تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

المعتضد يكتب رقعة في رفع ظلامة

حدّثني محمد بن أحمد بن عثمان الزيّات، قال: حدّثني أبو بكر بن حورى- شيخ كان من أهل فامية، من أعمال النهروان، قد أقام ببغداد سنين، وكان مشهورا بصحبة ابن أبي عوف - قال:

كنت ألزم ابن أبي عوف، سنين، لجوار بيننا ومودّة، لا أسأله حاجة، لأنّها لم تكن تعرض لي، وكنت أتخفّف بين يديه في حوائج ينفذني فيها، وكان رسمي في كلّ ليلة، أجيئه بعد العتمة، وقد صلّى ودخل منزله، فحين يراني، يمدّ رجله في حجري، فأغمزها، وأحادثه، فيسألني عن الأخبار والحوادث ببغداد، وكنت أسأل عنها، وأتطلّبها من كل موضع، وأجيئه بها، وأخبره بخبر من قدم البلد، ومن سافر عنه، ومن مات، ومن ولد، ومن خاصم، ومن ورث، ومن يرجف به الناس، وأخبار الجيران، وبكل غثّ وسمين، إلى أن ينعس، فإذا نعس، قبض رجله، فقمت إلى بيتي، وقد مضى ثلث الليل، أو بعضه، أو أقل.

[وجرى الأمر] على هذا سنين.

فلما كان ذات يوم، جاءني سقطيّ كان يعاملني، فقال: قد دفعت إلى شيء إن تمّ عليّ، افتقرت.

فقلت: ما هو؟

فقال: رجل كنت أعامله، فاجتمع لي عليه ألف دينار، فطالبته، فرهنني عقد جوهر، قوّم بألف دينار، إلى أن يفتكّه بعد شهور، أو أبيعه، وأذن لي في ذلك.

فلما كان أمس، وجّه مؤنس الفحل، صاحب الشرطة، من كبس دكّاني، وفتح صندوقي، وأخذ العقد، وقد استتر الرجل.

فقلت له: لا تفكّر في هذا، فإنّي أخاطب أبا عبد الله بن أبي عوف، فيلزمه ردّه صاغرا.

قال: وأنا مدلّ بابن أبي عوف، لمكاني منه، ومكنته من المعتضد.

فلما كان تلك الليلة، جئته، فمدّ رجله في حجري، على الرسم وحادثته، وعرّفته الأخبار، وقلت له في جملتها، أمر السقطيّ مع مؤنس.

ثم قلت: هذا الرجل جاري، ومعاملي، وأوجب الناس حقا عليّ، ولا بدّ- والله- من تفضّلك يا سيّدي، واعتنائك في أمره، وإلزام مؤنس، ردّ العقد. قال: فحين سمع هذا نحّى رجله من حجري وقال:

ما أنا وهذا؟ أعادي صاحب شرطة الخليفة؟ وكيف استجزت أن تعرّضني لمثل هذا، وتسألني فيه؟ كأنّي بك، وقد قلت: ابن أبي عوف صديقي ألزمه ردّ هذا، ولم تشفق على جاهي، وكأنّ صلاح حال السقطيّ، أحبّ إليك من صيانة جاهي، ما أنا، عافاك الله، وهذا؟ ولا أليه.

قال: فورد عليّ من هذا، أعظم مورد، وقلت في نفسي: هذا رجل قد خدمته، كذا وكذا سنة، هذه الخدمة، التي لم تخدمها العبيد، على أنّي ما سألته قطّ حاجة، ولا احتجت إليه في شيء، ولا له عليّ رزق، ولا

أفضال، يلقاني في حاجة قد سألته فيها، بمثل هذا؟ شهد الله، لا دخلت له دارا بعدها أبدا.

وأمسكت وجلست لا أتكلم، ثم قمت قبل الوقت الذي كنت أقوم فيه، وعدت إلى منزلي منكسرا مغموما.

فلما كان من الغد، بكّرت، لئلا يجيئني الرجل، بسبب حاجته، فأفتضح عنده، ولم أدخل بيتي إلى وقت المغرب، ثم جئت، فصلّيت، وطرحت، واعتقدت أنّني لا أمضي إليه.

فلما صلّيت العتمة، جاءني خادم لابن أبي عوف، فقال: الشيخ بقرأ عليك السلام، ويقول: لم تأخرت الليلة؟ إن كنت معافى، فتعال، وإن كنت متشكّيا جئناك.

فاستحييت، وقلت: أمضي الليلة، ثم أنقطع.

فحين دخلت إليه، ورآني، مدّ رجله في حجري، فأخذتها، وغمزتها على الرسم.

فقال: أيش عندك من الأخبار؟

فأقبلت أحدّثه، بحديث غثّ، متكلّف، متصنّع، فلم يزل يصبر على ذلك ساعة، ثم قبض رجله، فقمت.

فقال: يا أبا بكر، انظر أيش تحت المصلّى.

وإذا برقعة في قرطاس، فأخذتها، وتقدمت إلى الشمعة، وإذا فيها:

«يا مؤنس، جسرت على قصد دكّان رجل تاجر، يعرف بفلان، وفتحت صندوقه، وأخذت منه عقد جوهر قيمته ألف دينار، وأنا في الدنيا؟ والله، لولا أنّها أول غلطة غلطتها، ما جرى في ذلك مناظرة، اركب بنفسك إلى

دكّان الرجل، حتى تردّ العقد في الصندوق، بيدك ظاهرا».

فقلت لأبي عبد الله: أيش هذا يا سيّدي؟

فقال: خطّ المعتضد إلى مؤنس، بما أردته، مثّلت بين وجدك وعتبك، مع بقاء الحال مع مؤنس كما هي، وبين رضاك وقضاء حقك، وإيحاش مؤنس، فاخترتك عليه، فأخذت خطّ أمير المؤمنين، بما تراه، فامض، وأوصله إليه، فإنّه يفعل ما أمره به.

فقبّلت رأسه، وشكرته، وانصرفت، وأنا من الفرح لا أعقل.

وجئت إلى الرجل، وأخذت بيده، ومضينا إلى مؤنس، وسلّمت التوقيع إليه، فحين قرأه اسودّ وجهه، وارتعد حتى سقطت الرقعة من يده، ثم قال:

يا هذا، الله بيني وبينك، هذا شيء ما علمت به، وتموه عليّ، فألا تظلّمتم إليّ، فإن لم أنصفكم، فإلى الوزير، ما هذا؟ بلّغتم الأمر إلى أمير المؤمنين، من أوّل وهلة؟

قال: وانتشطت، فقلت: بعلمك جرى، والعقد معك.

قال: فأحضر العقد، وقال: خذوا الألف دينار، التي عليه الساعة، واكتبوا على الرجل، بطلان ما ادّعاه.

فقلت: لا نفعل.

فقال: خذوا ألفا وخمسمائة دينار.

فقلت: والله، لو أعطيتنا ألف ألف دينار، ما رضينا، أو تركب بنفسك إلى الدكّان، والعقد معك، فتردّه إلى الصندوق، ولا نكذّب أنفسنا، أو تردّ التوقيع، فقال: أسرجوا لي.

قال: فركب، والله، في موكبه، حتى وقف على دكّان الرجل، وردّ العقد بيده إلى الصندوق.

فجاءنا صاحبه، في ذلك اليوم، ودفع الألف دينار، وارتجعه.

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.