من «ثمرات الأوراق» لابن حجة الحموي (ت ٨٣٧هـ)
الوليد ومسامر الخلفاء (٤)
الصفحة ٢ من ٢
المؤمنين فمد البطرك عنقه ونظر إليه فزعق زعقة قال هذا والله الذي صفته ونعته في كتبنا ثم قال يا أهل بيت المقدس انزلوا إليه وخذوا منه الأمان والذمة فهذا والله صاحب محمد بن عبد الله فنزلوا مسرعين وكان أنفسهم قد ضاقت من شدة الحصار وفتحوا الباب وخرجوا إلى عمر يسألونه العهد فلما رآهم عمر ﵁ في تلك الحالة تواضع لله ﷾ وخر ساجداً على قتب بعيره ثم أقبل عليهم وقال ارجعوا إلى بلدكم ولكم العهد فرجع القوم إلى البلد ولم يغلقوا الباب ورجع عمر فلما كان من الغد وهو يوم الأثنين دخل إليها وأقام بها إلى يوم الجمعة وخطّ بها محراباً وهو موضع مسجد وتقدم وصلة بالمسلمين صلاة الجمعة وأقام في بيت المقدس عشرة أيام وبها أسلم كعب الأحبار على يده وارتحل معه إلى المدينة لزيارة قبر النبي ﷺ وذلك بعد أن كتب الإمام عمر لأهل بيت المقدس وأقرهم في بلدهم على عهدهم وأداء الجزية. ين فمد البطرك عنقه ونظر إليه فزعق زعقة قال هذا والله الذي صفته ونعته في كتبنا ثم قال يا أهل بيت المقدس انزلوا إليه وخذوا منه الأمان والذمة فهذا والله صاحب محمد بن عبد الله فنزلوا مسرعين وكان أنفسهم قد ضاقت من شدة الحصار وفتحوا الباب وخرجوا إلى
عمر يسألونه العهد فلما رآهم عمر ﵁ في تلك الحالة تواضع لله ﷾ وخر ساجداً على قتب بعيره ثم أقبل عليهم وقال ارجعوا إلى بلدكم ولكم العهد فرجع القوم إلى البلد ولم يغلقوا الباب ورجع عمر فلما كان من الغد وهو يوم الأثنين دخل إليها وأقام بها إلى يوم الجمعة وخطّ بها محراباً وهو موضع مسجد وتقدم وصلة بالمسلمين صلاة الجمعة وأقام في بيت المقدس عشرة أيام وبها أسلم كعب الأحبار على يده وارتحل معه إلى المدينة لزيارة قبر النبي ﷺ وذلك بعد أن كتب الإمام عمر لأهل بيت المقدس وأقرهم في بلدهم على عهدهم وأداء الجزية.
ومن شهي المجتنى من ثمرات الأوراق ما نقله أبو الحسن علي بن عبد المحسن التنوخي في المستجاد أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ لما بات على فراش النبي ﷺ ليفديه أوحى الله تعالى إلى جبريل وميكائيل ﵉ أني آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من الآخر فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة فاختار كل منهما الحياة فأوحى الله إليهما أفلا كنتما مثل علي بن أبي طالب آخيت بينه وبين نبيي محمد فبات على فراشه يفديه بنفسه ويؤثره الحياة أهبطا إلى الأرض واحفظاه من عدوه فكان جبريل عند
رأسه وميكائيل عند رجليه وجبريل ينادي بخ بخ من مثلك يا ابن أبي طالب يباهي الله بك الملائكة فأنزل الله تعالى ومن الناس من يشري نفسه ابتغاه مرضاة الله والله رؤوف بالعباد.
قال أبو الحسن المدائني خرج الحسن والحسين ﵉ وعبد الله بن جعفر ﵁ حجاجا ففاتتهم أثقالهم فجاعوا وعطشوا فمروا بعجوز في خباء لها فقال أحدهم هل من شراب قالت نعم فأناخوا إليها وليس لها إلا شويهة فقالت احلبوها فاشربوا لبنها ففعلوا فقالوا هل من طعام قالت لا إلا هذه الشاة فليذبحها أحدكم حتى أهيىء لكم ما تأكلون فقام إليها أحدهم فذبحها وكشطها ثم هيأت لهم طعاما فأكلوا وأقاموا حتى أبردوا فلما ارتحلوا قالوا نحن نفر من قريش نريد هذا الوجه فإذا رجعنا سالمين فألّمي بنا فإنّا صانعون إليك خيرا فارتحلوا وأقبل زوجها فأخبرته بخبر القوم والشاة فغضب وقال ويحك تذبحين شاتي لقوم لا أعرفهم ثم تقولين نفر من قريش ثم بعد مدة ألجأتهم الحاجة إلى دخول المدينة فدخلاها وجعلا يلتقطان البعر ويعيشان بثمنه فمرت العجوز ببعض سكك المدينة فإذا الحسن بن علي على باب داره فعرف العجوز وهي منكرة فبعث إليها غلامه
فدعا بها فقال لها يا أمة الله أتعرفينني قالت لا قال أنا ضيفك بالأمس يوم كذا وكذا قالت بابي أنت وأمي ثم اشترى لها من شاة الصدقة ألف شاة وأمر لها بألف دينار بعث بها مع غلامه إلى الحسين ﵄ فأمر لها بمثل ذلك وبعث بها مع غلامه إلى عبد الله بن جعفر ﵁ فقال عنه فقال لها بكم وصلك الحسن والحسين قالت بألفي شاة وألفي دينار فقال لها لو بدأت بي لأتعبتهما في العطاء أعطوها عطيتهما فرجعت العجوز إلى زوجها بأربعة آلاف دينار وأربعة آلاف شاة.
ومما يضارع هذه اللطائف أنه جرى بين الحسين بن علي بن أبي طالب وبين أخيه محمد بن الحنيفة ﵄ كلام فانصرفا متغاضبين فلما وصل محمد إلى منزله أخذ رقعة وكتب فيها بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن علي بن أبي طالب إلى أخيه الحسين بن علي ابن أبي طالب أما بعد فإن لك شرفا لا أبلغه وفضلا لا أدركه فإذا قرأت رقعتي هذه فالبس رداءك ونعليك وسر إليَّ فترضيني وإياك أن أكون سابقك إلى الفضل الذي أنت أولى به مني والسلام فلما قرأ الحسين ﵁ الرقعة لبس رداءه ونعليه ثم جاء إلى أخيه محمد فترضاه.
قال أبو الفرج الاصفهاني
حدثني أحمد بن محمد الجعدي ومحمد بن يحيى قالا حدثنا محمد بن زكريا العلاثي قال حدثنا ابن عائشة قال حجّ هشام بن عبد الملك في خلافة أخيه الوليد ومعه رؤساء أهل الشام فطاف وجهد أن يستلم الحجر فلم يقدر من الازدحام فنصب له منبر وجلس عليه ينظر إلى الناس فأقبل علي بن الحسين ﵄ وهو أحسن الناس وجها وأنظفهم ثوبا وأطيبهم رائحة فلما طاف بالبيت وبلغ الحجر تنحى الناس كلهم إجلالا له فاستلم الحجر وحده فغاظ ذلك هشاما وبلغ منه فقال رجل من أهل الشام لهشام من هذا أصلح الله الأمير قال لا أعرفه وكان عارفا ولكن خاف من رغبة أهل الشام فقال الفرزدق وكان حاضرا أنا أعرفه يا شامي قال من هو قال:
هذا ابنُ من تعرف البطحاء وطأتهوالبيت يعرفه والحلُّ والحرمُ
هذا ابن خير عباد الله كلِّهمهذا التقيُّ الطاهر العلم
إذا رأته قريشٌ قال قائلُهُمْإلى مكارم هذا ينتهي الكرم
هذا ابن فاطمةٍ إن كنت جاهلُهُبجدّه أنبياء الله قد ختموا
يكاد يمسكه عرفان راحتهرُكن الحطيم إذا ما جاء يستلم
أي الخلائق ليست في رقابهملأوليه هذا فأوله نِعمُ
من يعرف الله يعرف أولية ذا
.. فالدين من بيت هذا ناله الأمم
وليس قولك من هذا بضائرهفالعرب تعرف من أنكرت والعجم
فحسبه هشام ثم أطلقه فوجه إليه علي بن الحسين عشرة آلاف درهم وقال أعذرنا يا أبا فراس فلوا كان معنا في هذا الوقت أكثر من هذا لوصلناك به فردها الفرزدق وقال ما قلت ما كان إلا الله فقال له علي بن الحسين قد رأى الله مكانك ولكننا أهل بيت إذا أنفذنا شيئاً لم نرجع فيه وأقسم عليه فقبلها.
ومن غالي جواهر العقد لابن عبد ربه قال يزيد حدثني أبي أن عمر بن الخطاب ﵁ قدم من المدينة إلى الشام على حمار فتلقاه معاوية في موكب نبيل فأعرض عنه عمر فجعل يمشي إلى جنبه راجلاً فقال له عبد الرحمن بن عوف أتعبت الرجل فأقبل عليه وقال يا معاوية أنت صاحب الموكب مع ما بلغني من وقوف ذوي الحاجات ببابك قال نعم يا أمير المؤمنين قال ولم ذلك قال لأنا في بلاد لا تمنع من الجواسيس ولا بد لهم ما يروعهم من هيبة السلطان فإن أمرتني بذلك أقمت عليه وإن نهيتني عنه انتهيت قال إن كان الذي قلت حقاً فإنه رأي أريب وإن كان باطلاً فإنها خدعة أديب فلا آمرك ولا أنهاك عنه.
ومن لطائف معاوية أنه كان لعبد الله بن الزبير أرض قريبة لأرض معاوية فيها عبيد له من الزنوج ويعمرونها فدخلوا
في أرض عبد الله فكتب إلى معاوية أما بعد فإنه يا معاوية إن لم تمنع عبيدك من أرضي وإلا كان لي ولك شأن فلما وقف معاوية على الكتاب دفعه إلى ابنه يزيد فلما قرأه قال له ما ترى قال أرى أن تنفذ إليه جيشاً أوله عنده وآخره عندك يأتوك برأسه قال يا بني عندي خير من ذلك عليَّ بداوة وقرطاس وكتب، وقفت على كتابك يا ابن حواري رسول الله ﷺ وساءني والله ما ساءك والدنيا هينة عندي في جنب رضاك وقد كتبت على نفسي رقماً بالأرض والعبيد وأشهدت عليّ فيه ولتضف الأرض إلى أرضك والعبيد إلى عبيدك والسلام فلما وقف عبد الله على كتاب معاوية كتب إليه وقفت على كتاب أمير المؤمنين أطال الله بقاءه فلا عدم الرأي الذي أحله من قريش هذا المحل والسلام فلما وقف معاوية على كتاب عبد الله رماه إلى ابنه يزيد فلما قرأه أسفر وجهه فقال يا بني إذا رميت بهذا الداء دواه بهذا الدواء.
نادرة لطيفة قال الأستاذ أبو علي لما سعى غلام خليل بالصوفية إلى الخليفة بالزندقة أمر بضرب أعناقهم فأما الجنيد فإنه استتر بالفقه وأما الشخام والرقام والثوري وجماعة فقبض عليهم وبسط النطع لضرب أعناقهم فتقدم الثوري فقال له السياف أتدري لماذا تتقدم قال نعم قال فما
يعجلك قال أوثر أصحابي بحياة ساعة فتحير السياف ونما الخبر إلى الخليفة فردهم إلى القاضي ليعرف أحوالهم فألقى القاضي على أبي الحسن الثوري مسائل فقهية فأجاب عن الكل ثم أخذ يقول إن لله عباداً إذا قاموا قاموا بالله وإذا نطقوا نطقوا بالله وسرد حتى بكى القاضي فأرسل إلى الخليفة إن كان هؤلاء زنادقة فما هو وجه الأرض مسلم فأكرمهم وأطلقهم.
ومن المروي عن أحمد بن أبي داود القاضي أنه قال ما رأيت رجلاً عرض على الموت فلم يكترث به إلا تميم بن جميل الخارجي كان قد خرج على المعتصم ورأيته قد جيء به أسيراً فأدخل عليه في يوم موكب وقد جلس المعتصم للناس مجلساً عاما ودعا بالسيف والنطع فلما مثل بين يديه نظر المعتصم فأعجبه شكله وقده ورآه يمشي إلى الموت غير مكترث به فأطال الفكرة فيه ثم استنطقه لينظر في عقله وبلاغته فقال يا تميم إن كان لك عذر فأت به فقال أما إذا أذن أمير المؤمنين جبر الله به صدع الدين ولمَّ به شعث المسلمين وأخمد شهاب الباطل وأنار سبل الحق فالذنوب يا أمير المؤمنين تخرس الألسن وتصدع الأفئدة وأيِّمِ الله لقد عظمت الجريمة وانقطعت الحجة وساء الظن ولم يبق إلا العفو وهو الأليق بشيمتك الطاهرة ثم أنشد:
ارى الموت بين السيف والنطع كامناًيلاحظني من حيثُ لا أتلفَّتُ
وأكثر ظنيّ أنك اليوم قاتليوأيُّ امرىءٍ مما قضى الله يفلت
ومن ذا الذي يأتي بعذرٍ وحجةٍوسيف المنايا بين عينيه مُصْلَت
وما جزعي من أن أموت وإننيلأعلم أنّ الموت شيءٌ موقّت
ولكن خلفي صبيةً قد تركتهموأكبادُهُم من حسرةٍ تتفتَّت
كأنيّ أراهم حين أُنعى إليهمُوقد لطموا تلك الخدود وصوّتوا
وإن عشت عاشوا سالمين بغبطةٍأذود الردى عنهم وإن متُّ موِّتوا
وكم قائلٍ لا يبعد الله دارهوآخر جذلان يسرُّ ويشمت
قال فبكى المعتصم وقال ابن من البيان لسحراً ثم قال كاد والله يا تميم أن يسبق السيف العذل وقد وهبتك لله ولصبيتك وأعطاه خمسين ألف درهم.
ومن لطائف المنقول من المستجاد أنه كان بين غسان بن عباد وبين علي بن عيسى القمر عداوة عظيمة وكان علي بن عيسى ضامنا أعمال الخراج والضياع ببلده فبقيت عليه بقية مبلغها أربعون ألف دينار فألح المأمون عليه بطلبها
إلى أن قال لعلي بن صالح الحاجب أمهله ثلاثة ايام فإن أحضر المال وإلا فأضربه بالسياط حتى يؤدي المال أو يتلف فإنصرف علي بن عيسى من دار المأمون آيسا من نفسه وهو لا يدري وجها يتجه إليه فقال له كاتبه لو عرجت على غسان بن عباد وعرفته خبرك لرجوت أن يعينك على أمرك فقال له على ما بيني وبينه من العداوة فقال نعم فإن الرجل أريحي كريم فدخل على غسان فقال إليه وتلقاه بالجيمل وأوفاه حقه بالخدمة ثم قال له الحال الذي بيني وبينك على حاله ولكن دخولك إلى داري له حرمة توجب بلوغ ما رجوته مني فأذكر أن كان لك حاجة فقص عليه القصة فقال أرجو أن يكفيكه الله تعلى ولم يزده على ذلك شيئاً فنهض علي بن عيسى وخرج آيسا نادما على قصد غسان وقال لكاتبه ما أفدتني بالدخول على غسان غير تعجيل الشماتة والهوان فلم يصل علي بن عيسى إلى داره حتى حضر إليه كاتب غسان ومعه البغال عليها المال فتقدم وسلمه وبكر إلى دار أمير المؤمنين فوجد غسان قد سبقه إليها ودخل على المأمون وقال يا أمير المؤمنين أن لعلي بن عيسى بحضرتك حرمة وخدمة وسالف أصل وقد لحقه من الخسران في ضمانه ما تعارفه الناس وقد توعدته بضرب السياط بما أطار عقله وأذهب لبَّه فإن رأى
أمير المؤمنين أن يجيزني على حسن كرمه ببعض ما عليه فهي صنيعة يجددها على تحرّس ما تقدمها من إحسانه ولم يزل يتلطف إلى أن حط عنه النصف واقتصر على عشرين ألف دينار فقال غسان على أن يجدد عليه أمير المؤمنين الضمان ويشرفه بخلعة تقوّي نفسه وترهف عزمه ويعرف بها مكان الرضا عنه فأجابه المأمون إلى ذلك قال فيأذن أمير المؤمنين أم أحمل الداوة إلى حضرته ليوقع ما رآه من هذا الإنعام قال افعل فحمل الدواة إلى أمير المؤمنين فوقع ذلك وخرج علي بن عيسى بالخلعة والتوقيع بيده فلما حضر في داره حمل من المال عشرين ألف دينار وأرسلها إلى غسان وشكره على جميل فعله معه فقال غسان لكاتبه والله ما شفعت عند أمير المؤمنين إلا لتوفر عليه وينتفع بها فأمض بها إليه فلما ردها كاتبه إلى علي بن عيسى علم قدر ما فعل غسان فلم يزل يخدمه إلى آخر العمر.
النص من طبعة مكتبة الجمهورية العربية بمصر، بهامش «المستطرف»، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع