من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
القاضي ابن البهلول يوصي القاضي التنوخي لما نصبه للقضاء
حدّثني أبي، قال:
كان أوّل شيء قلّدته، القضاء بعسكر مكرم، وتستر، وجنديسابور والسوس، وأعمال ذلك، من قبل القاضي أبي جعفر أحمد بن إسحاق ابن البهلول التنوخيّ. وكنت في السنة الثالثة والثلاثين من عمري، وذلك في شهور إحدى عشرة وثلاثمائة، لأن مولدي في ذي الحجة من سنة ثمان وسبعين ومائتين.
فلما سلّم إليّ أبو جعفر العهد، أوصاني بتقوى الله ﷿، وبأشياء من أمور العمل، وسياسته في الدنيا والدين، وبأمر جاريه، أتنجّزه من العامل هناك، لأنّه كان مسبّبا عليه، فودّعته، ونهضت.
فقال: اجلس، فقد أنسيت مهمّا.
فجلست، فقال: إنّك شاب، وفضلك تامّ، وعملك وافر، وإنّك سترد على قوم فيهم شرّ، وسيحسدونك على فضلك، أو يطلبون معايبك، إذا حكمت عليهم بالحقّ، فلا يجدون طريقا إلى الغضّ منك، إلّا بنسبتك إلى الحداثة، وقلّة حنكتها، ولن تعدم منهم ذلك، فإن صدقت حقّقوا ما يريدون، والكذب لا يجوز، فإيّاك أن تخبر بسنّك على حقيقتها، ولكن إذا سئلت عنها، فقل: دون الأربعين سنة، فلو كانت عشرين، أو أقلّ، لكنت صادقا، وفي فزعك إلى الأربعين ستر عليك، لأنّها الأسدّ، وحدّ التكهّل والحنكة، فإن بليت بمن يطوّل معك، فيقول: دون الأربعين بكم؟
فقل: لست أذكر، وانو أنّك لست تخبر، ليقطع الخطاب، ويقع للسائل، أنّك ناس حقيقة سنّك.
قال: فخرجت، واتّفق أنّ شعرة واحدة، ابيضّت في لحيتي، في مسافة الطريق، فلمّا دخلت الأهواز، تعمّلت لإخراجها بالمشط، إلى حيث يلحقها النظر، تجمّلا بها.
واستقبلني محمد بن جعفر بن معدان الشاهد، وكان يخلف أبا جعفر، على الوقوف، وقد كاتبه بإعظامي، وتلقيّ، فجاءني بمركوب إلى الشطّ، وركبته إلى دار اتّخذت لي، وكان يغشاني في كلّ يوم.
فلمّا أردت الخروج إلى عملي، قال لي: قد هالني ما رأيته من فضل القاضي أيّده الله، فكم سنوه؟
فذكرت، وصيّة أبي جعفر، فقلت: دون الأربعين سنة.
فقال: دونها بكم؟
فقلت: لست أذكر.
فلم يشكّ أنّي ناس لتحقّقها، فأمسك عنّي.
وهذا ضدّ ما نشاهده الآن، فإنّي قد رأيت ببغداد، قاضيين، هاشميّين خطيبين، شاهدين، أحدهما أجلّ وأنبه، وإليهما أعمال جليلة، وأحدهما قد تقلّد من جهة الخليفة جلائل الأعمال، ووهّل نفسه، لقضاء القضاة، وخطب ذلك فما تمّ له، وهما يخضبان لحيتهما، ظاهرا، بالسواد، وأحدهما ترك ذلك، قبل موته بسنين، وهو الأدون محلّا، والآخر باق مقيم على الخضاب، إلى الآن، ونسأل الله سترا جميلا، فإنّ الخضاب، وإن كانت فيه روايات، فإنّما يعذر فيه الجند، والكتاب، ومن لا يتصدّى للحكم والشهادة، فأمّا من نصب نفسه، فلا عذر له فيه.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع