من «ثمرات الأوراق» لابن حجة الحموي (ت ٨٣٧هـ)
الوليد ومسامر الخلفاء (٢)
الصفحة ١ من ٢
لم يكن لي أن أكرهها وقد جعلت الشورى في نفسها فدخلا عليها وأعلماها بطلاق عبد الله ابن سلام امرأته ليسرها بذلك وذكرا فضله وشرفه وكرمه ومروءته فقالت جف القلم بما هو كائن ولا أنكر شرفه وفضله وإني سائلة عنه حتى أعرف دخيلة خبره ولا قو إلا بالله فإن يك صدر هذا اليوم ولّى فإن غداً لناظره قريب ثم تزايد حديث الناس بطلاق أرينب وخطبة ابنة معاوية واستحث عبد الله أبا الدرداء وأبا هريرة فاتياها فقال لها اصنعي ما أنت صانعة واستخيري الله فقالت أرجو والحمد لله أن يكون الله قد اختار لي فإنه لا يكل إلى غيره وقد سبرت أمره وسألت عنه فوجدته غير ملائم ولا موافق لما أريد لنفسي مع اختلاف من استشرته فيه فمنهم الناهي عنه والآمر به فلما بلغه كلامها علم أنه حيلة وأنه مخدوع وقال متعزيا ليس لأمر الله راد ولعل ما سرّوا به لا يدوم لهم سروره قال وذاع أمره وفشا في الناس وقالوا خدعه معاوية حتى طلق امرأته لغرض ابنه بئس ما صنع ثن إن معاوية بعد انقضاء أيامها المعلومة وجه أبا الدرداء إلى العراق خاطباً لها على ابنه يزيد فخرج حتى قدمها وبها يومئذ الحسين بن علي بن أبي طالب ﵄ فقال أبو الدرداء إلى قدم العراق ما ينبغي لذي عقل أن يبدأ بشيء قبل زيارة الحسين سيد شباب أهل الجنة إذا دخل موضعا هو فيه فقصد الحسين ﵁ فلما رآه قام إليه وصافحه إجلالا
لصحبته لجده ﷺ وقال ما أتى بك يا أبا الدرداء قال وجهني معاوية خاطبا على ابنه يزيد أرينب بنت اسحق فرأيت عليَّ حقا أن لا أبدأ بشيء قبل السلام عليك فشكره الحسين على
ذلك وأثنى عليه وقال لقد ذكرت نكاحها وأردت الارسال إليها إذا انقضت عدتها وقد أتى الله بك فاخطب على بركة الله عليَّ وعليه وهي أمانة في عنقك واعطها من المهر مثل ما بذل لها معاوية عن ابنه فقال أفعل إن شاء الله فلما دخل قال أيتها المرأة إن الله خلق الأمور بقدرته وكونها بعزته وجعل لكل أمر قدرا ولكل قدر سببا فليس لأحد عن قدر الله مخلص فكان ما سبق لك وقدر عليك من فراق عبد الله ابن سلام على غير قياس ولعل ذلك لا يضيرك وجعل الله فيه خيرا كثيرا وقد خطبك أمير هذه الأمة وابن ملكها وولى عهده والخليفة من بعده يزيد بن معاوية والحسين ابن بنت رسول الله ﷺ وابن أول من أقر به من أمته وسيد شباب أهل الجنة فاختاري ايهما شئت فسكتت طويلا ثم قالت يا أبا الدرداء لو جاءني هذا الأمر وأنت غائب لأشخصت فيه الرسل إليك وجعلته في يديك فاختر لي ارضاهما لربك والله شاهد عليك فاقض ولا يصدنك عن ذلك اتباع الهوى فليس أمرهما عليك خفيا فقال أبو الدرداء أيتها المرأة إنما علي إعلامك ولك الاختيار لنفسك فقالت عفا الله عنك إنما أنا بنت أخيك ولا يمنعك أحد من قول الحق فيما طوقتك به فقد وجب عليك أداء الأمانة فلم يجد بدا من القول فقال يا بنية: ابن بنت رسول الله ﷺ أحب إلي في ذلك وأرضى عندي والله أعلم وقد رأيت رسول الله ﷺ واضعا شفتيه على شفتي الحسين فضعي شفتيك حيث وضع رسول الله ﷺ شفتيه قالت قد اخترته ورضيته فتزوجها الحسين بن علي ﵉ فساق لها مهرا عظيما وبلغ معاوية ما فعله أبو الدرداء فعظم عليه وقال من يرسل ذا بلهٍ وعمى ركب خلاف ما يهوى وكان عبد الله بن سلام قد استودعها قبل فراقه إياها ذهبا وكان معاوية قد اطّرحه وقطع عنه جميع روافده لقوله إنه خدعه حتى طلق امرأته فلم يزل يجفوه حتى قل ما بيده فرجع إلى العراق فلما قدمها لقي الحسين فسلم عليه ثم قال لقد علمت ما كان من خبري وخبر أرينب وكنت قبل فراقي إياها استودعتها مالا وكان الذي كان ولم أقبضه ووالله إن ظني بها جميل فذاكرها في أمري فإن الله يجزيك به أجرك فسكت عنه فلما انصرف إلى أهله قال لها: قدم عبد الله بن سلام وهو كثير الثناء عليك في دينك وحسن صحبتك فسرني ذلك وذكر أنه استودعك مالا فقالت صدق استودعني مالا لا أدري لمن هو وأنه لمطبوع عليه بخاتمه وها هو ذا فادفعه إليه بطابعه فأثنى عليها الحسين خيرا وقال الا أدخله عليك حتى تبرئي منه ولقي عبد الله فقال: ما أنكرت مالك وزعمت أه كما دفعته إليها بطابعك فادخل يا هذا إليها واستوف مالك بحيث تحصل البراءة من الطرفين فلما دخل عليها قال لها الحسين هذا عبد الله بن سلام قد جاء يطلب وديعته فأخرجت إليه البدر فوضعتها بين يديه وقالت له هذا مالك فشكر وأثنى فخرج الحسين عنهما وفض عبد الله خواتم بدره وحثى لها من ذلك جانبا كبيرا وقال لها والله هذا قليل مني فاستعبرا حتى علت أصواتهما بالبكاء على ما ابتليا به فدخل الحسين عليهما وقد رق لهما ثم قال أشهد الله إنها طالق ثلاثا اللهم أنت تعلم أنني لم أستنكحها رغبة في مالها ولا في جمالها ولكني أردت إحلالها لزوجها فطلقها ولم يأخذ شيئا مما ساق لها في مهرها بعدما عرضته عليه وقال: الذي أرجوه من الثواب خير لي فلما انقضت عدتها تزوجها عبد الله بن سلام وعادا على ما كانا عليه من حسن الصحبة إلى أن فرق الموت بينهما هكذا نقله ابن بدرون في تاريخه والله أعلم. لك وأثنى عليه وقال لقد ذكرت نكاحها وأردت الارسال إليها إذا انقضت عدتها وقد أتى الله بك فاخطب على بركة الله عليَّ وعليه وهي أمانة في عنقك واعطها من المهر مثل ما بذل لها معاوية عن ابنه فقال أفعل إن شاء الله فلما دخل قال أيتها المرأة إن الله خلق الأمور بقدرته وكونها بعزته وجعل لكل أمر قدرا ولكل قدر سببا فليس لأحد عن قدر الله مخلص فكان ما سبق لك وقدر عليك من فراق عبد الله ابن سلام على غير قياس ولعل ذلك لا يضيرك وجعل الله فيه خيرا كثيرا وقد خطبك أمير هذه الأمة وابن ملكها وولى عهده والخليفة من بعده يزيد بن معاوية والحسين ابن بنت رسول الله ﷺ وابن أول من أقر به من أمته وسيد شباب أهل الجنة فاختاري ايهما شئت فسكتت طويلا ثم قالت يا أبا الدرداء لو جاءني هذا الأمر وأنت غائب لأشخصت فيه الرسل إليك وجعلته في يديك فاختر لي ارضاهما لربك والله شاهد عليك فاقض ولا يصدنك عن ذلك اتباع الهوى فليس أمرهما عليك خفيا فقال أبو الدرداء أيتها المرأة إنما علي إعلامك ولك الاختيار لنفسك فقالت عفا الله
عنك إنما أنا بنت أخيك ولا يمنعك أحد من قول الحق فيما طوقتك به فقد وجب عليك أداء الأمانة فلم يجد بدا من القول فقال يا بنية: ابن بنت رسول الله ﷺ أحب إلي في ذلك وأرضى عندي والله أعلم وقد رأيت رسول الله ﷺ واضعا شفتيه على شفتي الحسين فضعي شفتيك حيث وضع رسول الله ﷺ شفتيه قالت قد اخترته ورضيته فتزوجها الحسين بن علي ﵉ فساق لها مهرا عظيما وبلغ معاوية ما فعله أبو الدرداء فعظم عليه وقال من يرسل ذا بلهٍ وعمى ركب خلاف ما يهوى وكان عبد الله بن سلام قد استودعها قبل فراقه إياها ذهبا وكان معاوية قد اطّرحه وقطع عنه جميع روافده لقوله إنه خدعه حتى طلق امرأته فلم يزل يجفوه حتى قل ما بيده فرجع إلى العراق فلما قدمها لقي الحسين فسلم عليه ثم قال لقد علمت ما كان من خبري وخبر أرينب وكنت قبل فراقي إياها استودعتها مالا وكان الذي كان ولم أقبضه ووالله إن ظني بها جميل فذاكرها في أمري فإن الله يجزيك به أجرك فسكت عنه فلما انصرف إلى أهله قال لها: قدم عبد الله بن سلام وهو كثير الثناء عليك في دينك وحسن صحبتك فسرني ذلك وذكر أنه استودعك مالا فقالت صدق استودعني مالا لا أدري لمن هو وأنه لمطبوع عليه بخاتمه وها هو ذا فادفعه إليه بطابعه فأثنى عليها الحسين خيرا وقال الا أدخله عليك حتى
تبرئي منه ولقي عبد الله فقال: ما أنكرت مالك وزعمت أه كما دفعته إليها بطابعك فادخل يا هذا إليها واستوف مالك بحيث تحصل البراءة من الطرفين فلما دخل عليها قال لها الحسين هذا عبد الله بن سلام قد جاء يطلب وديعته فأخرجت إليه البدر فوضعتها بين يديه وقالت له هذا مالك فشكر وأثنى فخرج الحسين عنهما وفض عبد الله خواتم بدره وحثى لها من ذلك جانبا كبيرا وقال لها والله هذا قليل مني فاستعبرا حتى علت أصواتهما بالبكاء على ما ابتليا به فدخل الحسين عليهما وقد رق لهما ثم قال أشهد الله إنها طالق ثلاثا اللهم أنت تعلم أنني لم أستنكحها رغبة في مالها ولا في جمالها ولكني أردت إحلالها لزوجها فطلقها ولم يأخذ شيئا مما ساق لها في مهرها بعدما عرضته عليه وقال: الذي أرجوه من الثواب خير لي فلما انقضت عدتها تزوجها عبد الله بن سلام وعادا على ما كانا عليه من حسن الصحبة إلى أن فرق الموت بينهما هكذا نقله ابن بدرون في تاريخه والله أعلم.
ومن غرائب المنقول وعجائبه عن الأمير بدر الدين أبي المحاسن يوسف المهمندار المعروف بمهمندار العرب أنه قال حكى الأمير شجاع الدين محمد الشيرازي متولي القاهرة في الأيام الكاملية سنة ثلاث وستمائة قال بتنا عند رجل ببعض بلاد الصعيد فأكرمنا وكان الرجل شديد السمرة وهو شيخ كبير فحضر له أولاد بيض الوجوه حسان الأشكال فقلنا له هؤلاء أولادك فقال نعم وكأني بكم وقد
أنكرتم بياضهم فقلنا له نعم: قال هؤلاء أمهم إفرنجية أختها في أيام الملك الناصر صرح الدين وأنا شاب فقلنا وكيف أخذتها قال حديثي بها عجيب قلنا أتحفنا به قال: زرعت كتانا في هذه البلدة وقلعته ونفضته فانصرف عليه خمسمائة دينار ولم يبلغ الثمن إلى أكثر من ذلك فحملته إلى القاهرة فلم يصل إلى أكثر من ذلك فأشير علي بحمله إلى الشام فحملته فما زاد على تلك القيمة شيئا فوصلت به إلى عكا فبعت بعضه بالأجل والبعض تركته عندي واكتريت حانوتا أبيع فيه على مهلي إلى حيث انقضاء المدة فينما أنا أبيع إذ مرت بي امرأة إفرنجية ونساء الأفرنج يمشون في الأسواق بلا نقاب فأتت تشتري مني كتانا فرأيت من جمالها ما بهرني فبعتها وسامحتها ثم انصرفت وعادت إلي بعد أيام فبعتها وسامحتها أكثر من الكرَّة الأولى فتكررت إلي وعلمت أني أحبها فقلت للعجوز التي معها أنني قد تلفت بحبها وأريد منك الحيلة فقالت لها ذلك فقالت تروح أرواحنا الثلاثة أنا وأ، ت وهو فقلت لها: قد سمحت بروحي في حبها واتفق الحال على أن أدفع خمسين دينارا صورته فوزنتها وسلمتها للعجوز فقالت نحن الليلة عندك فمضيت وجهزت ما قدرت عليه من مأكول ومشروب وشمع وحلواء فجاءت الإفرنجية فأكلنا وشربنا وجن الليل ولم يبق غير النوم فقلت في نفسي أما تستحي من الله وأنت غريب تعصي الله مع نصرانية اللهم أني قد عففت عنها في هذه الليلة حياء منك وخوفا من عقابك ثم نمت
إلى الصبح فنامت إلى الصبح وقامت في السحر وهي غضبى ومضت ومضيت أنا إلى حانوتي فجلست فيه وإذا هي قد عبرت علي هي والعجوز وهي مغضبة وكأنها القمر فهلكت فقلت في نفسي من هو أنت حتى تترك هذه البارعة في حسنها ثم لحقت العجوز وقلت ارجعي فقالت وحق المسيح ما أرجع إليك إلا بمائة دينار فقلت نعم رضيت فوزنت مائة دينار فلما حضرت الجارية عندي لحقتني الفكرة الأولى وعففت عنها وتركتها حياء من الله تعالى ثم مضت ومضيت إلى موضعي ثم عبرت بعد ذلك علي وكانت مستغربة فقالت وحق المسيح ما بقيت تفرح بي عندك إلا بخمسمائة دينار أو تموت كمداً فارتعدت لذلك وعزمت أنني اصرف عليها ثمن الكتان جميعه فبينما أنا كذلك والمنادي ينادي معاشر المسلمين إن الهدنة التي بيننا وبينكم قد انقضت وقد أمهلنا من هنا من المسلمين إلى جمعة فانقضت عني وأخذت أنا في تحصيل ثمن الكتان الذي لي والمصالحة على ما بقي منه وأخذت معي بضاعة حسنة وخرجت من عكا وفي قلبي من الإفرنجية ما فيه فوصلت إلى دمشق وبعت البضاعة بأوفى ثمن بسبب فراغ الهدنة ومنّ الله بكسب وافر وأخذت أتجر في الجواري عسى أن يذهب ما بقلبي من الإفرنجية فمضت ثلاث سنين وجرى للسلطان الملك الناصر ما جرى من وقعة حطين وأخذه جميع الملوك وفتحه بلاد الساحل بإذن الله تعالى فطلب مني جارية للملك الناصر فأحضرت جارية حسناء فاشتريت له ني بمائة
دينار فأوصلوا إلى تسعين دينارا وبقيت لي عشرة دنانير فلم يلتقوها في الخزانة ذلك اليوم لأنه أنفق جميع الأموال فشاوروه على ذلك فقال امضوا به إلى الخزانة التي فيها السبي من نساء الإفرنج فخيروه في واحدة منهن يأخذها بالعشرة الدنانير التي له فأتيت الخيمة فعرفت غريمتي الإفرنجية فقلت أعطوني هاتيك فأخذتها ومضيت إلى خيمتي وخلوت بها وقلت لها أتعرفينني قالت لا فقلت أنا صاحبك التاجر الذي جرى لي معك ما جرى وأخذت مني الذهب وقلت ما بقيت تبصرني إلا بخمسمائة دينار وقد أخذتك ملكا بعشرة دنانير فقالت مد يدك أنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فأسلمت وحسن إسلامها فقلت والله لا وصلت غليها إلا بأمر القاضي فرحت إلى ابن شداد وحكيت له ما جرى فعجب وعقد لي عليها وباتت تلك الليلة عندي فحملت مني ثم رحل العسكر وأتينا دمشق وبعد مدة يسيرة أتى رسول الملك يطلب الأسارى والسبايا باتفاق وقع بين الملوك فردوا من كان أسيراً من الرجال والنساء ولم يبق إلا التي
عندي فسألوا عنها واتضح الخبر أنها عندي وطلبت مني فحضرت وقد تغير لوني وأحضرتها معي بين يدي مولانا السلطان الناصر والرسول حاضر فقال لها الملك الناصر بحضرة الرسول ترجعين إلى بلادك أو إلى زوجك فقد فككنا أسرك وأسر غيرك فقالت يا مولانا السلطان أنا قد أسلمت وحبلت وهابطني كما ترونه وما بقيت الإفرنج تنتفع بي فقال لها الرسول أيما أحب إليك هذا المسلم أو زوجك الإفرنجي فلان فأعادت عبارتها الأولى فقال الرسول لمن معه من الإفرنج اسمعوا كلامها ثم قال لي الرسول خذ زوجتك فوليت بها فطلبني ثانيا وقال إن أمها أرسلت معي وديعة وقالت إن ابنتي أسيرة واشتهي أن توصل لها هذه الكسوة فتسلمت الكسوة ومضيت إلى الدار وفتحت القماش فإذا هو قماشها بعينه قد سيّرته لها أمها ووجدت الصرتين الذهب الخمسين دينار والمائة دينار كما هما بربطتي لم يتغيرا وهؤلاء الأولاد منها وهي التي صنعت لكم هذا الطعام. دي فسألوا عنها واتضح الخبر أنها عندي وطلبت مني فحضرت وقد تغير لوني وأحضرتها معي بين يدي مولانا السلطان الناصر والرسول حاضر فقال لها الملك الناصر بحضرة الرسول ترجعين إلى بلادك أو إلى زوجك فقد فككنا أسرك وأسر غيرك فقالت يا مولانا السلطان أنا قد أسلمت وحبلت وهابطني كما ترونه
وما بقيت الإفرنج تنتفع بي فقال لها الرسول أيما أحب إليك هذا المسلم أو زوجك الإفرنجي فلان فأعادت عبارتها الأولى فقال الرسول لمن معه من الإفرنج اسمعوا كلامها ثم قال لي الرسول خذ زوجتك فوليت بها فطلبني ثانيا وقال إن أمها أرسلت معي وديعة وقالت إن ابنتي أسيرة واشتهي أن توصل لها هذه الكسوة فتسلمت الكسوة ومضيت إلى الدار وفتحت القماش فإذا هو قماشها بعينه قد سيّرته لها أمها ووجدت الصرتين الذهب الخمسين دينار والمائة دينار كما هما بربطتي لم يتغيرا وهؤلاء الأولاد منها وهي التي صنعت لكم هذا الطعام.
ومن لطائف المنقول من المتجاد قال الواقدي كان إبراهيم بن المهدي قد ادعى الخلافة لنفسه بالريّ وأقام مالكها سنة وأحد عشر شهرا واثني عشر يوما وله أخبار كثيرة أحسنها عندي ما حكاه لي، قال: لّما دخل المأمون الري في طلبي وجعل لمن أتاه بي مائة ألف درهم خفت على نفسي وتحيرت في أمري فخرجت من داري وقت الظهر وكان يوما صائفا وما أدري أين أتوجه فوقفت في شارع غير نافذ وقلت إنا لله وإنا إليه راجعون إن عدت على أثري يرتاب في أمري فرأيت في صدر الشارع عبدا أسود قائما على باب دار فتقدمت إليه وقلت هل عندك موضع أقيم فيه ساعة من نهار نعم وفتح الباب فدخلت إلى بيت نظيف فيه حصر وبسط ووسائد جلود إلا أنها نظيفة ثم أغلق الباب علي ومضى فتوهمته قد سمع الجعالة فيَّ وأنه خرج ليدل عليّ، فبقيت على مثل النار فبينما أنا كذلك إذ أقبل
حمال عليه كل ما يحتاج إليه من خبز ولحم وقدر جديدة وجرة نظيفة وكيزان جدد فحط عن الحمال ثم التفت إلي وقال جعلني الله فداك أنا رجل حجَّام وأنا أعلم أنك تتقرف مني لما أتولاه من معيشتي فشأنك بما لم تقع عليه يد وكان بي حاجة إلى الطعام فطبخت لنفسي قِدْراً ما أذكر أني أكلت مثلها فلما قضيت أربي من الطعام قال هل لك في شراب فإنه يسلي الهم فقلت ما أكره ذلك رغبة في مؤانسته فأتى بقطرميز جديد لم تمسه يد وجاءني بدست شراب مطينة وقال لي روق لنفسك فروقت شرابا في غاية الجودة وأحضر لي قدحا جديدا وفاكهة وأبقالا مختلفة في طسوت فخار جدد ثم قال بعد ذلك أتأذن لي جعلت فداءك أن اقعد ناحية وآتي بشرابي فاشربه سرورا بك فقلت به افعل فشربت وشرب ثم دخل إلى خزانة له فأخرج عودا مصفحا ثم قال يا سيدي ليس من قدري أن أسألك في الغناء ولكن قد وجبت على مروءتك حرمتي فإن رأيت أن تشرف عبدك فلك علو الرأي فقلت ومن أين لك أني أحسن الغناء فقال يا سبحان الله مولانا اشهر من ذلك أنت إبراهيم بن المهدي خليفتنا بالأمس الذي جعل المأمون لمن دله عليك مائة ألف درهم فلما قال ذلك عظم في عيني وثبتت مروءته عندي فتناولت العود وأصلحته وغنيت وقد مر بخاطري فراق أهلي وولدي:
وعسى الذي أهدى ليوسفَ أهلهوأعزَّه في السجن وهو أسيرُ
أن يستجيب لنا فيجمعَ شملناوالله ربُّ العالمين قديرُ
فاستولى عليه الطرب المفرط وطاب عيشه كثيراً ومن شدة طربه وسروره قال لي يا سيدي أتأذن لي أن أغني ما سنح بخاطري وإن كنت من غير أهل هذه الصناعة فقلت هذا زيادة في أدبك ومروءتك فأخذ العود وغنى:
شكونا إلى أحبابنا طولَ ليلنافقالوا لنا ما أقصر الليل عندنا
وذاك لأنّ النوم يغشى عيونهمسريعاً ولا يغشى لنا النوم أعينا
إذا ما دنا الليل المضرُّ بذي الهوىجزعنا وهم يستبشرون إذا دنا
فلو أنَّهم كانوا يلاقون مثل ما نلاقي لكانوا في المضاجع مثلنا
فو الله أحسست بالبيت قد سار بي وذهب عني كل ما كان بي من الهلع وسألته أن يغني فغنى:
تعِّيرنا أنّا قليلٌ عديدنافقلت لها إن الكرام قليل
وما ضرّنا إنّا قليلٌ وجارناعزيزٌ وجار الأكثرين ذليل
وإنّا لقومٌ لا نرى القتل سُبَّةًإذا ما رأته عامرٌ وسلول
يقرِّبُ حبُّ آجالَنا لناوتكرهه آجالهم فتطول
فداخلني من الطرب ما لا مزيد عليه إلى أن عاجلني السكر فلم أستيقظ إلا بعد المغرب فعاودني فكري في نفاسة هذا الحجام وحسن أدبه وظرفه فقمت وغسلت وجهي وأيقظته وأخذت خريطة كانت صحبتي فيها دنانير لها قيمة فرميت بها إليه وقلت له استودعتك الله فإنني ماض من عندك وأسألك أن تصرف ما في
هذه الخريطة في بعض مهماتك ولك عندي المزيد أن أمنت من خوفي فاعادها علي منكَّداً وقال: يا سيدي أن الصعاليك منا لا قدر لهم عندكم أآخذ على ما وهبنيه الزمان من قربك وحلولك عندي ثمنا والله لئن راجعتني في ذلك لأقتلنَّ نفسي فاعدت الخريطة إلى كمّي وقد أثقلني حملها فلما انتهيت إلى باب داره قال لي يا سيدي إن هذا المكان أخفى لك من غيره وليس في مؤنتك عليّ ثقل فأقم عندي إلى أن يفرج الله عنك فرجعت وسألته أن ينفق من تلك الخريطة ولم يفعل فأقمت عنده أياما على تلك الحالة في الذ عيش فتذممت من الإقامة في مؤنته واحتشمت من التثقيل عليه فتركته وقد مضى يجدد لنا حالا وقمت فتزييت بزي النساء بالخف والنقاب وخرجت فلما صرت في الطريق داخلني من الخوف أمر شديد وجئت لأعبر الجسر فإذا أنا بموضع مرشوش بماء فبصر بي جندي ممن كان يخدمني فعرفني فقال هذه حاجة المأمون فتعلق بي فمن حلاوة الروح دفعته هو وفرسه فرميتهما في ذلك الزلق فصار عبرة وتبادر الناس إليه فاجتهدت في المشي حتى قطعت الجسر ودخلت شارعا فوجدت باب دار وامرأة واقفة في دهليز فقلت يا سيدة النساء أحقني دمي فإني رجل خائف فقالت على الرحب وأطلعتني إلى غرفة مفروشة وقدمت لي طعاما وقالت ليهدأ روعك فما علم بك مخلوق وإذا بالباب يدق دقا عنيفا فخرجت وفتحت الباب وإذا بصاحبي الذي دفعته على الجسر وهو مشدوخ
الرأس ودمه يجري على ثيابه وليس معه فرس فقالت يا هذا ما دهاك فقال ظفرت بالمغنِّي وأنفلت عنّي، فأخبرها بالحال فأخرجت خرقا وعصبته بها وفرشت له ونام عليلا وطلعت إلى وقالت أظنك صاحب القصة فقلت نعم قالت لابأس عليك ثم جددت لي الكرامة وأقمت عندها ثلاثا ثم قالت إني خائفة عليك من هذا الرجل لئلا يطلع عليك فينّم بك فانج لنفسك فسالتها المهلة إلى الليل ففعلت فلما دخل الليل لبست زي النساء وخرجت من عندها فأتيت إلى بيت مولاة كانت لنا فلما رأتني بكت وتوجعت وحمدت الله على سلامتي وخرجت كأنها تريد السوق للاهتمام بالضيافة فظننت خيرا فما شعرت إلا إبراهيم الموصلي بنفسه في خيله ورجله والمولاة معه حتى سلمتني إليه فرأيت الموت عيانا وحملت بالزي الذي أنا فيه إلى المأمون فجلس مجلسا عاما وأدخلني إليه فلما مثلت بين يديه سلمت عليه بالخلافة فقال لا سلم الله عليك ولا حياك ولا رعاك فقلت له على رسلك يا أمير المؤمنين، إن وليَّ الثأر محكّم في القصاص والعفو أقرب للتقوى وقد جعلك الله فوق كل عفو كما جعل ذنبي فوق كل ذنب فإن تأخذ فبحقك وإن تعف فبفضلك ثم أنشدت:
ذنبي إليك عظيمٌوأنت أعظَمُ منه
فخذ بحقّك أولافاصفح بحلمك عنه
إن لم أكن في فعاليمن الكرام فكنه
فرفع إلي رأسه فبدرته وقلت:
أتيت ذنباً عظيماًوأنت للعفو أهل
فأن عفوت فمنٌّوإن جزيت فعدل
فرق المأمون واستروحت روائح الرحمة من شمائله ثم أقبل على ابنه العباس وأخيره أبي اسحق وجميع من حضر خاصته فقال ما ترون في أمره فكلُّ أشار بقتلي إلا أنهم اختلفوا في القتلة كيف تكون فقال المأمون لأحمد بن أبي خالد ما تقول يا أحمد فقال يا أمير المؤمنين: إن تقتله وجدنا مثلك قتل مثله وإن عفوت عنه لم نجد مثلك عفا عن مثله فنكس المأمون رأسه وجعل ينكت في الأرض وأنشد متمثلا:
قومي همُ قتلوا أميمَ أخيفإذا رميت يصيبني سهمي
فكشفت المقنعة عن رأسي وكبرت تكبيرة عظيمة وقلت عفا والله عني أمير المؤمنين فقال المأمون لا بأس عليك يا عم فقلت ذنبي يا أمير المؤمنين أعظم من أن أتفوه معه بعذر وعفوك أعظم من أن أنطق معه بشكر ولكن أقول:
إن الذي خلق المكارم حازها في صُلب آدم للإمام السابع
مُلئتْ قلوبُ الناس منك مهابةًوتظلُّ تكلؤهم بقلبٍ خاشع
ما إن عصيتك والغواة تمدّنيأسبابها إلاَّ بنيّة طائع
فعفوت عمن لم يكن عن مثلهعفوٌ ولم يشفع إليك بشافع
ورحمت أطفالاً كأفراخ القطاوحنين والدةٍ بلبٍّ جازع
فقال المأمون لا تثريب عليك اليوم قد عفوت عنك ورددت عليك مالك وضياعك فقلت:
رددت مالي ولم تبخل عليَّ بهوقبل ردِّك مالي قد حقنت دمي
فلو بذلتُ دمي أبغي رضاك بهوالمالَ حتى أسلّ النعل من قدمي
ما كان ذاك سوى عاريةٍ رجعتإليك لو لم تعرها كنت لم تلم
فإن جحدتك ما أوليتَ من كرمٍإني إلى اللؤم أولى منك بالكرم
فقال المأمون: إن من الكلام دراً وهذا منه: وخلع عليه وقال يا عم إن أبا إسحق والعباس أشارا بقتلك فقلت إنهما نصحاك يا أمير المؤمنين ولكن أتيت بما أنت أهله ودفعت ما خفت بما رجوت فقال المأمون يا عم أمنت حقدي بحياة عذرك وقد عفوت عنك ولم أجرعك مرارة امتنان الشافعين ثم سجد المأمون طويلا ورفع رأسه وقال يا عم أتدري لم سجدت قلت شكراً لله تعالى الذي أظفرك بعدو دولتك فقال ما أردت هذا ولكن شكراً لله الذي ألهمني العفو عنك فحدثني الآن حديثك فشرحت له صورتة أمري وما جرى لي مع الحجام والجندي والمرأة والمولاة التي نَّمت عليَّ فأمر المأمون بإحضارها وهي في دارها تنتظر الجائزة فقال لها ما حملك على ما فعلت مع سيدك فقالت الرغبة في المال فقال لها هل لك ولد أو زوج قالت لا فأمر بضربها مائتي سوط وخلد سجنها ثم قال أحضروا الجندي وامرأته والحجام فاحضروا فسأل الجندي عن السبب الذي حمله على ما فعل فقال الرغبة في المال فقال المأمون أنت يجب أن تكون حجّاما ووكل به ما يلزمه الجلوس في دكان الحجام لتعلم الحجامة وأكرم زوجه وأدخلها إلى القصر وقال هذه امرأة عاقلة تصلح للمهمات ثم قال للحجام
لقد ظهر من مروؤتك ما يوجب المبالغة في إكرامك وسلم إليه دار الجندي بما فيها وخلع عليه وأنعم عليه برزقه وزيادة ألف دينار في كل سنة ولم يزل في تلك النعمة إلى أن مات.
ومما يضارع ذلك أنه لما أفضت الخلفة إلى بني العباس اختفت رجال بني أمية ومهم إبراهيم بن سليمان بن عبد الملك وكان إبراهيم رجلاً عالماً عاملاً أديباً كاملاً وهو في سن الشبيبة فأخذوا له أماناً من السفاح فقال له يوما حدثني عما مر بك في اختفائك قال كنت يا أمير المؤمنين مختفياً بالحيرة في منزل بشارع على الصحراء فبينما أنا على ظهر البيت إذ نظرت إلى أعلام سود قد خرجت من الكوفة تريد الحيرة فتخيلت أنها تريدني فخرجت من الدار متنكرا حتى أتيت الكوفة ولا أعرف أحدا أختفي عند فبقيت في حيرة فإذا أنا بباب كبير رحبته واسعة فدخلت فيها فإذا رجل وسيم حسن الهيئة على فرس قد دخل الرحبة ومعه جماعة من غلمانه وأتباعه فقال من أنت وما حاجتك فقلت رجل خائف على دمه وقد استجار بمنزلك فأدخلني منزله ثم صيرني في حجرة تلي حرمه وكنت عنده في ذلك على ما أحبه من مطعم ومشرب وملبس لا يسألني عن شيء من حالي إلا أنه يركب في كل يوم ركبة فقلت له يوما أراك تدمن الركوب ففيم ذلك قال إبراهيم بن سليمان قتل أبي صبرا وقد بلغني أنه مختف فأنا أطلبه لأدرك منه ثأري فكثر
النص من طبعة مكتبة الجمهورية العربية بمصر، بهامش «المستطرف»، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع