغت، اللهم فأشهد. و " يا قوم إنَّ كان عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت "، وإليه أبرأ من حولي وتقصيري عما فيه قصرت، وعما عنه نكلت.

ثم قال ﵀:

" وإنَّ مولانا السلطان الملك الفاضل التالي الذاكر، العفيف الطاهر، المسترجع الصابر، المجاهد المصابر، المرابط المشاغر؛ أمير المسلين أبن نصر الخزرجي نسبأ السعدي منشأ النصري جدا وأبا، أيده الله على أعداء الدين، وجعله

من الأئمة المهتدين؛ ممن إذا جنى عليه غفر، لعلمنا به أنّه حليم والله آخذ بيده كلما عثر؛ فأرشدنا بذلك إلى أنّه كريم، وممن تطرقه الخطوب، وهو بالألطاف مصحوب، وتحدق إليه النوائب وهو من نظرها الشخزر محجوب، وممن جمع له الناس على أنَّ يخشاهم فزاده إيماناً، وقال: حسبي الله ونعم الوكيل، فانقلب بفضل من الله ونعمة، وممن صبر واسترجع في نقص الأموال والأنفس والثمرات، فبشر بصلوات من ربه ورحمة، فتمالأت على أذنيه أصناف من الناس في مرات متعددة، وإناء من الدهر متجدده، فأتعس الله جدودهم، وأضرع إليه خدودهم، وأرغم بحوله وقوته أنوفهم، ورد عنه بسيف من الأقدار رماحهم وسيوفهم، وأدنى لهم بأسباب مختلفة الأنواع حتوفهم: فمن آمن أخذ من مأمنه الذي كان يستند إليه ومن خائف قد أدهشه الروع فهو يحسب كل صحية عليه؛ فكأن ألسنة الأقدار تنهاهم عن منازعة الإرادة، وكأن واعظ الاعتبار يحذرهم من شقاقهم الكفيل له بالسعادة؛ وكأنَّ شاهد الحال يقول هذه إرادة الله قضاها، وسنته السابقة أنفذها وأمضاها، فمن المنازع فيما حكم الله به وقضى، ومن الساخط في المحل الذي يطلب فيه من الله الرضا؟ ولو كان استيلاؤه على الملك يقوة عصبيته، وإهلاك مناوئته عن البيعة غضبه؛ لارتاب في ذلك الناظر ووحد السبيل إلى الاحتياج المناظر، ولكنه طالما عورض في الملك فكبا معارضه لفيه، وأتيحت له النصرة محل لم يحسبها فيه؛ وشد ما احتال على نصرته غير واحد، فانعكست عليه حيلته؛ وتوسل إلى مكروهه، فطاحت في قليب الانقلاب عليه وسيلته؛ وبغى عليه غير ما مرة فنصره الله على من بغي عليه،

وابتغى بالسوء فرده الله على من سعى به إليه؛ ولعل ذلك لغيب عن العيان مكتوم، وحكم من الحكيم العليم محتوم؛ أو لأثر من الاختصاص قد علمه الله وليس لنا بمعلوم، أو لأمر قد تقاصرت عنه مدارك العقول، وكلت دونه رواجح الحلوم؛ ولهذه المعاني المقررة، والمقاصد المحرره، والمذاهب المفسر، والفوائد المسطرة، وغرائب أحاديثها المشتهرة، خص الملأ المقصود فيه بالتذكرة، والمعتمد منه بالإيقاظ والتبصرة؛ من أعضاد الدولة، وسيوف الصوله، وأولياء الخلوص الزكي الشيمة، وموالي النعمة الفلاية، وهم الذين خولتهم موعظته الحسنه، وأعجبتهم أغراضه المتعدده، ومقاصده المستحسنة؛ وعلموا أنه الحق، فسألوا من الله التوفيق إليه؛ والإرشاد إلى الاتصاف به والعمل عليه، والهداية إلى التماس رضا الله لديه، ووقفوا على ما هو لهم في هذا الكتاب منصوص، وأنَّ سلطانهم بمزية الدفاع عنه مخصوص، وأنّه قد تطابقت على إيثاره نصوص، واستوى في تسلم الطاعة له عموم وخصوص؛ فجددوا له البيعة الوثيقة، على ما أوجب في ذلك الحكم المشروع، وأعطوه على ذلك العهد الأكيد حسبما اتفقت عليه أصول وفروع؛ وعقدوا له مضمونها عقدا صحيحاً، وعهدوا على ما تقتضيه السنة صريحا؛ وشهدوا له فيه على أنفسهم انهم بالوفاء بها قائمون، ولشروطها المرعية حافظون؛ وعلى أحكامها الشرعية محافظون؛ وعلى ما بويع عليه رسول الله) من السمع والطاعة، ولزوم السنة والجماعة، وغمحاض النصيحة جهد الاستطاعة؛ فأيديهم في السلم والحرب صروفة في مرضاته، ونيتهم صادقه في مسنونات الوفاء ومفترضاته؛ ولقد شاهدوا الفرقة وما جنته، والفتنة وما فتنته، والألفة وما سنته، والهدنة

وما قربت من إصلاح وأدنته فليغتبطوا بها عهدا كريما وعقدا قد تضمن فضلا عظيما بل عميما واستلزمن إنعاما جسيما وليوفوا بها الوفاء الذي يوليهم بها نعيما مقيما ويدفع عنهم عذابا أليما فإنه ﷿ يقول: " فمن نكث " إلى قوله: " عظيما ". وقد بسطوا أكفهم إلى الله ضارعين وفي رحمته طامعين ولعظمته خاضعين ومن هيبته خاشعين ولخليفته طائعين وفي الخيرات مسارعين يدعونه رغبا ورهبا مستنزلين لرحمته بالإخلاص والإنابة واقفين على قدم الرجاء بباب الذي أمرهم بالدعاء ووعدهم بالإجابة ويسألونه خير ما قدره وقضاه والسلوك على ما فيه رضاه.

اللهم بابك قصدنا وقبولك أردنا وعلى فضلك اعتمدنا وإلى عزتك استندنا وفي مرضاتك اجتهدنا وبهدايتك استرشدنا فلا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين وأصلح شأننا كله اللهم إنا بك مستنصرون وبعزتك مستظهرون ولغناك مفتقرون ومن تقصيرنا مستعيذون ومن ذنوبنا مستغفرون ولشامل عفوك منتظرون وفي خف ألطافك مستبصرون ولعظيم انتقامك مستحضرون ولعميم صفحك مستشعرون فآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. اللم انصر من بايعناه سلطانا ومهد به بلادا وأوطانا وأرغم بتوخيه للحق طاغية وشيطانا وآتنا من لدنك رحمة وهيء لنا من أمرنا رشدا. اللهم اعمر بالمسرة ناديه وكاف عنا أياديه واكبت اللهم أعاديه وكن لنا وليا نصيرا فأنت نعم المولى ونعم النصير. وصل اللهم على سيدنا ومولانا محمّد النبي الأمي القرشي الهاشمي وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا فأنت اللطيف وأنت الخبير ".

انتهى ما أردت نقله من جنة الرضا للرئيس أبي يحيى بن عاصم رحمة الله عليه.

ورأيت بخط الوادي آشي ناقلا من كتابه المسمى بالروض الأريض ما نصه: أبن فتوح إبراهيم بن أحمد بن قتوح العقيلي يكنى أبا إسحاق العالم المتفنن صحبنا محقق نظائر وأستاذ فوائد تدريسه لجين ونضار كلا بل جواهر ويواقيت ومناسك هذى لها من السعادة مواقيت فحسب الطالب الموثق بفهمه المصروف للتحصيل مطالع مواقع سهمه أن يلازم حلقة تعليمية وإنَّ يشد يد الضنة بما يلقي من محصول تفهيمه فإكسير الإفادة إنما حصلة الوافدون من جابر صنعته وكيمياء السعادة إنما يلقاها الظافرون في نضرة روضة المخضل ونبعته وقرض الشعر مما يمكن دخوله تحت فرعه ويندرج تحت قدرة تصرفه بجنسه نوعه إلاّ أنّه لمّا يصدر منه عن قريحة كاتم وسالك من البخل به على طرف النقيض مما سلكه حاتم.

فمما علق بحفظي منه خطوبة أرجوزة صنفها في النجوم:

سبحان رافع السماء سقفاناصبها دلالة لا تخفى
مبدعها فلا ترى فروجامودعها الأفلاك والبروجا

انتهى. وإنما ذكرته لتعلم اصلاحه في كتاب الروض الأريض. وقد نقلت كلاما آخر منه فما سبق فراجعه ولو تتبعت ما حصل لدي من نظمه ونثره لطال الكتاب جدا.

وقد وقفت بتلمسان المحروسة على ظهير منشور سلطاني أصدر للرئيس أبن يحيى بن عاصم المذكور بتقديمه للنظر في أمور القضاء وغيره ونصه:

هذا الظهير كريم إليه أنهيت الظهائر شرفا عليا وبه تقررت المآثر برهانا جليا وراقت المفاخر قلائج وحليا وتميزت الأكابر الذين افتخرت بهم الأقلام والمحابر اختصاصا مولويا. فهو وإن تكاثرت المرسومات وتعددت وتوالت المنشورات وتجددت أكبر مرسوم تمم في الاعتقاد نظرا خطيرا وأحكم في التفويض أمرا كبيرا وأبرم في الأستخلاص عزما أبيا اعتمد بمسطورة العزيز واختص بمنشوره الذي تلقاه المين بالتعزيز من لم يزل بالتعظيم حقيقا وبالأكابر خليقا وبالإجلال حريا فهو شهير لم يزل في الشهرة سابقا هاد لم يزل بالهدى ناطقا بليغ لم يزل بالبلاغة دريا عظيم لم يزل بالنفوس معظما علم لم يزل في الأعلام مقدما. كريم لم يزل في الكرام سنيا اشتملت منه محافل الملك على العقد الثمين وحلت به المشهورة في الكنف المحوط والحرم الأمين فكان في مشكاة الأمور هاديا وفي ميدان المآثر جريا فإلى مقاماته تبلغ مقامات الإخلاص وإلى مرتبته تنتهي مراتب الاختصاص فيمن حاز فضلا وزين فعلا وشرف نديا واستكمل همما واستعمل قلما مشرفيا فلله ما أعلى قدر هذا الشرف الجامع بين المتلد والمطرف السابق في الفضل أمدا قصيا الحال من

الاصطفاء مظهرا، الفارع من العلا منبرا، الصاعد من العز كرسيا؛ حاز الفضل إرثاً وتعصيبا، واستوفى الكمال حظا ونصيبا؛ ثناء أرجه كالروض لو لم يكن الروض ذابلا، وهدياً نوره كالبدر لو لم يكن البدر آفلا، ومجداً علوه كالسها لو لم يكن السها خفيا؛ فما أشرف الملك الذي اصفاه، وكمل له حق التقريب ووفاه، وأحله قرارة التمكين، ومن باختصاصه بالمكان المكين، فسبق في ميدان التفويض وسما، ورأى من الأنظار الحميدة ما رأى، صادعاً بالحق إماماً علما، ومنها: ضحاً من الدين نهجاً أمما، هدياً من الواجب صرطاً سويا؛ بانياً للمجد صرحاً مشيدا، مشهداً للعدل قولً مؤيدا، مبرماً للخير سبباً قويا؛ فالله تعالى يصل لمقام هذا الملك الذي أطلع في سمائه بدراً دونه البدر وصدراً تلوذ به الصدور سعداً لا تماطله الأيام في تقاضيه، ومصراً يمضي به نصل الجهاد فلا يزال ماضيه، على الفتح مبنياً؛ ويولي له عزاً يذود عن حزم الدين، ويمنحه تأييداً يصبح في أعناق الكفر حديث سيفه قطعياً؛ أمر به مرسوماً عزيزاً لا تبلغ المرسومات إلى مداه، ولا تبدى بآثار الاختصاص مثل ما أبداه، عبد الله أمير المسلمين محمد الغالب بالله، أبن الأمير المقدس فلان أيد الله تعالى مقامه ونصر أعلامه، ويسر مرامه؛ لإمام الأئمة وعلم الأعلام وعماد دوي العقول والأحلام، وبركة حملة السيوف والأقلام، وقدوة رجال الدين وعلماء الإسلام؛ الشيخ الفقيه أبي يحيى أبن كبير العلماء شهير العظماء؛ حجة الأكابر والأعيان مصباح البلاغة والبيان؛ قاضي القضاة وإمامهم اوحد الجلة وطود شمامهم الشيخ الفقيه أبي بكر بن عاصم، أبقاه الله تعالى ومناطق الشكر له فصيحة اللسان، ومواهب الملك به معهودة الإحسان،

النص من طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع