من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
سبب اتصال أبي يوسف القاضي بالرشيد
وحدّثني أبي، قال:
كان سبب اتّصاله بالرشيد إنّه قدم بغداد بعد موت أبي حنيفة، فحنث بعض القوّاد في يمين، فطلب فقيها يستفتيه فيها، فجيء بأبي يوسف، فأفتاه أنّه لم يحنث، فوهب له دنانير، وأخذ له دارا بالقرب منه، واتّصل به.
فدخل القائد يوما إلى الرشيد، فوجده مغموما، فسأله عن سبب غمّه، فقال: شيء من أمر الدين قد حزبني، فاطلب لي فقيها أستفتيه، فجاءه بأبي يوسف.
قال أبو يوسف: فلما دخلت إلى ممرّ بين الدور، رأيت فتى حسنا، أثر الملك عليه، وهو في حجرة في الممرّ محبوس، فأومأ إليّ بإصبعه مستغيثا، فلم أفهم عنه إرادته، وأدخلت إلى الرشيد، فلما مثلت بين يديه، سلّمت، ووقفت.
فقال لي: ما اسمك؟
قلت: يعقوب. أصلح الله أمير المؤمنين.
قال: ما تقول في إمام شاهد رجلا يزني، هل يحدّه؟
قلت: لا يجب ذلك.
قال: فحين قلتها سجد الرشيد، فوقع لي إنّه قد رأى بعض أولاده الذكور على ذلك، وإنّ الذي أشار إليّ بالاستغاثة، هو الابن الزاني.
قال: ثم رفع رأسه، فقال: ومن أين قلت هذا؟
قلت: لأنّ النبي ﷺ، قال: ادرؤوا الحدود بالشبهات، وهذه شبهة يسقط الحد معها.
فقال: وأي شبهة مع المعاينة؟
قلت: ليس توجب المعاينة لذلك أكثر من العلم بما جرى، والحكم في الحدود لا يكون بالعلم.
قال: ولم؟
قلت: لأن الحدّ حقّ الله تعالى، والإمام مأمور بإقامة الحدّ، فكأنّه قد صار حقا له، وليس لأحد أخذ حقّه بعلمه، ولا تناوله بيده، وقد أجمع المسلمون على وقوع الحدّ بالإقرار والبيّنة، ولم يجمعوا على إيقاعه بالعلم.
قال: فسجد مرّة أخرى، وأمر لي بمال جليل، ورزق في الفقهاء في كل شهر، وأن ألزم الدار.
قال: فما خرجت، حتى جاءتني هديّة الفتى، وهديّة أمّه، وأسبابه، فحصل لي من ذلك، ما صار أصلا للنعمة، وانضاف رزق الخليفة، إلى ما كان يجريه عليّ ذلك القائد.
ولزمت الدار، فكان هذا الخادم يستفتيني، وهذا يشاورني، فأفتي وأشير، فصارت لي مكنة فيهم، وحرمة بهم، وصلاتهم تصل إليّ، وحالتي تقوى.
ثم استدعاني الخليفة، وطاولني، واستفتاني في خواصّ أمره، وأنس بي.
فلم تزل حالي تقوى معه، حتى قلّدني قضاء القضاة.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع