من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
يوسف القميني
رجل كان لا يريد في الأرض علوّا، ولا فيما لم يرض غلوّا، فاتخذ الذلّ عزّا، والفقر كنزا، وجعل الدنيا مسافة جدّ في قطعها، وشجرة خبيثة جهد في قلعها، وباغية جرّد عزائمه لقمعها، وعلة ضارية جلد نفسه على منعها، فعوّض بالأعلى عن الأدنى، وبدل له اللفظ بالمعنى، وتوقد منه أي جذوة، وأدلج ليلا وأوّب، وأبهج لألاء والنجم في غرته قد صوّب.
كان مأواه القمامين والمزابل بدمشق، وغالب أوقاته يكون بقمّين حمام نور الدين الشهيد، بسوق القمح بدمشق.
وكان يلبس ثيابا طوالا تكنس الأرض وهو حاف، مكشوف الرأس، طويل الصمت، قليل استعمال الماء، ولكثير من الناس فيه عقيدة جميلة، ويحكون عنه أنه يكاشفهم في كثير من الأوقات. وكان بعض من يعتقد فيه يحضر له شيئا من المأكول والمشروب، ويجتهد فيه، فيتناول منه قدرا يسيرا.
ولازم هذه الطريقة الشاقة إلى أن توفي في سادس شعبان سنة سبع وخمسين وستمائة، بدمشق. ودفن بتربة المولّهين، بقاسيون، ولم يتخلّف عن جنازته إلا القليل من الناس. وكان من غرائب العالم، يترنّح في مشيته، ولا يلتفت إلى أحد ولا يعبأ به.
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع