تجاوز إلى المحتوى

من «ثمرات الأوراق» لابن حجة الحموي (ت ٨٣٧هـ)

الوليد ومسامر الخلفاء (٣)

الصفحة ١ من ٢

وروي عن عبد الرحمن بن عمر الفهري عن رجال سماهم، أمر المأمون أن يحمل إليه عشرة من أهل البصرة كانوا قد رموا بالزندقة فحملوا فرآهم أحد الطفيلية قد اجتمعوا بالساحل فقال ما اجتمع هؤلاء إلى لوليمة فدخل معهم ومضى بهم الموكلون إلى البحر وأطلعوهم في زورق قد أعد لهم فقال الطفيلي لا شك أنها نزهة فصعد

معهم في الزورق فلم يكن بأسرع من أن قيدوا وقيد الطفيلي معهم فعلم أنه قد وقع ورام الخلاص فلم يقدر وساروا بهم إلى أن دخلوا بغداد وحملوا حتى دخلوا على المأمون مثلوا بين يديه أمر بضرب اعناقهم فاستدعوهم باسمائهم حتى لم يبق إلى الطفيلي وهو خارج عن العدة فقال لهم المأمون من هذا قالوا والله ما ندري يا أمير المؤمنين غير أنا وجدناه مع القوم فجئنا به فقال له المأمون ما قصتك قال يا أمير المؤمنين امرأتي طالق إن كنت أعرف من أقوالهم شيئا ولا أعرف غير لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ إنما رأيتم مجتمعين فظننت أنهم يدعون إلى وليمة فالتحقت بهم قال فضحك المأمون ثم قال بلغ من شؤم التطفل إن أحلّ صاحبه هذا المحل لقد سلم هذا الجاهل من الموت ولكن يؤدب حتى يتوب قال إبراهيم بن المهدي هبّهُ لي وأحدثك بحديث عن نفسي في التطفل عجيب قال المأمون قد وهبته لك هات حديثك قال يا أمير المؤمنين خرجتت يوماً متنكراً للتنزه فأنتهى بي المشي إلى موضع شممت منه روائح طعام وأبازير قد فاحت فتاقت نفسي إليها ووقفت يا أميرالمؤمنين لا أقدر على المضي فرفعت بصري وإذا بشباك ومن خلفه كفٌّ والمعصم ما رأيت أحسن منهما فوقفت حائراً ونسيت روائح الطعام بذلك الكفّ والمعصم وأخذت في إعمال الحيلة فإذا خياط من ذلك الموضع فتقدمت إليه وسلمت عليه فرد علي السلام فقلت لمن هذه الدار قال

لرجل من التجار قلت ما أسمه قال فلان بن فلان فقلت هو ممن يشرب الخمر قال نعم وأحسب اليوم أن عنده دعوة وليس ينادم إلى التجار فبينما نحن في الكلام إذا أقبل رجلان نبيلان راكبان فأعلمني أنهما أخص الناس بصحبته واعلمني بأسميهما فحركت دابتي فلقيتهما وقلت جعلت فداءكما قد استبطأكما أبو فلان وساررتهما حتى أتيا الباب فدخلت وخلا فلما رآني صاحب الدار معهما لم يشك أني منهما فرحب بي وأجلسني في أفضل المواضع ثم جيء بالمائدة فقلت في نفسي هذه الألوان قد منَّ الله عليَّ ببلوغ الغرض منها بقي الكف والمعصم ثم نقلنا إلى مجلس المنادمة فرأيت مجلسا محفوفا باللطائف وجعل صاحب المجلس يتلطف بي ويقبل عليّ في الحديث لظنه أني ضيف لأضيافه وهم على مثل ذلك حتى شربنا أقداحا إذ خرجت علينا جارية كأنها غصن بان في غاية الظرف وحسن الهيئة فسلمت غير خجلة وأتي بعود فأخذته وجسَّته فإذا هي حاذقة واندفعت تقول:

أليس عجيباً أن بيتاً يضمنيوإياك لا نخلو ولا نتكلمُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «يترجم طرفي عن لساني بسره»
سوى أعينٍ تبدي سرائرَ أنفسٍوتقطيعُ أنفاسٍ على النار تُضرم
اشارةُ افواهٍ وغمزُ حواجبٍوتكسير أجفانٍ وكفٌّ يُسلِّم
للشاعر أحمد بن طيفور، اقرأ القصيدة

فهيجت يا أمير المؤمنين بلابلي فطربت لحذقها وحسن شعرها الذي غنت به فحسدتها وقلت قد بقي عليك يا جارية شيء فرمت العود وقالت متى كنتم تحضرون البغضاء

في مجالسكم فندمت على ما كان مني ورأيت القوم قد أنكروا عليَّ ذلك فقلت في نفسي فاتني جميع ما أملت فقلت أثمّ عود قالوا نعم فأحضروا عوداً فأصلحت ما أرت فيه ثم أندفعت فغنيت:

هذا محبّك مطويٌّ على كمدهصبٌّ مادامعهُ تجري على جسده
له يدٌ تسأل الرحمن راحتهُمما به ويدٌ أخُرى على كبده
للشاعر خالد الكاتب، اقرأ القصيدة
يا من رأى كلفاً مستبعداً دنفاًكانت منيتهُ في عينه ويده

فوثبت الجارية فاكبت على رجلي تقبلها وقالت المعذرة إليك يا سيدي والله ما علمت بمكانك ولا سمعت بمثل هذه الصناعة ثم أخذ القوم في إكرامي وتبجيلي بعدما طربوا غاية الطرب وسألني كل منهم الغناء فغنيت لهم نوبات مطربة فغلب القوم السكر وغابت عقولهم فحملوا إلى منازلهم وبقي صاحب المنزل فشرب معي أقداحا ثم قال يا سيدي ذهب ما مضى من عمري مجاناً إذ لم أعرف مثلك فبالله يا مولاي من أنت لا أعرف نديمي الذي من الله عليَّ به في هذه الليلة فأخذت أداري وهو يقسم عليَّ فأعلمته فوثب قائما وقال قد عجبت أن يكون هذا الفضل إلا لمثلك ولقد أسدى إليَّ الزمان يداً لا أقوم بشكرها ومتى طمعت أن تزروني الخلافة في منزلي وتنادمني ليلتي وما هذا إلا في المنام فأقسمت عليه أن يجلس فجلس وأخذ يسالني عن السبب في حضوري عنده بألطف معنى فأخبرته بالقصة من أولها إلى آخرها وما سترت منها شيئا ثم قلت أما الطعام فقد نلت منه بغيتي

فقال والكف والمعصم إن شاء الله ثم قال يا فلانة قولي لفلانة تنزل ثم جعل يستدعي واحدة بعد واحدة يعرضها عليّ وأنا لا أرى صاحبتي إلى أن قال والله ما بقي إلا أمي وأختي ووالله لتنزلان فعجبت من كرمه وسعة صدره فقلت جعلت فداءك تبدأ بالأخت قال حبا وكرامة ثم نزلت أخته فأراني يدها فإذا هي التي رأيتها فقلت هذه الحاجة فأمر غلمانه لوقته فأحضروا الشهود وأحضروا بدرتين فلما حضر الشهود قال لهم هذا سيدي إبراهيم بن المهدي يخطب أختي فلانة وأشهدكم إني قد زوجتها له وأمهرتها منه عشرين ألف درهم فقلت قبلت ذلك ورضيت فشهدوا فدفع البدرة الواحدة إلى أخته والأخرى فرقها على الشهود ثم قال يا سيدي أمهد لك بعض البيوت فتنام مع أهلك فاحشمني ما رأيت من كرمه وتذممت أن أخلوا بها في داره ثم قلت بل أحضر عمارتي وأحملها إلى منزلي فقال افعل ما شئت فأحضرت عمارتي وحملتها إلى منزلي فوحقِّك يا أمير المؤمنين لقد حمل إليَّ من الجهاز ما ضاقت عنه بيوتنا على سعتها وأولدتها هذا الغلام القائم بين يدي أمير المؤمنين فعجب المأمون من كرم هذا الرجل وقال لله دره ما سمعت قط بمثلها وأمر إبراهيم بإحضار الرجل ليشاهده فأحضره بين يديه فاستنطقه فأعجبه وصيره من جملة خواصه ومحاضريه.

ومن غريب المنقول إن فتى من ذوي النعم قعد به زمانه وكانت له جارية حسناء محسنةً في الغناء

فضاق بهم الخناق واشتد بهما الحال في عدم ما يقتاتان به فقال لها قد ترين ما قد صرنا إليه من هذه الحالة السيئة ووالله لموتي وأنت معي أحسن وأهون علي مما أذكره لك فإن رأيت أن أبيعك لمن يحسن إليك ويغسل عنك ما أنت فيه وأنفرج أنا بما لعله يصير إليَّ من الثمن ولعلك تحصلين عند من تتوصلين إلى نفعي معه فقالت والله لموتي على تلك الحالة معك آثر عندي من أنتقالي إلى غيرك ولو كان خليفة ولكن أصنع ما بدا لك قال: فخرج وعرضها للبيع فأشار عليه أحد أصدقائه ممن له رأي أن يحملها إلى ابن معمر أمير العراق فحلمها إليها فلما عرضت عليها استحسنها فقال لمولاها كم كان شراؤها عليك قال مائة ألف درهم وقد أنفقت عليها مالاً كثيراً حتى صارت في رتبة الأستاذين قال أما ما أنفقت عليها فغير محتسب لك به لأنك أنفقته في لذاتك وأما ثمنها فقد أمرنا لك بمائة ألف درهم وعشرة أسفاط من الثياب وعشرة رؤوس من الخيل وعشرة رؤوس من الرقيق أرضيت قال نعم أرضى الله الأمير فأمر بالمال فأحضر وأمر قهرمانة بإدخال الجارية إلى الحرم فأمسكت بجانب الستر وبكت وقالت:

هنيئاً لك المالُ الذي قد أفدتهُولم تُبقِ في كفَّيَّ غير التفكُّر
أقولُ لنفسي وهي في كرباتهاأقليِّ فقد بان الحبيبُ أو أكثري
إذا لم يكن للأمر عندكِ موضعٌولم تجدي بدًّا من الصبر فاصبري

فبكى مولاها وأجاب قائلا:

ولولا قعود الدهر بي عنك لم يكنيفرقنا شيءٌ سوى الموت فأعذري
أروح بهمٍّ من فراقك موجعٍأناجي به قلباً قليل التصبُّر
عليك سلامي لا زيارة بينناولا قرب إلا أن يشاء ابنُ معمر

فقال له ابن معمر قد شئت فخذها بارك الله لك فيها وفيما وصل إليك منها فأخذها وأخذ المال والخيل والرقيق والثياب وعاد وقد حسنت حاله.

ومما جنيته من ثمرات الأوراق أن الحجاج لما وليّ قتل عبد الله ابن الزبير رحل إلى عبد الملك بن مروان ومعه إبراهيم بن محمد بن طلحة فلما قدم على عبد الملك سلم عليه بالخلافة وقال قدمت عليك يا أمير المؤمنين برجل الحجاز في الشرف والأبوة وكمال المروءة والأدب وحسن المذهب والطاعة والنصيحة مع القرابة وهو إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله فافعل بها يا أمير المؤمنين ما يستحق أني فعل بمثله في أبوته وشرفه فقال عبد الملك: يا أبا محمد أذكرتنا حقا واجبا ائذنوا لابراهيم فلما دخل وسلم بالخلافة أمره بالجلوس في صدر المجلس وقال له عبد الملك: إن أبا محمد ذكرنا ما لم نزل نعرفه منك من الأبوة والشرف فلا تدع حاجة في خاصة أمرك وعامته إلا سالتها فقال إبراهيم أما الحوائج التي نبتغي بها الزلفى ونرجو بها الثواب فما كان لله خالصاً ولنبيه ﷺ ولكن لك يا أمير المؤمنين عندي نصيحة لا أجد بدَّاً من ذكري إياها قال أهي دون ابي محمد قال نعم:

قال قم يا حجاج فنهض الحجاج خجلاً لا يبصر أين يضع رجله ثم قال عبد الملك قل يا ابن طلحة فقال تالله يا أمير المؤمنين إنك عمدت إلى الحجاج في ظلمه وتعديه على الحق واصغائه إلى الباطل فوليته الحرمين وفيهما من فيهما من أصحاب رسول الله ﷺ وأبناء المهاجرين والأنصار يسومهم الخسف ويطأهم العسف بطغام أهل الشام ومن لا رؤية له في إقامة الحق ولا إزاحة الباطل قال فاطرق عبد الملك ساعة ثم رفع رأسه وقال: كذبت يا ابن طلحة ظن فيك الحجاج غير ما هو فيك قم فربما ظن الخير بغير أهله قال فقمت وأنا ما أبصر طريقا قال وأتبعني حرسياً وقال أشدد به قال إبراهيم فما زلت جالساً حتى دعا الحجاج فما زالا يتناجيان طويلا حتى ساء ظني ولا أشك أنه في أمري ثم دعا بي فلقيني الحجاج في الصحن خارجا فقبل بين عيني وقال أحسن الله جزاءك. فقلت في نفسي إنه يهزأ بي ودخلت على عبد الملك فأجلسني مجلسي الول ثم قال يا ابن طلحة هل اطلع على نصيحتك أحد فقلت لا والله يا أمير المؤمنين ولا أردت إلا الله ورسوله والمسلمين وأمير المؤمنين علم ذلك فقال عبد الملك قد عزلت الحجاج عن الحرمين لما كرهته لهما وأعلمته أنك استقللت ذلك عليه وسألتني له ولاية كبيرة ولقد وليته العراقين وقررت له أن ذلك بسؤالك ليلزمه من حقك ما لابد له من القيام به فأخرج معه غير ذامٍّ لصحبته.

ومن لطائف المنقول عن القاضي أبي الحسين بن عبد المحسن بن علي التنوخي رحمه الله تعالى أن الاسكندر لما انتهى إلى الصين ونزل على ملكها أتاه حاجبه وقد مضى من الليل شطره فقال

له رسول ملك الصين يستأذن عليك فقال ائذن له فلما دخل عليه وقف بين يديه وسلم وقال إن رأى الملك أن يخلي مجلسه فليفعل فأمر الإسكندر من يخدمه بالانصراف ولم يبق غير حاجبه فقال له الرسلو الذي جئت به لا يجمل أن يسمعه غيرك فأمر بتفتيشه ففتش فلم يوجد معه شيء ن السلاح فوضع الإسكندر بين يديه سيفاً مجرداً وقال له قل ما ئشت ثم أخرج جميع من عنده فلما خلا المكان قال له الرسول أنا ملك الصين لا رسوله وقد حضرت أسالك عما تريد فإن كان مما يمكن الانقياد إليه ولو على أصعب الوجوه أجبت إليه وغنيت أنا وأنت عن الحرب فقال له الإسكندر وما الذي أمنك مني: قال علمي بأنك رجل عاقل وليس بيننا عداوة متقدمة ولا مطالبة بدخل ومتى قتلتني أقاموا غيري ولم يسلموا إليك البلد ثم تنسب أنت إلى غير الجميل وضد الحزم فأطرق الاسكندر متفكراً في مقاله وعلم أنه رجل عاقل فقال له أريد ارتفاع ملكك لثلاث سنين عاجلاً ونصف ارتفاعه في كل سنة قال أجبتك قال فكيف تكون حالك قال أكون قتيلاً أو محارباً قال فإن قنعت منك بارتفاع سنتين كيف حالك قال أصلح مما تقدم ذكره قال فإن قنعت منك بارتفاع سنة واحدة قال يكون مضرا بين ومذهبا لجميع لذاتي قال فإن اقتصرت منك على السدس قال يكون السدس موفراً والباقي لجيشي ولأسباب الملك

قال: قد اقتصرت على هذا فشكره وانصرف، فلما أصبحت وطلعت الشمس أقبل جيش الصين حتى طبق الأرض واختلط بجيش الإسكندر فارتعب وتواثبت أصحابه فركبوا واستعدوا للحرب فبينما هم كذلك إذ ظهر ملك الصين وعليه التاج فلما رأى الإسكندر ترجل فقال له الإسكندر أغدرت قال لا والله قال فما هذا الجيش قال أردت أن أعلمك أني لم أطعك من ضعف ولا من قلة وما غاب عنك من الجيش أكثر لكني رأيت العالم الكبر مقبلا عليك ممكنا لك فعلمت أنه من حارب العالم الأكبر غلب فأردت طاعته بطاعتك والذلة لأمره بالذلة لأمرك فقال الإسكندر ليس مثلك يؤخذ منه شيء فما رأيت بين وبينك أحداً يستحق التفضيل والوصف بالفضل غيرك وقد أعفيتك من جميع ما أردته منك وأنا منصرف عنك فقال ملك الصين أما إذ فعلت ذلك فلست تخسر فلما انصرف الاسكندر اتبعه ملك الصين من الهدايا والتحف بضعف ما كان قدره عليه.

ومن غريب المنقول عن أبي الفرج الأصبهاني أنه قال أخبرني عمي عن أبيه عن الكلبي عن أبيه قال أخبرني شيخ من بني نبهان قال أصابت بني نبهان سنة ذهبت بالأموال فخرج رجل منهم بعياله حتى أنزلهم الحيرة وقال كونوا قريبا من الملك يصبكم من خيره حتى أرجع إليكم ومضى على وجهه يسوق راحلته سبعة أيام حتى انتهى إلى عطن إبل عند تطفيل الشمس فإذا خباء عظيم وقبة

من أدم قال فقلت في نفسي ما لهذا الخباء بد من أهل وما لهذه القبة بد من رب وما لهذا العطن بد من ابل فنظرت في الخباء فإذا شيخ كبير قد أوهاه الكبر وهو شبه النسر فجلست خلفه فلما انصرم النهار أقبل فارس لم أر أعظم من شكله وفي خدمته أسودان يمشيان بين جنبيه وإذا مائة من الإبل معها فحلها فبرك الفحل وبركن حوله فقال لأحد عبيده احلب فلان فحلبها ثم وضع اللبن بين يدي الشيخ فكرع منه وأخذه وقدمه إلي فشربت نصفه ثم أمر بشاة فذبحت وشويت وأكلنا منها جميعاً فأملهت حتى إذا ناموا وحكم عليهم النوم ثرت إليى الفحل فحللت عقاله وركبته فاندفع بي وتبعته الإبل فمشيت إلى الصباح فلما أصبحت نظرت فلم أجد أحدا ولما تعالى النهار التفت فإذا أنا بخيال كأنه طائر فما زال يدنو تى تبينته فإذا هو فارس على فرس وإذا هو صاحبي بالامس فعقلت الفحل وعمدت إلى كنانتي فقال: إحلل عقاله فقلت كلا لقد خلفت خلفي عيالا جياعاً بالحيرة قال فإنك ميت حل عقاله لا أم لك وانصب علي خطامه واجعل فيه خمس عقد وقل لي أين تحب أن أضع سهمي فقلت في هذا الموضع فكأنما وضعها بيده ثم أقبل يرمي حتى أصاب الخمس بخمسة أسهم فرددت نبلي وحططت قوسي ووقفت مستسلما فدنا مني وأخذ القوس والسيف ثم أردفني خلفه وقد عرف أني الذي شربت اللبن عنده وأكلت اللحم

فقال كيف ظنك بي فقلت أحسن ظن فقال أبشر إنه لن ينالك شر وقد كنت ضيف مهلهل فقلت أزيد الخيل أنت قال نعم أنا زيد الخيل فلماَّ انتهينا إلى منزله قال لو كانت هذه الإبل لي لسلمتها إليك ولكنها لابنة مهلهل فأقم عندي فأقمت عنده أياما فشن الغارة على بني نمير فأصاب مائة بعير فقال هذه أحب إليك أم تلك قلت هذه قال دونكها وبعث معي خفراء من ماء إلى ماء إلى أن وردت الحيرة فلقيني نبطي فقال يا أعرابي احتفظ بابلك فقد قرب مخرج النبي ﷺ الذي يملك هذه الأرض ويطرد أهلها حتى أن أحدكم ليبتاع البستان بثمن بعير قال فاحتملت بأهلي إلى النبط حتى جاءنا رسول الله ﷺ فأسلمنا على يديه وما مضت إلا أيام حتى اشتريت بثمن بعير من ابلي بستاناً بالحيرة والله أعلم.

ونقل عن الواقدي قال كان لي صديقان أحدهما هاشمي والآخر نبطي فكنا في الصداقة كنفس واحدة فنالتني ضيقة شديدة وحضر العيد فقالت امرأتي أما نحن فنصبر على البؤس والشدة وأما صبياننا هؤلاء فقد نقطَّع قلبي عليهم رحمة لأنهم يرون صبيان جيراننا وقد تزينوا في عيدهم وهم فرحون ولا بأس بالاحتيال فيما نصرفه في كسوتهم قال فكتبت إلى صديقي الهاشمي أسأله التوسعة عليَّ بشيء فوجه إليَّ كيسا فيه ألف درهم فما استقر قراره حتى كتب إليَّ صديقي الآخر يشكو إلى مثل ما شكوته إلى الهاشمي فوجهت إليه

بالكيس على حاله وخرجت إلى المسجد وأنا مستح من امرأتي فلما دخلت عليها لم تعنفني لعلمها بالحال فبينما أنا كذلك إذ أقبل صديقي الهاشمي ومعه الكيس بختمه فقال أصدقني عما فعلته فيما وجهتُ به إليك فاعلمته بالخبر فقال إنك وجهت به إليَّ ولا أملك إلا ما بعثت به إليك وكتبت إلى صديقنا أسأله المواساة فوجه إليَّ كيس بختمه فاخرجنا للمرأة مائة درهم وتقاسمنا الباقي أثلاثا ونما الخبر إلى المأمون فاحضرني وسألني عن الخبر فشرحته له فأمر لنا بسبعة آلاف دينار منها ألف للمرأة وألفان لكل واحد منا.

ويضارع ذلك ما هو منقول عن الأصمعي قال قصدت في بعض الأيام رجلا كنت أغشاه لكرمه فوجدت على بابه بوابا فمنعني من الدخول إليه ثم قال والله يا أصمعي ما أوقفني على بابه لأمنع مثلك إلا لرقة حاله وقصور يده فكتبت رقعة فيها:

إذا كان الكريم له حجابٌفما فضل الكريم على اللئيم

ثم قلت له أوصل رقعتي إليه ففعل وعاد بالرقعة وقد وقع على ظهرها:

إذ كان الكريم قليل مالٍتحجّب بالحجاب عن الغريم

ومع الرقعة صرة فيها خمسمائة دينار فقلت والله لأتحفن المأمون بهذا الخبر فلما رآني قال من أين يا أصمعي قلت من عند رجل أكرم الأحياء حاشى أمير المؤمنين قال ومن هو فدفعت إليه الورقة والصرة وأعدت عليه الخبر فلما رأى الصرة قال هذا من بيت مالي ولا بد لي من الرجل

فقلت والله يا أمير المؤمنين إني أستحي أن أروعه برسلك فقال لبعض خاصته امض مع الأصمعي فإذا أراك الرجل قل له أجب أمير المؤمنين من غير ازعاج قال فلما حضر الرجل بين يدي المأمون قال له أما أنت الذي وقعت بالامس وشكوت رقة الحال وأن الزمان قد أناخ عليك بكلكله فدفعنا إليك هذه الصرة لتصلح بها حالك فقصدك الأصمعي ببيت واحد فدفعتها إليه فقال نعم يا أمير المؤمنين والله ما كذبت فيما شكوت لأمير المؤمنين من رقة الحال لكن استحيت من الله تعالى أن أعيد قاصدي إلى كما أعادني أمير المؤمنين فقال له المأمون لله أنت فما ولدت العرب أكرم منك ثم بالغ في إكرامه وجعله من جملة ندمائه.

ومن لطائف المنقول ما هو منقول عن الربيع إنه قال ما رأيت رجلا أثبت ولا أربط جأشا من رجل رفع إلى المنصور أن عنده ودائع وأموالا لبني أمية فأمرني باحضاره فأحضرته ودخلت به إليه فقال له المنصور قد رفع إلينا الودائع والأموال التي لبني أمية عندك فأخرج لنا منها فقال يا أمير المؤمنين أوارث أنت لبني أمية قال لا، قال فوصي قال لا، قال فما سؤالك عما في يدي من ذلك قال فأطرق المنصور ساعة ثم رفع رأسه وقال: إن بني أمية ظلموا المسلمين فيها وأنا وكيل المسلمين في حقهم فأريد أن آخذ أموال المسلمين وأجعلها في بيت مالهم فقال يا أمير المؤمنين تحتاج في ذلك إلى إقامة

البينة العادلة على أن الذي في يدي لبني أمية مما خانوه وظلموه واغتصبوه من أموال المسلمين فإن بني أمية كان لهم أموال غير أموال المسلمين قال فأطرق المنصور ساعة ثم رفع رأسه إلي وقال صدق الرجل يا ربيع ما وجب عليه عندنا شيء ثم بش في وجهه فقال هل لك من حاجة فقال نعم يا أمير المؤمنين حاجتي أن تنقذ كتابي مع البريد إلى أهلي ليسكنوا إلى سلامتي فقد راعهم اشخاصي وقد بقيت لي حاجة أخرى يا أمير المؤمنين قال ما هي قال تجمع بيني وبين من سعى بي إليك فو الله ما لبني أمية عندي ولا في يدي وديعة ولكنني لما مثلت بين يديك وسألتني رأيت ما قلته أقرب إلى الخلاص والنجاة فقال يا ربيع اجمع بينه وبين من سعى به فجمعت بينهما فقال هذا غلامي ضرب على ثلاثة آلاف من مالي وابق فشدد المنصور على الغلام فأقر أنه غلامه وأنه أخذ المال الذي ذكره وأبق منه وكذب عليه خوفا من الوقوع في يده فقال المنصور للرجل نسألك أن تصفح عنه فقال يا أمير المؤمنين صفحت عن جرمه وأبرأته من المال وأعطيته ثلاثة آلاف دينار أخرى فقال المنصور ما على ما فعلت مزيد في الكرم قال بلى يا أمير المؤمنين هذا حق كلامك وانصرف

وكان المنصور يتعجب منه كلما ذكره ويقول ما رأيت مثل هذا الرجل يا ربيع.

رحلة الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه قال الشيخ الإمام العالم المقرّي أبو القاسم عبد العزيز بن يوسف الأردبيلي المالكي بالجامع العتيق بمصر في سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة أخبرنا الشيخ أبو محمد عبد الله بن فتح المعروف بابن الحبشي سنة ثلاثين وخمسمائة أخبرنا الشريف القاضي الموسوي أبو إسماعيل موسى بن الحسي بن إسماعيل بن علي الحسيني المقّري في سنة أربع وثمانين وأربعمائة بالجماع العتيق بمصر قال أخبرنا الشيخ أبو العباس حمد بن إبراهيم الفارسي في ربيع الأول سنة إحدى وخمسين وأربعمائة قال أخبرنا يحيى بن عبد الله الرجل الصالح ويحيى ابن موسى المعدل بمصر قال حدثنا أبو الحسن أحمد بن محمد الواعظ المصري الكرازة قال حدثني أبو الفرج عبد الرزاق حمدان البطين قال حدثني أبو بكر محمد بن المثنى قال حدثني الربيع بن سليمان قال سمعت الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه يقول: فارقت مكة وأنا ابن أربعة عشرة سنة لا نبات بعارضي من الأبطح إلى ذي طوى وعلّي بردتان يمانيتان فرأيت ركبا فسلمت عليهم فردوا علي السلام ووثب إلّي شيخ كان فيهم قال سألتك بالله إلا ما حضرت طعامنا قال الشافعي ﵁ ما كنت أعلم أنهم أحضروا طعاما فأجبت مسرعا غير محتشم فرأيت القوم يأخذون الطعام بالخمس ويدفعون بالراحة فأخذت

كأخذهم كي لا يستبشع عليهم مأكلي والشيخ ينظر إلي ثم أخذت السقاء فشربت وحمدت الله وأثنيت عليه فأقبل عليَّ الشيخ وقال أمكي أنت قلت مكي قال أقرشي أنت قلت قرشي ثم أقبلت عليه وقلت يا عم بم استدللت عليَّ قال أما في الحضر فبالزي وأما في النسب فبأكل الطعام لأنه من أحب أن يأكل طعام الناس أحب أن يأكلوا طعامه وذلك في قريش خصوصا قال الشافعي رضي الله تعالى عنه فقلت للشيخ من أين أنت قال من يثرب مدينة النبي ﷺ فقلت له من العالم بها والمتكلم في نص كتاب الله تعالى والمفتي بأخبار رسول الله ﷺ قال سيد بني أصبح مالك ابن أنس رضي الله تعالى عنه قال الشافعي ﵁ فقلت واشوقاه إلى مالك فقال لي قد بل الله شوقك أنظر إلى هذا البعير الاورق فإنه أحسن جمالنا ونحن على رحيل ولك منا حسن الصحبة حتى تصل إلى مالك فما كان غير بعيد حتى قطروا بعضها وأركبوني البعير الاورق وأخذ القوم في السير وأخذت أنا في الدرس فختمت من مكة إلى المدينة ست عشرة ختمة بالليل ختمة وبالنهار ختمة ودخلت المدينة في اليوم الثامن بعد صلاة العصر فصليت العصر في مسجد رسول الله ﷺ ودنوت من القبر فسلمت على النبي ﷺ ولذت بقبره فرأيت مالك بن أنس متزرا ببردة متوشحا بأخرى قال حدثني نافع عن ابن عمر عن صاحب هذا القبر وضرب بيده إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم

قال شافعي ﵁ فلما رأيت ذلك هبته مهابة عظيمة وجلست حيث انتهى بي المجلس فأخذت عودا من الأرض فجعلت كلما أملى مالك حديثا كتبته بريقي على يدي والإمام مالك ﵁ ينظر إلي من حيث لا أعلم حتى انقضى المجلس وانتظرني مالك أن أنصرف فلم يرني انصرفت فأشار إلي فدنوت منه فنظر إلي ساعة ثم قال أحرمي أنت قلت حرمي قال أمكي أنت قلت مكي قال أقرشي أنت قلت قرشي قال كملت أوصافك لكن فيك إساءة أدب قلت وما الذي رأيت من سوء أدبي قال رأيتك وأنا أملي ألفاظ الرسول ﵊ تلعب بريقك على يدك فقلت له عدمت البياض فكنت أكتب ما تقول فجذب مالك يدي إليه فقال ما أرى عليها شيئا فقلت إن الريق لا يثبت على اليد ولكن فهمت جميع ما حدثت به منذ جلست وحفظته إلى حين قطعت فتعجب الإمام مالك من ذلك فقال أعد عليَّ ولو حديثا واحدا.

قال الشافعي ﵁ فقلت حدثنا مالك عن نافع عن ابن عمر وأشرت بيدي إلى القبر كإشارته حتى أعدت عليه خمسة وعشرين حديثا حدث بها من حين جلس إلى وقت قطع المجلس وسقط القرص فصلى مالك المغرب وأقبل على عبده وقال خذ بيد سيدك إليك وسألني النهوض معه.

قال الشافعي ﵀ فقمت غير ممتنع إلى ما دعا من كرمه فلما أتيت الدار أدخلني الغلام إلى خلوة في الدار وقال لي القبلة في البيت هكذا وهذا إناء فيه ماء وهذا

بيت الخلاء. قال الشافعي ﵁ فما لبث مالك ﵁ حتى أقبل هو والغلام حاملاً طبقا فوضعه من يده وسلم الإمام عليَّ ثم قال للعبد اغسل علينا ثم وثب الغلام إلى الاناء وأراد أن يغسل عليَّ أولاً فصاح عليه مالك قال الغسل في أول الطعام لرب البيت وفي آخر الطعام للضيف.

قال الشافعي ﵁ فاستحسنت ذلك من الإمام مالك ﵁ وسألته عن شرحه فقال أنه يدعو الناس إلى كرمه فحكمه أن يبتدىء بالغسل وفي آخر الطعام ينتظر من يدخل فيأكل معه.

قال الشافعي ﵁ فكشف الإمام ﵁ الطبق فكان فيه صفحتان في إحداهما لبن والأخرى تمر فسمى الله تعالى وسميت فأتيت أنا ومالك على جميع الطعام وعلم مالك أنا لم نأخذ من الطعام الكفاية فقال لي يا أبا عبد الله هذا جهد من مقل إلى فقير معدم فقلت لا عذر على من أحسن إنما العذر على من أساء.

قال الشافعي ﵁ فأقبل مالك يسألني عن أهل مكة حتى دنت العشاء الآخرة ثم قام عني وقال حكم المسافر أن يقل تعبه بالاضطجاع فنمت ليلتي فلما كان في الثلث الأخير من الليل قرع عليَّ مالك الباب فقال لي الصلاة يرحمك الله فرأيته حاملاً إناء فيه ماء فتبشع عليَّ ذلك فقال لي لا يرعك ما رأيته فخدمة الضيف فرض.

قال الشافعي ﵁ فتجهزت للصلاة وصليت الفجر مع

الإمام مالك في مسجد رسول الله ﷺ والناس لا يعرف بعضهم بعضا من شدة الغلس وجلس كل واحد منا في مصلاه يسبح الله تعالى إلى أن طلعت الشمس على رؤوس الجبال فجلس مالك في مجلسه بالأمس وناولني الموطأ أمليه وأقرؤه على الناس وهم يكتبونه.

النص من طبعة مكتبة الجمهورية العربية بمصر، بهامش «المستطرف»، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع