من «ثمرات الأوراق» لابن حجة الحموي (ت ٨٣٧هـ)
الوليد ومسامر الخلفاء (٦)
الصفحة ١ من ٢
والأباق في هذا الميدان مجال، وإذا اعترفوا بما حصل للفارس المخزومي عندهم من الفتح كفى الله المؤمنين القتال، وينهى بعد أدعية ما برح المملوك منتصباً لرفعها، وثغر ثلاثية ما لسجع المطوق في الأوراق النباتية حلاوة سجعها، واشواق برحت بالمملوك ولكن تمسك في مصر بالآثار.
وابرح ما يكون الدهر يوماًإذا دنت الديار من الديار
وصول المملوك إلى مصر محتمياً بكنانتها، وهو بسهام البيت مصاب مذعور لما شاهده من المصارع عند مقابلة الفرسان في منازل الأحباب مكلماً، من ثغر طرابلس الشام بأسنة الرماح محمولاً على جناح غراب، وقد حكم عليه البين أن لا يبرح من سفره على جناح،
وكان في البين ما كفانيفكيف بالبين والغراب
يا مولانا لقد قرعت من هذا الثغر بأصابع السهام، وقلع منه ضرس الأمن ولم يبق له بعد ما شعر به البيت نظام، وكثرت الحرب في ثناياه عن أنياب، وأقتلعنا منه مع أنهم لم يتركوا لنا فيه ثنية ولا ناب، وأمست شهب الرماح قافية على آثارنا والسابق السابق منا الجواد، ولزمت الروى من دمائنا لئلا يظهر لقافيتها عند نظم الحرب سناد، وفسد انسجام تلك الأبيات
المنظومة على ذلك البحر المديد، وبدلت جنتها بنار الحرب التي كم تقول لها هل امتلأت وتقول هل من مزيد، ونفذ حكم القضاء وكم جرح خصم السيف في ذلك اليوم شهوداً، واتصل الحكم بقضاء القضاة فلم يسلم منهم إلا من كان مسعوداً، ووقع غالبنا في القبض من عروض حربهم الطويل، وتبدلت محاسن طرابلس الشام بالوحشة فلم نفارقها على وجه جميل، وتالله لم يدخلها المملوك في هذه الواقعة إلا مكرها لا بطل، وكم قلت لسارية العزم لما كشف لي عن مضيق سهلها يا سارية الجبل، ولم يطلق المملوك عروس حماته إلا جبرا أظهروا به كسره، والعلوم الكريمة محيطة كيف يكون طلاق المكره. يا مولانا:
بوادي حماة الشام من أيمن الشطّوحقِّك تطوي شقة الهمّ بالبسط
بلادٌ إلى ما ذُقت كوثر مائهاأهيم كأنِّي قد ثملت بإسفنط
ومن يجتهد في أنّ بالأرض بقعةًتشاكلها قل أنت مجتهدٌ مخطي
وصوب حديثي ماؤها وهواؤهافإن أحاديث الصحيحين ما تخطي
بمعصمها إن دار ملوي سوارهافما الشام بالخلخال أو مصر بالقرط
تنظم بالشطين درُّ ثمراهاعقوداً لها العاصي رأيناه كالسمط
وترخي علينا للغصون ذوائباًيسرِّحها كفّ النسيم بلا مشط
ومذ مدَّ ذاك النهر ساقاً مدملجاًوراح بنقش النبت يمشي على بسط
لوينا خلاخيل النواعير فالتوتوأبدت لنا دوراً على ساقط البسط
سقى سفحها إن قلّ دمعي سحابةٌمطنّبةٌ بالدمع منهلّة النقط
ويا أسطرَ النبت التي قد تسلسلتبصفحتها لا زلت واضحة الخط
ولا زال ذاك الخط بالطلِّ معجماًومن شكل أنواع الأزاهر في ضبط
لويت عناني في حماها عن اللوىوهمت بها لا بالمحصّب والسقط
ولذّ عناق الفقر لي بفنائهاوفي غيرها لم أرض بالملك والرهط
منازل أحبابي ومنبت شعبتيوأوطان أوطاري بها ورضا سخطي
نعمت بها دهراً ولكن سُلبتهبرغمي وهذا الدهر يسلب ما يعطي
وقد جاء شرط البيت أني أغيب عنحماها لقد أوفى فؤاديَ بالشرط
وحطّ عليَّ الدهر عمداً وشالنيإلى غيرها صبراً على الشيل والحطّ
وسبحة جمع الشمل كان لنا بهامنظّمةٌ لكنْ قضى الدهر بالفرط
أُمثِّلُ شوقاً شكلها في ضمائري
.. فتُتْبِعُ عيني ذلك الشكل بالنقط
وقد سار يمشي الهمُّ نحوي بسرعةٍفيا ليته لو كان في مشيه يبطي
وأصبح نظمي راجعاً بي إلى وراكأنِّيَ في الديوان أكتب بالقبطي
يا مولانا وأبثك ما لقيت من أهوال هذا البحر وأحدث عنه ولا حرج، فكم وقع المملوك في أعاريضه في زحافٍ تقطّع منه القلب لما دخل إلى دوائر اللجّ، وشاهدت منه سلطاناً جائراً يأخذ كل سفينة غصباً، ونظرت إلى الجواري الحسان وقد رمت أزر قلوعها وهي بين يديه لقلة رجالها تسبي، فتحققت أن رأى من رجاء يسمى في الفلك جالساً غير صائب، واستصوبت هنا رأي من جاء يمشي وهو راكب، وزاد الظمأ بالمملوك وقد أتخذ بالبحر سبيلاً، وكم قلت من شدة الظمأ يا ترى قبل الحفرة هي أطوي من البحر هذه الشقة الطويلة.
وهل أباكر بحر النيل منشرحاً،وأشرب الحلو من أكواب ملاح
بحر تلاطمت علينا أمواجه حين متنا من الخوف وحملنا على نعش الغراب، وقامت واوات دوائره مقامع فنصبتنا للغرق لما استوت المياه والأخشاب، وقارن العبد فيه سوداء استرقت موالينا وهي جارية، وغشيهم منها ما غشيهم فهل أتاك حديث الغاشية، واقعها الحرب فحملت بنا ودخلها الماء فجاءها المخاص، وانشق قلبها لفقد رجالها
وجرى ما جرى على ذلك القلب وفاض، وتوشحت بالسواد في هذا الماء ثم سارت على البحر وهي مثل، كم سمع للمغاربة على ذلك التوشيح زجل، برح ما بين ولكن تعرب في رفعها وخفضها عن النسر والحوت، وتتشامخ كالجبال وهي خشب مسندة من تبطنها عدَّ من المتصبرين في تابوت، تأتي بالطباق ولكن بالقلوب لأن صغيرها كبير وبياضها سواد، وتمشي على الماء وتطير مع الهواء وصلاحها عين الفساد، إن نقر الموج على دفوفها لعبت أنامل قلوعها بالعود، ورقص على آلتها الحدباء فتقوم قيامتنا من هذا الرقص الخارج ونحن قعود، نتشامم وهي كما قيل أنف في السماء وإست في الماء، وكم نطيل الشكوى إلى قامة صاريها عند الميل وهي الصعدة الصماء، فيها الهدى وليس لها عقل ولا دين، وتتصابى إذا هبت للصبا وهي بنت أربعمائة وثمانين، وتوقف أحوال القوم وهي تجري بهم في موج كالجبال، وتدعي براءة الذمة وكم استغرقت لهم من أموال، هذا وكم ضعف نحيل خصرها عن تثاقل أرداف الأمواج، وكم وجلت القلوب لما صار لأهداب مجاديفها في مقلة البحر احتلاج، وكم أسبلت على وجنته طرة قلعها فبالغ الريح في تشويشها، وكم مر على قريتها العامرة فتركها وهي خاوية على عروشها، تتعاضم فتهزل
إلى أن ترى ضلوعها من السقم تعد، ولقد رأيناها بعد ذلك قد تبت وهي حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد، وخلص المملوك من كدر المالح إلى النيل المبارك فوجده من أهل الصفا وإخوان الوفا، وتنصّل من ذلك العدو الأزرق ذي الباطن الكدر، وجمع من عذوبة النيل ونضارة شطوطه بين عين الحياة والخصر، وتلا لسان الحال على المملوك وأصحابه أدخلوا مصر إن شاء الله آمنين وقضي الأمر، وقيل بعداً للقوم الظالمين.
وبعد فإن المملوك يسأل الإقالة من عثرات هذه الرسالة فقد علم الله أنها صدرت من فكر تركه البيت مشتتاً، وأعضاء مع كثرة بردها قد خرجت من البحر عارية في فصل الشتاء، وليستر عوراتها بستائر الحلم وينظر إليها من الرحمة بعين، وليكن ضربها بسيف النقد صفحا فقد كفى ما جرحت بسيوف البين، وتالله لم يسلك المملوك هذه الجادة إلا ليجد له سبيلا إلى نهارة من عذب تلك الموارد، ويعود على الضعيف الذي قطعت صلاته من صفاء هذا المشرب عائد، ويصير العبد مسعوداً إذا عدَّ للأبواب العالية من جملة الخدام، ويحصل لكبده الحرّاء من ذلك النسيم الغربي برد وسلام، والله تعالى يمنُّ بقرب المثول بين يديه، ليحصل للملوك بعد التخلص
من البين حسن الختام.
القاضي السعيد هبة الله بن سناء الملك وإن الشوق بحر وقلبه والله لغريقٌ بأمواجه وجمرَّ صدره المظلم بسراجه.
ومن انشائه فالإسلام من طلقائه، والكفر مجاهد ولكن باتقائه، وسيوفه تحسن في الأجسام البسط وفي الأرواح القبض، ورماحه تكاد لطولها تمسك السماء أن تقع على الأرض.
ومن انشائه وكيف لا يحمد المملوك تلك الأشواق وهي تقربه من المولى بالتخيل إذا أبعدته الأيام، وتمثل المقام الكريم فيقابله كل ساعة بالسجود ويشافهه بالسلام، ويرفع ناظره فلولا نظره إليه لكانت عينه مطرقة، وستور أهدابه مسبلة، وأبواب جفونه مغلقة، ولولا اشتغالها بمطالعة طلعته لا لتهب من دموعها بمياه محرقة، فهو منها في نار وجنَّه، مغلول بغلّه مطوّق بمنّه.
ومن انشائه ولقد أنساه فراق مولاه حروف المعجم فما يعرف منها حرفاً أو عاقب خاطره الذي كفر بالبلاد فاسقط عليه من سمائها كسفا، شوق ما خطر مثله على قلب بشر، ودمع ما مر على بصر إلا ومر كلمح بالبصر، ولسان لا ينفك من الدعاء على يوم الفراق ومن دعا على ظالمه فقد انتصر.
القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر خليفة القاضي الفاضل. انشائه قوله
نعلمه بفتوحات استطعم الإيمان حلاوتها من أطراف المران، واستنطق الإسلام عبارتها من ألسنة الخرسان، وذلك بفتح حصن الأكراد الذي كان في خلق البلاد الشامية غصة لم تسغ بمياه السيوف المجردة، وشجى في صدرها لم تقوّمه أدوية العزائم المفردة.
ومن انشائه بابطال الحشيش بعد الخمر نعلمه أن المنكرات أمرنا أن تملأ الصحائف باجرها وتفرغ الصحاف، وأن لا يخلوا بيت من بيوتها من كسر أو زحاف، وقد بلغنا الآن أنها اختصرت، وإن كلمة الشيطان بالتعريض عنها ما قصرت، وأن أم الخبائث ما عقمت، وإن الجماعة التي كانت ترضع ثدي الكاس عن ثديها ما فطمت، وإنها في النشوة ما خيب إبليس مسقاها، وإنها لما أخرج المنع عنها ماء الخمر أخرج لها من الحشيش مرعاها، وأنها استراحت من الخمار، واستغنت بما تشتريه بدرهم عما كانت تبتاعه من الخمر بدينار، وإن ذلك فشا في كثير من الناس وعرف في عيونهم ما يعرف من الإحمرار، في الكأس، وصاروا كأنهم خشب مسندة سكرى، وإذا مشوا يقدمون لفساد عقولهم رجلاً ويؤخرون أخرى، ونحن نأمر بأن تجتث أصولها وتقتلع،
ويؤدب مستعملها في المحافل والمجامع، حتى تنتبه العيون من هذا الوسن، وحتى لا تشتهي بعدها خضراء ولا خضراء الدمن.
ومن انشائه عن لسان الشريف إلى الفرنج وقد أخذت شواتي السلطان وفرق بين من يتصيد بالصقور من الخيل العراب، وبين من إذا افتخر قال تصيدت بغراب، فلئن أخذتم لنا قرية مكسورة، فكم أخذنا لكم قرية معمورة، وقد قال الملك فقلنا وعلم الله أن قولنا من الصحيح، وأتكل واتكلنا وأين من اتكل على الله ممن اتكل على الريح.
ومن انشاء الصدر عز الدين بن سينا في بشارة بكسر عساكر الفرنج عن الملك الصالح نجم الدين أيوب سنة اثنتين وأربعين وستمائة فلا روضة إلا درع، ولا جدول إلا حسام ولا غمامة إلا نقع، ولا وبل إلا سهام، ولا مدامة إلا دم، ولا نغم إلا صليل، ولا معربد إلا قاتل ولا سكران إلا قتيل، حتى أنبت كافور الرمال شقيقا، واستحال بلور الحصباء عقيقا، وأزدحمت الجنائب في الفضاء فجعلته مضيقاً وضرب النقع في السماء طريقا:
وضاقت الأرض حتى كادها ربهمإذا رأى غير شيء ظنّه رجلا
قلت ذكرت بهذا التلاعب المطرب من انشاء الصدر عز الدين
تلاعب القاضي محي الدين بن عبد الظاهر في شفاعة ما نسج على منوالها وهي أدام الله نعمة مولانا ولا زال عَلَمُ علمه مرفوعاً أبداً، وبناء مجده منصوبا بخفض العدا، ولا برحت أقلامه لأفعاله الشك جازمة، ولأعدائه متعدية، ولآرائه لازمة.
وأما بعد فإن فلانا حضر وادعى أنه رخم في غير النداء، وجزم والجزم لا يدخل في الأسماء، واستثنى من غير موجب فخفض والخفض من أدوات الاستثناء، وذكر أن العامل الذيدخل عليه منعه من الصرف ولزمه لزوم البناء، واجتمع معه في الشرط وافرده بالجزاء، والمأثور من مكارم مولانا نصب محله على المدح لا على الإغراء، ورفع اسمه المعرّي من العوامل على الابتداء، ففيه من التمييز والظرف ما يوجب العطف، ومن المعرفة والعدل ما يمنعه من الصرف، ولا زال مولانا بابا للعطف والصلة، ومآثر مكارمه متصلة لا منفصلة.
قلت قد انتهت الغاية هنا إلى التحلي بالقطر النباتي وقد عنّ لي أن أورد هنا حظيرة الأنس إلى حضرة القدس فإنها من بديع إنشائه وهي في رحلته ألى القدس الشريف مع الصاحب أمين الدين.
وهي الحمد لله حافظ سر الملك بأمينه، وحامي حماه بمن قسم الشكر والأجر بين دنياه ودينه، ومن إذا رفعت راية مجده تلقاها وعرّابة براعته بيمينه وإذا امتدت إليه أجياد الممالك حلاها
من عقد التدبير بثمينه، وإذا نوى في السيادة فعلا أمضى العزم السني قبل دخول سينه، وإذا حمل بنانه القلم روينا عن ابن بحر كتاب بيانه في الفضل وتبيينه، وصلى الله على سيدنا محمد الذي أيد بالروح الأمين، وعضد بوزراء آله وصحبه الغر الميامين، وسلم عليه وعليهم سلاماً باقيا إلى يوم الدين.
أما بعد فإن الله سبحانه وتالى لما يريد من صلاح عباده، وانتظام هذا العالم الأرضي في سلك سداده، وتمام أمر هذا السواد الأعظم بمدبرة تماما بخط الطرس بسواده، جعل لكل دولة قائمة وزيراً قائماً بتدبيرها، مفرغاً غص القلم بتثميرها، مفنذا أمر سلطانها، ومبلغاً أحكام عدلها وإحسانها، يبني ممالكها على الأسل من أقلامه، ويحوط أطرافها إحاطة الزهر بكمامه، ويتحفها بأوصاف وزيرية يعقد عليها العدل خنصره ويتضح بها وجه الاستحقاق من إبهامه.
وكان صاحب هذه الولة التي خضعت لها الدول وفاضل أمرها الدليل وراسخ دوحها الذي ما مال مع الهوى، وقديم صحائفها الذي تلا تسديده ما ضل صاحبكم وما غوى، وضابط أمورها الذي طال ما استشرفت إليه إسماع وأبصار، وانتصرت به تقديم هجرته فلا غرو أن صار من المهاجرين بها والأنصار، المقر الأشرف الصاحبي والوزيري الأميني
أعلى الله تعالى أبداً شأنه ورفع فوق الفرقدين مكانه، وزان بأقلامه أقاليم مصر فهذه سهام وهذه كنانه، ممن استدعته رواة المحافل، وتردد في المناصب العلية تردد الأقمار في المنازل، وجمع الأوصاف الوزيرية جمع أبي جاد للحروف، وتنبه قلبه ونامت ملء أجفانها السيوف، وعرف بالسيادة والزهد فعلى كلا الحالين هو السري وقدره معروف، وكنت أود لو نقلت الشهادة بصفاته عن الخبر إلى المعاينة، وجمعت بملازمة مقره الشريف الظاهر الوصف باطنه، ورويت الأخبار عن لسنه، وجنيت الورد من غصنه، بل التبر من معدنه هذا وأشغاله بتدبير الدول شاغله، وأيام البعد عند فراغه بيني وبين القصد حائله.
فلما عزم بدمشق المحروسة سنة خمس وثلاثين على زيارة القدس الشريف اطلع رأيه الشريف على ما في خاطري، وأمرني بالمسير في ظل ركابه فسر على الحقيقة سائري، وكاشف ولاينطر التكشف لمن كثرت زواياه في البلاد، ونظر لحالي ولا ينكر النظر في الأحوال لسيد الوزراء والزهاد، وكان له في استصحابي مقصد تقبل الله عمله الصالح ومتجره الرابح، ذلك أني كنت لابساً ثياب الحزن على ولدي، مقيما بين المقابر إقامة تفتت حبة قلبي على قطعة كبدي، ساقياً روض الحزن بغمائم الجفون، باكياً على دينار
وجه عاجلته الأيام بصرف المنون، أطلب قلبي في التراب وأنشده وأطارح صوت الصدا فينشدني وأنشده:
يا لهف قلبي على عبد الرحيم وياشوقي إليه ويا شجوي ويا دائي
في شهر كانون وافاه الحمام لقدأحرقت بالنار يا كانون أحشائي
وقال أيضا:
آهاً لعقدٍ قد وهى سلكُهُوكان ذا درٍّ بعبد الرحيم
فليتني لاقيت عنه الرّدىوعاد ذاك الدرّ درًّا يتيم
فاقتضى تدقيق النظر الصاحبي في اسداء العوارق، وابداء عواطف الفضل وفضل العواطف، أن ينزع عني بصحبة ركابه الكريم لباس الباس، ويشغلني بمشافهة الأنس القابل ألا هكذا فليصنع الناس، وينهضني الناس وينهضني بالإنعام من حوادث الزمن، ويقرب مثل قربانا لا يفطن لمثله إلا منَّ ومن، فيا لها سفرة قابلها وجه الأقبال بالسفور، وتلا فضلها الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور، ومد فيها الأنعام علي ظلاّ ظليلا، وملأ بيتي وعيني دقيقاً وجليلاً، وأمرني أن أصف له المنازل والطرق وصفا كقصده الجميل جميلا، فسرنا وأيدي السعد قد ذللت الطرق بل طوتها، وقدمت وعود الآمال بل أنجزتها، والأرض قد شرعت في لباس
حليها وحللها، ومراعي الربيع قد وعدت حتى الشمس لتسمين حملها، والشتاء قد آن أن يقوض الخيام، والأفق قد شمر للأنصراف ذيل الغمام، ومبدأ الروض أحق بقول أبي الطيب المتنبي:
لقد حَسُنت بك الأيام حتَّىكأنّك في فمِ الدهر إبتسامُ
فأتينا الكسوة فلبسنا منها للمسرة ثياباً سابغة الذيول، وطفنا منها بكعبة الفضل طوافاً واضح الإقبال والقبول، وقلنا للمقاصد تباشري بالخطوة، ولعيون الإقبال تأملي فما أحسن الكعبة في الكسوة، ومررنا والخيل تجمز جمزاً، وجزنا بالصنمين فهمت أن تفخر بمواطىء خيلنا على اللات والعزى، وصعدنا منزلة رأس الماء فكاد الطرب يهزه هزا، ورأينا بينها وبين منزلة المغير روضنا قد أخضرَّ جنابها، وطرزت بآثار طرف ثيابها، فأمت بالقول فقلت:
سقى الله أرضاً طرقها مثل طرزهاوسائرها بردٌ من الوشي أخضر
تذكرت أحبابي بمثوى بريدهافعيني رأس الماء وجسمي المغيرّ
ووافينا الحصين وقد راغت الخيل روغان أبيه، وتلقتنا بالبشر والبشرى وجوه أهليه، وسألونا أن نريح عندهم الركاب من الأين، وعجلوا بالضيافة على الفتوح ولا ينكر تعجيل الفتوح للحصين، ووجدنا هناك فقيراً مغربياً حسن التلاوة، وقد عجز عن المسير،
وأرتد طرف قصده عن القدس خاسئاً وهو حسير، فأمرت له الصدقات الصاحبية بمركوب ونفقة تعينه على السفر والإقامة ولحقه في ذلك فقير عجمي ينشد لسان حاله:
بي مثل ما بك يا حمامة
فلم أر مثلها صدقات تجود من الزاد والراحلة بالغيث والبرق، ولا مثله متصدقاً يجلس لحظة واحدة فيركض نداه في الغرب والشرق، وعجنا بعجلون فحشر الناس لدينا ضحى، وجاء أهل المدينة يستبشرون فرحاً، وارتفعت الأصوات بالأدعية الوافية، وأردنا أن نكتم دخلونا البلد وكيف تكتمنا وهي ذات عين صافية، ثم نزلنا بالخيام في مرجتها الخضراء تحت قلعتها الغراء وهي في معارج السحب صاعدة شائدة، في الجو كأنها في السحر على عمود الصبح قاعدة، مضيئة بين عقود الأنجم كأنها درتها اليتيمة، جالسة على سرير الخيل تنادم الفرقدين كأنها جذيمة، فنظر في المصالح، وميز بالعدل بين الصالح والطالح، وعجل من عجلون المسير فلم ينظر بالغادي الذي هو رائح، وأشرفنا على بركات القصد المنجية واقتحمنا إلى الفور عقبة سهلها السعد فلا تقل ما أدراك ما العقبة واستفتحنا المزارات التي نوينا قصدها وطوينا غورها ونجدها، بمشهد صاحب رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وهو أبو عبيدة بن الجراح
رضي الله تعالى عنه فترامينا إليه بالعزم الفاخر، وزار أمين هذه الأمة الأول أمينها الآخر، وأجرى أمر مشهده على سنن الصلاح، ونظر في مرتبه بعين العدل وأعانه بيد السماح، وجعل والي الناحية عبيدة وما جعل لشاهده المعروف بالجراح، وسلكنا جانب الغور الممطور فاعجبنا ريّا ورواء، وكنا نظن الماء فيه غوراً فوجدنا الغور ماء، وخضنا في حديثه وخاضت الخيل، وتركنا عقباته كالمغلقة ولمنا إلى السهل كل الميل، وتلقينا كل ذي قصد ببشر والصباح ولم نقل أهلك والليل، وما زلنا كذلك لا نمر بواد إلا أنّت مع الإبتهال بطول العمر ماله وأرامله، ولا بناد إلا قامت للدعاء رجاله وأطفاله وحلائله، ولا بولاية إلا ارتج غدرها، ولا ببلدة إلا زها على التي بين السماكين بدرها، ولا ماش إلا حمله المعروف، ولا عابر سبيل إلا آنسه من النعماء صنوف، ولا جائز إلا شملته جائزة، ولا منقطع بمفازة، إلا وعقباه فائزة، ولا ظبية من ظبيات مشق إلا والمكارم تؤاليها وتواليها، وتوجدها في القفار كما توجدها أولياء الله فيها، إلى أن قدمنا القدس الشريف نحن والغمام، وسبقنا إليه طرة الصبح تحت أذيال الظلام، وخفّ بنا جناح الشوق والسوق حين دنت الخيام من الخيام، وألقينا بباب حرمه عصي
السفر، وألقت هناك رحالها ركائب المطر، وزرنا باب الرحمة من الأرض، وزارنا باب الرحمة من السماء، وصرنا من الصالحين عند زيارة الأقصى فمشينا على الماء وحمدنا الأوطان والأقطار، واستمرت السحب حتى عادت كحجر موسى تتفجر منها الأنهار، وأقمنا في بيوت أذن الله أن يرفع شأنها، ويسبح فيها بالغدو والآصال سكانها، وكان معنا شخص يلقب بالخلد سكن بيتا حسنا، وغمّض عينه على لارفاق تغميضاً بيَّنا.
فقال مولانا الصاحب ما تقول في بيته فقلت ما أقول في جنة الخلد وشكا قوم عشرة هذا الرجل فكتبت على ورقتهم أصبروا على ما يفعلون، وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعلمون، ثم دخل الناس على الأبواب الصاحبية افواجاً، وما ترك أحد منهم منهاجاً ذا ناحية إلا منهاجاً ومكثنا في البيوت إلى أن صحا الأفق من غمامه، وحسر عن وجهه للأبصار فضل ثلامه، وقمنا لبقية المشاهد قاصدين، ولتلك المباني المعظمة شاهدين ومشاهدين، فعاودنا الصخرة بقلوب قد لانت، ونثرنا على مواطىء القدم دموعاً عزت بلمسها ولا نقول هانت، ونظرنا آثار قديمة تذهل عيون النظارة، وآثاراً متجددة في هذه الدولة القاهرة تقصر عنها العبارة، ومحاسن يقف
في طريق الزيارة متأملها، ووقفة في الطريق نصف الزيارة فمنها ما هو مخصوص بالحرم الشريف نستلم كالحجاج أركانه، ونقلب وجوهنا في سماء سقف يكاد يمطر علينا لجينه وعقيانه ونشاهد رخاماً بلغ في الحسن والمحل الأقصى في الأقصى، وتمت به في بهجه المكان زيادة تخالف قول النجاة: إنَّ في الترخيم نقصا، فأما المياه التي تجري في الحرم على رأسها، وتطوف على مواضع المنافع بنفسها، فتلك نعمة مقيمة يكافىء الله عنها في دار المقامة، وحسنة في المعنى والصورة جارية إلى يوم القيامة، ومن المباني المذكورة ما هو خصيص بمولانا ملك الأمراء أعز الله أنصاره، وأبقاه سيفا يقف كل ذي قدر عند حده فلا يجاوز مقداره، من مدرسة علم يدرس ولا يدرس معهده، ودار حديث يروي فيروي الأسماع الطامئة مورده، وخانقه تضيء عليها أنوار البركات الكوامل ورباط ومكتب هما كما قيل:
ثمالُ اليتامى عصمةٌ للأرامل
وقلت فيها:
بنيت رباطاً للنساء ومكتباًيدير على الأيتام سحب الفواضل
فللَّهِ من هذا وذاك كما ترىثمال اليتامى عصمة للأرامل
فجنينا من تلك المحاسن بساتين دانية القطوف؛ ولحظنا من الظلال السيفية جنة نشأت
وكذلك الجنة نحت ظلال السيوف؛ وشرعت صدقات السر والجهر؛ وقوبل السؤال ببحر لا يسمع عنده نهر؛ وغص بفقرائهم المكان والطريق؛ وجاءوا رجالا ونساء وعلى كل ضامر من العصي يأتين من كل فج عميق؛ فوضع في مواضع النوال؛ وقدرت الكساوي حتى على المستورين والأطفال؛ هذا وكم ثياب صوف أعرض أشراقها عن مقال اللاحين؛ واتخذ الفقراء والأغنياء من أصوافها أثاثا ومتاعا إلى حين؛ وجاءت الدراهم بعد التفاصيل بالجمل؛ وقال جودها لحاتم هذي التي لا ناقة فيها ولا جمل.
ومما قلت في ذلك:
لله حال امرىءٍ مقترٍقضيت في القدس بتنفيسه
ودرهمٍ ولّى ولكنّهقد أخذ الأجر على كيسه
ثم تليت الختمات التي شرف الله تعالى ذكرها، ومواعيد التفاسير والرقائق التي أجرت الأوقات الصاحبية أجرها، وشرع في بناء الرواق على سطح الزاوية الصاحبية بباب الحرم الشريف، وأخذ راقم الرخام في التوشيع والتفويف فيا لها ألواحا كتب فيها من الحسن كل شيء، واطرد ماء رونقها فكأن العين منها في ماء وفّيءٍ، ويا له رواقا شاق وصفه وراق، ورفع محله فقال لسان المتصوف حبذا رفاعي الرواق،
ثم رتب للشيخ والفقراء ما يحتاجون إليه من كل نوع فريد، واصبح كل أحد وهو للنزول عند ذلك الشيخ مُريد، ورزنا في اليوم السابع من الإقامة وقد قدمنا نقصد الخليل صلوات الله عليه بالنية الجلية، وطربنا لتلك المنازل وكيف لا نطرب لها وهي الخليلية، وزرنا قبر يونس ﵇ في طريقنا ورفعنا لأنواره الجفون، وتملّى عند الزيارة ذو العين بذي النون، ثم نزلنا من محل الخليل على محل القوي، وحمدنا عند صباح ذلك الوجه السّري، واستقبلنا بمقام إبراهيم أمانا، واستلمنا من ضريح شائد الركن ومن ضرائح أهله أركانا، وأكلنا من شهي عدسه لونا ووجدنا من الهناء ألوانا، وقلنا لأنفاس الشوق كوني بردا وسلاما على إبراهيم، ووردنا مورد اللقاء تشفي ظمأ إبراهيم، وفرقت الهبات، وتليت الختمات، وجردت المواعيد على عوائدها المحكمات، فقلت:
قصدنا خليل الله في ظلِّ صاحبٍجليِّ العلى والمكرمات جليل
فهذا لدنيانا وهذا لديننافيا حبذا من صاحبٍ وخليل
وسرنا في ظل الصاحب من الخليل وكادت دمشق تمد أيدي إعطائها لمجاذبة ركابه، ومصر تتضرع بأصابع نيلها طعماً في اقترابه، وترضع ثدي هرمها داعية إلى الله بعوده إليها وغيابه، وهمّ شباك
الوزارة أن يتلقى صاحب فتحه، وصدر الخزائن أن يعانق ما اعتاده من رأى عطفه منحه، فإنه ما جلس فيه أبهر وأبهى من الطلعة الامينية بإجماع الآملين والمتأملين، والخزائن التي كم قال لها تدبيره إني حفيظ عليم فقال الملك: إنك لدينامكين أمين، ثم عطفتنا الأقدار إلى جهة الرملة وجاءت الوفود كالرمل، وخفت أكياس دراهم الصلات الحمل، وأقمنا ثلاثة أيام نكاد ننشد:
خرجنا على أنّ المقام ثلاثةٌفطاب لنا حتى أقمنا بها عشرا
ورأينا مسجداً يعرف بالركيني قد غير الزمان محاسنه الأنيقة، وهدم الخراب والموت ركنيه على الحقيقة، فأمرنا مولانا الصاحب بعمارة ما منه اندثر، ولحظت لآراء حجارته المنقضة فتبين أن السعادة تلحظ الحجر، ولقد صنع في هذه المنزلة من المعروف مالا صنع ذوو الدهر الطويل مثله، وبنى من المكرمات ما ثبت ولولا إبداع سعادته ما ثبت البناء فوق الرملة، ورحلنا عن الرملة بنيّة الزيارة لمشهد زكريا ويحيى عليهما الصلاة والسلام، فمررنا في طريقنا بجملة خير معترضة وبينة وفي وجهة القبول مبيضّة تحتوي على قبر بنيامين أخي يوسف عليهما السلام
فألحقناهُ بالزيارة بأخيه، وتوكلنا على الله في القبول توكَّل أبيه، وتيممنا ببنيامين، وقرعنا أبواب السماء بأدعية فاتحة فقال النجيح عقيب الفاتحة آمين، وسرنا والصدور منشرحة، والطريق إلى خير الدارين متضحة وجئنا المشهد وقد ظهرت عليه بضريحين كريمين بهجة الدين والدنيا، وتلا مزارها للقادم إنا نبشرك بيحيى، وبتنا ليلة طيبة نحييها ونميت النوم، ونعصي بالسهر أمره فما له سلطان على أعين القوم، وأصبحنا وقد امتلأت القلوب سرورا، والأعين نورا، وقوينا على قصد جنى الجنان، واستقبلنا محاسن بيسان، وختمنا الزيارة بمشهد معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه فأنقذت أنواره القلوب من الهم أي إنقاذ، وكدنا نفتن بالأنس حتى نقول أفتان أنت يا معاذ، وأمسكنا عنده من الدعاء بعروة لا تنفصم، وآوينا من طوفان الذنوب إلى جبل ينجح من به يعتصم، وأمر بما يحتاج إليه من تجديد عمارة وإنشاء طهارة، والحق بكل مزار وردنا عليه في هذه السّيارة، فإنا لا نفارقه إلا عن إقامة صلاة وصِلات، وتجديد آثار يزين به وجه القبول كاتب الحسنات، ثم نهضنا على الفور نهوض ليثه الملبد وجزنا مبتسمين فما بكينا بكاء لبيد يوم فراقه أربد، وانتشقنا من تلقاء طيبه الاسم أطيب العرف، وسلكنا بحرف واديها مستبشرين فكانت طيبة
النص من طبعة مكتبة الجمهورية العربية بمصر، بهامش «المستطرف»، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع