من «المعجب في تلخيص أخبار المغرب» لعبد الواحد المراكشي (ت ٦٤٧هـ)
ولاية عبد الرحمن بن هشام المستظهر
ولما انهزم البربر عن قرطبة مع أبي القاسم كما ذكرنا، اتفق رأي أهل قرطبة على رد الأمر إلى بنى أميه، فاختاروا منهم ثلاثة، وهم: عبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر، أخو المهدي المذكور آنفًا، وسليمان بن المرتضي المذكور آنفًا، ومحمد بن عبد الرحمن بن هشام بن سليمان القائم على المهدي بن الناصر.
ثم استقر الأمر لعبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار، فبُويع بالخلافة لثلاث عشرة ليلة خلت لرمضان، وله اثنتان وعشرون سنة، وتلقب بـ المستظهر. وكان مولده سنة في ذي القعدة، يكنى أبا المطرف، وأمه أم ولد اسمها: غاية.
ثم قام عليه أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله بن عبد الرحمن الناصر، مع طائفة من أراذل العوام، فقتل عبد الرحمن بن هشام، وذلك لثلاث بقين من ذي القعدة سنة المؤرخة، ولا عقب له.
وكان في غاية الأدب والبلاغة والفهم ورقة النفس، كذا قال أبو محمد علي بن أحمد، وكان خبيرًا به لأنه وزر له. وقال الوزير أبو عامر أحمد بن عبد الملك بن شهيد: كان المستظهر شاعرًا ويستعمل الصناعة فيجيد، وهو القائل في ابنة عمه:
حمامة بيت العَبْشَميِّين رفرفتفطرتُ إليها من سَرَاتهم صقرَا
تقل الثريا أن تكون لها يدًاويرجو الصباح أن يكون لها نحرَا
وإني لطعَّان إذا الخيل أقبلتجوانبها حتى تُرى جُونها شُقْرَا
ومكرم ضيفي حين ينزل ساحتيوجاعل وَفْري عند سائله وفرَا
وهي طويلة، قالها أيام خِطبته لابنة عمه أم الحكم بنت سليمان المستعين. قال أبو عامر: وكان متهمًا في أشعاره ورسائله، حتى كتب أبياتًا ليعلى بن أبي زيد حين وفد عليه ارتجالاً، فعجب أهل التمييز منه، وأما أنا فقد كنت بلوته. وكان ورود يعلى فجأة ولم يبرح من مجلسه حتى ارتجل الأبيات، وأنا والله أخاف أن يزل، فأجاد وزاد. هذا آخر كلام أبي عامر.
ولم يكن كذلك إلى أن خُلع، وقُتل وزيره المذكور في داره؛ دخل عليه عوام أهل قرطبة نهارًا فتولوه بالحديد إلى أن بَرَد، وخلعوا المستكفي بالله وأخرجوه عن قرطبة، بعد أن أقام ثلاثة أيام مسجونًا لا يصل إليه طعام ولا شراب، ثم نفوه -كما ذكرنا- فلحق بالثغور، ورجع الأمر إلى يحيى بن علي الفاطمي.
وانتهى المستكفي المذكور من الثغر إلى قرية تعرف بـ شمنت بالقرب من مدينة سالم، ومعه أحد قواده، وهو عبد الرحمن بن محمد بن السليم، ومن ولد سعيد بن المنذر القائد المشهور أيام عبد الرحمن الناصر؛ فكره هذا القائد التمادي معه، فاستدعى المستكفي غداءه، فعمد القائد إلى دجاجة فدهنها له بعصارة نبت يقال له: البيشوهو كثير ببلاد الأندلس وخصوصًا بتلك الجهة- فلما أكلها المستكفي مات مكانه، فغسله وكفنه وصلى عليه ودفنه؛ فقبره هناك، ولا عقب له.
ثم أقام يحيى بن علي الفاطمي في الولاية نافذ الأمر، إلا أنه لم يدخل قرطبة، وإنما كان مقيمًا بقرمونة كما قد قدمنا، إلى أن قُتل في التاريخ الذي تقدم ذكره.
النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع