تجاوز إلى المحتوى

من «ثمرات الأوراق» لابن حجة الحموي (ت ٨٣٧هـ)

الوليد ومسامر الخلفاء (٦)

الصفحة ٢ من ٢

الاسم والفعل والحرف، ثم عاودنا المنازل التي قدمنا ذكرها، ورجعنا كما تسترجع منازل الأفق زهرها، وتنسمنا أرواح دمشق حتى كدنا ننشق من ذيل الكسوة عطرها، واستقبلنا الديار على هذا السعي الجليل، وفاصلنا السفر على كل وجه للفضل جميل، وقطعنا بالكسوة ليلاً طائلاً نداؤه: كل ليلٍ للعاشقين طويل، وفي تلك الليلة كان دخولنا إلى دمشق المحروسة كدخلونا إلى القدس الشريف سائرين سرى النجوم في الليل، سابقين لغرة الصباح بغرر الخيل، موفرين لخواطر الملتقين وهيهات وقد سال منهم السيل، نازلين من دمشق جنة قد تبسمت لقدومنا عن ثغور الأزهار، وأجرت أمام ركابنا الأنهار، ولبست من وشيء البديع حللا لها من أوائل ما انعقد من الثمار أزرار، فائزين من الثناء والثواب بفوق الأرادة، داعين لمن فضله لنا جامع مترقبين لرتبته باب الزيارة، وتمتهذه السفرة على أحسن ما يكون، واشتملت من وجوه المحاسن على عيون، قضيت المهمات بها بالنهار وقضيت في الليل المذاكرة، والتقطت من الفوائد الوزارية ما كنت أرتقب جواهره وأزهاره، وأردت أن أذكرها في هذه الخطبة لأنها جواهر، وأضمنها بعض العلم في هذه الأوراق فإنها أزاهر، فكثرت على هذا اللفظ المسجوع، واقتضى

الحال أن أجمعها في سفر يقال فيه تلك رحلة وهذا تاريخ ومجموع، وقد علم الله أن هذه النبذة من القول وردت من قريحة مسها فقد الولد بقرح وأي قرح، وقال تفكرها الذي كان حائك الكلام لست اليوم من ذلك الطرح، فليبسط الواقف على هذه الرحلة عذري، ويعلم السبب في كونها ليست عادة نظمي ونثري، وإذا كانت القريحة في بقايا قورحها فليت شعري أينهض سجعي وشعري، والله تعالى المسؤول أن يجمل في البقاء الصاحبي سلوة عن كل فقيد، ويصل أسبابنا أبداً بتحريره الوافر وظله المديد، ويرزقنا في شكر نعمه لساناً لفظه ذهب وذهنا بصره حديد.

قلت ذكرت برحلة الشيخ جمال الدين رحمه الله تعالى إلى القدس الشريق صحبة الركاب الصاحبي الاميني رحلتي صحبة الركاب الشريف السلطاني المؤيدي سقى الله ثراه إلى البلاد الرومية وبروز أمره الشريف بذكر الفتوحات بها وتسمية البلاد واستيعاب الرحلة الشريفة في البشارة المجهزة إلى الديار المصرية وأنا لا يقرأها بالجوامع المطهرة غير مولانا شيخ الإسلام قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن حجر العسقلاني الشافعي عظم الله شأنه فقراها بالجامع المؤيدي والأزهر في شهر رجب الفرد سنة ست عشرة وثمانمائة وقد عنَّ لي أن أقرنها

بالرحلة النباتية فإنهما رحلتان.

وهي ضاعف الله تعالى نعمة الجناب العالي ولا زالت طرف أخبارها السارة خاطره وتشنف سمعه، وترنحه بنسمات قربنا وتجاور كريم سمعه ليأخذها بالشفعة، وإن حصل بينه وبين المسرة لبعدنا طلاق فمائلنا الشريف يبشره بالرجعة.

صدرت: هذه المكاتبة تهدي إليه من أوراقها ثمرات الفتح ليتفكه بالفواكه الفتحية، وتعرب عما أبدته عربياتنا من شواهد التسهيل في فتح البلاد الرومية، فإنها رحلة مؤيدة تشد إليها الرحال، وإن كانت دول الإسلام حلة على أعطاف الدهر فهي لها من أطهر الأذيال، ونبدي لكريم علمه تجلي مخدرات الحصون بكل وجه حسن تحت عصابتها المؤيدية، واستقرار رسيسفي هذه الحلبة على قديم عادتها بين الجنائب الحلبية، وفتح قلعتها وقد حرك بابها مصراعي شفتيها وأعان بسورة الفتح جهراً، وتلت أقفاله بعدما عسرت على الغير فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا، وصعدت أنفاس الأدعية من افواه مراميها فرحاً بنا وسروراً، وبدلتن صوامعها وتلك البيع بمساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً، وأخلصت الطاعة لشيخ ملوك الأرض طائفتها الأرمينية، وانقطعوا في زوايا الطاعة مريدين لهذه المشيخة

الشريعة الصوفية، ورغب ابن رمضان في طاعتنا الشريفة فجعلنا له في ربيع حلاوة الرغائب، ورفعنا قواعد بيته الإبراهيمي وأدنيناه من أرمنة فدنا منها إلى أعلى المراتب، وتلمظت سيوفنا بحلاوة الفتح ورشفت بالسنتها في كل قطر قطرها، ففتحت اياس من بعيد لهذه الحلاوة ثغرها، وانسجمت أبياتها لما نظمت على بسيط الطاعة بحرها، ومص حصن مصيصه من رحيق هذه الطاعة فأمسى ثغره بأفواه الشكر يقبل، وبسط جبين جسره لمواطىء خيلنا فرحة وتهلل، وجانس الفتح بين اياس وبانياس، ولم ينتظم لبني كندبيت بملطية يقام له وزن ويظهر عنه إقتباس، وإنعكس هذا الأسم بعد الاستحالة ون كان مما لا يستحيل بالانعكاس، ويستجر كافرهم وقد أضرم به النار فخاطبته بلسان جمّ لا يفجم:

وما هو إلا كافرٌ طال عمرهفجاءته لما استبطأته جهنَّمُ

وفر إلى ملك عثمان فحكمنا بقتله في تلك الأرض علما إن الجهاد في أعداء الدين عند العصابة المحمدية من الفرض وسمع العصاة بطرسوس زئير آسادنا من بعيد، فأدبر مقبلهم وتخيل أنّ الموت أقرب إليه من حبل الوريد، وأعربت أبوابها بعد كسرة عن الفتح وقال أهلها إدخلوها بسلام آمنين، وأوى العصاة إلى جبل القلعة لما رأوا بعد هذا الفتح المبين، وصفع مقبلهم وجهه

فبصقت فيه أفواه المدافع، وحكم عليه القضاء باعتقال ولم يأت عند ذلك الحكم بدافع، وشاهد القرمانيون من سيوفنا شدة القرن فخشي كل منهم أن يصير لحماً على وضم، ورأوا ألسن السهام في أفواه تلك المرامي برأينا الصائب ناطقة، فمزقوا الأصواق من الحنق فطوقناهم بالحديد، وأحبينا الفتح المأموني برأينا الرشيد، وما خفي عن كريم علمه وقوع انتقامنا الشريف في الغادر ابن الغادر لما أدبر وقطع الله دابره، وظهور السر الإبراهيمي لما أدعى أنه نمروذ تلك الفئة الغادرة؛ كلمه بسيوفنا فأخرسه وتخبطه شيطان الرعب بمسّه ورأى فيه تلك الهمة العالية فنجا من تلك الوقعة بفرسه ونفسه، وأوى من قبل إلى جبل ليعصمه فقال له لا عاصم اليوم من أمر الله، ورماه من شاهقة في بحر عساكرنا بعد ما عض عليه بثناياه، وسمع الرعد من سيف إبراهيم ففر وقد شاهد من أصيب بصواعقه من عصاة التركمان وصدقت فيه عزائم أتراكنا وما رؤي أحد في ذلك اليومن من الترك مان وسقوا أوعار تلك الجبال من دمائهم فكادت أحجارها أن تروق وتخصب بعد المحل، وجنوا بالعسال على النصر وغنموا من الأنعام

مازاد في عدد أجناسه على النحل، ونقرت عنهم أوانس تلك الظباء والمتيم ينشد:

لهفي لظبية أنسٍ منكم نفرت

وانفطرت كبده لما رأى كواكب الحي من أفلاك تلك الصدور قد نتثرت، وسن المقر الصارمي فيهم عزمه فقطع بهذا الصارم من عواتقهم أوصالاً، وحميت نار حربه فسبكت أوانيهم من الذهب والفضة تحت وحوافر خيله نعالاً، ورخصت أنواع الديباج فكم من معدني صار مع دني، لأن قبورهم بعثرت، وتلا لسان حال الكسب على السمور وغيره من أصناف الوبر، وإذا الوحوش حشرت، وانقادت ركائبهم إلينا وبدور مواطئها في بروج تلك الجبال قد أشرقت، والناظر يتلوا متعجباً أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت، وكانت نار حرب القوم على المقر الإبراهيمي برداً وسلاماً، فإنه رفع قواعد بيته في ذلك اليوم وعلمنا إن الله قد جعل لإبراهيم في هذا البيت الشريف مقاماً، ورقاه في عمر الإبدار إلى بروج الكمال فأبدر فيها وسرى وأنشد لسان الحال بهذا المقال:

وقد ظهرت فلا تخفى على أحدٍإلاّ على أكمهٍ لا يعرف القمرا

وإن كان شبلا فهو في المخبر كأسده، ومصارع ليوث الحرب قد جعلها الله من صغره تحت يده، ورفع له في هذا المبتدأ وسيره في الآفاق خبراً، وعلم الأعداء أن دمعهم يجري عند لقائه

دما وكذا جرى، وهذه المقابلة تليق بابن الغادر على قبح سريرته وغدره، فإنه أخرج أهل تلك البلاد من أرضهم بظلمه لا بسحره، وسألنا قبل ذلك في ولده وقد كره العود إليه، وألف أبوتنا الشريفة وتوطن فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن عليه، فخالف نص الكتاب ومشى في ظلم الطغيان، ولم يعمل بقوله تعالى هل جزاء الإحسان إلى الإحسان، فقابلته سطواتنا الشريفة على قوله وفعله، وما حاق المكر السيىء إلا بأهله، وحلّ ركابنا الشريف بالأبليستين في العشرين من ربع الآخر فجمعنا بحصنها الزاهر بين ربيعين، وتمناها بعشر الإقامة لاستيفاء مالنا في ذمة جيرانها من الدين، فرحبت بنا وبسطت بساطها الأخضر وقالت على الرأي والعين، وألقتنا إلى درندة وما العيان من صنع الله في أخذها كالخبر، وادعت أن صخرها أصم فأسمعناه من آذان المرامي تنقير المدافع وتحريك الوتر، وطلعت فيظهر الجبل كدمل فطار كل جارح من سهامنا بريشة إلى فتحها، وظنت صون من بها لعلوّ ذلك السفح فطالت سيوفنا إلى جماء القوم وسفحها، وقرعنا جبلها بسبابات المدافع وكسرنا

منه الثنية، وأمست حلق مراميها كالخواتم في أصابع سهامنا المستوية، وخرَّ بحرها طائعاً فركبنا عليه سفن سور على الزحف جاسرة، وأقلعنا إلى خشب سفنها المسندة فمزقنا قلوع سائرها وخرجنا قرينها العامرة، وهذا مع الملك خطبها لنفسه وأراد أن يعرج إليها فترفعت عليه، ولم ترضه لنقص العرج أن يعلو عليها فرحل عنها ولم يحظ مني ديوان وصلها بمسموح، ولكن ساعة رؤيتها قالت بكارتها مرحباً بأبي النصر وأبي الفتوح، وتعلق سكانها بأذيال الأمان فأمناهم، ولكن كانوا في صدرها غلاًّ فنزعناهم، وجاءت مفاتيح جندروس قبل التخلص منها براعة فأحسنها الختام بدرندة، وألقينا إكسير المدافع على حجرها الذي كانغير مكرم وأحسنا التدبير في الصناعة، وسمعت كرت برت بذلك فألقت من بها من بئر معطلة، وزهت فرحت بقصرها المشيد، ووصلت مفاتيحها يوم هذا الفتح مهنئة بلسانها الحديد، وغارت عروس بهنتان من ذلك فخطبتنا لجمالها البارع، وجهزت كتابها يشهد لها بالخلو من الموانع، وهي أيضا ممن خطبها الملك لنفسه فتمنعت، وأراد السمو إلى أفقها العالي فاستسفلته وترفعت، وعوت كلابه فلقمتهم ما ثقل وزنه من أحجارها الثقال، خلافا لمن أصبح الصخر عنده بمثقال، ولعم طغرق أن سهامنا في كل

عضو من أعضاء العصارة جارحة، وأفواه مدافعنا في أعراض الصخور من سائر القلاع قادحة، فتبت يداه عن المنع وجنح إلى الإخلاص فسابقه باب القلعة ورفع صوته في الفاتحة وضحك ناموس ملكنا على من أدعى بكختا وكرك، ولكن أبكتهم سهامنا دما جرى من محاجر القلعتين ولم يتعثر، وقال حصن كختا إن كانت قلعة نجم عقاباً في عقاب، فالنسر الطائر يخفق تت قامتي بأجنحته أو كان الهلال قلامة لأنملتها التي علاها من الأصيل خضاب، فكي الخضيب يتيم تربي ويمسح بياض جبهته فأنا الهيكل الذي ذاب قلب الأصيل على تذهيبه، وود دينار الشمس أن يكون من تعاويذه، والشجرة التي لولا سمو فرعها تفكهت به حبات الثريا وانتظمت في سلك عناقيده، وتشامخ هذا الحصن ورفع أنف جبله وتشامم فارمدنا عيون مراميه بدم القوم وأميال سهامنا على تكحيلها تتراحم، ووصل النقب بتنقيبه عن مقاتلهم إلى الصواب، وأيقنوا أن بعده لم يضرب بيننا برسوله باب، وكان منهل مائهم عذبا فأكثرنا على منبعه الزحام، وتطفلوا على رضاع ثدي دلو فلم ترض أم المنبع بغير الفطام، وأمسى دلوهم كدلو أبي زيد السروجي لا يرجع

ببلَّةٍ ولا يجلب نقع غلّه، وحكم المدفع الكبير على سور القلعة فقال له السور دائم النفوذ والأحكام، وانقلبوا صاغرين إلى الطاعة وقد قابلنا أنف جبلهم بالإرغام، ورجعوا عن خليلهم الكردي لما قام لهم على جهله الدليل، وقالوا طاعة السلطنة الشريفة ما يراعي فيها من العصاة خيل، وسألونا الصفح عن حديث جهلهم القديم، وسلموا القلعة لرضا خواطرنا الشريعة فاجمعوا بذلك بين الرضا والتسليم، وتنكرت أكراد كركر بسور القعلة فعرفناهم بلامات بين الرضا والتسليم، وتنكرت أكراد الكوكر بسور القلعة فعرفناهم بلامات القسي وألفات السهام، وعطست أنوف

مراميهم بأصوات مادافعنا كأنّ بها زكام وتبرموا من خليلهم الكردي لما شاهدوا الخطب جليلاً، وقال كل منهم يا ليتني لم أتخذ فلانا خليلا، وأورت عاديات المدافع ب القلعة قدحا فأمست بالزلزلة مهددة وفرار من سطواتنا إلى البروج فأدركهم الموت في بروجهم المشيدة وسألنا كرديهم في جزيل ماله ليغدو بنفسه الخبيثة ويروح، فلم نرض منه على كفره إلا بالمال والروح، وسجناه في قلعته وقد أيقن بالموت وارتفع النزاع، وجهز المفتاح لتخليص دينه فحصل على سجنه الإجماع، وأمسى بها: يهم بأصوات مادافعنا كأنّ بها زكام وتبرموا من خليلهم الكردي لما شاهدوا الخطب جليلاً، وقال كل منهم يا ليتني لم أتخذ فلانا خليلا، وأورت عاديات المدافع ب القلعة قدحا فأمست بالزلزلة مهددة وفرار من سطواتنا إلى البروج فأدركهم الموت في بروجهم المشيدة وسألنا كرديهم في جزيل ماله ليغدو بنفسه الخبيثة ويروح، فلم نرض منه على كفره إلا بالمال والروح، وسجناه في قلعته وقد أيقن بالموت وارتفع النزاع، وجهز المفتاح لتخليص دينه فحصل على سجنه الإجماع، وأمسى بها:

النص من طبعة مكتبة الجمهورية العربية بمصر، بهامش «المستطرف»، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «ثمرات الأوراق»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.