تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

دولة يزيد بن الوليد بن عبد الملك

أبي خالد، وكان أقبل وأمه ساهقريد بنت فيروز بن يزدجر بن شهريار، مقابل في الملك بين أبيه وأمه، وعربه وعجمه، تطرف بجلبابي تقى ونسك، وخلافة وملك، يحاذيه طرفا شرف، حل فيهما وما حل في طرف [ص] وكان يلقب بالناقص، لأنه نقّص في العطاء، وغصّص على البعداء والخلطاء، وما أراد إلا مناقضة الوليد ومعارضة سفاهته بالرأي السديد، فكره على عظيم شرفيه، وكريم فخاره الملتقيين من طرفيه، وما كان موسوما به من الجمال الفائق، ومعلوما منه من الكمال اللائق، ومعروفا به من النسك والتأله، وموصوفا به من التخلق بأخلاق السلف الأول والتشبه، فأداه فعله إلى خلاف ما يريد، وعداه الغرض في الاقتصاد إلى التسديد، وإفراطه في التواضع، حتى كأنه ما امتاز عن الناس، ولا حاز ما يشمخ بدونه الراس، على أنه تذكر يوما سلفه، فذكر شرفه فقال:

أنا ابن كسرى وأبي مروانوقيصر جدي وجدي خاقان

قلت: وإنما جعل قيصر وخاقان جديه، لأن أم فيروز بن يزدجرد بن كسرى شرويه أم أبيه، وأمها ابنة قيصر، وأم شيرويه ابنة خاقان ملك الترك، ذكره ابن الأثير، وكان أبوه الوليد بن عبد الملك يذكر ولده فيقول: «عبد العزيز سيدهم، والعباس أفرسهم، ويزيد ناسكهم، وروح عالمهم، وعمر نجلهم، وبشر فتاهم.

ولقي يزيد بن الوليد أيوب السختياني في السنة التي حج فيها، فكتب عنه، وكان كثير الصلاة طول الليل. وقال ابن الأثير عنه: قيل إنه كان قدريا، وكان أسمر طويلا صغير الرأس جميلا، وقال: إنه أول من خرج بالسلاح يوم العيد، خرج بين صفين عليهم السلاح، وقال: وكان آخر ما تكلم به، يعني عند موته، وا حسرتاه وا أسفاه. وكان نقش خاتمه (العظمة لله).

ولما ولي الخلافة عاتبته امرأته هند الكلبية، التي تدعى بنت الحضرمية، فقالت: أوسع علينا، فقال لها: لقد فسدت عليّ فيمن فسد، أما لو علمت أنكم تميلون إلى الدنيا هذا الميل، لكان أن أخرّ من السماء إلى الأرض أحبّ إليّ من أن أتلبّس بما تلبست به، وما لك في هذا المال إلا ما لسوداء أو حمراء من المسلمين، ولكن ايتيني بثيابي، فجاءت تنحب، فقال لها: هذه ثياب كنت أتزين بها، فشأنك فخذيها [ص] فإنه لا حاجة لي اليوم بها، فأما مال المسلمين، فلا حق لي ولك فيه إلا مثل ما للمسلمين.

ولما ولي خطب الناس فقال: «أيها الناس، إني والله ما خرجت بطرا، ولا

حرصا على الدنيا، ولا رغبة في الملك، وما أقول هذا إطراء لنفسي، إني لظلوم لها إن لم يرحمني ربي، ولكن خرجت غضبا لله ودينه، وداعيا إلى الله وكتابه، وسنة نبيه، لما هدمت معالم الدين، وعفا أثر الحق فأطفأ نور الهدى، وظهر الجبار العنيد، المستحل لكل حرمة، الراكب لكل بدعة، مع أنه والله ما كان يصدق بالكتاب، ولا يؤمن بيوم الحساب، وإنه لابن عمي في النسب، وكفيّي في الحسب، فلما رأيت ذلك، استخرت الله في أمره، حتى أراح الله منه، بحول الله وقوته، لا بحولي وقوتي، أيها [الناس] إن لكم أن لا أضع حجرا على حجر، ولا لبنة على لبنة، ولا أكري فيكم نهرا، ولا أبني قصرا، ولا أكنز مالا، ولا أوثر به زوجة ولا ولدا، ولا أنقل مالا من بلد إلى بلد، حتى أسد ثغره، وخصاصة أهله بما يغنيهم، فإن فضل فضل، نقلته إلى البلد الذي يليه، مما هو إليه أحوج، وعليكم أن لا أغلق بابي دونكم فيأكل قويكم ضعيفكم، ولا أحمل على أهل جزيتكم ما يجليهم عن بلادكم، وعندي إدرار عطاياكم في كل سنة، وأرزاقكم في كل شهر، حتى تستدر المعيشة بين المسلمين، فيكون أقصاهم كأدناهم، فإن أنا وفيت لكم بما قلت، فعليكم السمع والطاعة، وحسن المؤازرة، وإن أنا لم أفعل، فلكم أن تخلعوني».

ثم لما مات يزيد بن الوليد، انبثقت البيوق، وكثرت الخوارج، ودعا كلّ إلى نفسه.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.