تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

طريقة أبي البيان المؤدب في التدريس

ورأيته يوما عند معلّمي، في مكتبي، وقد حضر وقتا كان فيه المعلّم يأخذ علينا الشعر، وكانت عادته أن يقيم الصبيان صفا، فيطالبهم بإنشاد القصيدة.

فأقامهم في تلك العشيّة، وقد حضر أبو البيان، فقال له: يا أبا جعفر، ما هذا التفريط؟

قال: وكيف؟

قال: إنّ لي عادة في سياسة الصبيان، لا أرخّص لهم فيها، إن سألتني علمتك إيّاها.

فقال: افعل.

قال: تقدّم إلى صبيانك، أن يمتثلوا أمري، لأريك ذلك.

فقال لهم أبو جعفر: انظروا ما يأمركم به أبو البيان، فافعلوه.

فأقبل عليهم يخاطبهم في كلامه، فقال: لكم أقول أيها الصبيان، ولمن يجاوركم من الغلمان، إلى حدود الأحداث والفتيان، اسمعوا وعوا، فمن خالف بعد البرهان، أنزلت به غليظ الامتحان، تراصّوا في صفوفكم، والزقوا أقدامكم، وأقيموا ألواحكم، وأقبلوا عليّ بألحاظكم، وأحضروا فيما تنشدون قلوبكم، وارفعوا أصواتكم، وقولوا قول صبيّ واحد:

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل وصاح بالشعر مطرّبا.

فما ملك الصبيان الضحك، وضحك معلّمي معهم.

فقال: يا أبا جعفر، التراب والجندل بفيك وعلى رأسك، والويل والويح محيطان بك، أتطمع أن تعلّمهم بهذه الهيبة؟ حفّت بك اللعنة والخيبة، أسبابك أفسدت، أمن قدري بضحكك وضعت؟ أم سترك عند هؤلاء الأنكاد هتكت؟ أشهد الله، لا أكلمك، أو تعتذر.

وأخذ أبو جعفر، يداريه، ويعتذر إليه، حتى رضي لوقته.

وكان يقول الشعر، وينشده أبا جعفر دائما، وما حفظت منه شيئا.

ولولا أنّ هذه الألفاظ، تعاودناها في المكتب ونحن صبيان، لم تعلق بحفظي، فلما ترعرعت، كتبتها في موضع، وأنسيتها، ثم نقلتها منه، إلى هذا الموضع، وبقيت عندي إلى الآن.

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.