تجاوز إلى المحتوى

من «أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)

رجع (٢)

الصفحة ١ من ٢

فأجابه أبوه إبراهيم: " سلام على الأمير ورحمة الله وبركاته.

رأت أبقى الله سيدي هذا الكتاب وفهمته ولم يكن توقفي لنفسي إنّما كان لأمير المؤمنين سيدنا أبقاه الله ولسلطانه لعلمي بمذهنه ولسكوني إلى تقواه واقتفاره لأثر سلفه الطيب رضوان الله عليهم فإنهم كانوا يستبقون من هذه الطبقة بقية لا يمتهنوها ولا بما يغض منها ويطرق إلى تنقصها فيستعدون بها لدينهم ويتزينون بها عند رعاياهم ومن يفد عليهم من قصادهم فلهذا تخلفت ولعمي بمذهبه توقفت إن شاء الله تعالى.

قال فلما اقرأ أباه الناصر لين الله جواب أبي إبراهيم إسحاق

أعجبه واستحسن اعتذاره وزال ما بنفسه عليه. وكان الفقيه أبو إبراهيم المذكور معظما عند الناصر وابنه الحكم وحق لهما أن يعظماه.

وقد حكى الفقيه أبو القاسم مفرج بن محمّد بن مفرج قال: كنت أختلف إلى الفقيه أبي إبراهيم ﵀ فيمن يختلف إليه للتفقه والرواية فإني لعنده في بعض الأيام في مجلسه بالمسجد المنسوب لأبي عثمان الذي كان يصلي فيه قرب داره بجوفي قصر فرطبة ومجلسه حافل بجماعة الطلبة وذلك بين الصلاتين إذ دخل عليه خصي من أصحاب الرسائل جاء من عند الخليفة الحكم فوقف وسلم وقال له: يا فقيه أجب أمير المؤمنين أبقاه الله فإن الأمر خرج فيك وها هو قاعد ينتظرك وقد أمرت بإعجالك فالله الله. فقال له: سمعا وطاعة لأمير المؤمنين ولا عجلة فارجع إليه وفقه الله وعرفه عني أنك وجدتني في بيت من بيوت الله ﷿ مع طلاب العلم أسمعهم حديث أبن عمه رسول الله ﷺ فهم يقيدونه عني وليس يمكنني ترك ما أنا فيه حتى يتم المجلس المعهود لهم في رضاء الله وطاعته فذلك أوكد من مسيري إليه الساعة فإذا انقضى أمر من اجتماع إليَّ من هؤلاء المحتسبين في ذات الله الساعين في مرضاته مشيت إليه إن شاء الله تعالى.

ثم أنّه أقبل على شأنه ومضى الخصى يهينم متضاجرا من توقفه فلم يك إلاّ ريثما أدى جوابه وانصرف سريعا ساكن الطيش. فقال له: يا فقيه أنهيت قولك على نصه إلى أمير المؤمنين أبقاه الله فأصغى إليه وهو يقول لك جزاك الله خيرا عن الدين وعن أمير المؤمنين وجماعة المسلمين

وامتعهم بك وإذا أنت أعبت فامض إليه راشدا إن شاء الله تعالى فقد أمرب أن أبقى معك حتى ينقضي شغلك وأذكرك تمضي معي. فقال له: حسن جميل ولكني أضعف عن المشي إلى باب السدة ويصعب علي ركوب دابة لشيخوختي وضعف أعضائي وباب الصناعة الذي يقرب إلي من أبواب القصر المكرم أحوط لي وأرفق بي فإن رأى أمير المؤمنين أيده الله تعالى أن يأمر بفتحه لأدخل إليه منه هون علي المشي وودع جسمي وأحب أن تعود فتنهي إليه ذلك عني حتى تعرف رأيه فيه وكذلك تعود إليَّ فإني أراك فتى شديد فكن على الخير معينا.

ومضى عنه الفتى ثم رجع بعد حين وقال: يا فقيه قد أجابك أمير المؤمنين إلى ما سألت وأمر بفتح باب الصناعة وانتظارك من قبله ومنه خرجت إليك وامرت بملازمتك مذكرا بالنهوض عند فراغك وقال: افعل راشدا وجلس جانبا حتى أكمل أبو إبراهيم مجلسه بأكمل وأفسح ما جرت به عادته غير منزعج ولا قلق فلما انفضضنا عنه قام إلى داره فأصلح من شأنه ثم مشى إلى الخليفة الحكم فوصل إليه من ذلك الباب وقضى حاجته من لقائه ثم صرفه على ذاك الباب فأعيد إغلاقه على إثر خروجه.

قال المفرج: ولقد تعمدنا في تلك العشية إثر قيامنا عن الشيخ أبي إبراهيم المرور بهذا الباب المعهود إغلاقه بدير القصر لنرى الذي تجشم الحليفة له فوجدناه كما وصف الخصي مفتوحا قد حفه الخدم والأعوان منزعجين ما بين

كناس وفراس متهيئين لانتظار أبي إبراهيم فاشتد عجبنا لذلك وطال تحدثنا عنه. انتهى.

هكذا هكذا تكون المعاليطرق الجد غير طرق المزاح
للشاعر ابن العلاف، اقرأ القصيدة

وكان الخليفة الحكم المستنصر المذكور قام بأعباء الملك أحسن قيام لمّا توفي والده الناصر في يوم الأربعاء لثالث وقيل لاثنين مضين من شهر رمضان من سنة خمسين وثلاث مائة واستقرت الخلافة به حتى لم يعدم من الناصر إلاّ شخصه واعتلى سرير الملك ثامن وفاة أبيه يوم الخميس وأنفذ الكتب إلى الأفاق بتمام الأمر له ودعا الناس إلى بيعته واستقبل من يومه النظر في تمهيد سلطانه وتثقيف مملكته وضبط قصوره وترتيب أجناده.

وأول ما أخذ البيعة على صقالبة قصره الفتيان المعروفين بالخلفاء الأكابر كجعفر صاحب الخيل والطرز وغير من عظمائهم وتكفلوا بأخذها على من وراءهم وتحت أيديهم من طبقتهم وغيرهم وأوصل إلى نفسه في الليل دون هؤلاء الأكابر من الكتاب والوصفاء والمقدمين والعرفاء فبايعوه فلما كملت بيعتهم وبيعة أهل القصر تقدم إلى عظيم دولته جعفر بن عثمان بالنهوض في أخيه شقيقه أبي مروان عبيد الله المتخلف لعلته بأن يلزمه الحضور للبيعة دون معذرة وتقدم إلى موسى بن أحمد بن حدير بالنهوض أيضاً في أبي الأصبغ عبد العزيز شقيقه الثاني فمضيا اليهما كل واحد منهما في قطيع من الجند وأتيا بهما إلى قصر مدينة الزهراء ونفذ غيرهما من وجوه المال في الخيل للإتيان بغيرهما من الإخوة وكانوا يومئذ ثمانية فوافى جميعهم الزهراء في الليل فنزلوا في مراتبهم

بفصلان دار الملك وقعدوا في المجلسين الشرقي والغربي وقعد المستنصر بالله على سرير الملك في البهو الأوسط من الأبهاء المذهبة القبلية التي في السطح الممرد فأول من وصل إليه الإخوة فبايعوه وأنصتوا لصحيفة البيعة والتزموا الأيمان المنصوصة بكل ما أنعقد فيها ثم بايع بعدهم الوزراء وأولادهم وإخوتهم ثم أصحاب الشرطة وطبقات أهل الخدمة وقعد الإخوة والوزراء والوجوه عن يمينه وشماله إلاّ عيسى بن فطيس فانه كان يأخذ البيعة على الناس وقام الترتيب على الرسم في مجالس الاحتفال المعروفة فاصطاف في المجلس الذي قعد فيه أكابر الفتيان يمينا وشمالا إلى آخر البهو كل منهم على قدره في المنزلة عليهم الظاهر البيض شعار الحزن قد تقلدوا فوقها السيوف ثم تلاهم الفتيان الوصفاء غليهم الدروع السابغة والسيوف الحالية صفين منتظمين في السطح وفي الفصلان المتصلة به ذوو الأسنان من الفتيان الصقالبة الخصيان لابس البياض بأيديهم السيوف يتصل بهم من دونهم من طبقات الخصيان الصقالبة ثم تلاهم الرماة متنكبين قسيهم وجعابهم ثم وصلت صفوف هؤلاء الخصيان الصقالبة صفوف العبيد الفحول شاكين في الأسلحة الرائقة والعدة الكاملة وقامت التعبية في دار الجند والترتيب من رجالة العبيد عليهم الجواشن والأقبية البيض وعلى رءوسهم البيضات الصقلية وبأيديهم التراس الملونة والأسلحة المزينة انتظموا صفين إلى آخر الفصيل. وعلى باب السدة الأعظم البوابون وأعوانهم ومن خارج باب السدة فرسان العبيد إلى باب الأقباء واتصل بهم فرسان الحشم وطبقات الجند والعبيد والرماة مواكبا

إثر مواكب إلى باب المدينة الشارع إلى الصحراء فلما تمت البيعة إذن للناس بالنفضاض إلاّ الإخوة والوزراء وأهل الخدمة فإنهم مكثوا بقصر الزهراء إلى أن احتمل جسد الناصر ﵀ إلى قصر قرطبة للدفن هنالك في تربة الخلفاء.

وفي ذي الحجة من سنة خمسين المذكورة تكاثرت بباب الخليفة الحكم من البلاد للبيعة والتماس المطالب من أهل طليطلة وغيرها من قواعد الأندلس وأصقاعها فتوصلوا إلى مجلس الخليفة بمحضر جميع الوزراء والقاضي منذر أبن سعيد والملأ وأخذت عليه البيعة ووقعت الشهادات في نسخها.

وفي آخر صفر من سنة إحدى وخمسين أخرج الخليفة الحكم المستنصر مولييه محمدا وزيادا أبني أفلح الناصري في كتيبة من الحشم والخدم لتلقي غالب الناصري صاحب مدينة سالم المورود للطاغية أردون بن أدفنوش الخبيث في الدولة المتملك على طوائف من امم الجلالقة والمنازع لابن عمه المملك قبله شانجه بن ردمير وتبرع هذا اللعين اردوت بالمسير إلى باب المستنصر بالله من ذاته غير طالب أذن ولا مستظهر بعهد وذلك عندما بلغه ن اعتزام المستنصر بالله في عامه ذلك على الغزو إليه وأخذه في التأهب له فاحتال في تأميل المستنصر بالله والارتماء إليه وخرج قبل أمان يعقد له اوو ذمة تعصمه في عشرين رجلاً من وجوه أصحابه تكنفهم غالب الناصري الذي خرج إليه فجاء بهم نحو مولاه الحكم وتلقاهم ابنا أفلح بالجيش المذكور فأنزلاهم ثم تحركا بهم ثاني يوم نزولهم إلى قرطبة فأخرج المستنصر بالله إليهم هشام بن محمّد بن عثمان المصحفي في جيش عظيم كامل التعبية وقدموا إلى باب قرطبة

فمروا باب قصرها فلما انتهى أردون إلى ما بين السدة وباب الجنان سأل عن مكان رمس الناصر لدين الله فأشير إلى ما يوازي موضعه من داخل القصر في الروضة فخلع قلنسوته وخضع نحو مكان القبر ودعا ثم رد قلنسوته إلى رأسه.

وأمر المستنصر بإنزال اردون في دار الناعورة وقد كان تقدم في فراشها بأنواع الغطاء والوطاء وانتهى من ذلك إلى الغاية وتوسع له في الكرامة ولأصحابه فأقام بها الخميس والجمعة فلما كان يوم السبت تقدم المستنصر بالله باستدعاء أردون ومن معه بع إقامة الترتيب وتبعية الجيوش والاحتفال في ذلك من العدد والأسلحة والزينة وقعد المسنتصر بالله على سرير الملك في المجلس الشرقي من مجالس السطح وقعد الإخوة ونوهم والوزراء ونظراؤهم صفا في المجلس فيهم القاضي منذر بن سعيد والحكماء والفقهاء فأتى محمّد بن القاسم بن طملس بالملك أردون وأصحابه وعالي لبوسه ثوب ديباجي رومي أبيض وبليوال من جنسه وفي لونه وعلى رأسه قلنسوة رومية منظومة بجوهر وقد حفته جماعة من نصارى وجوه الذمة بالأندلس يؤنسونه ويبصرونه فيهم وليد بن حيزران قاضي النصارى بقرطبة وعبيد الله بن قاسم مطران طليطلة وغيرهما فدخل بين صفي الترتيب يقلب الطرف في نظم الصفوف ويجيل النظر في كثرتها وتظاهر أسلحتها ورائق حليتها وفراعهم ما أبصروه

وطبوا على وجوههم وتأملوا ناكسي رءوسهم غاضين من جفونهم قد سكرت أبصارهم حتى وصلوا إلى باب الأقباء أول قصر الزهراء فترجل جميع من كان خرج إلى لقائه وتقدم الملك أردون وخاصة قوامسه على دوابها حتى انتهوا إلى باب السدة فأمر القوامس بالترجل هنالك والمشي على الأقدام فترجلوا ودخل الملك أردون وحده راكبا مع محمّد بن طملس فأنزل في برطل البهو الأوسط من الأبهاء الفبلية التي بدار الجند على كرسي مرتفع مكسو الأوصال بالفضة وفي هذا المكان بعينه نزل فبله عدوه ومناوئه شانجا بن ردمير الوافد على الناصر لدين الله رحمه الله تعالى فقعد أردون على الكرسي وقعد أصحابه بين يديه وخرج الإذن لأردون الملك من المستنصر بالله بالدخول عليه فتقدم يمشي وأصحابه يتبعونه إلى أن وصل إلى السطح فلما قابل المجلس الشرقي الذي فيه المستنصر بالله وقف وكشف رأسه وخلع برنسه وبقي حاسرا إعظاما لمّا بان له من الدنو إلى السرير واستنهض فمضى بين الصفين المرتبين في ساحة السطح إلى أن قطع السطح وانتهى إلى باب البهو فلما قابل السرير خر ساجدا سويعة ثم استوى قائما ثم نهض خطوات وعاد إلى السجود ووالى ذلك مرارا إلى أن قدم بين يدي الخليفة وأهوي إلى يديه فناوله إياها وكرر راجعا مقهقرا على عقبه إلى وساد الديباج مثقل بالذهب جعل له هنالك ووضع على قدر عشرة أذرع من السرير فجلس عليه والبهر قد علاه وأنهض خلفه من استدنى من قوامسه وأتباعه فدنوا ممتثلين

فعله في تكرير الخنوع وناولهم الخليفة يده فقبلوها وانصرفوا مقهقرين فوقفوا على رأس ملكهم ووصل بوصولهم وليد بن حيزران قاضي النصارى بقرطبة فكان الترجمان عن الملك أردون ذلك اليوم وأطرق الخليفة الحكم عن تكليم الملك أردون إثر قعوده أماما وقتا ريما يفرخ روعه فلما رأى أنَّ قد خفض عليه افتتح تكليمه فقال: ليسرك إقبالك ويغبطك تأميلك فلدينا لك من حسن رأينا ورحب قبولنا فوق ما قد طلبته.

فلما ترجم له كلامه إياه تطلق وجه أردون وانحط عن رتبته فقبل البساط وقال: أنا عبد أمير المؤمنين مولاي المتورك على فضله القاصد إلى مجده المحكم في نفسه ورجاله فحيث وضعني من فضله وعوضني من خدمته رجوت أن أتقدم فيه بنية صادقة ونصيحة خالصة.

فقال له الخليفة: أنت عندنا بمحل من يستحق حسن رأينا وسينالك من تقديمنا لك وتفضيلنا إياك عن أهل ملتك ما يغبطك وتتعرف به فضل جنوحك ألينا واستظلالك بظل سلطاننا.

فعاد اردون إلى السجود عند فهمه مقالة الخليفة وابتهال داعيه وقال: إنَّ شانجة أبن عمي تقدم إلى الخليفة الماضي مستجيرا به مني فكان من إعزازه إياه ما يكون من مثله من أعاظم الملوك وأكارم الخلفاء لمن قصدهم وأملهم وكان قصده قصد مضطر قد شتأته رعيته وأنكرت سيرته واختارني لمكانه من غير سعي مني علم الله ذلك ولا دعاء إليه فخلعته وأخرجته عن ملكه مضطرا مضطهدا فتطول عليه رحمة الله بأن صرفه إلى ملكه

وقوى سلطانه واعز نصره. ومع ذلك فلم يقم بفرض النعمة التي أسديت إليه وقصر في أداء المفروض عليه وحقه وحق أمير المؤمنين مولاي من بعده وأنا قد قصدت باب أمير المؤمنين لغير ضرورة من قرارة سلطاني وموضع احتكامي محكما له في نفسي ورجالي ومعاقلي ومن تحويه من رعيتي فشتان ما بيننا من قوة الثقة ومطرح الهمة.

فقال الخليفة: قد سمعنا قولك وفهمنا مغزاك وسوف يظهر من إقراضنا إياك على الخصوصية فوق شأنه ويترادف من إحساننا إليك به أضعاف ما كان من أبينا ﵁ إلى ندك وإن كان له فضل التقدم بالجنوح إلينا والقصد إلى سلطاننا فليس ذلك مما يؤخرك عنه ولا ينقصك مما أنلناه وسنصرفك مغبوطا إلى بلدك ونشد أواخي ملكك ونملكك جميع من انحاش إليك من أمتك ونعقد لك بذلك كتابا يكون بيدك نقرر به حدّ ما بينك وبين أبن عمك ونقبضه من كل ما يصرفه من البلاد إلى يدك وسيرادفك عليك من إفضالنا فوق ما احتسبته. والله على ما نقول وكيل.

فكرر أردون الخضوع وأسهب في الشكر وقام للانصراف مقهقرا لا يولي الخليفة ظهره وقد تكنفه الحفدة من جلة الفتيان فأخرجوه إلى المجلس الغربي في السطح وقد علاه البهر وأدهله الروع من هول ما باشره وجلالة ما عاينه من فخامة الخليفة وبهاء العوة. فلما أن دخل المجلس ووقعت عينه على مقعد أمير المؤمنين خاليا منه انحط ساجدا إعظاما له ثم تقدم الفتيان به إلى البهو الذي بجوف هذا المجلس فأجلسوه هناك على وساد مثقل بالذهب وأقبل نحوه الحاجب جعفر فلما بصر به قام إليه وخضع له

وأومأ إلى تقبيل يده، فقبضها الحاجب عنه، وانحنى إليه فعانقه وجلس معه، فغبطه ووعده من إنجاز عدات الخليفة له بما ضاعف سروره؛ ثم أمر الحاجب جعفر فصبت عليه الخلع التي أمر بها الخليفة وكانت دراعة منسوجة بالذهب وبرنسا مثلها، له لوزة مفرعة من خالص التبر مرصعة بالجواهر والياقوت ملأت عين العلج تجلة فخر ساجداً وأعلن بالدعاء؛ ثم دعا الحاجب أصحابه رجلاً فخلع عليهم على قدر استحقاقهم؛ فكمل جميع ذلك بحسب ما يصلح لهم. وخر جميعهم خاضعين شاكرين، ثم انطلق الملك " اردون " وأصحابه وقدم لركابه في أول البهو الأوسط فرس من عتاق خيل الركاب، عليه سرج حلي، ولجام حلي مفرع، وانصرف مع أبن طملس إلى قصر الرصافة، وكان تضييفهن وقد أعد له كل ما يصلح لمثله من الآلة والفرش والماعون، واستقر الملك أردون وأصحابه فيما لا كفاء له من سعة التضييف، وإرغاد المعاش، واستشعر الناس من مسرة هذا اليوم وعزة الإسلام فيه، ما أفضوا في التبجح به، والتحدث عنه أياماً.

وكانت للخلفاء والشعراء بمجلس الخليفة في هذا اليوم مقامات حسان وإنشادات لأشعار محكمة متان يطول القول في اختيارها.

فمن ذلك قول عبد الملك بن سعيد المردي من قصيدة طويلة:

ملك الخليفة آية الإقبالوسعوده موصولة بنوال
فالمسلمون بعزة وبرفعةوالمشركون بذلة وسفال
القت بأيديها الأعاجم نحوهمتوقعين لصولة الرئبال
هذا أميرهم أتاه آخذامنه أواصر ذمة وحبال
متواضعاً لجلاله متخشعاًمتبرعاً لمّا يرع بقتال
سينال بالتأميل للملك الرضاعزاً يعم عداه بالإذلال
لا يوم أعظم للولاة مسرةوأشده غيظا على الأقبال
من يوم أردون الذي إقبالهأمل المدى ونهاية الإقبال
ملك الأعاجم كلها أبن ملوكهاوالٍ نكاه الأعاجم وال
إن كان جاء ضرورة فلقد أتىعن عز مملكة وطوع رجال
فالحمد لله المنيل إمامناًحظ الملوك بقدرة المتعالي
هو يوم حشر الناس إلاّ أنهملم يشألوا فيه عن الأعمال
أضحى الفضاء مفعما بجيوشهوالأفق أقتم أغبر السربال
لا يهتدي الساري لليل قتامهإلاّ بضوء صوارم وعوالي
وكأن الأجسام الكماة تسربلتمذ غبرت منه جسوم صلال
وكأنما العقبان الفلامنقصة لتخطف الضلال
وكأن منتصب القنا مهتزهأشطان نازحةٍ بعيدة جال
وكأنما خيل التجافيف اكتستناراً توهجها بلا إشعال

وتتبع مثل هذه الأخبار لا آخر له؛ والله المستعان.

وكان القاضي منذر بن سعيد السابق ذكره، سمع بالأندلس من عبيد الله أبن يحيى بن يحيى ونظرائه، ثم رحل حاجاً سنة ثمان وثلاث مائة، فسمع من عدة أعلام، منهم محمّد بن المنذر النيسابوري، سمع عليه كتابه المؤلف في

اختلاف العلماء، المسمى بالإشراف، وروى بمصر كتاب العين للخليل عن أبي العباس بن ولاد وروى عن أبي حعفر بن النحاس؛ وكان متفنناً في ضروب العلوم وغلب عليه التفقه بمذهب أبي سليمان داود بن علي الأصبهاني، المعروف بالقياسي وبالظاهري؛ فكان منذر بن سعيد يؤثر مذهبه ويجمع كتبه ويحتج لمقالته ويأخذ به في نفسه وذويه؛ فإذا جلس ببحكومة قضى بمذهب الإمام مالك وأصحابه، بالذي استقر عليه العمل في بلدهم، وحمل عليه السلطان أهل مملكته.

وله تواليف مفيدة؛ منها كتاب أحكام القرآن؛ والناسخ والمنسوخ، وغير ذلك في الفقه والكلام والرد على أهل المذاهب؛ وكان خطيباً بليغاً عالماً بالجدل، حاذقاً فيه، شديد العارضة حاضر الجواب عتيده ثابت الحجة ذا شارة عجيبة ومنظر جميل وخلق حميد وتواضع لأهل الطلب وانحطاط لهم وإقبال عليهم؛ وكان مع وقاره التام فيه دعابة مستملحة وله نوادر مستحسنة لولا السآمة لجلبنا طرفاً. وكانت ولايته القضاء بقرطبة للناصر في شهر ربيع الآخر سنة تسع وثلاثين وثلاث مائة، ولبث قاضياً من ذلك التاريخ للخليفة الناصر إلى وفاته، ثم للخليفة الحكم المستنصر، إلى أن توفى ﵀، عقب ذي الحجة سنة خمس وخمسين وثلاث مائة، ﵀ ورضى عنه. ودفن بمقبرة قريش بالربض الغربي من قرطبة، أعادها الله، جوفي مسجد السيدة الكبرى بقرب داره.

قال القاضي أبو الحسن: كان شيخنا القاضي أبو عبد الله بن عياش الخزرجي يستحسن من كلام القاضي منذر قوله في التزكية: اعلم إنَّ العدالة من أشد الأشياء تفاوتاً وتبايناً ومتى حصلت ذلك عرفت حالة الشهود لأن بين عدالة أصحاب النبي ﷺ وعدالة التابعيين ﵃ فوتاً عظيماً وتبايناً شديداً وبين عدالة أهل زماننا وعدالة أولئك مثل ما بين السماء والأرض؛ وعدالة أهل زماننا على ما هي عليه بعيدة التباين أيضاً. والأصل في هذا عندي، والله الموفق، أنَّ من كان الخير أغلب عليه من الشر، وكان متنزها عن الكبائر فواجب أن تعمل شهادته، فإنَّ الله تعالى قد أخبرنا بنص الكتاب أنَّ من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية، وقال في موضع آخر:) فأولئك هم المفلحون (؛ فمن ثقلت موازين حسناته بشيء لم يدخل النار؛ ومن استوت حسناته وسيئاته لم يدخل الجنة في زمرة الداخلين أولاً، وهم أصحاب الأعراف، فذلك عقوبة لهم، إذ تخلفوا عن أن تزيد حسناتهم على سيئاتهم؛ فهذا حكم الله في عباده. ونحن إنما كلفنا الحكم بالظاهر، فمن ظهر لنا أنَّ خيره أغلب عليه من شره حكمنا له بحكم الله في عباده، ولم نطلب له علم الباطن ولا كلفه محمّد ﷺ فقد ثبت عنه أنه قال " إنّما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليّ، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأحكم له على نحو مما أسمع ". فأحكام الدنيا على ما ظهر، وأحكام الآخرة على ما بطن؛ لأن الله تعالى يعلم الظاهر والباطن، ونحن لا نعلم إلاّ الظاهر؛ وأهل كل قوم قد تراضى عليهم عامتهم فبهم تنعقد منكحهم وبيعهم وقد قدموهم في المساجد ولجمعهم وأعيادهم، فالواجب على من استقصى على

موضع أن يعمل شهادة أمثالهم وفقهائهم، وأصحاب صلواتهم، وإلاّ ضاعت حقوق ضعيفهم وقويهم، وبطلت أحكامه. ويجب عليه أنَّ يسأل إنَّ استراب في بعضهم في بعضهم في الظاهر والباطن عنهم، فمن لم يلبث عنده عليه اشتهار في كبيرة، فهو على عدالة ظاهرة، حتى يثبت غير ذلك. انتهى. قلت: تذكرت هنا ما رأيته بخط الأمام الحافظ سيدي أحمد الونشريشي ﵀ على ظهر كتاب أبن الخطيب: " مثلى الطريقة في ذم الوثيقة "، وقد مدينة فيه أبن الخطيب الباع في ذم الموثقين، وذكر مثالبهم، ونص ما ألفيته بخط المذكور:

الحمد لله. جامع هذا الكلام المقيد هنا بأول ورقة منه، قد كد نفسه في شيء لا يعني الأفاضل، ولا يعود عليه في القيامة ولا في الدنيا بطائل، وأفنى طائفة من نفيس عمره في التماس مساوي طائفة، بهم تستباح الفروج، وتملك مشيدات الدور والبروج، وجعلهم أضحوكة لذوي الفتك والمجانة، وانتزع عنهم جلباب الصدق والديانة، سامحه الله وغفر له. قال ذلك وخطه بيمنى يديه عبيد ربه أحمد بن يحيى بن محمّد بن على الونشريشي، خار الله سبحان له، انتهى. ولنرجع إلى ما كنا فيه من أخبار سبتة فنقول: ولنرجع إلى ما كنا فيه من أخبار سبتة، فنقول: كان أهل سبتة في غاية الذكاء والفطنة، والعلم والمعرفة؛ وقد حكي الشيخ النظار أبو إسحاق الشاطبي في شرحه على ألفية أبن مالك، عن شيخه أبي عبد الله الفخار، عن بعض أهل سبتة، أنَّ الشيخ أبا عبد الله بن خميس التلمساني لمّا ورد على سبته بقصد الإقراء بها، اجتمع عليه عيون طلبتها؛ فألقوا عليه

مسائل من غوامض باب الاشتغال، فحاد عن الجواب، بأن قال لهم: انتم عندي كرجل واحد. يعني أنَّ ما ألقوا عليه من المسائل إنّما تلقوا من رجل واحد، وهو أبن أبي الربيع؛ إنّما يخاطب رجلاً واحداً، ازدراء بهم. فاستقبله أصغر القوم سنا وعلما، بأن قال له: إنَّ كنت بالمكان الذي تزعم، فأجبني عن هذه المسائل، من باب معرفة علامات الإعراب، التي أذكرها لك؛ فإنَّ أجبت فيها بالصواب، لم تحظ بذلك في نفوسنا، لصغرها بالنظر إلى تعاطيك من الإدارك والتحصيل، وإنَّ أخطأت فيها لم يسعك هذا البلد، وهي عشيرة: الأولى: انتم يا زيدون تغزون.

والثانية: انتن يا هندات تغزون.

والثالثة: انتم يا زيدون ويا هندات تغزون.

والرابعة: انتن يا هندات تخشين.

والخامسة: أنت يا هند تخشين.

والسادسة: أنت يا هند تمرين.

والثامنة: انتن يا هندات تمحون أو تمحين كيف تقول.

والتاسعة: أنت يا هند تمحين أو تمحون كيف تقول.

والعاشرة: أنتما تمحوان أو تمحيان، كيف تقول.

وهل هذه الأفعال كلها مبنية أو معربة؟ أو بعضها مبني وبعضها معرب؟ وهل كلها على وزن واحد أم على أوزان مختلفة؟ علينا السؤال، وعليك التمييز، لنعلم الجواب. فهبت الشيخ وشغل المحل بأن قال: إنما يسأل عن هذا صغار الولدان. فقال له الفتى: فأنت دونهم إنَّ لم تجب. فأنزعج الشيخ وقال هذا سوء أدب، ونهض منصرفا، ولم يصبح إلاّ بمقالة، ومتوجها إلى غرناظة، فلم يزل بها مع الوزير أبن الحكيم، إلى أنَّ مات. تغمده الله برحمته. انتهى. وأورد هذه الحكاية أيضاً عالم الدنيا، سيدي أبو عبد الله بن مرزوق، في شرحه على الألفية لابن مالك، وهو شرح متسع جداً، وقفت منه على بعضه بتلمسان، وكان آخر السفر الأول اسم الإشارة، وذلك السفر أعظم جرما من جميع شرح المرادي؛ ونص محل الحاجة منه: وقد حكي أنَّ بعض طلبة سبتة أورد على أبي عبد الله بن خميس عشر مسائل من هذا النوع، وهي: أنتم يا زيدون تغزون؛ وانتن يا هندات تغزون؛ وانتم يا زيدون ويا هندات تغزون، وانتن يا هندات تخشين؛ وأنت يا هند تخشين؛ وأنت يا هند تمرين، وأنتن يا هنادت تمرين، وانتن يا هندات تمحون أو تمحين كيف تقول. وأنت يا هند تمحين أو تمحين كيف تقول؛ وأنتما تمحوان أو تمحيان، على لغة من قال محوت كيف تقول؟ وهل هذه الأمثلة كلها مبنية او معربة او مختلفة؟ وهل وزنها واحد أو مختلف؟ قالوا: ولم يجب بشيء. قلت: فلعله استسهل أمرها.

كتنظرون، فاستثقلت ضمة الواو، التي هي لام، فحذفت، ثم حذفت الواو أيضاً، لالتقائها ساكنة مع واو الضمير، وكانت أولى بالحذف، لأن واو الضمير فاعل، ولغير ذلك مما تقدم بعضه. وأما الثاني فمبني، ووزنه تفعلن، كتخرجن. وأما الثالث فكالأول إعراباً ووزناً، لأن فيه تغليب المذكر على المؤنث. وأما الرابع فمبني، ووزنه تفعلن، مثل تفرحن لأنه لمّا احتياج إلى تسكين آخر الفعل، لاستناده إلى نون جماعة النسوة، ردت الياء إلى أصلها، لأنها إنّما قلبت ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، والآن ذهبت حركتها لاستحقاقها السكون. وأما الخامس فمعرب، ووزنه تفعين، وأصله تخشين، كتفرحين، فقبلت الياء ألفاً، لتحركها وانفتاح ما قبلها، ثم حذفت لالتقائها ساكنة مع ياء الضمير، وتركت فتحة الشين دالة على الألف.

وأما السادس فمعرب، ووزنه تفعين. وأصله ترمين، كتضربين، حذفت كسرة الياء لاستثقالها، ثم حذفت الياء لاجتماعها ساكنة مع ياء الضمير. وأما السابع فمبني، ووزنه تفعلن كتضربن.

وأما الثامن والتاسع، فمضارع محي ورد بالأوزان الثلاثة، فمن قال يمحو قال في المضارع من جماعة النسوة: تمحون، مثله من غزا ناء ووزنا، ومن قال يمحى قال فيه: تمحين كترمين، بناء ووزنا. ومن قال يمحى قال

فيه تمحين كتخشين، بناء ووزنا. ويقال في المضارع الواحدة على اللغة الأولى تمحين كتدعين: إعرابا ووزنا وتصريفا. وقد تقدم في كلام المصنف. وعلى الثانية، كما يقال لها من رمى إعراباً ووزناُ وتصريفاً. وعلى الثالثة كما يقال لها من تخشى أيضاً، وقد تقدما.

النص من طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع