من «أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
رجع إلى ذكر الشريف (٢)
الصفحة ١ من ٢
" ربنا ظلمنا أنفسنا وإنَّ لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ".
" أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا أنت خير الراحمين ". " ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير ". " ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأنَّ الكافرين لا مولى لهم ". " نعم المولى ونعم النصير ".
أما بعد حمد الله الذي لا يحمد على السراء والضراء سواه؛ والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمّد، الذي طلع طلوع الفجر بل البدر فلاح، يدعوا إلى سبيل كل فلاح، أولى قلوب غافلة، ونفوس سواه؛ والرضا عن أصحابه، وعترته الأكرمين وأحزابه، الذين تلقوا بالقبول ما أورده عليهم من أوامر ونواه، وعزروه ونصروه في حالي قربه ونواه.
فيا مولانا، الذي أولانا من النعم ما أولانا؛ لا حط الله تعالى لكم من العزة رواقا، ولا أذوى لدوحة دولتكزم أغضانا ولا أرواقا؛ ولا زالت مخضرة العود، متبسمة عن زهرات البشائر متحفة بثمرات السعود، ممطورة
بسحاب البركات المتداركات دون بروق ولا رعود: هذا مقام العائذ بمقامكم، المتعلق بأسباب ذمامكم لعواطف قلوبكم، وعوارق إنعامكم، المقبل الأرض تحت أقدامكم، المتلجلج اللسان عند محاولة مفاتحة كلامكم؛ وماذا الذي يقول من وجهة خجل، وفؤاده وجل، وقضيته المقضية عن التنصل والاعتذار تجل، بيد أني أقول لكم لربى، واجترائي عليه أكثر وإجرامي إليه أكبر: اللهم لا برئ فأعتذر، ولا قوي فأنتصر، لكني مستقيل مستنيل مستعتب مستغفر؛ " وما أبرئ نفسي، إنَّ النفس أمارة بالسوء ". هذا على طريق التنزل والاتصاف، بما تقتضيه الحال ممن يتحيز إلى الإنصاف؛ وأما على وجهة التحقيق، فأقول ما قالته الأم ابنة الصديق: " والله إني لأعلم أني بما يقوله الناس، والله يعلم إني منه بريئة، ولأقولن ما لم يكن، ولئن أنكرت ما تقولون لا تصدقونني، فأقول ما قاله أبو يوسف: صبر جميل، والله المستعان على ما تصفون ".
على إني لا أنكر عيوبي، فأنا معدن العيوب، ولا أجحد ذنوبي، فأنا
جبل الذنوب، إلى الله أشكو عجري وبجري، وسقطاتي وغلطاتي. نعم، كل شيء ولا ما يقوله المتقول، المشنع المهول، الناطق بفم الشيطان المسول. ومن أمثالهم: " سبني واصدق ". ولا تفتر ولا تخلق؛ فمثلى كان يفعل أمثالها، ويحمل من الأوزار المضاعفة أحمالها، ويهلك نفسه ويحبط أعمالها؛ عياذاً بالله من خسران الدين، وإيثار الجاحدين والمعتدين، قد ضللت إذن وما أنا من المهتدين. وأيم الله لو علمت شعرة في فودي تميل تميل إلى تلك الجهة لقلعتها، بل لقطفت ما تحت عمامتي من هامتي وقطعتها؛ غير أنَّ الرعاء في كل وقت وأوان، للملك أعدائه وعليه أحزاب وأعوان، كان أحمق وأجهل من أبن ثروان، أو أعقل من أشج بني مروان؛ ورب متهم برئ، ومسربل بسربال وهو منه عري؛ وفي الأحاديث صحيح وسقم، ومن التراكيب المنطقية منتج وعقيم، ولكن ثم ميزان عقل، تعتبر به أوزان النقل؛ وعلى الراجح الاعتماد، ثم إشاعة الإحماد، المتصل المتماد؛ وللمرجوع الأطراح، ثم الذم الصراح، بعد النفض من الراح؛ وأكثر ما تسمعه الكذب، وطبع جمهور الخلق إلا من
عصمة الله إليه منجذب؛ ولقد قذفنا من الأباطيل بأحجار، ورمينا بما لا يرمى به الكفار، فضلا عن الفجار؛ وجرى من الأمر المنقول عن لسان زيد وعمرو، مالكم منه حفظ الجبار؛ وإذا عظم الإنكاء، فعلى تكأة التجلد الاتكاء؛ أكثر المكثرون، وجهد في تعثيرنا المتعثرون؛ ورومنا عن قوس واحده، ونظمونا في سلك الملاحده؛ أكفر أيضاً كفرا! غفراً اللهم غفرا، أعد نظراً يا عبد قيس، فليس الأمر على ما خيل لك ليس، وهل زدنا على طلبنا حقنا، ممن رام محقه ومحقنا؟ فطاردنا في سبيله عداة كانوا لنا غائظين؛ فأنفتق علينا فتق، لم يمكنا له رتق: وما كنا للغيب حافظين.
وبعد، فاسأل أهل الحل والعقد، والتميز والنقد؛ فعند جهينتهم تلق الخبر يقينا، وقد رضينا بحكمهم يوثمنا قيوبقنا، أو يبرئنا فيقينا. إيه يا من أشرب إلى ملامنا، وقدح حتى في إسلامنا؛ رويداً رويداً، فقد وجدت قوة وأيداً؛ ويحك، لنما طال لسانك علينا، وامتد بالسوء إلينا، لأن الزمن لنا مصغر، ولك مكبر، والأمر عليك مقبل، وعنا مدبر، كما قاله كاتب الحجاج المدبر.
وعلى الجملة، فهبنا صرنا إلى التسليم مقالك جدلا، وذهبنا فأقررنا بالخطأ في كل وردٍ وصدر، فالله در القائل: إنَّ كنت أخطأت فما أخطأ القدر وكأنا بمعتسف إذا وصل إلى هنا، وعدم إنصافه يعلمه الهنا؛ قد أزور متجانفا، ثم افتر متافنا، وجعل يتمثل بقولهم: " إذا عيروا قالوا مقادير قدرت "
وبقولهم: " المرء يعجز لا محالة "؛ فيعارض الحق بالباطل، والحالي بالعاطل، وينزع بقول القائل: " رُبَّ مسمع هائل، وليس تحته من طائل ". وقد فرغنا أوّل أمس من جوابه، وتركنا الضغن يلصق حرارة
الجوى به؛ وسنلم الآن بما يوسعه تسكينا، ويقطعه تبكيتا. فنقول له: ناشدك الله تعالى، هل اتفق لك قط وعرض، خروج أمر ما على القصد منك فيه والغرض؛ مع اجتهادك أثناءه في إصدارك وإيرادك، في وقعه على وفق اقتراحك ومرادك؟ أو جميع ما تزاوله بإرادتك، لا يقع إلا مطابقا لإرادتك؟ أو كل ما تقصده وتنويه، تحرزه كما تشاء وتحويه؟ فلابد أن يقر اضطراراً. بان مطلوبه يشذ عنه مراراً، بل كثيرا ما يفلت صيده من أشراكه، ويطلبه فيعجز عن إدراكه؛ فنقول: ومسألتنا من هذا القبيل: أيها النبيه النبيل؛ ثم نسرد له من الأحاديث النبوية ماشينا، مما يسايرنا في غرضنا منه ويماشينا، كقوله): " كل شيء بقضاء وقدر حتى العجز والكيس ". وقوله أيضاً: " لو اجتمع أهل السماوات وأهل الأرض على أن ينفعوك بشيء، لم يقض الله لك، ولم يقدروا عليه، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يقض الله عليك، لم يقدروا عليه ". أو كما قال). فأخلق به أن يلوذ بأكناف الإحجام، يزم على نفثة فيه كأنما ألجم بألجام؛ حينئذ نقول له، والحق قد أبان وجهه وجلاه، وقهره بحجته وعلاه: ليس لك من الأمر شيء قل إن الأمر كله لله. وفي محاجة آدم موسى ما يقطع لسان الخصم، ويرحض عن أثوب أعراضنا ما عسى أنَّ يعلق بها من درن الوصم؛ وكيفما كانت الحال، وإن أساء الرأي والانتحال، ووقعنا في أوجال وأوحال؛ فثل عرشنا، وطويت فرشنا، ونكس لواؤنا، وملك مثوانا، فنحن من سوانا؛ وفي الشر خيار،
ويد اللطائف تكسر من صولة الأغيار؛ فحتى الآن لم نفقد من اللطيف تعالى لطفاً، ولا عمدنا أدوات أدعية تعطف بلا مهلة على جملتنا المقطوعة جمل النعم الموصولة عطفا؛ وإلا فتلك بغداد دار السلام، ومتبوأ الإسلام، المحفوف بفرسان السيوف والأقلام؛ مثابة الخلافة العباسية، ومقر العلماء والفضلاء أولى السير الأويسية، والعقول الإياسية؛ وقد نوزلت بالجيوش ونزلت، وزوولت بالخزوف وزلزلت، وتحيف جوانبها وداخلها كفار التتار عنوة بالسيف، ولا تسل إذ ذاك عن كيف؛ أيام تجلت عروس المنيه، كاشفة عن ساقها مبدية، وجرت الدماء في الشوارع والطرق كالأنهار والأودية، وقيد الأئمة والقضاة تحت ظلال السيوف منتصاة عمائمهم في رقابهم والأردية؛ وللنجيع سيول، تخوضها الخيول؛ فتخضبها إلى أرساغها، وتهم ظماؤها، فتنكل عن تجرعها ومساغها؛ فطاح عاصمها ومستعصمها، وراح ولم يغد ظالمها ومتظلمها؛ وخربت مساجدها وديارها، وأصطلم بالحسام أشرارها وخيارها؛ فلم يبق من جمهور أهلها عين تطرف، حسما عرفت أو حسما تعرف؛ فلا تكن متشكشكا متوقفا؛ فحديث تلك الواقعة الشنعاء أشهر عند
المؤرخين من قفا؛ فأين تلك الجحافل، والآراء المدارة في المحافل؛ حين أراد الله تعالى بإدالة الكفر، ولم تجد ولا قلامة ظفر؛ إذن فمن سلمت له نفسه التي هي رأس ماله، وعياله وأطفاله، واللذان هما من أعظم آماله؛ وكل أو جل أو أقل رياشه، وأسباب معاشه، الكفيلة بإنتهاضه، وانتعاشه؛ ثم وجد مع ذلك سبيلا إلى الخلاص، في حال مياسرة ومساهلة، دون تصب وأعتياض، بعد ما ظن كل الظن أن لا محيد ولا مناص؛ فما أحقه حينئذ وأولاه، أن يحمد خالقه ورازقه ومولاه؛ على ما أسداه إليه من رفد وخيره، ومعافاته مما أبتلي به كثير من غيره؛ ويرضى بكل إيراد وإصدار، وتتصرف فيهما الأحكام الإلهية والأقدار، فالدهر غدار، والدنيا دار مشحونه بالأكدار؛ والقضاء لا يرد، ولا يصد؛ ولا يغلب، ولا يطلب؛ والدائرات تدور، ولا بد من نقص وكمال للبدور؛ والعبد مطيع لا مطاع، وليس يطاع إلا بالمستطاع، والخالق القدير جلت قدرته في خليقته علم غيب، للأذهان عن مداه انقطاع؛ ومالي والتكلف لمّا لا احتاج إليه من هذا القول، بين يدي ذي الجلالة والمجادة والفضل والطول: فله من العقل الأرجح من الخلق والأسجح، ما لا تلتاط معه تمتي بصفره، ولا تنفق عنده وشاية الواشي، لا عد من نفره، ولا فاز قدحه بظفره؛ والموالي يعلم الدنيا تلعب باللاعب، وتجر براحتها إلى المتاعب؛ وقديماً للأكياس من الناس خدعت، وانحرفت عن وصالهم ما كانوا وقطعت،
وفعلت بهم ما فعلت، بيسار الكواعب التي جببت وجدعت، ولئن رهصت وهصرت
فقد نبهت وبصرت، ولئن قرعت ومعضت، لقد أرشدت ووعظت؛ ويا ويلنا من تنكرها لنا بمرة، ورمينا لنا في غمرة أي غمرة؛ أيام قبلت لنا ظهر المجن، وغيم أفقها المصحى وأدجن، فسرعان ما عاينا حبالها منها ما لم نحسب كما تقوم الساعة بغتة؛ فمن استعاذ من شيء، فليستعذ مما صرنا إليه، من الحور بعد الكور، والانحطاط من النجد إلى الغور:
فبينا نسوس الناس والأمر أمرناإذا نحن فيهم سوقة نتنصف
فأف لدينا لا يدوم نعيمهاتقلب تاراتٍ بنا وتصرف
وأبيها لقد أرهقتنا إرهاقاً، وجرعتنا ن صاب الأوصاب كأساً دهقا؛ ولم نفزع إلى غير بابكم المنيع الجناب، والمنفتح حين سدت الأبواب، ولم نلبس غير لباس نعماكم حين خلعنا ما ألبسنا الملك من الأثواب؛ وإلى أمه يلجأ الطفل لجأ اللهفان، وعند الشدائد تمتاز السيوف من الأجفان. ووجه الله تعالى
يبقى، وكل من عليها فإنَّ، وإلى هنا ينتهي القائل ثم يقول: حسبي هذا وكفان، ولا ريب من اشتمال العلم الكريم، على ما تعارفته الملوك بينها في الحديث والقديم، من الأخذ باليد عند زلة القدم، وقرع الأسنان وعض البنان من الندم، دينا به تدنيت حتى مع اختلاف الأديان، وعادة أطرد فيهم على تعاقب الأزمان والأحيان.
ولقد عرض علينا صاحب قشتالة مواضع معتبرة، خير فيها وأعطى من أمانه، المؤكد فيه بأيمانه، ما يقنع النفوس ويكفيها. فلم نر ونحن من سلالة الأحمر، مجاورة الصفرة، ولاسوغ لنا الإيمان الإقامة بين ظهراني الكفر؛ ما وجدنا على ذلك مندوحة ولو شاسعة، وأمنا المطالب المشاغب حمة شرٍ لنا لا سعة؛ وأدكرنا أي إدكار، قول الله تعالى المنكر لذلك غاية الإنكار: " ألم تكن أرض الله واسعة "؛ وقول الرسول ﵊، المبالغ في ذلك بأبلغ الكلام: " أنا برئ من مؤمن مع كافر لا تتراءى نارهما "؛ وقول الشاعر الحاث على حث المطية، المتثاقلة عن السير في طريق منحاتها البطيه:
وما أنا والتلدد نحو نجدوقد غضت تهامة بالرجال
ووصلت أيضاً إلينا، من الشرق كتب كريمة المقاصد لدينا؛ تستدعي الانحياز إلى تلك الجنبات، وتتضمن ما لا مزيد عليه من الرغبات؛ فلم نختر إلاّ دارنا، التي كانت دار آبائنا من قبلنا، ولم نرتض الانضواء إلاّ لمن بحبله وصل حبلنا، وبريش نبله ريش نبلنا؛ إدلالاً على محل إخاء متوارث عن كلالة، وامتثالاً لوصاة أجداد لأنظارهم وأقدارهم أصالة وجلاله؛ إذ قد روينا عمن سلف من أسلافنا، في الإيصاء لمن يخلف بعدهم من أخلافنا؛ ألا يبتغوا إذا دهمهم داهم بالحضرة المرينية بدلا، ولا يجدوا الفجاج، وركبنا إلى بحر الفرات ظهر بحر الأجاج؛ فلا غرو أن نرد منه على ما يقر العين، ويشفي النفس الشاكية من ألم البين، ومن توصل هذا التوصل، وتوسل بمثل ذلك التوسل؛ تطارحاً على سدة أمير المؤمنين المحارب للمحاربين، والمؤمن للمستأمنين؛ غير حليق الحقيق، بأن يسوغ أصفى مشاربه، ويبلغ أوفى مآربه؛ على توالي الأيام والشهور والسنين، ويخلص من الثبور إلى الحبور، ويخرج من الظلمات إلى النور خروج الجنين؛ ولعل شاع سعادته يفيض علينا، ونفحة قبول إقباله تسرى إلينا؛ فتخامرنا أريحية تحمنا على أن نبادر، لإنشاد قول الشريف الرضي في الخليفة القادر:
عطفا أمير المؤمنين فأننافي دوحة العلياء لا نتفرق
ما بيننا يوم الفخار تفاوتأبداً كلانا في المعالي معرق
إلاّ الخلافة ميزتك فأننيأنا عاطل منها وأنت مطوق
لا، بل الأحرى بنا والأحجى، والإنجاح لسعينا والارجى؛ أنَّ نعدل عن هذا المنهاج، ويقوم وافدنا بين يدي علاه مقام الخاضع المتواضع الضعيف المحتاج، وينشد ما قال في الشيرازي أبن الحجاج:
الناس يفدونك اضطراراًمنهم وأفديتك باختياري
وبعضهم في جوار بعضوأنت حتى أموت جاري
فعش لخبزي وعش لمائيوعش لداري وأهل داري
ونستوهب من المنان الوهاب تعالى وجلت أسماؤه، وتعاظمت نعماؤه؛ رحمة تجعل في يد الهداية أعنتنا، وعصمة تكون في مواقف المخاوف جنتنا؛ وقبولا يعطف علينا نوافر القلوب، وصنعاً يسني لنا كل مرغوب ومطلوب، ونسأله، وطالما بلغ السائل سؤلاً ومأمولا، متابا صادقا على موضوع الندم ممولا، ثم عزاء حسناً وصبراً جميلا، عن أرض أورثها من شاء من عباده لهم ومديلا، وسادلا عليهم من ستور الإملاء الطويلة سدولا، " سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا ". فلينظر الطائر الوسواس المرفرف مطيراً، كان ذلك في الكتاب مسطوراً، ولم نستطع عن مورده صدوراً، وكان أمر الله قدراً مقدوراً.
ألا، وإنَّ لله سبحانه في مقامكم العلى الذي أيده وأعانه، سراً من النصر، يترجم عنه لسان من النصل، وترجع فروع البشائر الصادقة، بالفتوحات المتلاحقة، من قاعدته المتأصلة إلى أصل، فبمثله يجب اللياذ والعياذ؛ ولشبهه يحق الالتجاء والارتجاء. ولأمر ما آثرنا واخترناه، بعد أنَّ استرشدنا الله تعالى واستخرناه، ومنه ﷻ نرغب أنَّ يخير لنا ولجميع المسلمين، ويؤوينا من حمايته ووقايته إلى معقل، وجانب رفيع، آمين، آمين، آمين.
نرجو أنَّ يكون ربنا، الذي هو في جميع الأمور حسبنا؛ قد خار لنا حيث أرشدنا وهدانا، وساقنا توفيقه وحدانا؛ إلى الاستجارة بملك حفي، كريم وفي؛ أعز جارا من أبي داود، وأحمى أنفا من الحارث بن عباد. يشهد بذلك الداني والقاصي والحاضر والبائد، إنَّ أغاث ملهوفا فما الأسود أبن قنان يذكر، وإنَّ أتعش حشاشة هالك فما كعب بن مامة على فعله وحده يشكر
جليسه كجليس القعقاع بن شور، ومذكراه كمذكر سفيان المنتسب من الرباب إلى ثور، إلى التحلى بأمهات الفضائل، التي أضدادها أمهات الرذائل؛ وهي الثلاث: الحكمة والعدل والعفة، التي تشملها الثلاث: الأقوال، والأفعال، والشمائل؛ وينشأ منها ما شئت من عزم وحزم، وعلم وحلم، وتيقظ وتحفظ، واتقاء وارتقاء، وصول وطول، وسماح ونائل؛ فبور حلاه المشرق، يفتخر المغرب على المشرق؛ وبمحتده السامي خطره في الأخطار، وبيته الذي ذكره في النباهة والنجابة قد طار، يباهي جميع ملوك الجهات والأقطار، وكيف لا وهو الرفيع المنتهى والنجار، الراضع من الطهارة صفو ألبان، الناشئ من السراوة وسط أحجار، في ضثضئ المجد، وبحبوح الكرم، وسراوة أسرة المملكة التي أكنافها حرم، وذؤابة الشرف التي مجاذبها لم ترم؛ من معشر أي معشر، بخلو إن وهبوا ما دون أعمارهم، وجنوا إن لم يحملوا سوى ذمارهم، وبنو مرين، وما أدراك ما بنو مرين:
سم العداة وآفة الجزر
النازلون بكل معتركوالطيبون معاقد الأزر
لهم من الهفوات أنتفاء، وعندهم من السير النبوية أكتفاء؛ وانتسبوا إلى برين قيس، فخرجوا في البر عن القيس؛ ما لهم القديم المعروف، وقد نفد في سبيل المعروف، وحديثهم الذي ناقلته رجال الزحوف، من طرق القنا والسيوف، على الحسن من المقاصد موقوف؛ تحمد من صغيرهم وكبيرهم، ذابلهم ولدنهم، فلله آباء أنجبوهم، وأمهات ولدنهم: شم الأنوف من الطراز الأول إليهم في الشدائد الاستناد، وعليهم في الأزمات المعول، ولهم في الوفاء والصفاء والاحتفاء، والعناية والحماية والرعاية، الخطو الواسع، والباع الأطول، كأنما عناهم بقوله جرول:
أولئك قوم إنَّ بنوا أحسنوا البنىوإنَّ عاهدوا وفوا وإنَّ عقدوا شدوا
وإنَّ كانت النعماء فيهم جزوابهاوإنَّ أنعموا لا كدروها ولا كدوا
وتعذلني أبناء سعد عليهموما قلت إلاّ بالتي علمت سعد
وبقوله الوثيق مبناه، البليغ معناه:
قوم إذا عقودا عقداً لجارهمشدوا العناج وشدوا فوقه الكربا
يزيحون عن النزيل كل نازح قاصم، وليس له منهم عائب ولا واصم، فهم أحق بما قاله في منقر قيس بن عاصم:
لا يفطنون لعيب جارهموهم لحفظ جواره فطن
حلاهم هذه الغريزة التي ليست باستكراه ولا جعل، أمير المؤمنين، دام نصره، قسيمهم فيها حذو النعل بالنعل، ثم هو عليهم وعلى من سواهم بالأوصاف الملوكية مستعل؛ ارفض مونهم منه عن غيث ملث يمحوا أثار اللزبه، وانشق غيلهم منه عن ليث ضار منقبض على براثنه للوثبة، فقل
لسكان الفلا: لا تغرنكم أعدادكم وأمدادكم، فلا يبالي السرحان المواشي، سواء مشى إليها النقلاى أو الجفلى؛ بل يصدمهم صدمة تحطم منهم كل عرنين، ثم يبتلع بعد أشلائهم المعفره ابتلاء التنين: فهو هو كما عرفوه، وعهدوه وألفوه؛ أخو المنايا، وأبن جلا وطلاع الثنايا، مجتمع أشده؛ قد أحتنكت سنه وبان رشده جاد مجد محتزم بحزام من الحزم، مشمر عن ساهد الجد:
لا يشرب الماء إلاّ من قليب دمٍولا يبيت له جار على وجل
أسدى القلب أدمى الرواء، لابس جلد النمر لذوي العناد والنواء:
وليس بشاوي عليه دمامةإذا ما سعى يسعى بقوس واسهم
ولكنه يسعى عليه مفاضةدلاص كأعيان الجراد المنظم
فالنجاء النجاء سامعين له طائعين، والوحاء الوحاء، لا حقين به خاضعين قبل أنَّ تساقوا إليه مقرنين في الأصفاد، ويعيا الفداء بنفائس النفوس والأموال على الفاد؛ حينئذ يعض ذو الجهل والفدامه، على يديه حسرة وندامة، إذا رأى أبطال الجنود، تحت خوافق الرايات والبنود، قد لفحتم نار ليست يذات خمود، وأخذتم صاعقة الذين من قبلهم: عاد وثمود، زعقات سبطات تؤز الكتائب أزاً، وهمزاً محققاً للخيل بعد المد المشبع للأعنة همزاً، وسلاُ للهندية سلا وهزا للخطية هزا، حتى يقول النسر: هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزاً. ثق الخليفة بذلك في كل من رام أذى رعيتك أو أذاك، فتلك عادة الله ﷾ في ذوي الشقاق والنفاق، الذين يشقون عصا المسلمين، ويقطعون طريق الوفاق؛ وينصبون حبائل البغي والفساد في جميع النواحي والآفاق؛ فلن يجعلهم الله ﷿ من الآمنين، أنى وكيف وقد أفسدوا وخانوا؟ وهو سبحانه لا يصلح عمل المفسدين، ولا يهدي كيد الخائنين.
وها نحن قد وجهنا إلى كعبه مجدكم وجوه صلوات التقديس والتعظيم، بعد ما زينا معاطفها بأستعطافكم بدر ثناء أبهى من در العقد النظيم؛ منتظمين
في سلك أوليائكم؛ متشرفين بخدمة عليائكم؛ ولا فقد عزة ولا عدمها، من قصد مثابتكم العزيزة وخدمها؛ وإنَّ المترامي على سنائكم، لجدير بحرمتكم واعتنائكم؛ وكل ملهوف تبوأ من كنفكم حصنا حصينا، عاش بقية عمره محروسا من الضيم مصونا؛ وقد قيل في بعض الكلام: من قعدت به نكاية الأيام، أقامته إغاثة الكرام؛ ومولانا أيده الله تعالى ولي ما يزفه إلينا من مكرمة بكر، ويصنعه لنا من صنيع حافل يخلد في صحائف حسن الذكر، ويروى معنعن حديث حمده وشكره طرس عن قلم عن بنان عن لسان عن فكر؛ وغيره من نيام عن ذلك فيوقظ، ويسترسل مع الغفلة حتى يذكر ويوعظ؛ وما عهد منذ وجد إلا سريعا إلى داعي الندى والتكرم، بريئاً من الضجر بالمطالبة والتبرم؛ حافظ للجار الذي أوصى النبي) بحفظه، مستغفرا وسعه في رعيه المستمر ولحظه، آخذاً من حسن الثناء في جميع الأوقات والآناء بحظه:
فهو من دوحة السنا فرع عزليس يحتاج مجتنيه لهز
كفه في الإمحال أغزر وبلوذراه في الخوف أمنع حرز
حلمه يسفر أسمه لك عنهفتفهم يا مدعي الفهم لغزى
لا تسله شيئاً ولا تستنلهنظرة منه فيك تغنى وتجزى
فنداه هو الفرات الذي قدعام فيه الأنام عوم الإوز
وحماه هو المنيع الذي ترجع عنه الخطوب مرجع عجز
فدعوا ذهنه يزاول قوليفهو أدرك بما تضمن رمزي
دام يحيى بكل صنع ومنويعافي من كل بؤس ورجز
وكأنا به قد عمل على شاكلة جلاله من ظلاله وتمهيد خلاله وتلقى ورودنا بحسن تهلله واستهلاله وتأنيسنا بجميل قبوله وإقباله وإيرادنا على حوض كوثره المترع بزلاله. والله سبحانه يسعد مقامه العلي ويسعدنا به حله وارتحاله ومآله وحاله ويؤيد جنده المظفر ويؤدنا بتأيدنا على نزال عدوه واستنزاله وهز الذوابل لإطفاء ذباله وهو ﷾ المسئول أن يريه قرة العين في نفسه وأهله وخدامه وأمواله وأنظاره وأعماله وكافة شئونه وأحواله. وأحق ما نصل بالسلام وأولى على المقام الجليل مقام الخيفة المولى أزكى الصلاة والسلام على خاتمة أنبياء اله وأرسله سيدنا ومولانا محمّد) وعلى جميع أصحابه وآله صلاة وسلاما دائمين أبدا موصلين بدوام الأبد واتصاله ضامنين لمجدها ومرددهما صلاح فاسد أعماله وبلوغ غاية آماله وذلك بمشيئة الله تعالى وإذنه وفضله وإفضاله. انتهى الكتاب وأوردته بطوله لمّا فيه من ذكرى واعتبار بما فعلته الدنيا مع الملوك الأعاظم الكبار ولأنَّ الكلام جر إليه والله تعالى الكفيل بخلاص من توكل عليه.
وصاحب هذا الإنشاء وصفة الإمام أبن داود بقوله: " الفقيه الخطيب الفاضل خاتمة الأدباء بالأندلس أبو عبد الله محمّد بن الفقيه الصالح أبي محمّد عبد الله العقيلي المعروف بالعربي.
ومن بديع نظمه هذه الأبيات:
جز بالبستانين والرياض فماأبهج مرئيها وأجلاه
واعجب بها للبنات ولتلك فيأسفلها ناظر وأعلاها
وقدس الله عند ذلك وقلسبحان لا اله إلاّ هو
ورأيت بخط أبن داود المذكور أنه وقع بينه أعني أبن داود وبين الفقيه المدرس أبي عبد الله محمّد بن أبي الفضل بن إبراهيم البسطي نزاع في مسألة نحوية قال: وطال فيها الكلام بن ما تقيد عني في غير هذا فقال: الفقيه الخطيب الأديب العلامة أبو عبد الله محمّد بن عبد الله العربي يروي بالقضية ويشير إلى قصة نبي الله سليمان بن داود ﵉:
ندد البسطي في مسألةلابن داود وقد أحكمها
وقديما وقعت معضلةوابنداود الذي فهمها
انتهى.
ومن نظم الشيخ الفقيه الأستاذ المقرئ الخطيب الفذ الأوحد سيدي
أبي العباس أحمد الدقون ﵀ قصيدة في ندب الجزيرة تذكر النفوس بشجوها فترسل العيون دموعها الغزيرة افتتحها نصه: الحمد لله على كل حال والصلاة والسلام على سيدنا محمّد وعلى آله خير آل أما بعد فيقول خديم أهل الله تعالى عبيد الله أحمد بن محمّد الأندلسي الشهير بالدقون لطف الله به بمنه وكرمه: إنه لمّا غابت شمس الجزيرة الخضراء بأخذ الحمراء قرعت باب الندبة لمّا تقدم من الصحبه فقلت أبيات صدرت من قلب كئيب مبكية كل لبيب أريب وسميتها بالموعضة الغراء بأخذ الحمراء مبيحا لمن رغب فيها ولم يرغب عنها أو استحسن شيئا منها أن يحدث بها عني وذلك بعد إتقان لفظها وحفظها وفهم وعظها ولحظها وإن كنت لا أحسن أن أقول وربما أعزى بها إلى الفضول لكني لا أعدم المثيل وفي مثل هذا قيل:
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلهاكفى المرء نبلا أن تعد معايبه
والله حسبي وعدتي وهو مقيل عثرتي. وهذا مطلع صباحها ومنبع افتتاحها:
أمنت من عكس آمال وأحوالوعشت ما بين أعمام وأخوال
ولا ابتليت بما في القلب من نكدفالجسم مشتغل من غير أشغال
وكيف لا وبقاع الدين خاليةمن أرض أندلس من أجل أهوال
عمت فغمت قلوب المسلمين فياللمسلمين من أعداء وأنكال
جاشت بها من جيوش الكفر ما درستبهم معالم أخيار وأقيال
أهل الشجاعة أهل العلم أهل تقىأهل النفاسة في قول وأفعال
عنهم وفيهم أحاديث النبي بدتوهم معاقل قول الله للتالي
رهبان ليل وفرسان نهار فمنيلمم بساحاتهم يظفر بآمال
لا عيب فيهم سوى أن المضاف لهميسلو عن أهل وأوطان وأموال
فهل ترى بعد هذا النفس سائلةوكيف تسأل عن وصف وعن حال
تالله لا زال ما في القلب من أسفولو أكن حليفة المنزل الخالي
أو يفتح الله في نصر يمن بهفالله باق يقي من كل محتال
قد رام إطفاء نور الله مجتهداوباذلا كل ما قد حاز من مال
سطى بجيش كموج البحر في عددنعم وفي عدد من رهط أبطال
مؤيدا باجمالع المصر يتبعهشر الخلائق مسرور بإقبال
يسبي المسامع بالأنفاض مشبهةوقع الصواعق في هد وزلزال
يبني ليهدم ما للإسلام شيدهوالوصف يعجز من يدعي بقلقال
فهو المقاتل في الأبراج منتقلإلف النحوس وتغير وترحال
فاستوطن المرج لا ينوي الرحيل ولايخشى المغيث بسهل أو بأجبال
والمسلمون من الأضغان قد ملئتقلوبهم وأبوا تسديد أخلال
والحق مختلف والحمق مؤتلفوالكل منصرف عن نصر أبطال
وهم لديه كطير وهو ينتفهوالطير يرجو البقا مع كيد قتال
إذا تجرد من ريش يطير بهأضحى يدافع عن روح بأوصال
سدوا مسالك أرزاق ومنفعةكدودة القز في نسج لسربال
ثم استغاثوا: ألا فرسان عاديةقال الصدى: لست ذا رمح ونبال
والصيف ضيعت ما أملت من لبنففارق الجبح من تدخين نحال
وارحل بنحلك نحو الغرب في كرممن قبل وضعك في قيد وأغلال
فاستمكن الرعب في الأكباد واتفقتبعد اختلاف على تأمين أرذال
واتل غرناطة الغراء قد عدمتحب الحصيد ونصر الله والآل
كأنها الشمس في أفق العلى كسفتفهل على طلل ترمى بأبطال؟
وهل تعود ليال قد سلفن بهاونحن لا نشكي تنكيد ضلال؟
وهل يعود لها الدين الذي أنستبه وقد أيست من فتح أبدال؟
فأصبحوا لا ترى إلاّ مساكنهمكمثل عاد وما عاد بأشكال
قد فرقوا كسبا في كل منزلةوقد سبا من أيد أو عال
فلا المساجد بالتوحيد عامرةإذ عمروها بناقوس وتمثال
ولا المنابر للواعظ بارزةللأمر والنهي أو تذكير آجال
ولا المكاتب بالصبيان آنسةتتلو القرآن بأسحار وأوصال
آه على الدين والدنيا وما نفعتآه إذا صدرت من قلب بطال
أنا إلى الله والرجعي له وبهتلق القلب في تصحيح إعلال
وكان ما كان والألطاف شاملةلاحت بنقة نسوان وأطفال
فلنكرم الآن من ينزل بمنزلنافالدهر ذو دول فاسمع لأمثال
وإذ ولا قدرة تدني المنى فلهمحق الجوار ولا توصف بإهمال
نلقاهم ولنا بشر ومعذرةورحمة يا حماة العم والخال
ولا نذد عن ورود الحوض واردهولا ندع قول ذي نصح وإجمال
إخوانكم رفعوا أيدي الضراعة معكسر القلوب فلا يلقوا بإخمال
وقل لوال تلطف في مغامرمهميلطف بك الله إذ تدعى لأحمال
هذا النذير جهرا جاء ينذرناوالأذن في صمم عن قيل أو قال
ونحن في غفلة عما يراد بنانمشي على مهلة من طول إمهال
يأهل فاس أما في الغير موعضةإن السعيد لموعوظ بأمثال
قل تعالوا إلى نصح وتذكرةفالأمر جد فلا تصحب لمكسال
كيف الحياة إذا الحيَّات قد نفحتعلى السواحل أو همت بإرسال
ولا سبيل إلى الترياق غير تقيوالحزم في سعة من قبل إعجال
والأخذ في جمع القلوب علىبذل النصيحة أو إبراء ادخال
والزهد في الدنيا وزخرفهاوالأمر بالعرف مع تحسين مقوال
ولا ترم أمان الروم منزلةخوفا على الدين أو بعدا من أنذال
فمن يبت في أمان الكب منتصبالسخط مولى ولا عذر بأثقال
واربأ بنفسك عن أرض تهان بهافحيثما كنت لا تخشى من أقلال
فالموت عندي خير من حياة فتىقد اكتسى بعد عز ثوب إذلال
والهجرة الآن قد عادت كما سبقتفافهم تفاصيل أقوال وإجمال
واحتل بذهنك ولتسمع نصائح منقد طب من حب لم يوصف بمحتال
في صدر سبع على التسعين زائدةشمس الجزيرة غابت بعد إكمال
وبلغ الكلب ما قد شاء من أربإذ لم يجد ذائدا عن ديننا العالي
ليقضي الله أمرا كان قدرهوالأمر لله في قول وأفعال
وقد عظمت ولو أسمعت لانتشرتسحاب الدمع لم تقلع عن انزال
فاليشتغل كل مسكين بمهجتهوالله يحفظنا من كل مهوال
ثم الصلاة على المختار سيدنامحمّد والرضا عن آل أو تالي
النص من طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع