تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

دمياط

ودمياط مدينة على ضفة البحر، عند مصب أحد فرقي النيل، بناؤها الآن غير موثق، يطوف بها جسر، يباري النيل إلى مصبه، وهي موضع غرة للعدو من قبل البحر، وقد علقت بها جمة الكفر زمانا طويلا حتى نصر الله عليهم في أخريات الدولة الأيوبية [¬].

حدثني من رأى دمياط أنها مدينة لطيفة فيها مدرسة واحدة وأسواق ليست بالكثيرة، ومنها الإفضاء إلى بحيرة تنيس المذكورة في القديم بحسن الأوضاع، وجودة القماش والمتاع، وإنما هي الآن جون من البحر المالح كالجون.

وبدمياط وما يليها شجر الموز الكثير، ومنه مدد مصر والقاهرة وبلادهما.

فائدة: قال (المخطوط ص) التيفاشي في سرور النفس: يقال أن تنيس [¬] ودمياط والفرما [¬] ثلاثة أخوة ملكوا هذه المدن الثلاثة، وسمى كل واحد منهم مدينته باسم نفسه، وكانت تنيس يقال لها تنيس الإخصاص، ويقال أن المسيح ﵇ دخلها، فأكرمه أهلها، فدعا أن يبارك الله لأهلها فيها، وأن يأتيها الرزق في كل مكان، لما رآها وسط بحيرة، ولم يدخل دمياط.

وأما الجفار [¬] فهي خمس مدن الفرما والبقارة والورادة

والعريش [¬] ورفح [¬] والجفار، كله رمل وإنما سمى جفارا لشدة المشي فيه على الناس والدواب، لكثرة رمله وبعد مراحله، والجفار تحفر فيه الأبل وغيرها فتهلك، فاتخذ له هذا الاسم كما قيل للحبل، الذي لهجر به البعير هجار، والذي يحجر به حجار والذي تعقل به عقال، والذي تبطن به بطان، وكذلك خطام وزمام ونحوه.

والبقارة من البقر، والواردة من الورود والعريش أخذ من العرش ويذكر أنه نهاية التخوم من الشام وأن إليه كان ينتهي رعاة إبراهيم الخليل ﵇ بمواشيه، وأنه اتخذ به عريشا كان يجلس فيه، ومواشيه تحلب بين يديه، فسمى بذلك، ورفح اسم رجل نسب إليه المكان.

قلت: هذه جملة الكلام في مدن الديار المصرية الشهيرة وأما برها فيأخذ بخناقة جيلان، تضيقا في أوله بأعلى الصعيد ثم يأخذ في التقليص [¬] إلى الجزيرة، فانفرجا واتسع مدى ما بينهما حتى انقطع بالبحر الرومي إلى آخر الأعمال، فأوسعه مدى نحو يومين وأضيفه نحو ساعة (نحو يومين نحو ساعة)، [¬] وغالبه نحو ساعتين وما بين ذلك، وهذا هو عرض الديار المصرية حقيقة إلا أن نظرت إلى قفار موحشة تهاب الجن سلوكها، ويخاف الظلام اقتحامها على أن مدى العرض الذي ذكرناه عطل الجانبين عن الحرث والنسل والزرع والغروس،

خال من الأنيس الإسار في سبيل أوصال عن طريق، والعامر الآهل من هذا المدى ثلاثة والثلث كثير، لكن ذو ربع رابع، (المخطوط ص) ومتحصل كثير.

وبمصر من أنواع الثعابين والأفاعي والحيات والعقارب والفأر وسائر الحشرات لولا ما يهلكه النيل الفائض على البلاد في كل سنة، وما يفر من النيل فيقف أهل البلاد له على الطرق بأيديهم العمد والعصى لقتل ما يهاجمهم منها، لما سكنت مصر ولا تأهلت لها ديار، ولا استقر بها لأحد قرار.

وأما زمان ربيعها وما يبقيه من المقطعات نيلها وما يوشى حللها من نوار البرسيم والكتان، ويحشر في أرضها من الطير على اختلاف ذوات الجناح، فلا يملأ عينيك وسامة وحسنا، ويروقك صورة ومعنى، كأن بناءها زمردة خضراء، ومقطعاتها فيروزجه زرقاء ونوارها لكل فرط منه لؤلؤة بيضاء، عليها للطيور ظلل من الغمام، قد نصبت على فرشها الاستبرق خيام، ولما رأيت منظرها البديع في زمان الربيع، وبين أكنافها المخضرة قرارا بناء كأنها النجوم في السماء: قلت:

«لمصر فضل باهر لعيشها الرغد النضر»

«في سفح روض يلتقى ماء الحياة والخضر»

ونحن نقول: إن الديار المصرية وجهان؛ قبلي وبحري، جملتها خمس عشرة [¬] ولاية، فالوجه القبلي أكبرهما، وهي تسعة أعمال وهي عمل قوص، وقوص شرقي النيل، وهو أجلها، ومنه أسوان، وعرب قموله، وأسوان نهاية حد المملكة من الجنوب، وعمل آخميم وهو شرقي النيل أيضا، وعمل

سيوط [¬]، وعمل منفلوط [¬]، وعمل الأشمونيين، وبها الطحاوية، وعمل البهنسا [¬]، (وعمل العراني وهي عبارة عن غربي المنهى المؤدي [¬] إلى الفيوم)، وعمل الفيوم، وهو منقطع، وعمل أطفيج [¬] وهو شرقي النيل، وعمل الجيزة، والوجه البحري وهو ستة أعمال؛ عمل البحيرة [¬] (وهو متصل البر بالاسكندرية، وبرقة [¬]، وعمل العزبية جزيرة واحدة، يشتمل على ما بين البحرين (المخطوط ص) والبحر المار ومسكبه عند دمياط، وهو المسمى بالشرقي، والبحر الثاني ومسكبه عند رشيد، وهو المسمى بالغربي)، والمنوفية وكانت منف المنسوبة إليها هذا العمل هي مصر قديما [¬]، (ومنها أبيار

المسماة بجزيرة أبي نصر، وهي جزيرة وتأخذ في وسط البحر الغربي) وعمل قليوب، وقليوب شرقي النيل، وعمل الشرقية وهو متصل البر بين الشام والقلزم والحجاز.

وكذلك أشموم [¬] (ويعرف باشموم طناج) [¬] ومنها الدقهلية [¬]، والمرناحية، (وهنا موقع ثغر البرلس [¬]، وموقع ثغر رشيد [¬]، والمنصورة المبنية زمان حصار دمياط.

وفي هذه الوجه الاسكندرية ودمياط وهما مدينتان بندران [¬] على البحر لا عمل لهما، وأما الواحات فمنقطعة وراء الوجه القبلي في مغاربيه، ولا تعد في الولايات ولا في الأعمال، ولا يحكم عليها من قبل السلطان وال، وإنما يحكم عليها من قبل مقطعها،) وبلاد الواحات بين مصر والاسكندرية والصعيد والنوبة والحبشة، بعضها داخل بعض.

قال البكري: وهو بلد قائمة بنفسه غير متصل بغيره ولا مفتقر إلى سواه، وفي هذه الأرض شبيه وراجية وعيون حامضة الطعوم تستعمل كاستعمال الخل مختلفة الطعوم من الحامض والقابض والملح ولكل نوع منها منفعة وخاصية.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.