من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
رجال الدولة يتآمر بعضهم على بعض
حدّثنا أبو الفضل محمد بن عبد الله، قال: أخبرني جماعة من شيوخ الكتّاب ببغداد:
إنّ القاسم بن عبيد الله، كان قد أوجس في نفسه من اختصاص الحسين بن عمرو النصرانيّ، كاتب المكتفي، فوضع عليه من يأتيه بأخباره، حتى أظهر لمغنّية كان ابن الحسين بن عمرو يتعشّقها، أنّه يعشقها، وملأ عينها، وكان يتسقّطها أحاديث الحسين بن عمرو وابنه، لكثرة ملازمتها له، حتى غلبه عليها، فاضطرّ ابن الحسين بن عمرو، أن يداخل القاسم من أجلها، واجتذبه، وصار كالنديم له، فملأ عينه بالإحسان، وضرّب بينه وبين أبيه، وكان يأتيه بأخباره.
فجاء يوما، فأعلمه، أنّه قد شرع مع المكتفي في الوزارة، وضمن القاسم وأسبابه، بمال عظيم، ذكر مبلغه، وأنّه تقرّر الأمر مع الخليفة أن
يستوزر إبراهيم بن حمدان الشيرازي، كاتب الحسين بن عمرو- قال أبو الفضل، وهو جدّ أبي القاسم عليّ بن الحسين بن إبراهيم المعروف بالمشرف - على ما كان ينظر فيه للمكتفي، ويلبسه السواد، ويخاطب بالوزارة، لأنّه لم يرغب هو في الإسلام، ولم يجز استيزار ذمّي، وأن تكون الدواوين، والأمور، كلّها إليه، ويؤمر الوزير أن يصدر عن أمره، ولا يصل إلّا في أيّام المواكب، والمجالس الحافلة، للعرض فقط، وإقامة الرسم، ويلبس السواد، والسيف، والمنطقة، وأنّ فارس- داية المكتفي- هي التي قررت ذلك مع الخليفة، وأنّه قد وعدهم ليوم بعينه، قريب، ذكره، ليقبض على القاسم وأسبابه، ويسلمون إلى الحسين بن عمرو.
وشاور القاسم أبا العباس بن الفرات، كيف يصنع؟
فقال له: عندي ما يكفيك هذا الأمر.
قال: وما هو؟
قال: كتاب بخطّ الحسين بن عمرو، الذي يعرفه الخليفة، إلى أبيك، كتبه إليه من بعض الوجوه التي خرج إليها المكتفي، في أيّام المعتضد، وهو إذ ذاك كاتبه، يخبر أباك، عن بخل المكتفي، وسقوط نفسه، وعيوبه، وفواحشه، وضعفه، ونقصه، بكلّ عظيمة، ويشير على أبيك، أن ينهي ذلك إلى المعتضد، وأن يسرع في استدعائه إلى الحضرة، لئلّا يفتضح الملك.
والوجه لك، أن تعمل ثبتا بجميع أملاكك، وما تحويه يدك، ودارك،
وملكك من جميع الأشياء، وتصير إلى الخليفة، وتستخليه، فإذا خلا، طرحت نفسك بين يديه على الأرض، وبكيت، وأخرجت الثبت، وسألته أن يقبل جميعه منك، عفوا حلالا، ويقرّك على خدمته، أو أن يؤمنك على جسمك، ونفسك، وأن لا يسلمك إلى الحسين بن عمرو، فإنّه غير مأمون عليك، فإذا سألك عن سبب ذاك، أعلمته أنّ الحسين بن عمرو، أظهر السرّ، فبلغك، وأخرجت الكتاب إليه، وقلت له: يا أمير المؤمنين، كيف تأمن على نفسك، ودولتك، من هذا اعتقاده فيك؟ فإنّه إذا قرأه، مع ما قد سمعه منك، انحلّ، ورجع لك، وانقلب على الحسين بن عمرو، وإذا سألك عن الكتاب، عرّفته أنّه كان في خزائن أبيك، يحفظه على الحسين بن عمرو لك، ويسلمه إليك، وكان المعتضد يخافه حتى هلك، وأنّك أنسيت أمره إلى الآن، فأظهرته، واضمن الحسين بن عمرو، وإبراهيم الشيرازيّ، وأسبابهما، كذا وكذا ألوفا، تقدر على استخراجها منهم، فإنّ الخليفة يجيبك، وإذا وعدك، فعرّفه أنّ هذا أمر قد ظهر وفشا، وتحدّث به الناس، وكثرت معه الأراجيف، وأنّه إن أخّر تسليمهم إليك، وقفت الأمور على العمّال، وطمع فيها كلّ أحد، فأضرّ ذلك به، ووقفت أمور الوزارة، وسخفت من تأخر تسليمهم إليك، فإنّه يسلمهم.
قال: فركب القاسم في الحال، إلى المكتفي، وعمل جميع ما قاله له أبو العبّاس، فجرى الأمر على ما ظنّه.
وعاد القاسم، وقد أذن له الخليفة في القبض على الحسين بن عمرو وأسبابه، فقبض عليهم، واستصفى أموالهم، فلما أحسّ بنفادها، أنفذ الحسين بن عمرو، وإبراهيم الشيرازي، إلى الأهواز، على سبيل النفي، ووكّل بهما، فلما حصلا بالأهواز، قتلهما الموكلون، وقيل أنّهما جعلا في
بيت، وسدّ، ومنع من دخول الماء إليهما، والغذاء، فلما علم بموتهما، فتح الباب، ونقلا إلى بيت آخر، وأظهر إنّ أجلهما أدركهما.
قال: فلما خرج القاسم، وقد ظفر، وتمّ له التدبير، قبّل رأس أبي العبّاس بن الفرات، وعينيه، وشكره، وقال: أنت أبي، وعضدي، وما أشبه ذلك من القول.
فحسده ابن فراس، على ذلك، وقال للقاسم: أيّها الوزير، سل أبا العبّاس من أين له هذا الكتاب؟
فسأله.
فقال أبو العبّاس: كنت منذ دهر، مجتازا في بعض الطرقات، فرأيت في دكان نطّاف رفّا عليه ظهور معلقة، ليجعل فيها ما يبيعه من الناطف على الناس، وما رأيت قطّ شيئا مكتوبا، إلا أحببت قراءته، وقد أفدت من ذلك، دفعات كثيرة، فوائد كبارا.
قال: فلحظت الظهور، فوقعت عيني منها، على عنوان هذا الكتاب، فعرفت خط الحسين بن عمرو، فتتبّعت نفسي قراءة الكتاب، فقلت لغلامي:
امض، فاشتر هذا الناطف، في ذلك الظهر، وأومأت إلى هذا الكتاب، ففعل، وجاءني به، فقرأته، فوجدت فيه العظائم، فقلت في نفسي: هذا
أشر الناس، يكتب لرجل، ويتخلّفه بمثل هذا الكتاب، فلعلّه أن يلحقني يوما، شرّ من هذا الرجل، فأدفعه بهذا الكتاب، أو أنعى عليه عيوبه، فمسحت آثار الناطف منه، واحتفظت بالكتاب، فهو عندي منذ كذا وكذا سنة، فلمّا حدّثني الوزير الآن بهذا الحديث، علمت أنّه موضع إظهار الكتاب، فأظهرته.
فلما انصرف ابن الفرات عن المجلس، قال ابن فراس، للقاسم- وكان يشنعه عنده دائما، فلا يلتفت إليه- قد بان لك مقدار شرّ ابن الفرات، هذا شرّ عليك من الحسين بن عمرو، لأنّه عدوّ مدغل، مندسّ بين ثيابك، والحسين، كان عدوّا مكاشفا، وأنت على اتّقائه أقدر، ما يؤمنك أن يكون ابن الفرات، قد تحفّظ عليك، في مدة استرسالك إليه، ما هو أكثر من هذا، أو قد حصل خطّك بألوان من الذمّ، وأنت ناس، كما فعل بالحسين ابن عمرو؟ ما يؤمنك أن يكون عنده من خطوطك، أو خطوط أبيك، ما يجري هذا المجرى؟ فإنّ الناس، ربما سخطوا على أصحابهم، واستأمنوا إلى بثّهم عند نصحائهم، وإنّما يترقّب منك ابن الفرات، إعراضا، أو أدنى خلاف عليه في شيء لا يؤثره، وتؤثره أنت، فيظهر للخليفة عنك، وعن أبيك، ما هو أعظم من هذا، فتهلك، وإن أمسكت عنه، فأنت ربيب في حجره، وعنده أنّه قد ردّك إلى الوزارة برأيه، ويقتطع الدنيا، ويفوز بها، وبفائدتها، وتكون التبعة عليك، وإن أوحشته، قتلك بمثل هذا الفعل، فاقبل رأيي، وعاجله، واحتل عليه، بسمّ تدسّه إليه، وتتخلّص منه.
قال: فوقع ذلك في نفس القاسم. وما زال ابن فراس يقوّي رأيه، إلى أن عمل له سمّا في تفّاحة، وأشمّه إيّاها، فأتلفته.
وكان هذا الكتاب، أشأم كتاب سمع به.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع