من «أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
ابن زمرك
الصفحة ١ من ٢
وأما ابن زمرك فهو محمد بن يوسف بن محمد بن أحمد بن محمد بن يوسف الصريحي، أبو عبد الله، ويعرف بابن زمرك. هكذا ذكر غير واحد من المحققين، وسيأتي في كلام ابن الأحمر حذف " محمد " فيما بين " أحمد " و " يوسف "، ولعله من باب النسبة إلى الجد، والله أعلم.
قال ابن الخطيب في الإحاطة: ولد هذا الفاضل بغرناطة، ونشأ بها،
وهو من مفاخرها، وكان صدراً من صدور طلبة الأندلس، وأفراد نجبائها، مختصا مقبولاً، هشا خلوبا، عذب الفكاهة، حلو المجالسة، حسن التوقيع، خفيف الروح، عظيم الانطباع، شره المذاكرة، فطناً بالمعاريض، حاضر الجواب، شعلة من شعل الذكاء، تكاد تحتدم جوانبه، كثير الرقة، فكهاً غزلا، مع حياء وحشمة، جواداً بما في يده، مشاركاً لإخوانه؛ نشأ عفا طاهرا، كلفاً بالقراءة، عظيم الدؤب، ثاقب الذهن، أصيل الحفظ، ظاهر النبل، بعيد مدى الإدراك، جيد الفهم؛ اشتهر فضله، وذاع أرجه، وفشا خبره، واضطلع بكثير من الأغراض، وشارك في جملة من الفنون، فأصبح متلقف كرة البحث، وصارخ الحلقة، وسابق الحلبة، ومظنة الكمال؛ ثم ترق في درج المعرفة والاطلاع، وخاض لجة الحفظ، وركض قلم التسويد والتقييد والتعليق، ونصب نفسه للناس متكلماً فوق الكرسي المنصوب، وبين الحفل المجموع، مستظهراً بالفنون التي بعد فيها شأوه، من عربية وبيان، وما تقذف به لجة النقل من أخبار وتفسير، متشوفا مع ذلك إلى السلوك مصاحباً للصوفية، آخذاً نفسه بارتياض ومجاهدة؛ ثم عانى الأدب، فكان أملك به.
ورحل في طلب العلم والازدياد، فترقى إلى الكتابة عن ولد السلطان أمير المسلمين بالمغرب أبي سالم بن أبي الحسن، وعرف في بابه بالإجادة، ثم رجع مع السلطان ابن الأحمر في طلب ملكه، فلطف محله منه، وخصه بكتابة سره،) وثابت
الحال، ودالت الدولة، وكانت له الطائلة، فأقره على رسمه (، معروف الانقطاع والصاغية، كثير الدالة، مضطلعاً بالخطة: خطا، وإنشاء، ولسناً، ونقداً؛ فحسن منابه، واشتهر فضله، وظهرت مشاركته، وحسنت وساطته، ووسع الناس تخلقه، وامتد في ميدان النظم والنثر باعه، فصدر عنه من المنظوم قصائد بعيدة الشأو في مدى الإجادة، من الإغراض المتعددة، من ميلاديات وغيرها، وهو بحالة الموصوفة إلى الآن، أعانه الله وسدده.
وأخذ العربية عن رحلة الوقت في فنها، أبي عبد الله) بن الفخار؛ ثم على إمامها القاضي الشريف، إمام الفنون اللسانية، أبي القاسم محمد بن أحمد الحسني؛ والفقه والعربية على الأستاذ المفتي أبي سعيد بن لب؛ واختص بالفقيه المحدث الصدر أبي عبد الله (بن مرزوق، روى عنه كثيراً؛ ولقي الحافظ القاضي أبا عبد الله المقري لما قدم الأندلس رسولا، وذاكره؛ وقرأ الأصول على أبي علي منصور الزواوي؛ وروى عن القاضي أبي البركات بن الحاج، والمحدث أبي الحسين بن التلمساني، والخطيب ابن اللوشي، والمقرئ أبي عبد الله بن بيبش؛ وقرأ بعض الفنون العقلية بفاس على الشريف الرحلة أبي عبد الله العلوي التلمساني، واختص به اختصاصاً لم يخل فيه من استفاردة، وحنكة في الصناعة.
وأما شعره فمترامٌ إلى نمط الإجادة خفاجي النزعة، كلف بالمعاني البديعة، والألفاظ الصقيلة، غزير المادة
مولده في رابع عشر شوال عام ثلاثة وثلاثين وسبع مئة.
انتهى كلام ابن الخطيب.
وأورد له ابن الخطيب فيما يرجع إلى الفخر قوله - قال ابن الخطيب: ولقد صدق -:
ولائمتي في الجود والجود شيمتيجبلت على إيثارها يوم مولدي
ذريني فلو أني أُخلد بالغنىلكنت ضنيناً بالذي ملكت يدي
وأورد له ايضاً قوله:
لقد علم الله أني امرؤأجر رثوب العفاف القشيب
فكم غمض الدهر أجفانهوفازت قداحي بوصل الحبيب
وقيل رقيبك في غفلةفقلت أخاف الإله الرقيب
وله أيضاً ﵀:
ما لي بحمل الهوى يدانمن بعد ما أعوز التداني
أصبحتُ أشكو إلى زمانٍما بتُّ منه على أمانِ
ما بال عينيك تسجمانوالدمعُ يرفضّ كالجُمان
ما ذاك والإلف عنك وانٍوالبعدُ من بعده كَواني؟
يا شِقوة من هوانٍلججتُ في أَبحُر الهوان
لم يَثنِنِي عن هواك ثانٍيا بُغيةَ القلب قد كفاني
انتهى.
ثم أظلم الجو بينه وبين ابن الخطيب، وتولى مكانه بعد فراره كما قدمناه؛ وحظي عند ابن الأحمر جدا، وبقي على ذلك مدة.
قلت: وقد رأيت بتلسان كتاباً ملوكياً من تأليف بعض سلاطينها بني الأحمر، وهو حفيد ابن الأحمد المخلوع، سلطان الأندلس، الذي كتب له ابن زمرك المذكور بعد ابن الخطيب، أورد فيه كلام ابن زمرك، وسماه: " البقية والمدرك، من كلام ابن زمرك "، وهو سفر ضخم، ليس فيه إلا نظمه فقط؛ وذكر فيه أن ابن زمرك مات قتيلاً بعد التسعين وسبع مئة، فكان ذلك الواقع له مساوياً لما وقع لابن الخطيب شيخه، حسبما قدمناه.
ونص ما قيدت من ذلك الكتاب من أوله: " أما بعد ما يجب من حمد الله تعالى في كل حال، وشكره على ما أولى ويسر من صلاح الأحوال؛ والصلاة والسلام على سيدنا محمد صفوة الأنبياء، وسيد الأرسال، والرضا عمن له من صحب وأنصار وآل؛ فإن من المعلوم أن الأدب له بالنفس علاقة تؤديه إلى الاستحسان، وتؤثر من اشتهر به بالملاحظة بلحظ الحظ مع تعاقب الأحيان؛ ولا خفاء أن أيام مولانا الجد المقدس، الغني بالله، تولاه الله برضوانه، كانت غرراً في وجوه الأيام، ومواسم تجمع الطم والرم
من الرؤساء الأعلام؛ الآخذين بأعنة الكلام، السابقين في حلبة النثار والنظام؛ وأن الفقيه الرئيس المدرك، الناظم الناثر أبا عبد الله محمد بن يوسف ابن زمرك؛ عفا الله عنه - وحسبك بمن ارتضاه مولانا) الجد ﵀ لكتابته، وصرفه في الوجوه المتعددة من رسالته وحجابته؛ فكان بذلك خليقاً، لما جمع فيه من أدوات الكمال علماً وتحقيقا؛ وإدراكاً ونُبلا، وفقها وأوصولاً، وفروعاً وأدباً وتحصلا، وبياناً وتفسيراً ونظما وترسيلا - لما كان قد أخفت الأيام سنى صبحه، وخابت وسائل نصحه، وعادت بعدوانها بعد فوز قدحه؛ وعثر بين أقدام أقوام لا يعرفون أي ذخر فقدوا، ولا أي مطلق من تصرفاته الجميلة قيدوا؛ مستبصرين بالجهل في دياجي غيهم، معجبين بما ارتكبوه من جياد بغيهم؛ جميعهم يلحظه بمقل داميه، وألفاظ حامية؛ يصابحونه بأوجه خلت عن الوجاهة، سيماها الحسد، وضميرها السخط بما قدره الواحد الصمد.
فخرّ على الألاءة لم يُوَسَّدكأن جَبِينَه سيفٌ صَقيلُ
فيا لله من أشلاء هنالك ضائعة، وأعلاق غير مصونة، ووسائل مخفورة؛ وأذمة قطعت أرحامها، ولم يرع ذمامها؛ وعاثت الأيدي الفاتكة حينئذ على بنيه، وارتكبوها شنعاءَ في أهله وذويه.
هل كان إلا حيا تحيا العبادُ بههل كان إلا قذى في عين ذي عَوَرِ
إن قال قولا تَرَ الأبصارَ خاشعةًلِمَا يُخبِّر من وَحيٍ ومن أثَر
يا لَهف نفسيَ لو قد كنتُ حاضرَهغداةَ جُرِّعه أدهى مِنَ الصَّبر
لَما تركتُ له شِلوا بِمَضيعةٍولا تولّى صريعَ الناب والظُّفُر
وكان ما كان مما لست أذكرهفظُنّ خيراً ولا تسأل عن الخَبر
وإن سأل سائل عن الخبر الذي ألمعنا بذكره، وضمنا هذا البيت ذروا من فظيع أمره؛ فذلك عند ما نسب صاحب الأمر إليه ما راب، وتله) وابنيه (للجبين معفرين بالتراب؛ وصدمه في جنح السيوف، وتعاورته الحتوف؛ وأذهبه سليباً قتيلا، مصيرا مصراع منزله كثيباً مهيلا، وتعاورته الحتوف؛ وأذهبه سليباً قتيلا، مصيرا مصراع منزله كثيباً مهيلا، وكنا على بُعد من هذه الآزفة التي أورثت القلوب شجناً طويلا؛ وذكرتنا بعناية مولانا) الجد (الغني بالله بجانبه أعظم ذكرى، فأغرينا برثائه خلدا وفكرا؛ وارتجلنا عند ذكره الآن هذه الأبيات إشارة مقنعة، وكانية في السلوان مطمعه؛ وأرضينا بالشفقة أو داءه، وأرغمنا بتأبينه أعداءه. ولما تبلج الصبح لذي عينين، وتلقينا راية الفرج بالراحتين؛ عطفتنا على أبنائه عواطف الشفقه، وأطلقنا لهم ما عاثت الأيدي عليه صلةً لرحم طالما أضاعها من جهل الأذمة، وأخفر عهود تخدمه لمن سلف من الأئمة؛ وصرفنا للبحث والتفتيش وجوه آمالنا، وجعلنا ضم ما نثرته الحوادث
من منظوماته من أكيد أعمالنا؛ وكان تعلق بمحفوظنا جملة وافرة من كلامه، مشتملة على ما راق وحسن من نثاره ونظامه؛ فأضفنا ذلك إلى ما وقع عليه اجتهادنا من رقاعه، الحائلة المنتهبة بأيدي النوائب، الدائرة المستلبة بتعدي النواهب؛ فخلص من الجملة قلائد عقيان، وعقود در ومرجان؛ ترتاح النفوس النفيسة لإنشادها، وتحسد الأبصار الأسماع عند إيرادها؛ إلى ما يتخللها من تخليد مآثر سلفنا، والإشادة بعظيم ملكنا؛ فشرعنا في تقييد أوابدها الشارده، وإحياء رسومها البائدة؛ كلفا بالأدب؛ لوضوح فضله، وتأدية لما يجب من رعاية أهله.
ولنبدأ بالتعريف بحال هذا الرئيس المنبه عليه، ونظهرها ما كنا نضمره من الميل إليه، في كل ما له أو عليه، فنقول: هو الفقيه الكاتب، الفذ الأوحد، أبو عبد الله، محمد بن يوسف بن محمد ابن أحمد بن يوسف الصريحي، ويعرف بابن زمرك؛ أصله من شرق الأندلس، وسكن سلفه بالبيازين من غرناطة، وبها ولد؛ فنشأ ضئيلاً كالشهاب يتوقد، مختصر الجرم والأعين بإطالة فواضله تشهد، ومكتب الفئة القرآنية يؤثره بالجناب الممهد، فاشتغل أول نشأته بطلب العلم، والدؤوب على القراءة، وأخذ نفسه بملازمة حلقات التدريس، ولم يبلغ حد وجوب المفترضات إلا وهو متحمل الرواية، وملتمس لفائد الدرايه، مصابح كل يوم أعلام العلوم، ومستهدٍ بمصابيح الحدود العلمية والرسوم. فافتتح أبواب الكتب النحوية بالإمام أبي عبد الله ابن الفخار، الآية الكبرى في فن العربية، وتردد الأعوام العديدة إلى قاضي الجماعة أبي القاسم الشريف؛ فأحسن الإصغاء، وبذ النحاة البلغاء، بما أوجب رثاءه عند الوقوف على ضريحه بالقصيدة الفريدة، التي أولها:
أغرى سراة الحي بالإطراق
حسبما تأتى مستوفاة إن شاء الله تعالى. واهتدى إلى طريق الخطبة ومناهج الصوفية، بالخطيب المعظم أبي عبد الله بن مرزوق، الوافد على مولانا الجد أبي الحجاج ﵁ في عام ثلاثة وخمسين وسبع مائة، وإليه جنح، وإياه قصد، عند تغربه إلى المغرب، في دولة السلطان أبي سالم، فتوجه بالعمامة التي ارتجل بين يديه فيها:
توجتني بعمامةتوجت تاج الكرامة
فروض حمدك يزهىمنى بسجع الحمامة
وأخذ علم الأصلين عن الحافظ الناقد أبي المنصور الزواوي، وبرع في الأدب، أثناء الانقطاع وأول الطلب لأبي عبد الله بن الخطيب، ولكن لم يحمد بينهما المآل. واقتدى في العلوم العقلية بالشريف أبي عبد الله التلمساني، قدوة الزمان؛ وحصلت له الإجازة والتحديث بقاضي الجماعة، وشيخ الجملة، أبي البكرات بن الحاج، وبالخطيب البليغ أبي عبد الله اللوشي، وبالخطيب الورع أبي عبد الله بن بيبش العبدري، رضي الله عن جميعهم. وبواجب محافظتنا على عهدهم، إذ نحن واردون بالإجازة التامة عذب وردهم، وصل سببنا بهم الكثير من شيوخنا، مثل الإمام المعظم أبي محمّد عبد الله بن جزي، ومعلمنا الثقة المجتهد أبي الله الشريشي، والقاضي الإمام أبي عبد الله محمّد بن علي علاق، وغيرهم رحمة الله عليهم. لذلك صار صدراً في نوادي طلبة الأندلس، وأفراد نجبائها؛ فما شاءه المحضر يجده في خضله، ويتلقاه من باهر فضله؛ فكاهة ومجالسة أنيقة ممتعة، ومحادثة أريضة مزهرة، وجواباً مطبقا للمفصل، وذهنا
سابقا لإيضاح المشكل؛ مع انقياد الطبع، وإرسال الدمعة، في سبيل الخشوع والرقة، ورشح الجبين عند تلقي الموعظة، وصون الوجه بجلباب الحياء، ومقابلة الناظر إليه بالاحتشام، والمبادرة للاستدعاء، على طهارة، وبذل وسع، وكرم نفس، لم يعهد أجمل مشاركة منه لإخوانه، ولا أمتع منه بجاهه، إلى مبالغة في الهشة والمبرة والإيثار بما منح، وجنوح إلى حب الصالحين، ذلك بالأنضواء إلى شيخ الفرق الصوفية، الولي أبي جعفر بن الزيات، وأخيه الفاضل الناسك شيخنا أبي مهدي، قدس الله مغناه، وسواهما من أهل الأندلس والعدوة، وحملة أشد الحمل على كل تلبس كأبي البرغوطي وسواه.
ومن تنديداته زعموا على أبي الحسن المحروق لميله عنه:
ولد الفقر والرباط ولكننفسه للسلوك ذات افتقار
وخطب الأدب يافعا وكهلا، وحاز علمه إدراكاً ونبلاً.
ولمّا كانت الحادثة على مولانا الجد ﵀، واجتاز إلى المغرب، كما تقرر في غير هذا، كلف به، وأنس إليه، لحلاوة منطق، ورفع استيحاش، ومراوضة خلق؛ ثم كرم الله وجهه في صحبه ركابه، فعلت منزلته، ولطف محله. وقفنا على وقعة من رقاعه وهو يبدي فيها ويعي، ويقول: " خدمته سبعاً وثلاثين سنة، ثلاثة بالمغرب، وباقيها بالأندلس، وأنشدته فيها ستاً وستين قصيدة، في ستّة وستين عيداً، وكل ما في منازله السعيدة، من القصور والرياض والدشار والسبيكة، من نظم الرائق، ومدح فائق، في القباب والطاقات والطرز وغير
ذلك فهو لي، وكانت أؤا كله وأؤا كل ابنه مولاي أبا الحاج وهما كبيرا ملوك أهل الأرض. وهنأته بكذا وكأنَّ قصيدة، وفوض لي في عقد الصلح بين الملوك بالعدوتين، وصلح النصارى عقدته تسع مرات، ألحسه فوض إلى ذلك "؟ قلنا: صدق في جميع ما ذكره، وبذلك شاهدة له.
وخصه عام ثلاثة وسبعين بكتابة سره، واستعمله بعد أعوام في السفارة بينه وبين ملوك عصره، فحمد منابه، ونمت أحواله، ورغد جنابه. وكان هنالك بعض تقولات تشين وجه اجتهاده، وتومئ بما احتقبه من سوء مقاصده، وما صرفه من قبيح أغراضه، وهاجت الفتنة، فكانت سفارته أعظم أسبابها. وعند الأشد من عمره عرضت لأفكاره تقبلت، وأقعده عن قداح السياسة آفات مختلفات، وأشعرته حدة ذهنه إنه متخبط في أشراك وقعات؛ فقد بجامع مالقة، ثم بمسجد الحمراء، ملقيا على الكرسي فنونا جمله، وعلوما لم يزل يتلقاها عن أولياء التعظيم والتجله، فأنحاز إلى مادة أمم بمالقة طما منهم البحر، وتراءى لأبصارهم وبصائرهم الفخر؛ وكان التفسير أغلب عليه لفرط ذكائه، وما كان قيده وحصله أيام قراءته وإقرائه؛ فما شئت من بيان، وإعجاز قرآن؛ وآيات توحيد وإخلاص، ومنهاج صوفيه تؤذن بالخلاص، يوم الأحد بالنواص. مراراً عدة سمع ما يلقيه ولي الأمر وياشدة البلوى التي أذاقه مرها، وأمطاها إلى طية الهلاك ظهرها، ويا قرب ما كان الفوت، والحسام الصلت، من تباعد هذه القرب التي ألفيت.
قلنا: لقد جمع جواد القلم، فأطلقنا ونحن نشير إلى هذا الرئيس وتبدل طباعه، بعد انقضاء أعوام شاهدة باضطلاعه؛ وإحراز شيم أدت إلى علو مقداره، واستقامة مداره؛ فآل عمر مولانا جدنا إلى النفاذ، ورمت رئيس كتابه هذا أسهم الحساد؛ فظهر الخفي، وسقط به الليل على سرحان قد طالما جرب الوفي والصفي.
وكان من شأنه الاستخفاف بأولياء الأمر من حجاب الدولة، والاسترسال في الرد عليهم بالطبع والجبلة مع الاستغراق في غمار الفتن اندلساً وغرباً، ومراعاة حظوظ نفسه استيلاء وغظبا؛ أما الجراءة فانتضى سيوفها، وأما إكفاء السماء على الأرض فقواصم نوع صنوفها، وأما المجاهدة فوقف الميدان الاعتراض صفوفها، وأما المجاملة فنكر معروفها. أداة هذا النبأ العظيم إلى سكنى المعتقل بقصبة المرية، وعلى الأثر كان الفرج قريبا، وسطور الموحدة قد أوسعها العفو تضريباً. ونالته هذه المحنة عند وفاة مولانا الجد الغني بالله وكانت وفاته غرة شهر صفر عام ثلاثة وتسعين وسبع مائة لأسباب يطول شرحها، أظهرها شراسة في لسانه، واعتزاز بمكانه، وتضريب بين خدام السلكان وأعوانه، فكبا
لليدين وللفم، إلى أنَّ من الله يسراحه، وأعاده إلى الخضرة في أوّل شهر رمضان المعظم عام أربعة وتسعين وسبع مائة، فكان ما كان من وفات مولانا الوالد ﵀، وقيام أخينا محمّد مقامة الأمر، فاستمر الحال أياما قلائل، وقدم للكتابة الفقيه أبن عاصم لمدة من عام، ثم أعاد المذكور إلى خطته، وقد دمثت بعض أخلاقه، وخمدت شراسته. وحلا بعض مذاقه، فما كان إلاّ كلاوليت، وإذابة قد ساء مشهداً وغيباً، وأوسع الضمائر شكا وريبا الإحن عليه. وغلت مراجلها لديه؛ وصار يتقلب على جمر الغضي، وتبرم بالقضا؛ ويظهر النصح وفي طيه التشفي، ويسم نفسه بالصلاح، ويعلن بالخشوع، ويشير بأنه الناصح الأمين، ويتلو قول الله سبحانه:) ولكن لا تحبون الناصحين (. ورتب على المشتغلين كبيرهم وصغيرهم ذنوباً ولم يقترفوها، ونسب إليهم نسبا من التضييع لم يعرفوها، وانهم أحتجنوا الأموال، وأساءوا الأعمال والأقوال؛ فلم يظفر من ذلك بكبير طائل، ولا حصل على تفاوت أعداده على حاصل؛ هذا على قلة معرفته بتلك الطريقة الاشتغالية، وعدم اضطلاعه بالأمور الجبائية فمن نفس يروع سرابها، ويكدر بالامتحان والامتهان شربها؛ ومن ضارعة
خاشعة لله سلبت، وطولبت بغير ما اكتسبت، وتعدت الأيدي إلى أقوام جلة سعدوا بشفائه، وامتحنوا وهم المبرءون من تزويره واعتدائه وسيسألون يوم لا يغني مال ولا بنون؛ وصار يصرف أغراضه، ويظهر أحقاده بين إفصاح بما كان الإعجام خيراً من إلقائه، وأنَّ عمر المسكين المستضعف لا حاجة في طول بقائه؛ إلى مجاهرة عهد منه أيام شبيبته نقيضها، وانعكس في شاخته تصريحها المنغص وتعريضها؛ لا يريح نفسه من جهد ولا يقف من اللجاجة عند حدّثني. وقد كان ثقل سمعه فساءت إجابته وطغت أخلاقه فسم الناس وساطته وبما استحلف؛ فلم يكن بين اللازمة واللازمة إلاّ الحنث عن قصد وغير قصد، ودعا على نفسه وأبنائه بإنجاز وعد وأن يقيض الله ولهم قاتل عمد. فسبحان القهار فوق عباده، الرحيم بهذا الشخص وبالأموات من شيعته وأولاده.
فاستمر على ذلك إلى إحدى الليالي، فهلك في جنح الليل في جوف داره على يدي مخدومه؛ تلقاه زعموا عند الدخول عليه وهو بالمصحف رافع به يديه فجدلته السيوف وتناولته الحتوف فقضي عليه وعلى من وجد من خدامه وابنيه: كل ذلك بمرأى عين من أهله وبنايه، ولم يتقوا الله فيه حق تقاته؛ فكانت أنكى الفجائع وأفظع الوقائع؛ وساءت القالة وعظم المصاب وكل شيء إلى أجل نافذ وكتاب.
ولمّا تلخصت هذه المقدمة بين يدي نظامه، وتم جميع ما أبرزه البحث والاجتهاد من خير كلامه؛ اخترنا له اسماً يوافقه، ويوضح مشارقه، وهو " البقية والمدارك من شعر أبن زمرك ". أما البقية فلما بقى بعد هلاكه وتخطته الحوادث وشح الهر بإمساكه؛ والمدارك: لأجل ما ترك في مبيضاته، ولم يخرجه في حياته. وهانحن ننظم درره الرائقة ونطلع في مراتب التأليف كل شارقة.
فمن ذلك قوله في ذكر الحضرة العلية، وتهنئة مولاه الجد ﵀ عليه ببعض المواسم العيدية؛ ووصف كرائم من جياده وآثار ملكه وجهاده:
يا من يحين إلى نجد وناديهاغرناطة قد ثوت بجد بواديها
قف بالسبيكة وانظر ما بساحتهاعقيلة والكثيب الفرد جاليها
تقلدت بوشاح النهر وابتسمتأزهارها وهي حلي في تراقيها
وأعين النرجس المطلول يانعةترقرق الطل دمعاً في مآقيها
وافتر ثغر أقاحٍ من أزهارهامقبلاً خد وردٍ من نواحيها
كأنما الزهر في حافاتها سحراًدراهم والنسيم اللدن يجيبها
وانظر إلى الدوح والأنهار تكنفهامثل الندمى سواقيها سواقيها
كم حولها من بدور تجتني زهرافتحسبت الزهر قد قبلن أيديها
حصباؤها لؤلؤ قد شف جوهرهوالنهر قد سال ذوبا من لآليها
نهر النجم والزهر المطيف بهزهر النجوم إذا ما شئت تشبيها
يزيد حسناً على نهر المجرة قدأغناه در حبابٍ عن دراريها
يدعي المنجم رائيه وناظرهمسميات أبانتها أساميها
إنَّ الحجاز مغانيه بأندلسٍألفاظها طابقت منها معانيها
فتلك نجد ساقها كل منسجممن الغمام يحييها فيحييها
وبارق وعذيب كل مبتسممن الثغر يحليها مجليها
وإن أردت ترى وادي العقيق فرددموع عشاقها حمراً جواريها
وللسبيكة تاج فوق مفرقهاتود در الدراري لو تحليها
كأن حمراءها والله يكلؤهاياقوتة فوق ذاك التاج يعليها
إنَّ البدور لتيجان مكللةجواهر الشيب في أبهى مجاليها
لكنها حسدت تاج السبيكة إذرأت أزهاره زهراً يجليها
بروجها لبروج الأفق مخجلةفشهبها في جمال لا تضاهيها
تلك القصور التي راقت مظاهرهاتهوى النجوم قصوراً عن معاليها
لله لله عينا من رأى سحراًتلك المنارة قد رقت حواشيها
والصبح في الشرق قد قد لاحت بشائرهوالشهب تستن سبقاً في مجاريها
تهوى إلى الغرب لمّا هالها سحروغمض الفجر من أجفان واشيها
وساجع العود العود في كف النيم إذاما استوقفت ساجعات الطير يغريها
يبدي أفانين سحر في ترنمهيصبي العقول بها حسنا ويسبيها
يجسه ناعم الأطراف تحسبهالآلئا وهي نور في تلاليها
مقاتل بلحاظٍ قوس حاجبيهاترمي القلوب بها عمداً فتصميها
فباكر الروض والأغصان مائلةيثني النفوس لها شوقا تثنيها
لم يرقص الدوح بالأكمام من طربحتى شدا من قيان الطير شاديها
وأسمعتها فنون السحر مبدعةورق الحمام وغناها مغنيها
غرناطة آنس الحمن ساكنهاباحت بسر معانيها أغانيها
أعدى نسيمهم لطفا نفوسهمفرقة الطبع منه يعديها
فخلد الله أيام السرور بهاصفراً عشيتها بيضاً لياليها
وروض المحل منها كل منبجسٍإذا اشتكت بغليل الجدب يرويها
يحكي الخليفة كفا كلما وكفتبالجود فوق موات الأرض يحيها
تغنى العُفاة وقد أمت مكارمهعن السؤال بالإحسان تغنيها
لها بنان فما غيث يساجلهاجوداً ولا سحبه يوما تدانيها
فإن تصب سحبه بالماء حين همتبسجد ولحن صاب هاميها
يا أيّها الغيث أنت الغوث في زمنملكوه تلفت لولا تلافيها
إنَّ الرعايا جزاك الله صالحةملكت شرقا وغربا من يراعيها
إنَّ الخلائق في الأقطار أجمعهاسوائم أنت في التحقيق راعيها
فكل مصلحة للخلق تحكمهاوكل صالحة في الدين تنويها
إذا تيممت أرضاً وهي مجدبةفرحمة الله بالسقيا تحييها
يا رحمة بثت الحمى بأندلسلولاك زلزلت الدنيا بمن فيها
في فضل جودك قد عاشت مشيختهافي ظل أمنك قد نامت ذراريها
في طول عمرك يرجو الله آمالهابنصر ملكك يدعو الله داعيها
عوائد الله قد عودت أفضلهالتبلغ الخلق ما شاءت أمانيها
سل السعود وخل البيض مغمدةواضرب بها فرية التثليث تفريها
لله أيامك الغر التي اطردتفيها السعود بما ترضى ويرضيها
لله دولتك الغراء إن لهالكافلاً من إله العرش يكفيها
هيهات أن تبلغ الأعداء مأربةفي جريها وجنود الله تحميها
هذي سيوفك في الأجفان نائمةوالمشركون سيوف الله تفنيها
سريرة لك في الإخلاص قد عرفتحسنى عواقبها حتى أعاديها
لم تحتجب شهب الآفاق عن بصرإلاّ وهديك الأبصار يهديها
يا بن الملوك وأبناء الملوك إذاتدعو الملوك إلى طوع تلبيها
أبناء نصر ملوك عز نصرهموأوسعوا الخلق تنويها وترفيها
هم المصابيح نور الله موقدهاتضئ للدين والدنيا مشاكيها
هم النجوم وأفق الهدى مطلعهافوزا لمهديها عزا لهاديها
هم البدور كمال ما يفارقهاهم الشموس ظلام لا يواريها
قضت قواضيها أن لا انقضاء لهاوأمضت الحكم في الأعداء مواضيها
وخلدت في صفاح الهند سيرتهاوأسنت عن عواليها معاليها
وأورثتك جهاداً أنت ناصرهوالأجر منك يرضيها ويحظيها
كم موقف ترهب الأعداء موقفهوالخيل تردي ووقع السمر يرديها
ثارت عجاجته واليوم محتجبوالنقع يوثر غما من دياجيها
والأسنة شهب كلما غربتفي الدارعين تجلت من عواليها
وللسيوف بريق كلما لمعتتزجي الدماء وريح النصر يزجيها
أطلعت وجهاً تريك الشمس غرتهتبارك الله ما شمس تساميها
من أين للشمس تطلق كله حكميعيدها كل حين منك مبديها
لك الجياد إذا تجري سوابقهافللرياح جياد ما تجاريها
إذا انبرت يوم سبق في أعنتهاترى البروق طلاحاً لا تباريها
من أشهب قد بدا صبحا تراع لهشهب السماء فإنَّ الصبح يخفيها
إلاّ التي في لجام منه قيدهافإنه سامها عزاً وتنويها
أو أشرقت مرعبٍ شقر البرق وقدأبقى لها شفقا في الجو تنبيها
أو أحمر جمره في الحرب متقديعلو لها شرر من بأس مذكيها
لون العقيق وقد سال العقيق دمابعطفه من كماة كرم الله وجهه يدميها
أو أدهم مثل صدر الليل تنعلهأهله فوق وجه الأرض يبديها
إن حارث الشهب ليلا في مقلدهفصبح غرته بالنور يهديها
أو اصفر بالعشيات ارتدى مرجاًوعرفه بتمادي الليل ينبيها
مموهٍ بنضار تاه من عجبفليس يعدم تمويها ولا تيها
ورُبَّ نهر حسام راق رائقهمتى ترده نفوس الكفر يرديها
تجري الرءوس حباباً فوق صفحتهوما جرى غير أنَّ البأس يجريها
وذابل من دم الكفار مشربةيجني الفتوح وكف النصر تجنيها
وكم هلال لقوس كلما نبضتترى النجوم رجوما في مراميها
أئمة الكفر ما يممت ساحتهاإلاّ وقد زلزلت قسرا صياصيها
يا دولة النصر هل من مبلغ دولاًمضين أنك تحييها وتنسيها
أو مبلغ سالف الأنصار مالكةًوالله بالخلد في الفردوس يجزيها
أنَّ الخلافة أعلى الله مظهرهاأبقت لنا شرفاً والله يبقيها
يا بن الذين لهم في كل مكرمةمفاخر ولسان الدهر يمليها
أنصار خير الورى مختار هجرتهجيران روضته أكرم بأهليها
أسمتهم الملة السمحاء تكرمةأنصارها وبهم عزت أواليها
ففي حنين وفي بدر وفي أحدتلفي مفاخرهم مشهورةً فيها
ولتسأل السير المرفوع مسندهافعن مواقفهم تروي مغازيها
مآثر خلد الحمن أثرتهابنصها من كتاب الله قاريها
ماذا يجيد بليغ أو ينمقهمن الكلام ووحي الله تاليها
له الجهاد به تسري الرياح إلىممالك الأرض من شتى أقاصيها
تحدى الركاب إلى البيت العتيق بهفمكة عمرت منه نواديها
بشائر تسمع الدنيا وساكنهاإذا دعا باسمك الأعلى مناديها
كفى خلافتك الغراء منقيبةأنَّ الإله يوالي من يواليها
وقد أفاد بنيه الدهر تجربةأنَّ السعود تعادي من يعاديها
إذا رميت سهام العز صائبةفما رميت بل التوفيق راميها
شكراً لمن عظمت منا مواهبهوإن تعد فليس العد يحصيها
عما قريب ترى الأعياد مقبلةمن الفتوح ووفد النصر حاديها
وتبلغ الغلية القصوى بشائرهافقد أظلت بما ترضى مباديها
فاهنأ بما شئت من صنع تسر بهوانو الأماني فالأقدار تدنيها
مولاي خذها كما شاءت بلاغتهاولو تباع لكان الحسن يشريها
أرسلتها حيثما الأرواح مرسلةنوادرا تنشر البشرى أهاليها
جاءت تهنيك عيد الفطر معجبةبحسنها ولسان الصدق يطريها
البشر في وجهها واليمن في يدهاوالسحر في لفظها والدر في فيها
لو رصع البدر منها تاج مفرقهلم يرض در الدرارى أن تحليها
فإن تكن بنت فكري وهو أوجدهانعماك في حجره كانت تربيها
في روض جودك قد طوقني منناطوق الحمام فما سجعي موفيها
ولو أعرت لسان الدهر يشكرهالكان يقصر عن شكر يوفيها
بقيت للدين والدنيا إمام هدىمبلغ النفس ما ترجو أمانينا
والسعد يجري لغايات تؤملهاما دامت الشمس تجري في مجاريها
النص من طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع