تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

أبو سليمان عبد الرحمن بن عطية الداراني

عابد، شقّت به الليالي جنح ظلماتها، وأشرقت أعماله إشراق البدور في سمائها، وله بداريا مشهد له في السنة أيام تعدّ مواسم، وليال بالوفود بواسم، يقصد بالزيارة من كل

فجّ، وتؤتى بكل ناضج وفج، وتقذف له أبحر سواكب، وتقف حوله زمر ومواكب، وترتج تلك الساحات، وتثج هنالك السماحات، في كلّ ظلماء تحاكي سناء الليلة القمراء، وتجاوب تسبيح الملائكة أصوات القرّاء.

ولأهل دمشق بإقامة مواسم هذه الليالي ولوع، ولأقمار أهلها مشارق ثم طلوع، لا يزال لهم هذا دأبا كل عام يأتي، وفعلا يخالف قول من يفتي.

قال أبو سليمان الداراني: " كنت ليلة باردة في المحراب، فأقلقني البرد، فخبّأت إحدى يديّ من البرد، وبقيت الأخرى ممدودة.

فغلبتني عيناي، فهتف بي هاتف: يا أبا سليمان! قد وضعنا في هذه ما أصابها، ولو كانت الأخرى لوضعنا فيها. فآليت على نفسي أن لا أدعو إلا ويداي خارجتان، حرّا كان الزمن أو بردا. "

وقال أيضا: " نمت [ليلة] عن وردي، فإذا أنا بحوراء تقول لي: تنام وأنا أربّى لك منذ خمسمائة عام!؟ ".

وقال: " أفضل الأعمال خلاف هوى النفس. "

وقال: " لكلّ شيء علم، وعلم الخذلان ترك البكاء. "

وقال: " لكلّ شيء صدأ، وصدأ نور القلب شبع البطن. "

وقال: " كلّ ما شغلك عن الله تعالى من أهل، أو مال، أو ولد، فهو عليك شؤم. "

وقال: " من أحسن في نهاره كوفيء في ليله، ومن أحسن في ليله كوفيء في نهاره، ومن صدق في ترك شهوة، ذهب الله بها من قلبه، والله أكرم من أن يعذّب قلبا بشهوة تركت له ".

وقال: " إذا سكنت الدنيا في قلب ترحّلت منه الآخرة. "

وقال: " ربّما يقع في قلبي النكتة من نكت القوم أياما، فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين: الكتاب، والسنّة ".

وقال أحمد بن أبي الحواري: دخلت على أبي سليمان يوما، وهو يبكي، فقلت له: ما يبكيك؟. فقال: يا أحمد! ولم لا أبكي؟، وإذا جنّ الليل، ونامت العيون، وخلا كلّ حبيب بحبيبه، افترض أهل المحبّة أقدامهم، وجرت دموعهم على خدودهم، وتقطّرت في محاريبهم، وأشرف الجليل ﷾ فنادى: يا جبريل! بعيني من تلذّذ بكلامي، واستراح إلى ذكري، وإنّي لمطّلع عليهم في خلواتهم، أسمع أنينهم، وأرى بكاءهم، فلم لا تنادي فيهم يا جبريل!: ما هذا البكاء؟. هل رأيتم حبيبا يعذّب أحباءه؟!، أم كيف يجمل بي أن آخذ قوما إذا جنّهم الليل تملّقوا لي فبي حلفت: أنهم إذا وردوا عليّ يوم القيامة، لأكشفنّ لهم عن وجهي الكريم، حتى ينظروا إليّ، وأنظر إليهم".

توفي ﵁ سنة خمس عشرة ومائتين، وقبره بقرية داريّا، من قرى دمشق.

ومنهم:

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.