من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
مهاترة بين رجلين من الخاصة
حدّثني أبو محمد يحيى بن محمد بن فهد الأزديّ، قال: حدّثني أبو عليّ الحسن بن محمد الأنباري الكاتب، قال:
كنت، وأنا حدث، أوقّع بين يدي، [أبي] محمد دلويه، وهو، إذ ذاك، يكتب للمؤتمن سلامة- أخي نجح الطولوني- حاجب القاهر.
فجاءه يوما أبو عليّ الحسين بن القاسم بن عبيد الله، وأبو جعفر الكرخي مسلّمين، فحبسهما للأنس، وأجلسهما في دست، في صدر قبّة كانت له، وجلس دونهما على مطرح، وفرش في بيت إلى جانب القبّة، له باب إليها، وأجلس فيه ابنه، وأجلسني معه، وكأنّه رفع الرجلين عن معاشرتهما لنا، ونحن أحداث، وأراد بذلك سماع كلامهما، والأنس بسماع الغناء.
وكان إلى جانب القبّة، بيت آخر، فأجلس الغناء فيه، ومدّت ستارة على بابه.
وأخذوا في الشراب، ونحن نسمع الغناء، وما يجري من كلامهم، ولا نرفع أصواتنا بالكلام، لئلّا يسمعوا ذلك.
فلما توسّطوا الشراب، أحضر باكورة، فقبّلها، ثم أقبل عليهما، وقال: الإنصاف أن أقسمها أثلاثا، ولكنّي قد وفّرت قسمي عليكما يا سيّديّ، فاقتسماها أنتما.
فأخذها الحسين بن القاسم، فقال: يا سيّدي، يا أبا جعفر، هذه تحبّ أن آخذ أنا ثلثيها، وأعطيك ثلثها؟
فقال الكرخي: فعلام يا سيّدي؟
فقال: لأنّك، أنت وأخوك، ولدتما توأما، فأنت نصف توأم، وأنا تامّ لأنّي ولدت وحدي، ولو كان أخوك حاضرا، لكان لي ولك وله أثلاثا، ومع غيبته، فأنت لا تستحقّ أكثر من الثلث.
فقال له أبو جعفر: ما أعجب هذا، أنت رجل كان جدّك نصرانيا، يعتقد أنّ الله ثالث ثلاثة، ونشأ أبوك فصار ثنويا، وترك مرتبة، ونشأت أنت فكان القياس أن تترك مرتبة واحدة أخرى، ولكنّك تركت مرتبتين، فنشأت ملحدا، لا تعتقد شيئا أصلا، ولم نعيّرك بذلك، تعيّرنا أنت بالتوأم، ولا ذنب لنا فيه، وما هو عار على الحقيقة.
فغضب الحسين بن القاسم، وابتدر ليجيب.
فقام دلويه، وقال: الطلاق ثلاثا، لازم لي، وكلّ ما أملكه صدقة، إن أجبت يا سيّدي بشيء، ولا تكلّمت أنت يا سيّدي، يا أبا جعفر بشيء، فإنّ هذا يخرج الآن عن المزاح إلى العربدة، والأحقاد، والوحشة التي تبقى، وقدركما يرتفع عن هذا.
قال: فسكتا ساعة واجمين، ولم يزل أبو محمد، يداريهما، ويبسطهما، ويستعطف كل واحد منهما لصاحبه، حتى اصطلحا.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع