تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

الوزير المهلبي يناظر بعض دعاة الفتنة ببغداد

حضرت مجلس أبي محمد المهلبي، وكانت العامّة ببغداد، قد هاجت في أيام وزارته، وعظمت الفتنة، وقبض على جماعة من العيّارين وحملة السكاكين، وجعلهم في زوارق مطبقة، وحملهم إلى بيروذ، وحبسهم هناك.

فاستهانوا بالقصّة، وكثف أمرهم، وكثر كلام القصّاص في الجوامع، ورؤساء الصوفية، فخاف من تجديد الفتنة، فقبض على خلق منهم، وحبسهم، وأحضر أبا السائب، قاضي القضاة إذ ذاك، وجماعة من القضاة، والشهود، والفقهاء، وكنت فيهم، لمناظرتهم، وأصحاب الشرط، لنأمن مضرّتهم، إذا قامت الحجج عليهم.

فاتّفق أن بدىء برجل من رؤساء الصوفيّة، يعرف بأبي إسحاق بن ثابت، ينزل بباب الشام، أحد الربانيّين، عند أصحابه، فقال له:

بلغني أنّك تقول في دعائك: «يا واحدي بالتحقيق، يا جاري اللصيق»، فمن لا يعلم بأنّ الله لا يجوز أن يوصف بأنّه لصيق على الحقيقة، فهو كافر، لأنّ الملاصقة من صفات الأجسام، ومن جعل الله جسما كفر، فمن يكون محلّه في العلم هذا، يتكلّم على الناس؟

وقل لي: ما معنى ما بلغني عنك، أنّك تقول في جملة كلامك: «أخذتني منّي، ولم تبقني عليّ، فها أنا بلا أنا».

حصلنا على أنّكم تهذوا، وتوهموا الناس، على أنّكم ربانيين، وتستدعونهم، بالجهالات، إلى الضلالات، وتفتنون حضرة السلطان عليه.

السياط يا غلام.

فلم يزل يسأل في أمره، حتى كفّ عنه، وكتب عليه أن لا يتكلّم على الناس، ولا يحلّق حلقة.

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.