من «ثمرات الأوراق» لابن حجة الحموي (ت ٨٣٧هـ)
الوليد ومسامر الخلفاء (٢)
الصفحة ٢ من ٢
والله تعجبي وقلت القدر ساقني إلى حتفي في منزل من يطلب دمي وكرهت الحياة فسألت الرجل عن أسمه واسم أبيه فأخبرني فعلمت أن الخبر صحيح وأنا الذي قتلت أباه فقلت له يا هذا وجب عليّ حقك ومن حقك أن أدلك على خصمك وأقرب إليك الخطوة قال وما ذاك قلت أنا إبراهيم بن سليمان قاتل أبيك فخذ بثأرك فقال إني أحسبك رجلا قد مضّه الاختفاؤ فأحببت الموت فقلت لا والله ولكن أقول لك الحق يوم كذا وذا بسبب كذا وكذا فلما علم صدقي تغيّر لونه واحمرت عيناه واطرق مليا ثم قال: أمّا أنت فستلقى أبي عند حكم عدل فيأخذ بثأره وأمّا أنا فغير مخفر ذمتي فأخرج عني فلست آمن عليك من نفسي وأعطاني ألف دينار فلم آخذها منه وانصرفت عنه فهذا أكرم رجل رأيته بعد أمير المؤمنين.
ومن لطائف ما نقلته من المستجاد حدث أبو الحسن بن صالح البلخي بمصر قال أخبرني بعض عمال شيوخنا عن شيبة بن محمد الدمشقي قال كان في أيام سليمان بن عبد الملك رجل يقال له خزيمة ابن بشر من بني أسد مشهور بالمروءة والكرم والمواساة وكانت نعمته وافرة فلم يزل على تلك الحالة حتى احتاج إلى أخوانه الذين كان يواسيهم ويتفضل عليه فواسوه حينا ثم ملوه فلما لاح له تغيرهم أتى امرأته وكانت ابنة عمه فقال لها يا بنت العم قد رأيت من اخواني تغيُّرا وقد عزت على لزوم بيتي إلى أن يأتيني الموت ثم أغلق بابه عليه وأقام يتقوت بما عنده حتى نفد وبقي حائرا في حاله فكان عكرمة
الفياض واليا على الجزيرة فبينما هو في مجلسه وعنده جماعة من أهل البلد إذ جري ذكر خزيمة ابن بشر فقال عكرمة ما حاله فقالوا صار في أسوأ الأحوال وقد أغلق بابه ولزم بيته فقال عكرمة الفياض وما سمي الفياض إلا للافراط في الكرم فما وجد خزيمة بن بشر مواسيا ولا مكافئا فأمسك عن ذلك فلما كان الليل عمد إلى أربعة آلاف دينار فجعلها في كيس واحد ثم أمر باسراج دابته وخرج سراً من أهله فركب ومعه غلام واحد يحمل المال ثم سار حتى وقف باب خزيمة فأخذ الكيس من الغلام ثم أبعده عنه وتقدم إلى الباب فطرقه بنفسه فخرج خزيمة فقال له أصلح بهذا شأنك فتناوله فرآه ثقيلا فوضعه وقبض على لجام الدابة وقال له من أنت جعلت فداك قال له ما جئت في هذا الوقت وأنا أريد أن تعرفني قال خزيمة فما أقبله أو تخبرني من أنت قال أنا جابر عثرات الكرام قال زدني قال لا: ثم مضى ودخل خزيمة بالكيس إلى امرأته فقال لها أبشري فقد أتى الله بالفرج فلو كان في هذا فلوس كانت كثيرة قومي فاسرجي قالت لا سبيل إلى السراج فبات يلمس الكيس فيجد تحت يده خشونة الدنانير ورجع عكرمة إلى منزله فوجد امرأته قد افتقدته وسألت عنه فأخبرت بركوبه منفرداً فارتابت وشقت جيبها ولطمت خدها فلما رآها تلك الحالة قال لها ما دهاك يا ابنة العم قالت سوء فعلك بابنة عنك، أمير الجزيرة يخرج
بعد هدأة من الليل منفرداً عن غلمانه في سرّ من أهله إلا إلى زوجة أو سريّة فقال لقد علم الله ما خرجت لواحدة منهما قالت لابد أ، تعلمني قال فاكتميه إذاً قالت افعل فأخبرها بالقصة على وجهها ثم قال أتحبين أن أحلف لك قالت لا قد سكن قلبي ثم أصبح خزيمة فصالح غرماءه وأصلح من حاله ثم تجهز يريد سليمان بن عبد الملك بفلسطين فلما وقف ببابه دخل الحاجب فأخبره بمكانه وكان مشهوراً لمروءته وكان الخليفة به عارفا فأذن له فلما دخل عليه وسلم بالخلافة قال يا خزيمة ما أبطأك عنا فقال سوء الحال يا أمير المؤمنين قال فما منعك من النهضة إلينا قال ضعفي قال فمن أنهضك قال لم أشعر يا أمير المؤمنين بعد هدأة من الليل إلا ورجل يطرق بابي وكان منه كيت وكيت وأخبره بقصته من أولها إلى آخرها فقال هل عرفته قال لا والله لأنه كان متنكرا وما سمعت منه إلا جابر عثرات الكرام قال فتلهف سليمان بن عبد الملك على معرفته وقال لو عرفناه لأعنَّاه على مروءته ثم قال علّي بقناة فأتي بها فعقد لخزيمة الولاية على الجزيرة وعلى عمل عكرمة الفياض وأجزل عطاياه وأمره بالتوجه إلى الجزيرة فخرج خزيمة متوجها إليها فلما قرب منها خرج عكرمة وأهل البلد للقائه فسلم عليه ثم سارا جميعاً إلى أن دخلا البلد فنزل خزيمة في جار الإمارة وامر أن يؤخذ عكرمة وأن يحاسب فحوسب ففضل عليه مال كثير فطلبه خزيمة بالمال فقال مالي
إلى شيء منه سبيل فأمر بحبسه ثم بعث يطالبه فأرسل إليه أني لست ممن يصون ماله لغرضه فأصنع ما شئت فأمر به فكبل بالحديد وضيق عليه وأقام على ذلك شهراً فأضناه ثقل الحديد وأضر به وبلغ ذلك ابنة عمه فجزعت عليه واغتمت ثم دعت مولاة لها ذات عقل وقالت امضي الساعة إلى باب هذا الأمير فقولي عندي نصيحة فإذا طلبت منك قولي ولا أقولها إلا للأمير خزيمة فإذا دخلت عليه سليه الخلوة فإذا فعل قولي له ما كان هذا جزاء جابر عثرات الكرام منك في مكافأتك له بالضيق والحبس والحديد قال ففعلت ذلك فلما سمع خزيمة قولها قال واسوأتاه جابر عثرات الكرام غريمي قالت نعم فأمر من وقته بدابته فأسرجت وركب إلى وجوه أهل البلد فجمعهم وسار بهم إلى باب الحبس ففتح ودخل فرأى عكرمة الفياض في قاع الحبس متغيراً قد أضناه الضر فلما نظر عكرمة إلى خزيمة وإلى
الناس أحشمه ذلك فنكس رأسه فاقبل خزيمة حتى إنكب على رأسه فقبله فرفع رأسه إليه وقال ما أعقب هذا منك قال كريم فعلك وسوء مكافأتي قال يغفر الله لنا ولك ثم أمر بفك قيوده وأن توضع في رليه فقال عكرمة تريد ماذا قال أريد أن ينالني من الضر مثل ما نالك فقال أقسم عليك بالله أن لا تفعل فخرجا جميعاً إلى أن وصلا إلى دار خزيمة فودعه عكرمة وأراد الإنصراف فلم يمكنه من ذلك قال وما تريد قال أغير من حالك وحيائي من ابنة عمك أشد من حيائي منك ثم أمر بالحمام فأخليت ودخلا جميعاً ثم قام خزيمة فتولى خدمته بنفسه ثم خرجا فخلع عليه وحمل إليه مالاً كثيراً ثم سار معه إلى داره واستأذنه في الاعتذار من ابنة عمه فأذن له فاعتذر إليها وتذمم من ذلك ثم سأله أني سير معه إلى أمير المؤمنين وهو يومئذ مقيم بالرملة فأنعم له بذلك فسارا جميعا حتى قدما على سليمان بن عبد الملك فدخل الحاجب فأخبره بقدوم خزيمة بن بشر فراعه ذلك وقال: والي الجزيرة يقدم علينا بغير أمرنا مع قرب العهد به ما هذا إلا لحادث عظيم فلما دخل عليه قال قبل أن يسلم ما وراءك يا خزيمة قال خير يا أمير المؤمنين قال فما أقدمك قال ظفرت بجابر عثرات الكرام فأحببت أن أسرك لما رأيت من شوقك إلى رؤيته قال ومن هو قال عكرمة الفياض فأذن له في الدخول فدخل فسلم عليه بالخلافة فرحب به وأدناه من مجلس وقال يا عكرمة كان خيرك له وبالا عليك ثم قال له اكتب حوائجك وما تختاره في رقعة فكتبها وقضيت على الفور ثم أمر له بعشرة آلاف دينار مع ما أضيف إليها من التحف والظرف ثم دعا بقناة وعقد له على الجزيرة وأرمينية واذربيجان وقال له أمر خزيمة إليك إن شئت أبقيته وإن شئت عزلته قال بد أرده إلى عمله يا أمير المؤمنين ثم انصرفا جميعاً ولم يزالا عاملين لسليمان بن عبد الملك مدة خلافته. لناس أحشمه ذلك فنكس رأسه فاقبل خزيمة حتى إنكب على رأسه فقبله فرفع رأسه إليه وقال ما أعقب هذا منك قال كريم فعلك وسوء مكافأتي قال يغفر الله لنا ولك ثم أمر بفك قيوده وأن توضع في رليه فقال عكرمة تريد ماذا قال أريد أن ينالني من الضر مثل ما نالك فقال أقسم عليك بالله أن لا تفعل فخرجا جميعاً إلى أن وصلا إلى دار خزيمة فودعه عكرمة وأراد الإنصراف فلم يمكنه من ذلك قال وما تريد قال أغير من حالك وحيائي
من ابنة عمك أشد من حيائي منك ثم أمر بالحمام فأخليت ودخلا جميعاً ثم قام خزيمة فتولى خدمته بنفسه ثم خرجا فخلع عليه وحمل إليه مالاً كثيراً ثم سار معه إلى داره واستأذنه في الاعتذار من ابنة عمه فأذن له فاعتذر إليها وتذمم من ذلك ثم سأله أني سير معه إلى أمير المؤمنين وهو يومئذ مقيم بالرملة فأنعم له بذلك فسارا جميعا حتى قدما على سليمان بن عبد الملك فدخل الحاجب فأخبره بقدوم خزيمة بن بشر فراعه ذلك وقال: والي الجزيرة يقدم علينا بغير أمرنا مع قرب العهد به ما هذا إلا لحادث عظيم فلما دخل عليه قال قبل أن يسلم ما وراءك يا خزيمة قال خير يا أمير المؤمنين قال فما أقدمك قال ظفرت بجابر عثرات الكرام فأحببت أن أسرك لما رأيت من شوقك إلى رؤيته قال ومن هو قال عكرمة الفياض فأذن له في الدخول فدخل فسلم عليه بالخلافة فرحب به وأدناه من مجلس وقال يا عكرمة كان خيرك له وبالا عليك ثم قال له اكتب حوائجك وما تختاره في رقعة فكتبها وقضيت على الفور ثم أمر له بعشرة آلاف دينار مع ما أضيف إليها من التحف والظرف ثم دعا بقناة وعقد له على الجزيرة وأرمينية واذربيجان وقال له أمر خزيمة إليك إن شئت أبقيته وإن شئت عزلته قال بد أرده إلى عمله يا أمير المؤمنين ثم انصرفا جميعاً ولم يزالا عاملين لسليمان بن عبد الملك مدة خلافته.
وضارع ذلك من المستجاد أيضا ما روي عن أبي موسى
محمد بن الفضل بن يعقوب كاتب عيسى بن جعفر قال حدثني أبي قال كنت أتردد إلى زينب بنت سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس وأخدمها فتوجهت إلى خدمتها يوماً فقالت أقعد حتى أحدثك حديثاً كان بالأمس يكتب على الآماق، كنت أمس عند الخيزران ومن عادتي أن أجلس بإزائها وفي الصدر مجلس للمهدي يجلس فيه وهو يقصدنا في كل وقت فيجلس قليلاً ثم ينهض فبينما نحن كذلك إذ دخلت علينا جارية من جواريها فقالت أعز الله السيدة، بالباب امرأة ذت جمال وخلقة حسنة ليس وراء ما هي عليه من سوء الحال غاية، تستأذن عليك وقد سألتها عن اسمها فامتنعت من أن تخبرني فالتفتت إلي الخيرزان وقالت ما تريدين فقلت أدخليها فإنه لا بد من فائدة أو ثواب فدخلت امرأة من أجمل النساء لا تتوارى بشيء فوقفت بجنب عضادة الباب ثم سملت متضائلة ثم قالت أنا زنة بن مروان بن محمد الأموي فقالت الخيزران لا حيّاك الله ولا قربك فالحمد لله الذي أزال نعمتك وهتك سترك وأذلك أتذكرين يا عدوة الله حين أتاك عجائز أهل بيتي يسألنك أن تكلمي صاحبك في الأذن في دفن إبراهيم بن محمد فوثبت عليهن وأسمعتيهن ما لا سمعن قبل وأمرت فأخرجن على تلك الحالة فضحكت مزنة فما أنسى حسن ثغرها وعلو صوتها بالقهقهة، ثم قالت يا بنت العم أي شيء أعجبك من حسن صنيع الله بي
على العقوق حتى أردت أن تتأسي بي فيه، والله إن فعلت بنسائك ما فعلت فأسلمني الله لك ذليلة جائعة عريانة، وكان ذلك مقدار شرك لله تعالى على ما أولاك بي، ثم قالت السلام عليكم ثم ولت مسرعة فصاحت بها الخيزران فرجعت، قالت زينب: فنهضت إليها الخيزران لتعانقها فقالت وليس في لذلك موضع مع الحال التي أنا عليها فقالت الخيزران لها فالحمام إذا وأمرت جماعة من جواريها بالدخول معها إلى الحمام فدخلت وطلبت ماشطة ترمي ما على وجهها من الشعر فلما خرجت من الحمام وافتها الخلع والطيب فأخذت في الموضع الذي يجلس فيه أمير المؤمنين المهدي ثم قالت لها الخيزران هل لك في الطعام فقالت والله ما فيكن أحوج مني إليه فعجعلوه، فأي بالمائدة فجعلت تأكل غير محتشمة إلى أن اكتفت ثم غسلنا أيدينا فقالت لها الخيزران من وراءك مما تعتنين به قالت ما خارج هذه الدار من بيني وبينه نسب فقالت إذا كان الأمر هكذا فقومي حتى تختاري لنفسك مقصوردة من مقاصيرنا وتحولي لها جميع ما تحتاجين إليه ثم لا نفترق إلى الموت فقامت ودارت بها في المقاصير فاختارت أوسعها وأنزهها ولم تبرح حتى حولت إليها جميع ما تحتاج إليه من الفرش والكسوة قالت زينب ثم تركناها وخرجنا عنها فقالت الخيزران هذا المرأة قد كانت فيما كانت فيه وقد مسها الضر وليس يغسل ما في قلبها إلا المال
فاحملوا إليها خمسمائة ألف درهم فحملت إليها وفي أثناء ذلك وافى المهدي فسألنا عن الخبر فحدثته الخيزران حديثها وما لقيتها به فوثب مغضبا وقال للخيزران هذا مقدار شكر الله على أنعمه وقد أمكنك من هذه المرأة مع الحالة التي هي عليها فوالله لولا محلك بقلبي لحلفت أن لا أكلمك أبداً فقالت الخيزران يا أمير المؤمنين قد اعتذرت إليها ورضيت وفعلت معها كذا وكذا فلما علمي المهدي ذلك قال لخادم كان معه أحمل إليها مائة بدرة وأدخل إليها وأبلغها مني السلام وقل لها والله ما سررت في عمري كسروري اليوم وقد وجب على أمير المؤمنين إكرامك ولولا احتشامك لحضر إليك مسلماً عليك وقاضيا لحقك فمضى الخادم بالمال والرسالة فأقبلت على الفور فسلمت على المهدي بالخلافة وشكرت صنعه وبالغت في الثناء على الخيزران عنده وقالت ما على أمير المؤمنين حشمة إنا في عدد حرمه ثم قامت إلى منزلها، فخلفتها عند الخيزران وهي تتصرف في المنازل والجواري كتصرف الخيزران فأخِّها عندك فإنها من أحسن النوادر.
النص من طبعة مكتبة الجمهورية العربية بمصر، بهامش «المستطرف»، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع