من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
لم أمرضه فأسلو # لا ولا كان مريضا
حدّثني أبي قال:
خرج إلينا يوما، أبو الحسن الكاتب، فقال: أتعرفون ببغداد رجلا يقال له: ابن أصدق؟
قال: فلم يعرفه من أهل المجلس غيري، فقلت: نعم، فكيف سألت عنه؟
فقال: أي شيء يعمل؟
قلت: ينوح على الحسين ﵇.
قال: فبكى أبو الحسن، وقال: إنّ عندي عجوزا ربّتني من أهل كرخ جدّان عفطية اللسان، الأغلب على لسانها النبطية، لا يمكنها أن تقيم كلمة عربيّة صحيحة، فضلا عن أن تروي شعرا، وهي من صالحات نساء المسلمين، كثيرة الصيام والتهجّد.
وإنّها انتبهت البارحة في جوف الليل، ومرقدها قريب من موضعي، فصاحت بي: يا أبا الحسن.
فقلت: ما لك؟
فقالت: الحقني.
فجئتها، فوجدتها ترعد، فقلت: ما أصابك؟
فقالت: إنّي كنت قد صلّيت وردي فنمت، فرأيت الساعة في منامي، كأنّي في درب من دروب الكرخ، فإذا بحجرة نظيفة بيضاء، مليحة الساج، مفتوحة الباب، ونساء وقوف عليها.
فقلت لهم: من مات؟ وما الخبر؟ فأومأوا إلى داخل الدار.
فدخلت، فإذا بحجرة لطيفة، في نهاية الحسن، وفي صحنها امرأة شابّة لم أر قط أحسن منها، ولا أبهى ولا أجمل، وعليها ثياب حسنة بياض مرويّ ليّن، وهي ملتحفة فوقها بإزار أبيض جدّا، وفي حجرها رأس رجل يشخب دما.
فقلت: من أنت؟.
فقالت: لا عليك، أنا فاطمة بنت رسول الله، صلى الله عليه، وهذا رأس ابني الحسين، ﵇، قولي لابن أصدق عنّي أن ينوح:
لم أمرّضه فأسلولا ولا كان مريضا
فانتبهت فزعة.
قال: وقالت العجوز: لم أمرّطه، بالطاء، لأنّها لا تتمكّن من إقامة الضاد، فسكّنت منها إلى أن نامت.
ثم قال لي: يا أبا القاسم [ ط] مع معرفتك الرجل، قد حمّلتك الأمانة، ولزمتك، إلى أن تبلّغها له.
فقلت: سمعا وطاعة، لأمر سيدة نساء العالمين.
قال: وكان هذا في شعبان، والناس إذ ذاك يلقون جهدا جهيدا من
الحنابلة، إذا أرادوا الخروج إلى الحائر.
فلم أزل أتلطّف، حتى خرجت، فكنت في الحائر، ليلة النصف من شعبان.
فسألت عن ابن أصدق، حتى رأيته.
فقلت له: إنّ فاطمة ﵍، تأمرك بأن تنوح بالقصيدة [التي فيها]:
لم امرّضه فأسلولا ولا كان مريضا
وما كنت أعرف القصيدة قبل ذلك.
قال: فانزعج من ذلك، فقصصت عليه، وعلى من حضر، الحديث، فأجهشوا بالبكاء، وما ناح تلك الليلة إلّا بهذه القصيدة، وأوّلها:
أيّها العينان فيضاواستهلّا لا تغيضا
وهي لبعض الشعراء الكوفيّين.
وعدت إلى أبي الحسن، فأخبرته بما جرى.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع