من «أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
نظم ابن خميس
الصفحة ١ من ٢
﵀
ومن بديع نظمه قصيدة مدح الوزير أبن الحكيم.
قال أبن الخطيب: وهي من مشاهير أمداحه فيه، وكتب بها إليه من المرية، وألم فيها بذكر بلده تلمسان، وما حل بها من البلاء والحصار في ذلك التاريخ من قبل السلطان أبي يعقوب يوسف أبن السلطان المجاهد الكبير
أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق، نفعنا الله ببركاته، في أهل تلمسان المحصورين فلم يقبل شفاعتهم، فقال الشيخ سيدي أبو زيد كلاماٍ معناه: إنَّ سعادة يقضي هذا، ورجع الشيخ إلى فاس، فاتفق هذا العبد كان مع السلطان في الحمام، وكان له عليه حقد، فانتهز فيه الفرصة ووجأه بخنجر، فكان في ذلك حتفه، فنفس الله أهل تلمسان بعد حصارها نحو العشر سنين.
ولمّا وصل الخبر إلى سيدي أبي زيد بموت السلطان قال: وعبد الرحمن يموت، يعني نفسه؛ و " يموت ": بتشديد الميم، على لغة البربر؛ فتوفى ﵀ ودفن بمسجد الصابرين، وقبره مشهور مقصود الإجابة، نفعنا الله به، وقد زرته مرارا لا أحصيها، ودعوت الله عنده بما أرجو قبوله.
وقد أشار أبو عبد الله بن خميس في هذه القصيدة إلى ذلك الحصار وكان من الاتفاق الغريب، سرعة وقوع ما تمناه أبن خميس هذه من الخبر، بعد طول المحنة، واشتداد البلاء، ولم يتأخر ذلك عن تاريخ القصيدة غير أربعة أشهر.
ونص القصيدة:
سل الريح لم تسعد السفن أنواءفعند صباها من تلمسان أنباء
وفي خفقان البرق منها إشارةإليك بما تنمى إليك وإيماء
تمر الليالي ليلة بعد ليلةوللأذن إصغاء وللعين إكلاء
وإني لصبوا للصبا كلما سرتوللنجم مهما كان للنجم إسراء
وأهدي إليها كل يوم تحيةوفي رد إهداء التحية إهداء
واستجلب النوم الغرار ومضجعيقتاد كما شاءت نواها وسلاء
لعل خيالا من لديها يمر بيففي مره بي من جوى الشوق إبراء
وكيف خلوص الطيف منها ودونهاعيون لها في كل طلعة راء
وإبي لمشتاق إليها ومنبيببعض اشتياقي لو تمكن إنباء
وكم قائل تفنى غراما بحبهاوقد أخلفت منها ملاء وأملاء
اعشرة أعوام عليها تجرمتإذا ما مضى قيظ بها جاء إهراء
يطنب فيها عائثون وخربويرحل عنها قاطعون وتناء
كأن رماح الناهبين أملكهاقداح وأموال المنازل ابداء
فلا تبغين فيها مناخاً لراكبفقد قلصت منها ظلال وأفياء
ومن عجبٍ أن طال سقمي ونزعهاوقسم أضناء عليها وأطناء
وكم أرجفوا غيظاً بها ثم أرجئوافيكذب إرجاف ويصدق إرجاء
يرددها عيابها الدهر مثلمايردد حرف الفاء في النطق فأفاء
فيا من لا نال الردى منه ما اشتهىترى هل لعمر الأنس بعدك إنساء
وهل لي زمان أرتجي فيه عودةًإليك ووجه البشر أزهر وضاء
فياهي مالي إن هلكت ولم أقللصحبي بها الغر الكرام ألا هاءوا
لم أطرق الدرب الذي كنت طارقاًلعادٍ وبدر الأفق أسمع مشناء
أطيف به حتى تهر كلابهوقد نام عساس وهوم سباء
ولا صاحب إلاّ حسام ولهذموطرف لخد الليل مذ كان وطاء
واسحم قاري كشعري حلكةتلألأ فيه من سنى الصبح أضواء
فما لشربي في سواك مزازةولا لطعمي دون مائك إمراء
ويا داري الأولى بدرب مغيلةٍوقد جد عيث في بلاها وإرداء
أما آن أنَّ يعشو لنارك طارقجنيب له رفع إليك ودئداء
يرجى نوالا أو يؤمل دعوةفما زال قارٍ في ذراك وقراْ
أحن لها ما أطئت النيب حولهاوما عاقها عن مورد الماء أظماء
فما فاتها مني نزاع على النوىولا فاتني منها على القرب إجشاء
كذلك جدى في صحابي وأسرتيومن لي به من أهل ودي إرفاء
ولولا جوار أبن الحكيم محمّدلمّا فات نفسي من بني الدهر إقماء
حماني فلم تنبت محلي نوائببسوء ولم ترزأ فؤادي أرزاء
وأكفأ بيتي في كفالة جاههفصاروا عبيدا لي وهم لي أكفاء
يؤمون قصدي طاعة ومحبةفما عفته عافوا وما شئته شاءوا
دعاني إلى المجد الذي كنت آملافلم يك لي عن دعوة المجد إبطاء
وبواني من هضبة العز تلعةًيناجي السها منها صعود وطأطاء
يشيعني منها إذا سرت حافظويكلوني منها إذا نمت كلاء
ولا مثل نومي في كفالة غيرهوللذئب إلمام وللصل إلماء
بغيضة ليث أو بمرقاب خاربتبز كسا فيه وتقطع أكساء
إذا كان لي من نائب الملك كافلففي حيثما هومت كن وإدفاء
وأخوان صدقٍ من صنائع جاههيبادرني منهم قيام وإيلاء
سراع لمّا يرجى من الخير عندهمومن كل ما يخشى من الشر أبراء
إليك أبا عبد الإله صنعتهالزومية فيها لوجدي إفشاء
مبرأة مما يعيب لزومهاإذا عاب إكفاء سواها وإيطاء
أذعت بها السر الذي كان قبلهاعليه لأحناء الجوانح إضناء
وإنَّ لم يكن الذي كنت آملاوأعوز إكلاء فما عاز إكماء
ومن يتكف مفخما شكر منةٍفما لي إلى ذاك التكلف إلجاء
إذا منشد لم عنك ومنشيفلا كان إنشاد ولا كان إنشاء
وأبن الحكيم المذكور: هو ذو الوزارتين أبو عبد الله محمّد بن عبد الرحمن أبن إبراهيم بن يحيى بن محمّد بن سعد بن محمّد بن فتوح بن محمّد بن أيوب بن محمّد اللخمي، من أهل رندة، الكاتب الأديب البليغ الشهير الذكر بالأندلس، ويعرف بابن الحكيم
أصل سلفه من أشبيلية، من أعيانها، ثم انتقلوا إلى رندة؛ وأوّل من انتقل منهم إليها جده محمّد بن فتوح، في دولة بني عباد، ويحيى جد والده هو المعروف بالحكيم لطبه، وكانوا قديما يعرفون ببني فتوح.
قدم ذو الوزارتين أبو عبد الله على حضرة غرناطة أيام السلطان أبي عبد الله محمّد بن محمّد بن نصر، إثر قفوله من الحج، فألحقه بكتابه، وأقام يكتب له في ديوان الإنشاء، إلى أنَّ توفي هذا السلطان في ثامن شعبان سنة إحدى وسبع مائة، وتقلد الملك بعده ولي عهده أمير المسلمين، أبو عبد الله محمّد المخلوع، فقلده الوزارة والكتابة، وكان مشتركاً معه في الوزارة الوزير الجليل التقي، أبا سلطان عبد العزيز سلطان الداني، فلما توفي أبو سلطان الداني، أفرده سلطانه بالوزارة، ولقبه بذي الوزارتين، وصار صاحب أمره ونهيه، إلى أنَّ توفي بحضرة غرناطة قتيلا، غدوة يوم الفطر، مستهل شوال سنة ثمان وسبع مئة، وذلك لتاريخ خلع سلطانه، وخلافة أخيه أمير المسلمين أبي الجيوش مكانه؛ ومولده ببلده رندة في شهر ربيع الأول سنة ستين وست مائة. وكان ﵀ علماً في الفضيلة والسراوة ومكارم الأخلاق؛ كريم النفس، واسع الإيثار، متين الحرمة، عالي الهمة، كاتبا بليغا شاعراً، حسن الخط، يكتب خطوطا على أنواع، كليما جليل الانطباع، خطيبا فصيح القلم، زاكي الشيم، مؤثر لأهل العلم والأدب، برا بأهل الفضل والحسب، نفقت في مدته للفضائل أسواق، وأشرقت بإمداده للأفاضل آفاق. وراحل إلى المشرق، وكانت إجازته البحر من المرية، فتقضى فريضة الحج،
وأخذ عمن لقي هنالك من الشيوخ، فمشيخته متوافرة. وكان رفيقه في هذه الوجهة الخطيب أبو عبد الله بن رشيد، فتعاونا على هذا الغرض، وقضيا منه كل نفل ومفترض، واشتركا فيمن أخذا عنه من الأعلام، في كل مقام. وكانت له عناية بالرواية، وولوع بالأدب، وصبابة باقتناء الكتب، جمع من امهاتها العتيقة، وأصولها الرائقة الأنيقة، ما لم يجمعه في تلك الأعصر أحد سواه، ولا ظفرت به يداه.
أخذ عنه الخطيب الصالح أبو إسحاق بن أبي العاصي التنوخي، والخطيب أبو عبد الله بن رشيد تدبج معه، وابنه الوزير الكاتب الأديب الفاضل أبو بكر محمّد بن محمّد بن الحكيم، وغيرهم. ومدحه الكاتب العلامة أبو الحسن بن الجياب، ومن بديع ما مدحه به قصيدة رائية رائقة، يهنئه فيها بعيد الفطر، وهي قوله:
يا قادما عنت الدنيا بشائرهأهلا بمقدمك الميمون طائره
ومرحبا بك من عيد تحف بهمن السعادة أجناد تظافره
قدمت فالخلق في نعمي وفي جذلأبدى بك البشر بادبه وحاضره
والأرض قد لبست أثواب سندسهاوالروض قد بسمت منه أزاهره
حاكت يد الغيث في ساحاته حللالمّا سقا دراكا منه باكره
فلاح فيها من الأنوار باهرهاوفاح من النوار عاطره
وأم فيها خطيب الطير مرتجلاوالزهر قد رصعت منه منابره
موشي ثوب طواه الدهر آونةفها هو اليوم للأبصار ناشره
فالغصن من نشوة يثني معاطفهوالطير من طرب تشدو مزاهره
وللكمام انشقاق عن أزاهرهاكما بدت لك من خل ضمائره
لله يومك ما أزكى فضائلهقامت لدين الهدى فيه شعائره!
فكم سريرة فضل فيك قد خبئتوكم جمال بدا للناس ظاهره
فأفخر بحق على الأيام قاطبةفما لفضلك من ندٍ يناظره
فأنت في عصرنا كابن الحكيم إذاقيست بفخر أولى العلياء مفاخره
يلتاح منه بأفق الملك نور هدىتضائل منه الشمس مهما لاح زاهره
مجد صميم على عرش السماك سماطالت مبانيه واستعلت مظاهره
وزاره الدين والعلم الذي رفعتأعلامه والندى الفياض زاخره
وليس هذا ببديع مكارمهساوت أوائله فيه أواخره
يلقى الأمور بصدر منه منشرحٍبحر وآراؤه العظمى جواهره
راعي أمور الرعايا معملاً نظراكمثل علياه معدوماً نظائره
والملك سير في تدبيره حكماًتنال ما عجزت عنه عسا كره
سياسة الحلم لا بطش يكدرهافهو المهيب وما تخشى بوادره
لا يصدر الملك إلاّ عن إشارتهفالرشد لا تتعداه مصايره
تجرى الأمور على أقصى إرادتهكأنما دهره فيها يشاوره
وكم مقام له في كل مكرمةٍأنست موارده فيها مصادره
ففضلها طبق الأفاق أجمعهاكأنه مثل قد سار سائره
فليس يجحده إلاّ أخو حسدٍيرى الصبح فيعشى منه ناظره
لا ملك أكبر من ملك يدبرهلا ملك أسعد من ملك يؤازره
يا عز أمر به اشتدت مضاربهيا حسن ملك به أزدانت محاضره
تثنى البلاد وأهلوها بما عرفواويشهد الدهر آتيه وغابره
بشرى لآمله الموصول مأملهتعساً لحاسده المقطوع دابره
فالعلم قد أشرقت نوراً مظالعهوالجود قد أسبلت سحا مواطره
والناس في يسر والملك في ظفرعالٍ على كل عالي القدر قاهره
والأرض قد ملئت أمنا جوانبهابيمن من خلصت فيها سرائره
وإلى أياديه من مثنى وموحدةٍتساجل البحر إنَّ فاضت زواخره
فكل يوم تلقنا عوارفهكساه أمواله الطولي دفاتره
فمن يؤدي لمّا أولاه من نعمٍشكراً ولو أنَّ سحباناً يظاهره
يا أيها العيد بادر لثم راحتهفلثمها خير مأمول تبادره
وأفخر بان قد لقيت أبن الحكيم علىعصر يباريك أو دهر تفاخره
ولي الصيام وقد عظمت حرمتهفأجره لك وافيه ووافره
وأقبل العيد فاستقبل به جذلاوأهنأ به قادما عمت بشائره
ومن أحسن ما رثي له رحمه الله تعالى، ثلاثة أبيات لبعض الأعلام من أهالي ذلك الزمان، وهي:
قتلوك ظلماً واعتدوافي فعلهم حدّثني الوجوب
ورموك أشلاء وذاأمر قضته لك الغيوب
إنَّ لم يكن لك سيديقبر فقبرك في القلوب
قال أبن خاتمة: ومن شعره ما أنشدني ابنه الوزير أبو بكر، مقدمه على المرية، غازيا مع الجيش المنصور، قال أنشدني أبي رحمه الله تعالى:
ولمّا رأيت الشيب حل بمفرقينذير بترحال الشباب المفارق
رجعت إلى نفسي لها أنظريإلى ما أرى، هذا ابتداء الحقائق
وأنشدني شيخنا الخطيب أبو إسحاق بن أبي العاصي إذنا، قال أنشدني الوزير أبو عبد الله بن الحكيم إنَّ لم يكن سماعه فإجازة:
فقدت حياتي بالمفارق ومن غدابحال نوى عمن يحب فقد فقدْ
ومن أجل بعدي عن ديار ألفتهاجحيم فؤادي قد تلظى وقد وقد
وقد سبقه إلى هذا المعنى القائل:
أواري أواريِ بالدموع تجلداًوكم رمت إطفاء اللهيب وقد وقد
فلا تعذلوا من غاب عنه حبيبهفمن فقد المحبوب مثلي فقد فقدِ
هكذا رواه أبن خاتمة، ورواه غيره هكذا:
أواري أواريِ والدموع تبينهون لي بإطفاء الغرام وقد وقد
وهو الصواب.
قال أبن خاتمة: وأنشدني رئيس الكتاب الصدر البليغ الفاضل، أبو القاسم عبد الله بن يوسف بن رضوان النجاري، قال: أنشدني رئيس الكتاب الجليل، أبو محمّد عبد المهيمن بن محمّد الحضرمي، قال: أنشدني رئيس الكتاب ذو الوزارتين، أبو عبد الله محمّد بن عبد الرحمن بن الحكيم، رحمه الله تعالى:
سح الكتاب وعنهواختم على مكتنه
واحذر عليه من مخالسة الرقيب بجفنه
واجعل لسانك سجينهكي لا ترى في سجنه
قال ابن خاتمة: وفي سند هذه القطعة نوع غريب من التسلسل. انتهى.
ومن بديع نظم ذي الوزارتين أبن الحكيم قوله ﵀:
يا ليت شعري هل تطول حياتيحتى أرى هذا الزمان الآتي؟
يا رب إن قدرت لي ببلوغهفاجعله عصراً بالسرور مواتي
وإن انقضت أيام عمري قبلهفاجعل على ما تريضيه مماتي
لا شيء للدنيا وللأخرى معاأرجو إذا ضاقت علي جهاتي
إلاّ يبقني أنَّ جودك فوق مايرجى وانك غافر الزلات
ومن نثره آخر فصل خاطب به الشيخ أبا علي الجراوي ﵀ قوله: وهأنا أجري معه على حسن مغتقده وأكلمه في هذا الغرض إلى ما رآه بمقتضى تودده وأجيز له ولولديه، اقر الله بهما عينه، وجمع بينهما وبينه رواية جميع ما حملته ونقلته وحسن اطلاعه يفصل من ذلك ما أجملته، فقد أطلعت لهم الإذن في جميعه، وأبحت لهم الحمل عني ولهم الاختيار في تنويعه، والله ﷿ يخص أعمالنا لذاته، ويجعلها ابتغاء مرضاته.
قال هذا وكتبه محمّد بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن يحيى بن محمّد اللخمي بن
الحكيم، عفا الله عنه، حامدا الله ﷿ ومصليا على رسوله المصطفى، ومسلماً عليه وعلى آله، في منتصف جمادي الآخرة، عام ثلاث وسبع مائة.
وحكي غير واحد أنَّ ذا الوزارتين أبن الحم المذكور لمّا اجتمع مع الفقيه الجليل الكاتب أبن أبي مدين أنشده أبن مدين رحمه الله تعالى:
عشقتكم بالسمع قبل لقاكموسمع الفتى يهوى لعمري كطرفه
وحببني ذكر الجليس إليكمفلما التقينا كنتم فوق وصفه
فأنشده ذو الوزارتين:
ما زلت أسمع عن علياك كل سنىأنهى من الشمس أو أجلى من القمرِ
حتى رأى بصري فقوق الذي سمعتأذني فوفق بين السمع والبصرِ
وتذمرت هنا قول الحاج الكاتب أبي إسحاق الحسناوي رحمه الله تعالى:
سحر البيان بناني صار يعقدهوالنفث في عقده من منطقي الحسن
لا أنشد المرء يلقاني ويبصرني:أنا المعيدي فاسمع بي ولا ترني
وكان الوزير أبن الحكيم المذكور كما أسلفناه رفيق أبن رشيد الفهري في رحلته الحجازية وقد اشتملت رحلة أبن رشيد على رأي وروى.
وهو محمّد بن عمر بن عمر بن محمّد إدريس بن عبد الله بن سعيد أبن مسعود بن حسن بن محمّد الفهري، من أهل سبته، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بأبن رشيد، وكأنه تصغير رشد، الخطيب المحدث الشهير.
رحل إلى المشرق لأداء فريضة الحج ولقاء أهل العلم سنة ثلاث وثمانين
وست مائة، وكانت إجازته البحر من المرية فتلاقى بها هو وذو الوزارتين أبو عبد الله بن الحكيم المذكور وكان قصدهما واحد ومسعاهما متعاضداً؛ فترافقا في السفر، كما ترافقا في الوطر. فدخل إفريقية ومصر والشام والحجاز وأخذ عمن لقي من الأئمة الأعلام، وأكثر من هذا الشان وأجاد فيه الضبط والإتقان وتوسع في الرواية وذهب في ذلك إلى ابعد غاية. وكان له تحقق بعلوم الحديث وبزجاله، وضبط أسناده، ومعرفة انقطاعه واتصاله، إماماً في هذا الشأن مشار إليه في هذا الفن معتمداً عليه مع كمال اثقة وشهوة العدالة.
قال القاضي أبو البركات أبن الحاج في حقه: أبن رشيد ثقة عدل من أهل هذا الشأن المتحققين به، وكان أيضاً من أهل المعرفة بعلم القراءات وصناعة العربية وعلم البيان والآداب والعروض والقوافي مشاركا في غير ذلك من الفنون من خدام الكتاب والسنة، حسن العهد كريم العشرة براً بأصدقائه، فاضلا في جميع أنحائه، أديباً بليغاً، ذاكراً متأدباً يقرض الشعر على تكلف ويجود النثر ويبصر مواقع حسنه، وأعظم عنايته بعلم الحديث: متنه وسنده ومعرفة رجاله، ولذلك كان جل اشتغاله، وفيه عظم احتماله، حتى حصل منه على غاية قصده ومنتهى آماله.
قرأ بسبتة بلده على الأستاذ أبي الحسن بن أبي الربيع القرآن العزيز بالقراءات السبع بمضمن كتاب التفسير، وتفقه عليه في العربية وقيد عنه
تقيداً حسنا على كتاب سيبويه، وأخذ عنه غير ذلك. وقرأ أيضاً الكتاب العزيز على الأستاذ أبي الحسن علي بن محمّد الكتامي أبن الخضار بالمقارئ السبعة، وأخذ بالمرية في اجتيازه عليها، عن الخطيب أبي عبد الله محمّد بن محمّد بن الصائغ والوزير الأديب أبي جعفر أحمد بن محمّد أبن سلبطور قيد عنه من شعره. ورحل فأخذ ببجاية عن الحافظ أبي محمّد عبد العزيز بن عمر القيسي أبن كحيلا نزيلها. وبتونس عن قاضي الجماعة بها، أبي القاسم بن أبي بكر بن زيتون. وأخذ بإسكندرية عن العدل المبرز سراج الدين أبي بكر بن أحمد بن إسماعيل أبن فارس التميمي، والعدل الصالح أبي عبد الله محمّد بن عبد الخالق بن طرخان القرشي. وبالقاهرة عن الحافظ أبي محمّد عبد العظيم بن عبد القوي المنذري، والأديب الصوفي شهاب الدين أبي عبد الله محمّد بن عبد المنعم بن محمّد بن يوسف أبن أحمد الأنصاري، أبن الخيمي، نزيل إيوان الحسين ﵁ من القاهرة. وبدمشق عن شيخ الشيوخ عز الدين أبي العز عبد الله بن عبد المنعم أبن علي الحراني، وبقية المسندين فخر الدين أبي الحسن علس بن أحمد بن عبد الواحد المقدسي والمسند أبي الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الملك المقدسي. وبالحرم لاشريف عن المحدث الأديب مقيم الحرم الشريف أبي إسحاق عبد لاصمد بن عبد الوهاب بن عساكر الدمشقي، وبقية المحدثين مقيم الحرمين أبي عبد الله محمّد أبي بكر بن خليل بن إبراهيم المكي. وبالمدينة المشرفة المنورة عن الشيخ الإمام النحوي عفيف الدين أبي محمّد عبد السلام بن محمّد
أبن مزروع البصري وغيرهم. وفي أشياخه كثيرة وقد أودمهم رحلته الحافلة التي سماها: " ملء العيبة فيما جمع بطول الغيبة في الوجهتين الكريمتين إلى مكة وطيبة ". وهب أربعة أسفار وقفت عليها بتلمستان وقد جمع فيها من الفوائد الحديثية والفرائد الأدبية كل غريبة عجيبة.
من تآليفه " ترجمان التراجم " في إبداء وجه مناسبات تراجم صحيح البخاري لمّا تحتها مما ترجمت عليه. ومنها " السنن الأبين في السند المعنعن " و " المقدمة المعروفة لعلو المسافة والصفة " و " المحاكمة بين البخاري ومسلم إحكام التأسيس في أحكام التجنيس " و " الإضاءات والإنارات " في البديع المسماة: " بإيراد المرتع المربع لرائد التسجيع والترصيع " و " وصل القوادم بالخوافي " شرح فيه كتاب القوافي لشيخه أبي الحسن حازم القرطاجني وجزء مختصر في العروض وتقييد على كتاب سيبويه.
وذكر بعضهم أنَّ الإمام أبن رشيد كان ظاهري المذهب والمعروف أنّه كان مالكيا والله اعلم.
وكان يعتمد في شرح كلام البخاري على " المحير الفصيح في شرح البخاري الصحيح " لبي عمرو الصفاقسي المعروف بابن التين لأجل حظور البربر في مجلسه ومعتمد المدونة وأبو عمرو في هذا الكتاب ينقل المونة وكلام شراحها عليها.
وتكلم يوما بعد فراغه من إسماع الشمائل وكانت بالمغرب فتنة على قوله عليه الصلاة واليلام: " بحسب أصحابي القتل " فقال: معنى الحديث أنّه منجيهم من عذاب الله تعالى كما قالوا: بحسبك زيد ثم قال: على أنّه
روى النبي ﷺ ذكر فتنة فعظم أمرها فقالوا: يا رسول الله لئن أدركنا هذا الزمان لنهلكن فقال: كلا غن بحسبكم القتل.
ويدل على صحة هذا التأويل ما خرجه أبو داود أنَّ رسول الله ﷺ قال: " أمتى هذه امة محرومة ليس عليها عذاب في الآخرة عذابها في الدنيا الفتن والزلازل والقتل ". وترجم عليه أبو داود: " باب ما يرجى في القتل " ثم أدخل الحديث تحت الترجمة.
وقال تلميذه أبو إسحاق إبراهيم بن يحيى: أنّه تكلم يوما على قول رسول الله ﷺ: " من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ". فقال: رواه عن النبي ﷺ نحو مائة نفس من الصحابة فيهم العشرة المشهود لهم بالجنة ولا يعرف حديث مثله وإن كانت ألفاظه تختلف لكن هو متواتر المعنى.
وفي رسمه من حرف الميم من إحاطة أبن الخطيب ما نصه:
حدّثني بعض شيوخنا قال: قعد يوما على المنبر فظن أنَّ المؤذن الثالث قد فرغ فقام يخطب والمؤذن قد رفع صوته بأذانه فاستفظع ذلك بعض الحاضرين وهم آخر بإشعاره وتنبيهه وكلمه آخر فلم يثنه ذلك عما شرع فيه وقال بديهة: أيّها الناس رحمكم الله إنَّ الواجب لا يبطله المندوب وإن الأذان الذي بعد الأول غسر مشروع الوجوب فتأهبوا لطلب العلم
وتنبهوا وتذكروا قوله تعالى:
) وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا (فقد روينا عنه ﷺ أنّه قال: " من قال لأخيه والإمام يخطب أنصت فقد لغا ومن لغا فلا جمعة له ". جعلنا الله وإياكم ممن علم فعمل وعمل فقبل وأخلص فتخلص.
فكان ذلك مما استدل به قوة جنانه وانقياد لسانه لبيانه. انتهى.
وتذكرت بهذه القضية من قام من اثنتين ولم يذكر حتى استقل ومن نسى المضمضة والاستنشاق حتى شرع في غسل الوجه وراجع شرح أبن ناجي على المدونة فانه ذكر أن بعض شيوخه لم يرجع من الخطبة كما فعل أبن رشيد وبعض الأشياخ رجع لمّا سمع المؤذن وفعل الأول أصوب والله اعلم.
وكان رحمه الله تعالى أعني أبن رشيد يقول: ليس بالمغرب عالم إلاّ أبن البنا بمراكش وأبن الشاط بسبتة والقاضي أبا عبد الله محمّد بن محمّد الخمي قرطبي. ومن المشارقة خلق كثير كابن دقيق العيد والشريف أبي الحسين العراقي واخيه أبي إسحاق وجماعة.
وفي تأليف أبن رشيد في التجنيس يقول صاحب الفقيه الأديب البارع الفاضل أبو بكر محمّد بن محمّد القالونسي من نظمه حتى طالعه بغرناطة:
أبدع في التجنيس إنشاءافليحو فضل السبق إن شاءا
إذ كل من ألف من قبلهما جاء فيه بالذي جاءا
ومن شعر أبن رشيد رحمه الله تعالى ولنا فيه أسانيد قوله:
صيام عاشور أتى ندبةفي سنة محكمة قاضية
قال الرسول المصطفى إنهتكفير ذنب السنة الماضية
ومن يوسع يومه لم يزلفي عامه في عيشة راضية
ومن ذلك قوله:
تغرب ولا تحفل بفرقة معشرتفز بالمنى في كل ما شئت من حاج
فلولا اعتراب المسك ما حل مفرقاولولا اغتراب الدر لم يحظ بالتاج
وقوله رحمه الله تعالى في البحر وقد انبسط عليه ضوء القمر في ليلة البدر:
أنظر إلى البدر وقد مدت أشعتهعلى خضارة حتى ابيض أزرقه
والريح قد صنعت درعا مسمارهاجباب ماء يروق العين رونقه
وذكر رحمه الله تعالى عن أبي الخير الفضل بن على بن نصير بن عبد الله بن رواحة الأنصاري الخزرجي أنّه أملئ عليه بمدينة بلبيس بمصر حرسها الله تعالى:
وأرجو إن عجزت عن الأمانيأمانا من ذمامك يا إلهي
فلي ظن أحققه يقينابرحمتك التي كل المنى هي
وأسأل منك عونا لي على ماأمرت به وتركي للمناهي
قال ﵀: من عمد إلى أحاديث خراش ودينار وأبي هدبة وشبهم الذين يسميهم أهل الرواية والنقل طيور أنس فمثل هؤلاء لا يعرج عليهم ولا يفرح بعلوهم وروايتهم شبه الريح وإنما يكتب حديثهم للتعريف به. وقد جمع الحافظ أبو الطاهر الأصبهاني جماعة منهم في بيتين فأحس أحسن الله إليه. أنشدني المكتسب الخير المقيد أبو عبد الله محمّد أبن أبي العباس أحمد بن حيان الشاطبي صاحبنا بتونس قال أنشدنا الشيخ الخطيب أبو محمّد بن بركات ﵀ قال: قرأت على الحافظ أبي عمر بن عات قال: سمعت فيما قري على السلفى رحمه الله تعالى من نظمه:
حديث بن نسطور وقيس ويغنموبعد أشج الغرب ثم خراش
ونسخة دينار نسخة تربهأبى هدبة القيسي شبه فراش
قال لي أبو عبد الله الله إذا فرغ من إنشاده لهما ينفخ في يديه. فمثل هؤلاء لا يلتفت إليه ولو بلغ أقصى الممكن في القرب. انتهى.
ووجد بخط القاضي اليزناسي ما نصه: الحمد لله. وقفت على إجازة أبي عبد الله بن رشيد لست العرب بنت عبد المهيمن الحضرمي مؤرخة بغرة محرم عام إحدى وعشرين الذي توفي فيه وقال أحسن الله افتتاحه واختتامه: ومن لم يكن يعرفني فإني:
أنا المذنب الخطاء والعفو واسعولو لم يكن ذنب لمّا عرف العفو
انتهى.
ولمّا قفل الشيخ أبن رشيد من المشرق عاد إلى بلدة سبتة فلم يساعده فيها المقدور ولم يعرف له بها مقدار فكتب إليه رفيقه الوزيرابن الحكيم يستدعيه إلى حضرة غرانطة ويعده بنيل كل أمنيه رعيا لمّا سلف له معه من الصداقة المرعية فأعمل الرحلة إليه حتى قدم الحضرة الغرناطية عليه فألفاه من عناية السلطان تحت جاه واسع فأهله من ماليه وقرب إليه من أمانيه كل شاسع وأكرم مثواه وحمد لديه مغبة سراه وتقدم حينئذ للصلاة والخطبة بالجامع الأعظم بغرناطة وخول كل كرامة ومبرة. ثم لمّا توفى الأستاذ أبو جعفر بن الزبير عن قضاء المناكح خلفه عليها فاتصلت له الأثرة بالأثرة ولم يزل مقيما بحضرة غرناطة منتصبا للإقراء ومركزا لدائرة القراء إلى أن قتل الوزير أبو عبد الله بن الحكيم فرحل أبو عبد الله بن الحكيم فرحل من غرناطة ولحق بحضرة فاس فحل بها تحت عناية وفي كنف رعاية وجعل له الأمر السلطاني الاختيار حيث اختار أو الاستقرار فاختار التحول إلى مراكش إذ كان قبل قد سكنها واستحسنها فورد عليها ورود الإنامة ونزل بها نزول البر والكرامة وقدم للصلاة والخطبة بجامعها العتيق وأقام بها سنين يبث بها
العلم ليس له شغل غير التدريس والتحقيق. ثم غن المقام السلطاني دعاه منها بعد مدة إلى حضرة فاس فانتقل إليها الإيثار والإيناس فلحق بحاضرة السلطان والتحف من الوجاهة النباهة برداء سابغ الأردان وصار في عداد خواصه وآل مجلسه من الخلصاء إلى أن توفي ﵀ بفاس في الثالث والعشرين من شهر محرم سنة إحدى وعشرين وسبع مائة قيل ليلة الاثنين الرابع والعشرين من شهر محرم. وأما قول من قال إنه توفي ثامن المحرم فغلط. ودفن خارج باب الفتوح بالروضة المباركة المعروفة بمطرح الجنة حيث تدفن العلماء والصلحاء الواردون في فاس من الغرباء.
ومولده بسبتة في شهر رمضان سنة سبع وقيل تسع وخمسين وست مائة.
وروى عنه الجم الغفير كأبي البركات بن الحاج والأستاذ الخطيب أبي عبد الله بن أبي العاصي التنوخي وآخرين رحم الله جميعهم ونفعنا بهم.
وقد قدمنا أنَّ أبن الحكيم تدبج معه ومعنى التدبيج: أن يروى كل واحد من القرينين عن صاحبه.
وكان ذو الوزارتين أبو عبد الله بن الحكيم المقدم الذكر محط رحال الأفاضل وكم للناس فيه من أمداح وتآليف وله ألف الشيخ الفقيه المحدث الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي طالب عبد الله العزفي كتاب " الإشادة بذكر المشتهرين من المتأخرين بالإفادة ". وكان أبو القاسم هذا سمع من
النص من طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع