تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

الفصل الرابع في مملكة الإيرانيين

الصفحة ١ من ٢

وهي العراق والعجم [¬] وخراسان [¬]، هذه المملكة طولا من نهر جيحون المحيط بآخر حد خراسان إلى الفرات القاطع بينها وبين الشام، وعرضا من كرمان المتصل بالبحر الفارسي المنقسم من البحر الهندي إلى نهاية ما كان بيد بقايا الملوك السلجوقية بالروم، على نهاية حدود العلايا وأنطاكية من البحر الرومي [¬]، ويفصل في الجانب الشمالي بين هذه المملكة وبين بلاد القبجاق النهر المجاور لباب الحديد، وهو المسمى باللغة التركية دمرقابو [¬]، وبحر طبرستان وهو المسمى ببحر الخزر وبالقلزم [¬].

أخبرني الفاضل نظام الدين أبو الفضائل يحيى بن الحكيم الطياري أن هذه المملكة تكاد تكون تربيعة [¬]، فيكون طولها بالسير المعتاد أربعة أشهر، وعرضها أربعة أشهر، وهذه هي المملكة الصائرة إلى بيت هولاكو بن تولي بن جنكيزخان، وتداولها السلاطين من أبنائها إلى الآن.

وهي متوسطة في المعمور؛ من أجلّ ممالك الأرض وأوسطها في الطول والعرض، وبها تخت الأكاسرة [¬] إلى أن تسلمه الإسلام، ثم استقرت بها قاعدة الخلافة

العباسية إلى آخر الأيام، ذات أقاليم كثيرة. ومدن كثيرة، مشتملة على رساتيق [¬] وأعمال وخطط وجهات.

وقاعدة الملك بها الآن توريز [¬] ثم السلطانية وبيت هولاكو يرون أن الملك من قعد على التخت باوجان وأوجان (المخطوط ص) في ظواهر توريز.

وفيها من الممالك العظيمة العراقان؛ عراق العرب، وعراق العجم وخراسان وكرمان وفارس وآذربيجان وآران والري والجبال وديار بكر وربيعة والجزيرة وأرمينية [¬] وكرجستان [¬] والروم [¬]، وإذا أنصفت هذه المملكة كانت قلب الدنيا على الحقيقة.

وهذه المملكة تندرج في مطاويها عدة ملوك كلهم عبيد سلطانها، كصاحب هرى [¬]، وأصل اسمها هراة، وصاحب كرمان [¬] وصاحب كيلان [¬]، وصاحب سمنان وصاحب مالاين وصاحب أرزن، ونحن نتكلم على قواعد الملك بها.

أما توريز فواقعة في آذربيجان، وهي مدينة قديمة، أغرقت في السعادة أنسابها، وثبتت في النعمة قواعدها.

وأما السلطانية فواقعة في عراق العجم بناها السلطان محمد خدابنده أو بخانتوين أرغون بن أبغا بن هولاكو [¬]، بناءها، ووسع فناءها، وأتقنت قسمتها في الخطط والأسواق وجلب إليها الناس (من أقطار الأرض)، ومن أقطار مملكته، واستجلبهم إليها بما بسط لسكانها من العدل والإحسان، وهي الآن عامرة آهلة، كأنما مرت عليها مئين [¬] سنين، لكثرة من استوطنها، وتأهل بها وأولد من الولد فيها، وقد مضت عليها مدة بلغ بنوها مبالغ الرجال، ومنهم من جاز إلى رتبة الاكتهال.

وأما أوجان فهي بظاهر توريز ذات مروج ممتدة وماء جم، وبها قصر اتخذه أواخر ملوكهم صار معدا لمنزل السلطان، وبنى أكابر الأمراء قصورا لمنازلهم حوله، فأما عامة الخواتين والأمراء والكراء، فإنهم يتخذون زروبا [¬] من القصب كالحظائر، ينزلون بها أيام نزولهم بأوجان [¬] في مشاتيهم، وينصبون مع حظائرهم [¬] الخركاوات [¬] والخيم، وتمتد الأسواق، وتبقى مدة مشتهاهم بها، مدينة متسعة

الجوانب، فسيحة المذاهب، حتى إذا رجعوا (عنها) إلى مصيفهم راحلين عنها، أحرقوا تلك الحظائر، لكثرة ما يتولد فيها يحرق من الأفاعي (المخطوط ص) والحيات.

أخبرني الفاضل نظام الدين أبو الفضائل يحيى بن الحكيم أنه يغرم على تلك الحظائر خزائن أموال ثم يحرقونها لا يبالون؛ وملوك هذه المملكة مشتاهم باوجان، وفي بعض السنين ببغداد، وأما مصيفهم في قراباغ [¬] باللغة التركية وحتى البستان الأسود، وتربته سوداء، ثم قرى ممتدة، وهو صحيح الهواء والماء، كثير المرعى، وإذا نزل به الأردو، والأردو [¬] هو محلة السلطان، وأحدث الأمراء به والخواتين منازلهم ينصب به مساجد جامعة وأسواق منوعة، يوجد بها من كل ما [¬] في أمهات المدن الكبار، (حتى يكون للخياطات أسواق ومحلات) ولا ينكر على أحد بل كل امرئ وما استحسن، وإنما الموجودات على كثرتها من (الملابس) والمأكل والمشارب والماعون، وأجر الصنائع غالية جدا، لكلفة المحمل، ومؤنة الأسفار، حتى يبلغ الشيء ثمن مثله مرتين وأكثر.

وأما الكلام في توريز فإنها مدينة غير كبيرة المقدار والماء مساق إليها، وبها أنواع الفواكه، ولكنها ليست بغاية في الكثرة.

وأما أهلها فمن أظهر الناس حشمة، وأكثرهم تظاهرا بالنعمة، ولهم الأموال المديدة والنعم الوافرة والنفوس الأبية للدنايا، ولهم التجمل في زيهم جميعه من المأكول والمشروب، والملبوس والمركوب، وما منهم إلا من يأنف أن يذكر الدرهم في معاملته بل لا معاملة بينهم إلا بالدينار وهو مسمى عندهم بالرائج، عندهم ستة دراهم، هو معاملة تلك المملكة إلا بغداد وبلادها وخراسان.

فأما معاملات بغداد فستأتي في مكانها، وأما خراسان فدينارها أربعة دراهم، كما تقدم ذكره في مملكة ما وراء النهر، وفي بعضها هذا الرائج.

ولنرجع إلى ما كنا في ذكره من أمور توريز، فذكرنا أنها مدينة ليست بخارقة في الكبر، ولا لها حواضر في خارجها، وهي اليوم أم إيران جميعا لتوجه القاصد (المخطوط ص) من كل جهة إليها، وبها محط رحال التجار والسفّار، وبها دور أكثر الأمراء الكبراء المصاحبين لسطاتها، لقربها من أوجان، وهي مستقر أكثر أوقاتهم، ويشتد البرد بتوريز كثيرا، وتتوالى الثلوج بها حتى أنه ليتخذ سروات أهلها في أدرهم أدر [¬] مستوية لا انفراج وفي سقوفها ولا في دوائرها ولا ضوء لها إلا ما تؤديه طاقات حيطانها من وراء الزجاج المركب عليها.

وأما السلطانية فأوسع بقعة وقضاء وأكثر فاكهة وماء، وهي مع كون بعض سلاطين هذا البيت أنشأها، إلمامهم بها أقل من توريز، وبها قلعة مبنية مرجلة على بسيطها، فأما الموجود بتوريز وبالسلطانية من الفواكه فمن أنواعها خلا ما لا يطلع في البلاد المفرطة البرد كالأترج والنارنج والليم والليمون والرطب والقصب والموز، وما يجري هذا المجرى، فإنه لا يجيء إليها إلا محمولا من العراق، هي بلاد ما

للزيتون بها نبات، فأما ما عدا هذا من الثمار والرياحين وغالب الخضروات، فإنها لا تعدم، وأنواعها من كثير ومتوسط وقليل على اختلاف الشجر والنبات والقمح والشعير والحمص والعدس، والفول متوسط الوجود بها، ولو توفرت الدواعي على الفلاحة والزرع لكثرت مغلاتها، وعظمت جباياها لكن ملوكها لا التفات لهم إلى ذلك.

فأما الأسعار بتوريز والسلطانية فمتى نزل السلطان على جهة، غلت أسعارها لكثرة أتباعه والنازلين معه، مع قلة الزرع في الأصل، وأما ما لا ينزل عليه السلطان، فأسعاره رخية، ولا إلى غاية، ولا يباع بتوريز والسلطانية وبلادهم (يعني أهل هذه المملكة غالبا)، في الغالب قمح ولا شعير ولا شيء مما سوى هذا إلا بالميزان، وليس لهم إلا المن [¬] وهو بتوريز رطلان بالبغدادي فيكون زنته مائتين وستين درهما، وبالسلطانية المن زنته ستمائة درهم وأما معاملتهم فكما تقدم بالدينار الرائج.

سألت الفاضل نظام الدين أبا الفضل يحيى بن (المخطوط ص) الحكيم عن السعر المتوسط في توريز والسلطانية، فقال: أما مع نزول السلطان فغلاء حيث كان، وأما مع عدم نزوله فلا يكاد يتفاوت، يباع الخبز كل منين بسدس دينار، وهو درهم واحد، وهكذا الشعير إذا رخص قليلا، وأما في السلطانية فعلى نسبة هذا السعر، وأما ما يباع بالأردو، فأغلى [¬] لتكليفه حمولته، وأما اللحم في الكل فكثير جدا.

ومما لابد من ذكره في هذه المملكة مدينة بغداد دار السلام ومدار الإسلام لأنه مما لا يجوز إهمال ذكرها وإخلاء هذا الكتاب من شيء عن حالها، فإنها، وإن لم

تكن اليوم كرسي ملك، فإنها كرسي ملك الوجود، وقد تقدم القول أن المنصور أبا جعفر [¬] بناها، وهي جنبان على ضفتي دجلة، شرقي وغربي كل منهما مدينة كبيرة عظيمة غنية بنفسها عن الأخرى، إحداهما بناء المنصور، والأخرى بناها المهدي [¬] موضع معسكره، وبينهما جسران منصوبان، أحدهما يعرف بالعتيق والثاني بالجديد [¬]، وهما منصوبان على دجلة شرقا بغرب على سفن وزواريق أوقفت في الماء، ومدت بينها السلاسل الحديد المكعبة بالكعاب الثقال، وفوقها الخشب الممدد وعليهما التراب مغدف بالقير [¬] يمر عليها أهل كل جانب إلى الآخر بالجمال والخيل والحمول، وعلى ضفتي دجلة قصور الخلافة والمدارس والأبنية العلية، بالشبابيك والطاقات [¬] المطلة على دجلة.

وبناؤها بالآجر وهو المسمى بمصر الطوب، ومن بيوتها ما هو مفروش بالطوب وما هو مفروش بالقير، ولهم الصنائع العجيبة في التزويق بالطوب، وبها تتلاقى دجلة والفرات، وبها البساتين المونقة، والحدائق المحدقة.

وأما النخيل فلثمراتها فضل على ما سواها من أنواع منوعة من التمر والرطب

وبها أنواع الرياحين والخضروات والغلال، وسعرها متوسط في الغالب، لا يكاد يرخص، بها ديناران أحدهما يسمى العوان عنه اثنا عشر درهما، الدرهم بقيراط وحبتين، وذلك الدينار عشرون قيراطا (المخطوط ص)، كل قيراط ثلاث حبات، كل حبة أربع فلوس نقرة [¬] عن كل فلسان أحمران.

والثاني الدينار المرسل به أكثر ومبايعاتهم ومعاملات تجارهم عنه عشرة دراهم.

فأما الرطل البغدادي فوزنه مائة وثلاثون درهما، والمن بها مثله من توريز، وهو رطلان بالتوراني، وأما كيل الغلال بها فأكثرها الكز [¬]، وهو ثلاثون كاره [¬] وكل كاره قفيزان فيكون الكز ستون قفيز [¬]، والقفيز مكوكان والمكوك [¬] خمس عشر آق [¬].

وتختلف الكاره في الغلال والقمح والهرطبان، وهو كارة كل منهما مائتان وأربعون رطلا، وكارة الأرز ثلثمائة رطل، وكارة كل من الشعير والحمص والعدس

(والهرطبان) مائتا رطل، وكارة الحبة السوداء المسماه بالشونيز مائة رطل.

قال الفاضل نظام الدين أبو الفضائل يحيى بن الحكيم إن القانون ببغداد أن كز القمح تسعة وثلاثون دينارا ونصف دينار، والشعير خمسة عشر دينارا، كلاهما من العوان.

قال: ولعل هذا السعر المتوسط، لا يكاد يميل فيه القانون عن معدله، وأما إذا كان المشتى ببغداد، فناهيك بقلة الأقوات والغلاء الزائد، وإذا شتى السلطان ببغداد (ناهيك بقلة الأقوات)، نزل بدار تعرف بالجاثليق [¬] من أدر الخلافة، وهي الآن باقية البناء تامة البهجة صالحة لمنازل الملوك.

قال قاضي القضاة أبو محمد الحسن الغوري أنها ليست من ديار الخلفاء، بل هي دار الدوادار [¬] الكبير وكان قد نزلها الجاثليق في زمان هولاكو، وكان معظما عنده لمكانته من قطر خاتون زوجة هولاكو [¬].

ولقد سألت الصدر مجد الدين بن الدوري عن السبب في قلة الغلال ببلاد العراق مع امتداد سوادها وقبول أرضها للنبات، فقال: لهذا سببان قلة الزّراع لما استهلكه القتل زمان هولاكو، ومبرة العراق لما جاوره من البلاد.

وببغداد خاصة وهذه المملكة عامة الآثار الجميلة والآثار الباقية من الجوامع والمساجد والمدارس والخوانق [¬] (المخطوط ص) والربط والبيمارستانات [¬] والصدقات الجارية ووجوه البر المتعددة.

ومن يوفى صفات محاسن العراق، وقد كانت قبلة ملوك الآفاق، وما بالعهد من قدم، ومنها قلائد الأعناق، وترابها لمى القبل وإثمد الأحداق.

وسألت الفاضل نظام الدين أبا الفضائل يحيى بن الحكيم إن كانت الأوقاف باقية في نواحي هذه المملكة عليها الآن أم تناولتها أيدي العدوان، فأخبرني بأنها جميعها جارية من مجاريها، لم يتعرض إليها متعرض لا في دولة هولاكو ولا فيما بعدها بل كل وقف بيد متوليه ومن له الولاية عليه وكل ما يقال من نقص أحوال الأوقاف بإيران جميعا هو من سوء ولاة أمورها لا من سواهم.

وحدثني هذا الفاضل نظام الدين أبو الفضائل يحيى بن الحكيم الطياري بكثير من أحوال هذه المملكة وقواعد ملوكها وترتيب جنودها وجيوشها، فمما حدثني أن السلاطين بها لا التفات لهم إلى أمر ولا نهي في البلاد، ولا في متحصلات الدخل والخرج فيها بل الوزير هو حامل هذه الأعباء، وله التصرف المطلق في الولاية والعزل والعطاء والمنع، لا يشاور السلطان إلا على ما جل من المهمات، وفيما قل من الأمور، بل هو السلطان حقيقة، وصاحب البلاد معنى، وإليه ترجع الأمور كلها، وبيده عقدها وحلها.

فأما أمر الجيوش والعساكر فإلى كبير أمراء الألوس وهو المسمى بكلاري بك،

أي أمير الأمراء، كما كان قطلوشاه [¬] مع السلطانيين محمود غازان وأخيه محمد خدابنده وجوبان مع محمد خدابنده ثم بعده مع ولده السلطان بو سعيد بهادرخان، وهذا القائم الآن الشيخ حسن بن حسين بن آقبغا [¬] مع أنه السلطان محمد بن طشتمر [¬] بن استمر بن عبرجى وأمراء الألوس أربعة بكلاري بك، وثلاثة آخر، ويسمى هؤلاء الأربعة أمراء القول، ويشترط أن يكون هؤلاء هم الذين تكتب أسماؤهم في اليراليغ [¬] والفرمانات [¬] بعد اسم السلطان، ثم اسم الوزير بعدهم ولا يتوقف في كتابة (المخطوط ص) اسم من الأسماء ممن هو غائب منهم عن الأردو، بل تكتب أسماؤهم كلهم، حضر منهم من حضر وغاب منهم من غاب، وكل ذي سيف لا يخرج أمره عن القائم بهذه الوظيفة التي هي إمرة أمراء الألوس، وكل ذي قلم ومنصب شرعي لا يخرج عن الوزير، وطبقات الأمراء أعلاها والنوين [¬] وهو أمير عشرة آلاف، ثم أمير ألف، ثم أمير مائة، ثم أمير عشرة، هذه طبقات رتبهم لا نقص فيها ولا مزيد عليها وعامة العسكر لا تزال أسماؤهم في دواوينهم على الإفراد بل كل طائفة عليهم في الديوان فارس معين، إذا رسم له بالركوب، رعبوا منهم العدة المطلوبة.

وسألت الفاضل أبا الفضائل يحيى بن الحكيم عن مقدار عدة الجيش فقال: أما المنزل في دواوينهم فما يبلغ عشرين تومانا [¬]، وأما إذا أرادوا ركبوا بثلاثين تومانا، وما يزيد عليها وهم اليوم في انبتات شمل، وشتات آراء، لا يلتم لهم جمع، ولا يضمهم وفاق، قلت له: فكم مقدار ما لهؤلاء من الأرزاق؟ فقال: أما ما هو مستقر لهم في دواوينهم من زمان هولاكو فلا يرضى أحدهم من كبارهم به ولا بأضعافه مرات، وأما الصغار فما يتجاوز واحد منهم المستقر له.

قلت: فكم هو المستقر في الديوان؟ وبكم يقنع كبارهم الآن؟ فقال لي: المقرر من قديم لكل نوين أمير تومان، تومان وهو عشرة آلاف دينار رائج عنها ستون ألف درهم، وأما اليوم فما يقنع النوين منهم إلا بخمسين تومان وهي خمسمائة ألف دينار رائج، عنها ثلاثة آلاف ألف درهم، ومن خمسين تومان إلى أربعين تومان، وأما كبيرهم بكلاري بك فالذي استقر لجوبان ثم لمن بعده ثلاثمائة تومان، وهي ثلاثة ألف ألف دينار عنها ثمانية عشر ألف ألف درهم، مع ما يحصل لكل من أمراء الألوس الأربعة من الخدم الكثيرة في البلاد جميعها عند تقديرات الضمان لها على ضمانها، على ما تنبه عليه في موضعه.

قال: وأما أمير الألف ومن دونه فلا يتجاوز أحد منهم مقرره القديم في الديوان لأمير الألف ألف دينار رائج عنها ستة آلاف (المخطوط ص) درهم، وأما أمير المائة والعشرة، وكل واحد من العسكرية أي الجند، فمائة دينار رائج، عنها ستمائة درهم لا تفاوت بينهم، هذا هو المقرر الجاري من قديم، وإنما تبقى مزية أمير المائة أو العشرة أنه يأخذ لنفسه شيئا مما هو للعسكرية.

ولكل طائفة أرض لنزولهم توارثها الخلف عن السلف منذ ملك هولاكو هذه البلاد، فيها منازلهم، ولهم بها مزدرع لأقواتهم، لكنهم لا يعيشون بالحرث والزرع.

هذه جملة ما هو لعساكر إيران مما ازداد، وما هو مستقر في الديوان، وأما الخواتين فالذي لهن الآن منه ما يبلغ للخاتون الواحدة، مائتا تومان، وهو ألف ألف دينار، عنها اثنا عشر ألف ألف درهم، وما دون ذلك إلى عشرين تومان، وهو مائتا ألف دينار عنها ألفان ألف ومائتان ألف درهم.

وقال لي الفاضل أبو الفضائل [¬] يحيى بن الحكيم: وهذا قد يزيد وينقص.

وأما الوزير فله مائة وخمسون تومانا، هو ألف ألف وخمسمائة ألف دينار رائج، عنها تسعة آلاف ألف درهم، قال: ولا يقنع بعشرة أضعاف هذا في تقارير البلاد.

وأمّا الخواجكية [¬] من أرباب الأقلام فمنهم من يبلغ في السنة ثلاثين تومانا، وهي ثلاثمائة ألف دينار عنها ألف ألف. وثمانمائة ألف درهم، قال: وبهذه المملكة ما لا يحصى من الإدرارات والمعيشات والمرسومات، حتى أن بعض الرواتب تبلغ عشرين ألف دينار، وأما الإدرارات من المبلغ أو القرى فإنها تبقى لصاحبها كللك يتصرف فيه كيف شاء، من بيع وهبة ووقف لمن أرادوا المعايش لمدة الحياة غير المرسومات والإنعامات، قال: وهي ما لا يحصى.

قال: ومن هؤلاء من المستوفيين [¬] من له الضبط على اتساع أقطار الممالك.

قال: وأما وظيفة القضاة فعادة هذه المملكة أن يكون بها في صحبة السلطان قاضي قضاة الممالك وهو يولى في جميع المملكة على تنائى أقطارها إلا العراق، فإن لبغداد قاضي قضاة (المخطوط ص) مستقل بها، يولى بها، وفي بلادها جميع عراق الغرب.

وقال لي قاضي القضاة أبو محمد الحسن الغوري، أن آخر ما استقر له ست قرى وتومان عشرة آلاف دينار في السنة.

قال الفاضل نظام الدين أبو الفضائل يحيى بن الحكيم: أن ملوك هذه المملكة وأمراءها لهم ميل كلي إلى الشراب، فملوكها اشتغالهم كله بلذاتهم، وأمور دولتهم منقسمة بين أمراء الألوس والوزير على ما تقدم، ولاشتغال سلاطينهم باللذات وانعكافهم على منى نفوسهم، ومنتهى شهواتهم أعرضوا عن تدبير البلاد وأحوالهم، ولم يفكروا في مالها أن كثر أو قل، وبمملكتهم كيش [¬] ونعمان، وهما مغامس اللؤلؤ، وبالدامغان في جبلها معدن ذهب.

قال لي شيخنا الإمام العلاّمة فريد الدهر شمس الدين أبو الثناء محمود

الأصفهاني: إن هذا المعدن قليل المتحصل لكثرة ما يحتاج من الكلف حتى يستخرج، وبشتكاره شرقي العجم البازهر [¬] الحيواني، يوجد بمعاليق الأيائل وهو الذي لا يباريه شيء في مقاومة السموم.

قال ابن البيطار [¬] وأجوده الأصغر ثم الأغبر وخاصته النفع من السموم الحيوانية والنباتية، ومن عض الهوام ولدغها، وإذا شرب منه مسحوقا أو مسحولا وزن أثنى عشر شعيرة، خلص من الموت، وإذا امتصه تبادر للسم نقعه، وإن نثر على موضع لسع الهوام حين يلسع اجتذب السم، وبها الإثمد على مسافة يوم من أصبهان [¬] في حفر بالأرض، وهو الذي لا يقوم شيء مقامه، وإنما قل النوع الجيد الآن.

سألت شيخنا شمس الدين محمود الأصفهاني عن سبب قلته، فقال: لانقطاع عرقه، فما بقى منه يوجد إلا ما لا يرى منه.

وبهذه المملكة مستعملات القماش الفاخر من النخ والمخمل [¬] والكمخا والعتابي والنصافي والصوف الأبيض المارديني [¬]، وهو في النهاية في بابه، ويعمل

البسط الفاخرة في مواضع بها مثل شيراز [¬] وأقصرا [¬] وتوريز.

وحدثني (المخطوط ص) شيخنا فريد الدهر شمس الدين أبو الثناء محمود الأصفهاني أن بمدينة قمشمير مسرة ثلاثة أيام عن أصفهان عين ماء سارحة نزرة، يسمى ماؤها بماء الجرادلة، خاصيته أن يحمل من مائها في إناء إلى الأرض التي أتاها الجراد، فيعلق ذلك الإناء في تلك الأرض، فيقصدها ما لا يحصى من طير، يقال له سار [¬] يأكل ما فيها من الجراد حتى يفنى.

قال شيخنا شمس الدين: وتعليق هذه الإناء شرط في خاصيته، بحيث لا يمس الأرض من طريقه ولا في مكان تعليق.

وحكى لي الأمير السيد المجيد في كتابه محمد بن حيدر الشيرازي أنه بين الدامغان واسترآباذ من خراسان عينا ظاهرة إذا ألقى فيها نجاسة، فار ماؤها وأزيدت وتكدر جوها [¬].

وحدثني شيخنا فريد الدهر شمس الدين الأصفهاني أن بمازندران، وهي المسماة طبرستان عين ماء، من حمل من مائها، تبعته دودة طول أنملة الإنسان، فلو

حمل الماء تسعة، وكان معهم عاشر لم يحمل الماء، تبع كل واحد ممن حمل دودة، ولم يتبع العاشر الذي لم يحمل شيئا، فإن قتل واحد منهم تلك الدودة استحال الماء مرا لوقته، واستحال ماء كل من هو وراءه مرا، وأما من هو على جانبه فلا يستحيل ماؤه.

ومن عادة هذا السلطان أن يصحبه في الأردو في كل حل ومرتحل أعيان من العلماء والمدرسين برواتب جاريات على السلطان، ومع كل منهم فقهاء وطلبه، وهؤلاء هم المسمون بمدرس السيارة، ومعهم أعيان الحواصلية الرؤساء، وطوائف الدواوين والكتاب ومن جميع أرباب الصنائع والمهن، حتى يكون الأردو كالمدينة العظيمة، ينزل ويرحل معه، وأخبرني الصدر مجد الدين إسماعيل السلامي أنه يوجد بالأردو خيم وخركاوات منصوبة تكترى للناس [¬] لمن يصحب الأردو وماله مأوى أو من يجيء غريبا إليه، يكتريها، وينزل فيها، وبها الكبار والمتوسطات والصغار وأسواقهم، وهي المسماة بالبازار [¬]، مشتملة على ما يكون في المدن العظام من الملبوس والمطعوم والمشروب وغير ذلك بما لا حاجة بنا إلى ذكره، وليس يعترض ناسكهم على فاتكهم، ولا قاتلهم من باسلهم.

ومن قاعدة هذا السلطان أنه إذا نزل منزلا وهو المسمى عنده البيرق [¬]، ينصبه بالبعد منه علمان لا يتجاوزهم راكبه، وأمراؤه يلتزم معه أعظم الآداب، فما منهم أحد إذا قارب خركاه القان على نحو عشرين علوة نشاب أو أكثر إلا ينزل عن فرسه ويمشى.

قال لي الصدر مجد الدين إسماعيل أنه رأى جوبان على ما كان بلغ من العظمة، وبو سعيد معه اسم بلا معنى، وهو متى وقعت عينه على الأردو، نزل، ومشى، فيتعب لبعد المسافة، فيقعد على كرسي صندلي [¬] ليستريح، ثم يمشي، ثم يقعد ليستريح مرات حتى يصل إلى باب الكرباس [¬] وهو باب الخان.

قال: ولكل من الخواتين، وكل من الأمراء الأكابر يرق [¬] بذاته، ينزل فيه، وكل يرق من هذه كاهل بالأسواق، وكل ما يحتاج إليه من عادة هذا السلطان أن لا يعمل مراكب ولا يجلس لخدمة، ولا لقراءة قصص [¬] عليه، وإبلاغ مظالم إليه بل له من أبناء الأمراء خاصة له، يقال لهم الأبناء، فيه هؤلاء هم، لا يكاد منهم من يفارقه.

فأما الأمراء فإنهم يركبون في غالب الأيام إلى باب الكرباس [¬]، وينصب لهم هناك كراسي صندليه [¬]، يجلس كل أمير على كرسي بحسب مراتبهم الأعلى ثم الأدنى، ويدخل الوزير في بكرة كل يوم على القان، ويبقى الأمراء على باب الكرباس، إما يخرج القان أو يأذن لهم أو لا هذا ولا هذا، فإذا حضر طعام القان، بعث إلى كل أمير منهم شيئا للأكل بمفرده، يأكل هو ومن انتظم معه، لم يتفرقون كل واحد إلى برية من أنفق يخصون من الأمراء من حضر ومن لم يحضر لم يطلب بحضور إلا أن دعت الحاجة إلى طلب أحد منهم طلب.

ولهؤلاء شغل شاغل بالركوب إلى الصيد في غالب أيامهم فهم يجتمعون بعضهم ببعض، ولهذا ما لهم يوم مخصوص بموكب ولا خدمة، فأما من له ظلامة، فشكواه إن كانت متعلقة بالعسكرية (المخطوط ص) إلى أمير الألوس، وإن كانت متعلقة بالبلاد والأموال والرعايا فشكواه إلى الوزير، وفي الغالب ما يكون أمير الألوس بالأردو، ولانفراد في المصيف أو في المشتى أو الصيد أو قصد ثغر من الثغور، فغالب الشكاوى على إطلاقها مردودة إلى الوزير.

وليست في هذه للبلاد قاعدة محفوظة تمشي على نظامها، بل كل من انضوى إلى خاتون من الخواتين أو أمير من الأمراء أو كبير من الخواصكية، قام بأمره إما في قضاء حاجة يطلبها أو إزالة ظلامة يشكوها حتى من الخواتين والأمراء، من يقتل ويوسط بيده بغير أمر القان ولا أمير الألوس.

وأما اليرالغ [¬] والأحكام الصادرة عنهم فالمتعلق بالأموال يسمى الطرطمغا [¬]، وهذه صادرة عن رأي الوزارة، وأمره والمتعلق بالألجية [¬] وهو البريد يسمى … [¬] وهي أيضا صادرة عن الوزير، قد أقام لها أناسا بذاتهم، ومرجوعهم إليه، والمتعلق بالعسكر يسمى … [¬]، وهو صادر عن أمير الألوس.

وليس لأحد على الجميع خط إلا الوزير، وإنما العادة أن يأمر الوزير بكتابة ما يرى، ثم تؤخذ خطوط المحدثين في ذلك الذي يكتب، ثم تحرر مسودة، وتعرض على الوزير، فيأمر بتبيضها، فإذا بيضت كتب - كما نبهنا عليه فيما قبل - اسم السلطان، ثم تحته اسم الأمراء الأربعة ويخلى تحته مكان، هو موضع خط الوزير، ثم يكمل اليرليغ [¬] أو الحكم، ويختمه بالتاريخ شخص معد لذلك، غير من يكتب، ثم يأتي الوزير ويكتب في المكان الخالي فلان سوري، أي هذا كلام فلان، يسمى نفسه، ثم إن كان متعلقا بالمال، أثبت حيث يثبته مثله، وإلا فلا، وأما المتعلق بالعسكر فمنشأ الأمر فيه عن أمير الألوس، يأمر به ثم على بقية الترتيب، ولا خط لأمير الألوس بيده.

وقاعدة أصحاب الولائم من الدواوين عندهم كما هو بمصر والشام، لا يعلم صاحب علامة حتى يرى خط نائبه عليه أولا، ليعلم أنه قد نزل عنده.

وأخبرني الفاضل أبو الفضائل يحيى بن الحكيم أن الذي للأمراء والعسكرية لا يكتب (المخطوط ص) مرسوم، لأن كل طائفة ورثت [¬] مالها في ذلك عن آبائها، وهم على الجهات التي قررها لهم هولاكو لا يتغير بزيادة ولا نقص، إلا أكابر الأمراء الذين حصلت لهم الزيادات، فإن ذلك الوقت كتب لهم بها بأمر القان، أصدر بها الوزراء عنه.

قال: ومن الخواتين والأمراء من أخذ بماله أو بعضه بلادا مما له، وكثير من أخذ بلدا عن مبلغ متحصل ذلك الملك أضعافه.

وأهل هذه المملكة قد داخلهم العجم، وزوجوهم وتزوجوا منهم، وخلطوهم بالنفوس في الأمور فلهذا تفخمت قواعدهم، وجرت على عوائد الخلفاء والملوك

في غالب الأمور قوانينهم، ولقد كان هولاكو من أول ما أخذ بغداد على نية إجراء الأمور في مجاريها، وإبقاء الأحوال على ما كانت، ولكنه ما تهيأ له لشدة من كان معه على المغولية، وإفراط تخوف الناس منهم، فإنهم لكثرة خوفهم منه تجنبوا لقاءه، فزالت عنهم رتبهم، وتغيرت عليهم أحوالهم، ولقد كان يقنع منهم بالطاعة والانقياد والمداراة بالمال عن استئصال البلاء، ولكن المقادير لا ترد سهامها، ولا تصد أحكامها.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع