من «ثمرات الأوراق» لابن حجة الحموي (ت ٨٣٧هـ)
الوليد ومسامر الخلفاء (٣)
الصفحة ٢ من ٢
قال الشافعي ﵁ فأتيت على حفظه من أوله إلى آخره وأقمت ضيف مالك ثمانية أشهر فما علم أحد من الأنس الذي كان بيننا أينا الضيف ثم قدم على مالك المصريون بعد قضاء حجهم للزيارة واستماع الموطأ. قال الشافعي فأمليت عليهم حفظاً منهم عبد الله بن عبد الحكم وأشهب وأبن القاسم قال الربيع وأحسب أنه ذكر الليث بن سعد ثم قدم بعد ذلك أهل العراق لزيارة النبي ﷺ.
قال الشافعي ﵁ فرأيت بين القبر والمنبر فتى جميل الوجه نظيف الثوب حسن الصلاة فتوسمت فيه خيراً فسألته عن اسمه فأخبرني وسألته عن بلده فقال العراق فقلت أي العراق فقال لي الكوفة فقلت من العالم بها والمتكلم في نص الكتاب والمفتي بأخبار رسول الله ﷺ فقال لي أبو يوسف ومحمد بن الحسن صاحبا أبي حنيفة ﵁.
وقال الشافعي ﵁ فقلت ومتى عزمتم تظعنون فقال لي في غداة غد وقت الفجر فعدت إلى مالك فقلت له خرجت من مكة في طلب العلم بغير استئذان العجوز أفأعود إليها أو أرحل في طلب العلم فقال لي: العلم فائدة يرجع منها إلى فائدة ألم تعلم
أن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضاء بما يطلبه.
قال الشافعي ﵁ فلما أزمعت على السفر زودني الإمام مالك ﵁ فلما كان في السحر سار معي مشيعا إلى البقيع ثم صاح بعلو صوته من يكري راحلته إلى الكوفة فأقبلت عليه وقلت بم تكتري وليس معك ولا معي شيء فقال لي انصرفت البارحة بعد صلاة العشاء الآخرة إذ قرع عليَّ قارع الباب فخرجت إليه فأصبت ابن القاسم فسألني قبول هديته فقبلتها فدفع لي صرة فيها مائة دينار وقد أتيتك بنصفها وجعلت النصف لعيالي فاكترى لي بأربعة دنانير ودفع إليَّ باقي الدنانير وودعني وانصرف وسرت في جملة الحاج حتى وصلت إلى الكوفة يوم رابع عشرين من المدينة فدخلت المسجد بعد صلاة العصر وصليت فبينما أنا كذلك إذ رأيت غلاما قد دخل المسجد وصلى العصر فما أحسن الصلاة فقمت إليه ناصحا فقلت له أحسن صلاتك لئلا يعذب الله هذا الوجه الجميل بالنار فقال لي أنا أظن أنك من أهل الحجاز لأن فيكم الغلظة والجفاء وليس فيكم رقة أهل العراق وأنا أصلي هذه الصلاة خمس عشرة سنة بين يدي محمد بن الحسن وأبي يوسف فما عابا عليَّ صلاتي قط وخرج معجبا ينفض رداءه في وجهي فلقي للتوفيق محمد بن الحسن وأبا يوسف بباب المسجد فقال أعلمتما في صلاتي من عيب فقالا اللهم لا قال ففي مسجدنا هذا من عاب صلاتي فقالا اذهب إليه فقل له بم تدخل في الصلاة.
قال الشافعي ﵁ فقال لي يا من عاب صلاتي بم تدخل في الصلاة فقلت بفرضين وسنة فعاد إليهما وأعلمهما بالجواب فعلما أنه جواب من نظر في العلم فقالا اذهب إليه فقل له ما الفرضان وما السنة فأتى إليَّ فقال ما الفرضان وما السنة فقلت له أما الفرض الأول فالنية والثاني تكبيرة الاحرام والسنة رفع اليدين فعاد إليهما فأعلمهما بذلك فدخلا إلى المسجد فلما نظرا إليَّ أظنهما ازدرياني فجلسا ناحية وقالا اذهب إليه وقل له أجب الشيخين.
وقال الشافعي رحمه الله تعالى فلما أتاني علمت إني مسؤول عن شيء من العلم فقلت من حكم العلم أن يؤتى إليه وما علمت لي إليهما حاجة قال الشافعي ﵁ فقاما من مجلسهما إليَّ فلما سلما عليَّ قمت غليهما وأظهرت البشاشة لهما وجلست بين أيديهما فأقبل علي محمد بن الحسن وقال أحرمي أنت فقلت نعم فقال أعربي أم مولى فقلت عربي فقال من أي العرب فقلت من ولد المطلب قال من ولد من قلت من ولد شافع قال رأيت مالكا قلت من عنده أتيت قال لي نظرت في الموطأ قلت أتيت على حفظه فعظم ذلك عليه ودعا بداوة وبياض وكتب مسألة في الطهارة ومسألة في الزكاة ومسألة في البيوع والفرائض والرهان والحج والإيلاء ومن كل باب في الفقه مسئلة وجعل بين كل مسئلتين بياضا ودفع إليَّ الدرج وقال أجب عن هذه المسائل كلها من الموطأ.
قال الشافعي ﵁ فأجبت بنص كتاب الله وبسنة نبيه ﵊ وإجماع المسلمين في المسائل كلها ثم دفعت إليه الدرج فتأمله ونظر فيه ثم قال لعبده خذ سيدك إليك. قال الشافعي رضي الله تعالى عنه ثم سألني النهوض مع العبد فنهضت غير ممتنع فلما صرت إلى الباب قال لي العبد إن سيدي أمرني أن لا تسير إلى المنزل إلا راكبا. قال الشافعي رضي الله تعالى عنه فقلت له قدم فقدم إلي بغلة بسرج محلى فلما علوت على ظهرها رأيت نفسي باطمار رثة فطاف بي أزقة الكوفة إلى منزل محمد بن الحسن وما هم فيه فبكيت وقلت أهل العراق ينقشون سقوفهم بالذهب والفضة وأهل الحجاز يأكلون القديد ويمصون النوى ثم أقبل عليَّ محمد بن الحسن وأنا في بكائي فقال لا يروعك يا عبد الله ما رأيت فما هو إلا من حقيقة حلال ومكتسب وما يطالبني الله فيها بفرض وإني أخرج زكاتها في كل عام فأسرَّ بها الصديق وأكبت بها العدو.
قال الشافعي ﵁ فما بت حتى كساني محمد بن الحسن خلعة بألف درهم ثم دخل خرانته فأخرج إليَّ الكتاب الأوسط تأليف الإمام أبي حنيفة فنظرت في أوله وفي آخره ثم ابتدأت الكتاب في ليلتي أتحفظه فما أصبحت إلا وقد حفظته ومحمد بن الحسن لا يعلم بشيء من ذلك وكان المشهور بالكوفة بالفتوى والمجيب في النوازل فبينما أنا قاعد عن يمينه في بعض الأيام إذ سئل عن مسئلة أجاب فيها وقال هكذا قال أبو حنيفة فقلت قد وهمت في الجواب في هذه المسئلة والجواب عن قول الرجل كذا وكذا وهذا المسئلة تحتها المسئلة الفلانية وفوقها المسئلة الفلانية في الكتاب. فأمر محمد بن الحسن بالكتاب فأحضر فتصفحه ونظر فيه فوجد القول كما قلت
فرجع عن جوابه إلى ما قلت ولم يخرج إلي كتاباً بعد هذا.
قال الشافعي واستأذنته في الرحيل فقال ما كنت لآذن لضيف بالرحيل عني وبذل لي في مشاطرة نعمته فقلت ما لذا قصدت ولا لذا أردت ولا رغبتي إلى في السفر قال فأمر غلامه أن يأتي بكل ما في خزانته من بيضاء وحمراء فدفع إلي ما كان فيها وهو ثلاثة آلاف درهم وأقبلت أطوف العراق وأرض فارس وبلاد الأعاجم وألقى الرجال حتى صرت ابن إحدى وعشرين سنة ثم دخلت العراق في خلافة هارون الرشيد فعند دخول الباب تعلق بي غلام فلاطفني وقال لي ما أسمك فقلت محمد قال ابن من قلت ابن إدريس الشافعي فقال مطلبي فقلت أجل فكتب ذلك في لوح كان في كمه وخلى سبيلي فأويت في بعض المساجد أفكر في عاقبة ما فعل حتى إذا ذهب من الليل النصف كبس المسجد واقبلوا يتأملون وجه كل رجل حتى أتوا إلي فقالوا للناس لا بأس عليكم هذا هو الحاجة والغاية المطلوبة ثم أقبلوا علي وقالوا أجب أمير المؤمنين فقمت غير ممتنع فلما بصرت بأمير المؤمنين سلمت عليه سلاماً بينا فأستحسن الألفاظ ورد عليَّ الجواب ثم قال تزعم أنك من بني هاشم فقلت يا أمير المؤمنين كل زعم في كتاب الله باطل فقال ابن لي عن نسبك فانتسبت حتى لحقت آدم ﵇ فقال لي الرشيد ما تكون هذه الفصاحة ولا هذه البلاغة إلا في رجل من ولد المطلب هل لك أن أوليك قضاء المسلمين وأشاطرك ما أنا فيه وتنفذ فيه حكمك وكمي على ما جاء به الرسول ﵊ واجتمعت عليه الأمة فقلت يا أمير المؤمنين لو سألتني أن أفتح باب القضاء بالغداة وأغلقه بالعشى بنعمتك هذه ما فعلت ذلك أبداً فبكى الرشيد وقال تقبل من عرض الدنيا شيء قلت يكون معجلاً فأمر لي بألف دينار فما برحت من مقامي حتى قبضتها ثم سألني بعض الغلمان والحشم أن أصلهم من صلتي فلم تسع المروءة إن كنت مسؤولاً غير المقاسمة فيما أنعم الله به علي فخرج لي قسم كأقسامهم ثم عدت إلى المسجد الذي كنت فيه في ليلتي فتقدم يصلي بنا غلام صلاة الفجر في جماعة فأجاد القراءة ولحقه سهو ولم يدر كيف الدخول ولا كيف الخروج فقلت له بعد السلام أفسدت علينا وعلى نفسك أعد فأعاد مسرعاً وأعدنا ثم قلت له أحضر بياضاً أعمل لك باب السهو في الصلاة والخروج منها فسارع إلى ذلك ففتح الله ﷿ عليَّ فألفت له كتاباً من كتاب الله وسنة نبيه ﵊ وإجماع المسلمين وسميته باسمه وهو أربعون جزءاً يعرف بكتاب الزعفران وهو الذي وضعته بالعراق حتى تكامل في ثلاث سنين وولاني الرشيد الصدقات بنجران وقدم الحاج فخرجت أسألهم عن الحجاز فرأيت فتى في قبته فلما أشرت إليه بالسلام أمر قائد القبة أن يقف وأشار إليَّ بالكلام فسألته عن الإمام مالك وعن الحجاز أجاب بخير ثم عاودته إلى السؤال عن مالك فقال لي أشرح لك أو أختصر قلت في الاختصار البلاغة فقال في صحة جسم وله ثلثمائة جارية يبيت عند الجارية ليلة فلا يعود إليه إلى سنة فقد اختصرت لك خبره.
قال الشافعي ﵁ فاشتهيت أن أراه
في حال غناه كما رأيته في حال فقره فقلت له أما عندك من المال ما يصلح للسفر فقال إنك لتوحشني خاصة وأهل العراق عامة وجميع مالي فيه لك فقلت له فيم تعيش قال بالجاه ثم نظر إلي وحكمني في ماله فأخذت منه على حسب الكفاية والنهاية وسرت على ديار ربيعة ومضر فأتيت حران ودخلتها يوم الجمعة فذكرت فضل الغسل وما جاء فيه فقصدت الحمام فلما سكبت الماء رأيت شعر رأسي شعثاً فدعوت المزين فلما بدأ برأسي وأخذ القليل من شعري دخل قوم من أعيان البلد فدعوه إلى خدمتهم فسارع إليهم وتركني فلما قضوا ما أرادوا منه عاد إلي فما أردته وخرجت من الحمام فدفعت إليه أكثر ما كان معي من الدنانير وقلت له خذ هذه وإذا وقف باك غريب لا تحتقره فنظر لي متعجبا فإجتمع بعض من كان في الحمام من الأعيان فقدمت له بغلة ليركبها فسمع خطابي لهم فإنحدر عن البلغة بعد أن استوى عليها وقال لي أنت الشافعي فقلت نعم فمد الركاب مما يليني وقال بحق الله اركب ومضى بي الغلام مطرقاً بين يدي حتى أتيت إلى منزل الفتى ثم أتى وقد حصلت في منزله فأظهر البشاشة ثم دعا بالغسل فغسل علينا ثم حضرت المائدة فسمى وحبست يدي فقال مالك يا عبد الله فقلت له طعامك حرام عليَّ حتى أعرف من أين هذه المعرفة فقال أنا ممن سمع منك الكتاب الذي وضعته ببغداد وأنت لي أستاذ.
قال الشافعي ﵁ فقلت العلم بين أهل العقل رحم متصلة فأكلت بفرحة إذ لم يعرف الله تعالى إلا بيني وبين أبناء جنسي وأقمت ضيفه ثلاثاً فلما كان بعد ثلاثاً قال: إنّ لي حول حرّان أربع ضياع ما بحرَّان أحسن منها أشهد الله أن أخترت المقام فإنها هدية مني إليك فقلت فيم تعيش قال بما في صناديقي تلك وأشار إليها وهي أربعون ألف درهم وقال أتجربها فقلت ليس إلى هذا قصدت ولا خرجت من بلدي لغير طلب العلم فقال لي فالمال إذا من شأن المسافر فقبضت الأربعين ألفا وودعته وخرجت من مدينة حران وبين يدين أحمال ثم تلقاني الرجال وأصحاب الحديث منهم أحمد بن حنبل وسفيان بن عيينة والأوزاعي فأجزت كل واحد منهم على قدر ما قسم له حتى دخلت مدينة الرملة وليس معي إلا عشرة دنانير فاشتريت بها راحلة واستويت على كورها وقصدت الحجاز فما زلت من منهل إلى منهل حتى وصلت إلى مدينة النبي ﷺ بعد سبعة وعشرين يوماً بعد صلاة العصر فصليت العصر ورأيت كرسيا من الحديد عليه مخدة من قباطي مصر مكتوب عليها لا إله إلى الله محمد رسول الله ﷺ.
قال الشافعي ﵁ وحوله أربعمائة دفتر أو يزدن وبينما أنا كذلك إذ رأيت مالك بن أنس ﵁ قد دخل من باب النبي ﷺ وقد فاح عطره في المسجد وحوله أربعمائة أو يزيدون يحمل ذيوله منهم أربعة فلما وصل قام إليه من كان قاعداً وجلس على الكرسي فألقى مسئلة في جراح العمد فلما سمعت ذلك لم يسعني الصبر فقمت قائماً في سور الحلقة فرأيت إنساناً فقلت له قل الجواب كذا وكذا فبادر بالجواب قبل فراغ مالك من السؤال فأضرب عنه مالك وأقبل على أصحابه فسألهم عن الجواب فخالفوه فقال لهم أخطأتم
وأصاب الرجل ففرح الجاهل بإصابته فلما ألقى السؤال الثاني أقبل عليَّ الجاهل يطلب من الجواب فقلت له الجواب كذا وكذا فبادر بالجواب فلم يلتفت إليه مالك فأقبل على أصحابه واستخبرهم عن الجواب فخالفوه فقال لهم أخطأتم وأصاب الرجل.
قال الشافعي ﵁ فلما ألقى السؤال الثالث قلت له قل الجواب كذا وكذا فبارد بالجواب فأعرض مالك عنه وأقبل على أصحابه فخالفوا فقال أخطأتم وأصاب الرجل ثم قال للرجل أدخل ليس ذلك موضعك فدخل الرجل طاعة منه لمالك وجلس بين يديه فقال له مالك فراسة قرأت الموطأ قال لا قال فنظرت ابن جريج قال لا قال فلقيت جعفر بن محمد الصادق قال لا قال فهذا العلم من أين قال إلى جانبي غلام شاب يقول لي قل الجواب كذا وكذا فكنت أقول، قال فالتفت مالك والتفت الناس بأعناقهم لالتفات مالك ﵁ فقال للجاهل قم فأمر صاحبك بالدخول إلينا.
قال الشافعي ﵁ فدخلت فإذا أنا من مالك بالموضع الذي كان الجاهل فيه جالساً بين يديه فتأملني ساعة وقال أنت الشافعي فقلت نعم فضمني إلى صدره ونزل عن كرسيه وقال أتمم هذا الباب الذي نحن فيه حتى ننصرف إلى المنزل الذي هو لك، المنسوب إلي.
النص من طبعة مكتبة الجمهورية العربية بمصر، بهامش «المستطرف»، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع