تجاوز إلى المحتوى

من «ثمرات الأوراق» لابن حجة الحموي (ت ٨٣٧هـ)

الوليد ومسامر الخلفاء (٤)

الصفحة ١ من ٢

قال الشافعي ﵁ فألقيت اربعمائة مسئلة في جراح العمد فما أجابني أحد بجواب واحتجت إلى أن آتي بأربعمائة جواب فقلت الأول كذا وكذا والثاني كذا وكذا حتى سقط القرص وصلينا المغرب فضرب مالك بيد إليَّ فلما وصلت المنزل رأيت بناء غير الأول فبكيت فقال مم بكاؤك كأنك خفت يا أبا عبد الله أن قد بعت الآخرة بالدنيا قلت هو والله ذلك قال طب نفسا وقر عينا هذه هدايا خراسان وهدايا مصر والهدايا تجيء من أقاصي الدنيا وقد كان النبي ﷺ يقبل الهدية ويرد الصدقة وإن لي ثلثمائة خلعة من زي خراسان وقباطي مصر وعندي عبيد بمثلها لم تستكمل الحلم فهم هدية مني إليك وفي صناديقي تلك خمسة آلاف دينار أخرج زكاتها عند كل حول فلك مني نصفها قلت إنك موروث

وأنا موروث فلا يبيت جميع ما وعدتني به إلا تحت خاتمي ليجري ملكي عليه فإن حضرني أجلي كان لورثتي دون ورثتك وإن حضرك أجلك كان لي دون ورثتك فتبسم في وجهي وقال أبيت إلا العلم فقلت لا يستعمل أحسن منه وما بت إلا وجميع ما وعدني به تحت خاتمي فلما كان في غداة غد صليت الفجر في جماعة وانصرفت إلى المنزل أنا وهو وكل واحد منا يده في يد صاحبه إذ رأيت كراعاً على بابه من جياد خراسان وبغالاً من مصر فقلت له ما رأيت أحسن من هذا فقال هو هدية مني إليك يا أبا عبد الله فقلت له دع لك منها دابة فقال إني أستحي من الله أن أطأ فيها نبي الله ﷺ بحافر دابة.

قال الشافعي ﵁ فعلمت أن ورع الإمام مالك باق على حاله فأقمت عنده ثلاثاً ثم ارتحلت إلى مكة وأنا أسوق خير الله ونعمه ثم أنفذت من يعلم بخبري فلما وصلت إلى الحرم خرجت العجوز ونسوة معها فضمتني إلى صدرها وضمتني بعدها عجوز كنت آلفها أدعوها خالتي وقالت:

ليس امُّك اجتاحت المناياكلّ فؤادٍ عليك أمُّ

قال الشافعي ﵁ وهي أول كلمة سمعتها في الحجاز من امرأة فلما هممت بالدخول قالت لي العجوز إلى أين عزمت فقلت إلى المنزل فقالت هيهات تخرج من مكة بالأمس فقيراً وتعود إليها مترفاً تفخر على بني عملك بذلك فقلت ما أصنع فقالت ناد بالأبطح في العرب بإشباع الجائع وحمل المنقطع وكسوة العراة فتربح ثناء الدنيا وثواب الآخرة ففعلت ما أمرت به وسار بذلك الفعل الرجال على آباط الإبل وبلغ ذلك مالكاً فبعث إليَّ يستحثني على الفعل ويعدني أنه يحمل إليَّ في كل عام مثل ما صار إليَّ منه وما دخلت إلى مكة وأنا أقدر على شيء مما جاء معي إلى على بغلة واحدة وخمسين ديناراً فوقعت المقرعة فناولتني إياها أمة على كتفها قربة فأخرجت لها خمسة دنانير فقالت له العجوز ما أنت صانع فقلت أجيزها على فعلها لها خمسة دنانير فقالت لي العجوز ما أنت صانع فقلت أجيزها على فعلها فقالت أدفع إليها جميع ما تأخر معك قال فدفعت إليها ودخلت إلى

مكة فما بت تلك الليلة إلا مديونا وأقام مالك ﵁ يحمل إليَّ في كل عام مثل ما كان دفع إليَّ أولا إحدى عشرة سنة فلما مات ضاق بي الحجاز وخرجت إلى مصر فعوضني الله عبد الله بن عبد الحكيم فقام بالكلفة فهذا جميع ما لقيته في سفري فإفهم ذلك يا ربيع قال الربيع وسألني المزني املاء ذلك بحضرته فما وجدنا للمجلس فرغة فما وقع كتاب السفر إلى أحد غيري.

ومن لطائف المنقول ما نقله القرطبي في كتابه المسمى بالأعلام عن صدق محبة أبي طالب لسيدنا رسول الله ﷺ قال كان رسول الله ﷺ قد خرج إلى الكعبة يوماً وأراد أن يصلي فلما دخل في الصلاة قال أبو جهل لعنه الله من يقوم إلى هذا الرجل فيفسد عليه صلاته فقام عبد الله بن الزبعري فأخذ فرثا ورماه فلطخ به وجه النبي ﷺ فانتقل النبي ﷺ من صلاته وأتى إلى أبي طالب عمه وقال يا عم ألا ترى ما فعل بي فقال له أبو طالب من فعل بك

هذا فقال النبي ﷺ عبد الله بن الزبعري فقام أبو طالب فوضع سيفه على عاتقه ومشى حتى أتى القوم فلما رأوه قد أقبل نهضوا له فقال أبو طالب والله إن قام رجل جللته بسيفي هذا ثم قال يا بني من الفاعل بك هذا فقال عبد الله بن الزبعري فأخذ أبو طالب فرثا ودما فلطخ وجوههم ولحاهم وثيابهم وأساء لهم القول فنزلت هذه الآية الشريفة وهم ينهون عنه وينأون عنه فقال النبي ﷺ يا عم نزلت فيك آية قال وما هي تمنع قريشا أن يأذوني وتأبى أن تؤمني بي فقال أبو طالب

والله لن يصلوا إليك بجمعهمحتى أوسَّد في التراب دفينا
للشاعر أبو طالب، من قصيدة «والله لن يصلوا إليك بجمعهم»
فامضِ لأمرك قد زعمتك ناصحيفلقد صدقت وكنت ثمّ أمينا
وعرضت ديناً قد عرفتُ بأنّهمن خير أديان البريّة دينا
لولا الملامة أو حذار مسبّةٍلوجدتني سمحاً بذاك يقينا

وقيل لرسول الله ﷺ يا رسول الله هي تنفع نصرة أبي

طالب قال نعم رفع عنه بذلك الفعل إنه لم يقرن مع الشياطين ولم يدخل جب الحيات والعقارب إنما عذابه في نعلين من نار في رجليه يغلي منها دماغه وهو أهو أهل النار عذابا. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ لأبي طالب قل لا إله إلى الله أشهد لك بها يوم القيامة فقال أبو طالب لولا أن يعايروني بها يعني قريشاً يقولون إنما حمله الجزع لأقررت بها عينك فأنزل الله تعالى إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء.

وأما عبد الله بن الزبعري فإنه أسلم عام الفتح وحسن إسلامه واعتذر إلى النبي ﷺ فقبل عذره وكان شاعراً مجيداً فقال يمدح النبي ﷺ بأبيات منها في حكاية حاله:

إني لمعتذرٌ إليك من الذيأسديت إذ أنا في الضلال مقيم
للشاعر عبد الله بن الزبعرى، اقرأ القصيدة
فاعفر فداؤك والديّ كلاهماوأرحم فإنك راحمٌ مرحوم

ومن غريب ما نقله القرطبي في الأعلام

أن الأنصار الذين نصروا النبي ﷺ كانوا من أولاد العلماء والحكماء الذين كانوا مع تبع الأول فيما ذكر ابن اسحق وكان تبع من الخمسة الذين كانت لهم الدنيا بأسرها وكان كثير الوزراء فاختاروا واحداص منهم وأخرجه معه لينظر في ملكه فكان إذا أتى بلدة يختار من حكمائها عشرة رجال وكان معه من العلماء والحكماء مائة ألف رجل ثم الذين اختارهم من البلدان وهذا القدر غير محسوب من الجيش فلما انتهى إلى مكة لم تخضع له أهل مكة كخضوع أهل البلاد ولم تعظمه فغضب لذلك ودعا وزيره وكان اسمه عماريا فقال له كيف شاهدت هذه البلد فإنهم لم يهابوني ولم يخشوا عسكري فقال إنهم عرب لا يعرفون شيئاً ولهم بيت يقال له الكعبة وهم معجبون به ويسجدون فيه للأصنام قال فنزل الملك بعسكره ببطحاء مكة وعزم على هدم البيت وقتل الرجال وسبى النساء فأخذه الله بالصداع وتفجر من عينيه وأذنيه ومنخريه وفمه ماء منتن فلم يصبر عنده أحد طرفة

عين من نتن الريح فاستيقظ لذلك وقال لوزيره أجمع العلماء والحكماء والأطباء وتكلم معهم في أمري فاجتمع عنده العلماء والحكماء والأطباء فلم يقدروا على الجلوس عنده ساعة وعجزوا عن مداواته وقالوا نحن نقدر على مداواة ما يعرض من أمور الأرض وهذا شيء من السماء لا نستطيع له رداً ثم اشتد أمره ونفرت الناس عنه ولم يزل أمره في شدة حتى أقبل الليل فجاء أحد العلماء إلى وزيره فقال له إن بيني وبينك سراً وهو إن كان الملك يصدقني في حديثه عالجته فاستبشر الوزير بذلك وقال له قل ما شئت فقال أريد الخلوة فأخلي له المكان فلما خلا مجلس الملك قال له العالم أيها الملك أنت نويت لهذا البيت سوء قال نعم نويت خرابه وقتل رجاله وسبي نسائه فقال له العالم أيها الملك هذه النية هي التي أحدثت لك هذا الداء ورب هذا البيت قادر يعلم الأسرار فبادر وأخرج من قلبك ما هممت به من أمر هذا البيت وأهله ولك خير الدنيا والآخرة قال الملك قد أخرجت ذلك من قلبي ونويت لهذا البيت

المبارك ولأهله كل خير فلم يخرج العالم من عنده حتى برىء من علته وعافاه الله تعالى بقدرته فآمن بالله من ساعته وخلع على الكعبة سبعة أثواب وهو أول من كسار الكعبة وخرج إلى يثرب وهي يومئذ بقعة فيها عين ماء ليس فيها بيت فنزل على رأس العين هو وعسكره وجميع العلماء الذين كانوا معه ومعهم رئيسهم عماريا الذي يرى الملك برأيه ثم إن العلماء والحكماء أخرجوا من بينهم أربعمائة وهم أعلمهم وبايع كل واحد منهم صاحبه أن لا يخرجوا من ذلك المقام ون قتلهم الملك فلما علم الملك بما عزموا عليه قال للوزير ما شأنهم يمتنعون عن الخروج معي وأنا محتاج إليهم واي حكمة أقتضت نزولهم في هذا المكان واختيارهم إياه على سائر النواحي فسألهم الوزير عن ذلك فقالوا أيها الوزير إن ذلك البيت وهذه البقعة التي نحن فيها يشرفان برجل يبعث في آخر الزمان يقال له محمد ووصفوه له ثم قالوا طوبى لمن أدركه وآمن به ونحن على رجاء أن ندركه أو تدركه أولادنا فلما سمع

الوزير مقالتهم هم بالمقام معهم فلما جاء وقت الرحيل أمرهم الملك أن يرتحلوا فقالوا لا نفعل وقد أعلمنا الوزير بحكمة مقامنا فدعا بالوزير فأخبره بما سمع منهم فتفكر الملك وهم أن يقيم معهم رجاء أن يدرك محمداً ﷺ فأقام وأمر الناس أن يبنوا أربعمائة دار على عدة العلماء والحكماء واشترى لكل واحد منهم جارية وأعتقها وزوجها برجل منهم وأعطى كل واحد عطاء جزيلا وأمرهم أن يقيموا في ذلك المكان إلى أن يجيء زمان النبي ﷺ ثم كتب الكتاب وختمه بخاتم من ذهب ودفعه إلى عالمهم الكبير وأمره أن يدفع الكتاب إلى محمد ﷺ إن أدركه وإلا فيوصي به أولاده مثل ما أوصاه به وكذلك الأولاد حتى يتصل بالنبي ﷺ وكان في ذلك الكتاب، أما بعد فإن آمنت بك وبكتابك الذي أنزل عليك وأنا على دينك وسنتك وآمنت بربك وبكل ما جاء من ربك من شرائع الإيمان والإسلام فإن أدركتك فيها نعمت وإلا فإشفع لي ولا تنسني يوم القيامة فإن من أمتك الأولين وقد بايعتك قبل مجيئك وأنا على ملتك وملة أبيك إبراهيم ﵇ ثم ختم الكتاب

ونقش عليه لله الأمر من قبل ومن بعد وكتب عنوانه إلى محمد بن عبد الله ونبي الله ورسوله وخاتم النبيين

ورسول رب العالمي ﷺ من تبع الأول الحميري ودفع الكتاب إلى الرجل العالم الذي أبرأه من علته وسار تبع من يثرب حتى وصل إلى بلاد الهند فمات بها وكان من اليوم الذي مات فيه تبع إلى اليوم الذي بعث فيه النبي ﷺ ألف سنة لا تزيد ولا تنقص وكانت الأنصار الذين نصروا النبي ﷺ من أولاد أولئك العلماء والحكماء فلما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة سأله أهل القبائل أن ينزل عليهم فكانوا يتعلقون بناقته وهو يقول خلوا الناقة فإنها مأمورة حتى جاءت إلى دار أبي أيوب وكان من أولاد العالم الذي أبرأ تبعاً برأيه ثم استشار الأنصار عبد الرحمن بن عوف في إيصال الكتاب إلى النبي ﷺ ولما ظهر خبره قبل أبو ليلى وكان من الأنصار فدفعوا الكتاب إليه وأوصوه بحفظه فأخذ الكتاب وخرج من المدينة على طريق مكة فوجد النبي ﷺ في قبيلة بني سليم فعرفه رسول الله ﷺ فدعاه وقال أنت أبو ليلى قال نعم ومعك كتاب تبع الأول قال نعم فبقي أبو ليلى متفكراً وقال في نفسه إن هذا من العجائب ثم قال له أبو ليلى من أنت فإني لست أعرفك وتوهم أنه ساحر وقال في وجهك أثر السحر فقال له بل أنا محمد رسول الله هات الكتاب فأخرجه ودفعه إلى رسول الله ﷺ فأخذه النبي ﷺ ودفعه إلى علي كرم الله وجهه فقرأه عليه فلما سمع النبي ﷺ كلام تبع قال مرحباً بالأخ الصالح ثلاث مرات ثم أمر أبا ليلى بالرجوع إلى المدينة ليبشرهم بقدومه عليهم. سول رب العالمي ﷺ من تبع الأول الحميري ودفع الكتاب إلى الرجل العالم الذي أبرأه من علته وسار تبع من يثرب حتى وصل إلى بلاد الهند فمات بها وكان من اليوم الذي مات فيه تبع إلى اليوم الذي بعث فيه النبي ﷺ ألف سنة لا تزيد ولا تنقص وكانت الأنصار الذين نصروا النبي ﷺ من أولاد أولئك العلماء والحكماء فلما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة سأله أهل القبائل أن ينزل عليهم فكانوا يتعلقون بناقته وهو يقول خلوا الناقة فإنها مأمورة حتى جاءت إلى دار أبي أيوب وكان من أولاد العالم الذي أبرأ تبعاً برأيه ثم استشار الأنصار عبد الرحمن بن عوف في إيصال الكتاب إلى النبي ﷺ ولما ظهر خبره قبل أبو ليلى وكان من الأنصار فدفعوا الكتاب إليه وأوصوه بحفظه فأخذ الكتاب وخرج من المدينة على طريق مكة فوجد النبي ﷺ في قبيلة بني سليم فعرفه رسول الله صلى الله عليه وسلم

فدعاه وقال أنت أبو ليلى قال نعم ومعك كتاب تبع الأول قال نعم فبقي أبو ليلى متفكراً وقال في نفسه إن هذا من العجائب ثم قال له أبو ليلى من أنت فإني لست أعرفك وتوهم أنه ساحر وقال في وجهك أثر السحر فقال له بل أنا محمد رسول الله هات الكتاب فأخرجه ودفعه إلى رسول الله ﷺ فأخذه النبي ﷺ ودفعه إلى علي كرم الله وجهه فقرأه عليه فلما سمع النبي ﷺ كلام تبع قال مرحباً بالأخ الصالح ثلاث مرات ثم أمر أبا ليلى بالرجوع إلى المدينة ليبشرهم بقدومه عليهم.

وقال أبو عبد الله منحمد القرطبي نور الله ضريحه ما ذكرت هذا الخبر وإن كان فيه طول إلاّ لما احتوى عليه من فضل مكة والمدينة والتصديق بنبوة النبي ﷺ قبل أيجاده بالف عام.

ومن لطائف ما نقلته من كتاب الاعلام للقرطبي ما أورده من مسند أبي داود عن ابن عباس ﵄ قال قال رسول الله ﷺ في قول الله ﷿ إذا تداينتهم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه إلى آخر الآية إن أول من جحد الدين آدم ﵇ لأنه لما أراه الله تعالى ذريته رأى فيهم رجلاً أزهر ساطع النور فقال يا رب من هذا قال ابنك داود قال يا رب فما عمره قال ستون سنة قال

يا رب زد في عمره قال لا إلا أن تزيده من عمرك قال وما عمري قال ألف سنة قال آدم فقد وهبته أربعين سنة قال فكتب الله عليه كتاباً وأشهد عليه ملائكته فلما حضرته الوفاة قال بقي من عمري أربعين سنة فقيل له قد وهبتها لابنك داود قال ما وهبت لأحد شيئاً فأخرج الله ذلك الكتاب وفيه شهادة الملائكة.

وفي رواية إن الله ﷻ أتم لداود مائة سنة ولآدم ألف سنة أخرجه الترمذي بمعناه وصححه وفيه فقال ﵊ نسي آدم فنسيت ذريته وجحد آدم فجحدت ذريته والله أعلم.

ومن لطائف الغرائب المنقولة من كتاب الأعلام للقرطبي أن العباس بن عبد المطلب ﵁ مدح النبي ﷺ بأبيات على قافية بديعة أعجبت النبي ﷺ منها قوله:

وأنت لما ولدت أشرقت الأرض وضاءت بنورك الأفُقُ
فنحن في ذلك الضياء وفي النور وسُبل الرشاد نخترقُ

فقال يا عم لكل شاعر جائزة وجائزتك إن الخلافة في عقبك إلى يوم القيامة.

ومن غرائب التفسير ما نقلته من الأعلام أن في قوله

تعالى ووجدك ضالاً فهدى أقوالاً ذكرت في أحكام مخارج القرآن أحسنها ما ذكره بعض المتكلمين إن العرب كانت إذا وجدت شجرة منفردة في فلاة من الأرض لا شجر معها سموها ضالة فيهتدى بها على الطريق فقال الله تعالى لنبيه ﷺ ووجدك ضالاً فهدى أي وجدتك لا أحد على دينك فهديت بك الخلق إليّ.

قلت قد تقدم الكلام في سعادة العباس ابن عبد المطلب عم النبي ﷺ وما نال بالإسلام من العز قول النبي ﷺ إن الخلافة في عقبك إلى يوم القيامة وتقدم ذكر شقوة عمه أبي طالب بالشرك مع حمايته ورعايته لجانب النبي ﷺ وهو الذي تقدم قوله مشيراً إلى قريش في خطابه إلى النبي ﷺ:

والله لن يصلوا إليك بجمعهمحتى أوسد في التّراب دفينا
للشاعر أبو طالب، من قصيدة «والله لن يصلوا إليك بجمعهم»

قال السهيلي نور الله ضريحه في الروض الأنف هذا من باب النظر في حكمة الله.

ونقل في الروض الأنف أيضا عن هشام بن السائب أن أبا طالب لما حضرته الوفاة جمع وجوه قريش وقال لهم إنكم صفوة الله من خلقه وقلب العرب وفيكم السيد المطاع وفيكم المتقدم الشجاع والواسع الباع لم تتركوا للعرب في المآثر نصيباً إلا أحرزتموه

ولا شرفاً إلا أدركتموه فلكم على الناس بذلك الفضيلة ولهم به إليكم والوسيلة والناس لكم حرب وعلى حربكم ألب وإني أوصيكم بتعظيم هذه البنية فإن فيها في صلة الرحم منسأة في الأجل وزيادة في العدد واتركوا البغي والعقوق ففيهما هلكت القرون قبلكم وأجيبوا الداعي وأعطوا السائل فإن فيهما شرف الحياة والممات وعليكم بصدق الحديث وأداء الأمانة فإن فيهما محبة في الخاص ومكرمة في العام وأنا أوصيكم بمحمد خيراً فإنه الأمين في قريش والصديق في العرب وهو جامع لكل ما أوصيكم به وقد جاء بأمر قبله الجنان وأنكره اللسان مخافة الشنآن وأيِّمِ الله كأني أنظر إلى صعاليك العرب وأهل البر في الأطراف والمستضعفين من الناس قد أجابوا دعوته وصدقوا كلمته وعظموا أمره فخاض بهم غمرات، فصارت رؤساء قريش وصناديدها أذنابا ودورها خراباً وضعفاؤها أربابا وإذا أعظمهم عليه أحوجهم إليه وأبعدهم من أحظاهم عنده أصغت ودادها وأصغت له فؤادها وأعطته قيادها دونكم يا معشر قريش ابن أبيكم كونوا له ولاة ولحزبه حماه ووالله لا يسلك أحد منكم سبيله إلا رشد

ولا يأخذ أحد بهديه إلا سعد ولو كان لنفسي مدة ولأجلي تأخير لكفيت عنه الهزاهز ولدفعت عنه الدواهي ثم هلك.

ومن شهي المجتنى من ثمرات الأوراق ما روي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه مر على طائفة بالمدينة أيام خلافته فإذا بجارية تبكي وتقول:

وهويته من قبل قطع تمائميمتناشياً مثل القضيب الناعم
فكأنّ نور البدر سنَّة وجههيمشي ويصعد من ذؤابة هاشم

فقرع الباب فخرجت إليه فقال لها أحرة أنت أم أمة فقالت بل أمة يا صاحب رسول الله ﷺ فقال من هويت فبكرت وقالت بحق صاحب هذا القبر إلا انصرفت عني فقال لست بمنصرف من مكاني حتى تعلميني وتقول لي فقالت:

إن الذي عمل الفراق بقلبهافبكت بحبّ محمد بن القاسم

فسار أبو بكر ﵁ إلى المسجد وبعث إلى مولاها فاشتراها منه وبعث بها إلى علي ابن القاسم بن جعفر بن أبي طالب عفي عنه.

ومن مناقب الإمام عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في فتح بيت المقدس إن المسلمين تكامل لهم فتوح الشام فأقاموا على دمشق شهراً فجمع أبو عبيدة أمراء المسلمين واستشارهم في المسير إلى قيسارية أو إلى بيت المقدس

فقال له معاذ بن جبل أيها الأمير أكتب لأمير المؤمنين عمر فحيث أمرك أمتثله قال له أصبت الرأي يا معاذ ثم كتب إلى أمير المؤمنين عمر يعلمه بذلك وأرسل الكتاب إلى عرفجة بن ناصح النخعي فسار حتى وصل المدينة فسلم الكتاب إلى عمر ﵁ فقرأه على المسلمين واستشارهم فقال عليّ رضي الله تعالى عنه يا أمير المؤمنين مر صاحبك ينزل بجيوش المسلمين إلى بيت المقدس فإذا فتح الله بيت المقدس صرف وجهه إلى قيسارية فإنها تفتح بعدها إن شاء الله تعالى كذا أخبرنا رسول الله ﷺ قال عمر صدق المصطفى ﷺ وصدقت يا أبا الحسن ثم دعا بدواة وبياض وكتب بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر إلى عامله بالشام أبي عبيدة أما بعد فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو وأصلي على نبيه وقد وصلني كتابك تستشيرني إلى أي ناحية تتوجه وقد أشار ابن عم رسول الله ﷺ بالمسير إلى بيت المقدس فإن الله يفتحها على يدك والسلام فلما وصل الكتاب إلى أبي عبيدة قرأه على المسلمين ففرحوا بالمسير إلى بيت المقدس وتقدمه الجيش إلى بيت المقدس وأقام المسلمون في القتال عشرة أيام وأهل بيت المقدس يظهرون الفرح لعدم

الخوف فلما كان يوم الحادي عشر أشرفت عليهم راية أبي عبيدة وخالد عن يمينه وعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق عن يساره فضج الناس ضجة عظيمة بالتهليل والتكبير فوقع الرعب في أهل بيت المقدس فاجتمعوا بقمامة وهي البيعة المعظمة عندهم فلما وقفوا بين يدي البطرك قال لهم ما هذه الضجة التي أسمع قالوا يا أبانا قد قدم أمير المؤمنين ببقية المسلمين فلما سمع البطرك منهم ذلك انخطف لونه وتغير وجهه وقال أنا وجدنا في علمنا الذي ورثناه إن الذي يفتح الأرض هو الرجل الأحمر صاحب نبيهم محمد فإن كان قدم عليكم فلا سبيل إلى قتاله ولابد أن أشرف عليه وأنظر إلى صفته فإن كان هو أجبته إلى ما يريد وإن كان غيره فلا بأس عليكم ثم وثب قائما والقسس والرهبان والشمامسة من حوله وقد رفعوا الصلبان على رأسه فصعدوا إلى السور إلى أن ورد أبو عبيدة ﵁ فناداهم رجل من الروم بإذن البطرك يا معاشر المسلمين كفوا على القتال حتى نسألكم فأمسك المسلمون عنهم فناداهم الرجل بلسان عربي أعلموا أن الرجل الذي يفتح بلدتنا هذه وجميع الأرض صفته عندنا فإن كانت في أميركم لم نقاتلكم بل نسلم إليكم وإن لم تكن هذه صفته فلا نسلم إليكم أبداً فأعلم المسلمون أبا عبيدة بذلك فخرج أبو عبيدة

إليهم إلى أن حاذاهم فنظر البطرك وحقق صوته فقال ليس هو الرجل فأبشروا وقاتلوا عن دينكم وحريمكم وكان نزول المسلمين على بيت المقدس في فصل الشتاء والبرج فأقاموا عليها أربعة أشهر في أشد قتال مع الصبر على المطر والثلج فلما نظر أهل بيت المقدس إلى شدة الحصار في ذلك الفصل الصعب وما نزل بهم من المسلمين وقفوا بين يدي البطرك وقالوا له قد عظم الأمر ونريد منك أن تشرف على القوم وتسأل من الذي يريدون فإن كان أمراً صعباً فتحنا الأبواب وخرجنا إليهما فأما نقتل عن آخرنا أو نهزمهم عنا فأجابهم البطرك إلى ذلك وصعد السور والجتمع القسيسون والرهبان حوله ونادى منهم رجل بالعربي وقال يا معشر الفرسان عمدة دين النصرانية قد أقبل يخاطبكم فليدنُ منا أميركم فقام أبو عبيدة يمشي ومعه جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ وترجمان فلما وقف بإزائهم قال ما الذي تريدون هذا أمير العرب فقال البطرك إنكم لو أقمتم علينا عشرين سنة لم تصلوا إلى فتح بلدتنا أبداً وإنما يفتحه رجل موصوف وليست الصفة معكم قال أبو عبيدة وما صفة من يفتح بلدكم قال البطر لا نخبركم بصفة ولكن قرآنا إن هذا البلد يفتحه صاحب لمحمد اسمه عمر بن الخطاب

ويعرف بالفاروق وهو رجل شديد لا تأخذه في الله لومة لائم ولسنا نرى صفته فيكم فلما سمع أبو عبيدة كلام البطرك تبسم وقال فتحنا البلد ورب الكعبة ثم أقبل على البطرك وقال إن رأيت الرجل تعرفه قال نعم وكيف لا أعرفه وصفته عندنا قال أبو عبيدة هو والله خليفتنا وصاحب نبينا ﷺ

قال البطرك فإذا كان الأمر على ما ذكرتم فأحقن الدماء وابعث إلى صاحبك يأتي فإذا رأيناه وتبينا نعته فتحنا له البلد وأعطيناه الجزية فانصرف أبو عبيدة وأمر الناس بالكف عن القتال وأعلمهم بالخبر فكبروا وكتب أبو عبيدة إلى الإمام عمر ﵁ يعلمه بالخبر على يد ميسرة بن مسروق فلما وصل الكتاب إلى عمر ﵁ فرح وقرأه على المسلمين وقال ما ترون رحمكم الله فيما كتب إلينا أمين الأمة فكان أول من تكلم عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه فقال يا أمير المؤمنين إن الله قد أذل الروم فإن أنت أقمت ولم تسر إليهم علموا أنك بأمرهم مستخف فلا يثبتون إلا يسيراً فلما سمع عمر ذلك من عثمان جزاه خيراً وقال هل عند أحدهم منك رأي غير هذا فقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه نعم عندي غير هذا الرأي وأنا أبديه إليك رحمك الله فقال له عمر وما هو أبا الحسن قال إن القوم قد سألوك وفي سؤالهم ذل وهو على المسلمين فتح وقد أصابهم جهد عظيم

من البرد والقتال وطول المقام وإن سرت إليهم فتح الله على يديك هذه المدينة وكان لك في مسيرك الأجر العظيم ولست آمن منهم إنهم إذا آيسوا منك أن يأتيم المدد من طاغيتهم فيحصل للمسلمين بذلك الضرر والصواب أن تسير إليهم ففرح عمر بمشورة علي وقال لقد أحسن عثمان النظر في المكيدة للعدو وعلي أحسن النظر للمسلمين جزاهما الله خيراً ولست آخذ إلا بمشورة علي فما عرفناه إلا محمود المشورة ميمون الطلعة ثم إن عمر أمر الناس أن يأخذوا الأهبة للمسير معه واستخلف على المدينة علي بن أبي طالب وخرج من المدينة وهو على بعير له أحمر عليه غرارتان في إحداهما سويق وفي الأخرى تمر وبين يديه قربة وخلفه جفنة الزاد وسار إلى أن أقبل على بيت المقدس فالتقاه أبو عبيدة فلما رآه أناخ قلوصه وأناخ عمر بعيره وترجلا ومد أبو عبيدة يده وصافح عمر وتعانقا وسلم كل منهما على صاحبه وأقبل المسلمون يسلمون على عمر ثم ركبوا جميعاً إلى أن نزلوا فصلى عمر بالمسلمين صلاة الفجر ثم خطبهم فلما فرغ من خطبته جلس وأبو عبيدة يحدثه بما لقي من الروم إلى أن حضرت صلاة الظهر أذن بلال في ذلك اليوم فلما قال الله أكبر خشعت جوارحهم واقشعرت أبدانهم فلما قال أشهد أن لا إله إلا الله.

وأشهد أن محمداً رسول الله أبكى الناس بكاء شديداً عند ذكر رسوله وكاد بلال أن يقطع الأذان فلما فرغ الأذان صلى عمر وجلس ثم أمرهم بالركوب فلما همّ بالركوب من بعيره وعليه مرقعة الصوف وفيها أربع عشرة رقعة بعضها من آدم قال المسلمون يا أمير المؤمنين لو ركبت غير بعيرك جواداً ولبست ثيابا لكان ذلك أعظم لهيبتك في قلوب أعدائك وأقبلوا يسألونه ويتلطفون به إلى أن أجابهم إلى ذلك ونزع مرقعته ولبس ثياب بيضا قال الزبير أحسبها كانت من ثياب مصر تساوي خمسة عشرة درهما وطرح على كتفيه منديلاً من الكتان دفعه إلى أبو عبيدة وقدذم له برذونا أشهب من براذين الروم فلما صار عمر فوقه جعل البرذون يهملج به فلما نظر عمر إلى ذلك نزل مسرعاً وقال أقيلوا عثرتي أقالكم الله عثراتكم يوم القيامة لقد كاد أميركم يهلك مما داخله من الكبر ثم إنه نزع البياض وعاد إلى لبس مرقعته وركوب بعيره فعلت ضجة المسلمين بالتهليل والتكبير فقال البطرك للروم أنظروا ما شأن العرب فأشرف رجل من المتنصرة فقال يا معشر العرب ما قضيتكم فقالوا أن عمر بن الخطاب قد قدم علينا من مدينة نبينا ﷺ فرجع المتنصر وأعلم البطرك فأطرق ولم يتكلم فلما كان من الغد صلى عمر

بالمسلمين صلاة الفجر ثم قال لأبي عبيدة تقدم إلى القوم وأعلمهم أني قد أتيت فخرج أبو عبيدة وصاح بهم وقال إن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب قد أتى فما تصنعون فيما قلتم فاعلم البطرك بذلك فخرج من قمامة وعليه المسوح ومن حوله الرهبان والقسس ثم علا السور وأشرف على أبي عبيدة وقال ما هذا أيها الشيخ قال أبو عبيدة هذا أمير المؤمنين من بينكم حتى نراه فرجع أبو عبيدة إلى عمر فأخبره بما قال البطرك فهم عمر بالقيام فقال له أصحاب رسول الله ﷺ يخشى عليك من الإنفراد بلا عدة فقال عمر قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون ثم لبس مرقعته وركب بعيره وأبو عبيدة سائر بين يديه إلى أن أتى بإزاء البطرك قريباً من الحصن فقال أبو عبيدة هذا أمير

النص من طبعة مكتبة الجمهورية العربية بمصر، بهامش «المستطرف»، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع