من «ثمرات الأوراق» لابن حجة الحموي (ت ٨٣٧هـ)
الوليد ومسامر الخلفاء (٥)
الصفحة ١ من ٢
ومن غريب ما يقتطف من ثمرات الأوراق أن عمر بن عبد العزيز ﵀ خلف أحد عشر ابنا فأصاب كل ابن نصف وربع دينار وقال لهم عند وفاته يا بني ليس لي مال فأوصي فيه، وخلف هشام بن عبد الملك أحد عشر ابنا فأصاب كل واحد من البنين ألف دينار فأما أولاد
عمر بن عبد العزيز فما رؤي أحد منهم إلا وهو غني ومنهم واحد جهز من ماله مائة ألف فارس على مائة ألف فرس في سبيل الله تعالى وما رؤي أحد م أولاد هشام بن عبد الملك إلا وهو فقير ولقد شوهد أحدهم وهو يوقد في الأتون.
قيل لمعاوية ابن أبي سفيان إن بالحيرة رجلاً من بني جرهم قد عمّر ورأى أعاجيب فقال معاوية عليَّ به فلما حضر قال من الرجل قال عبيد بن شربة قال ثم ممن قال من قوم لم يبق منهم بقية قال فكم مضى من عمرك قال عشرين ومائتا سنة قال أخبرني بأعجب ما رأيت في عمرك قال نعم يا أمير المؤمنين كنت في حي من أحياء العرب فمات عندهم ميت يقال له عشير بن لبيد العذري فمشيت في جنازته وتأسيت بجماعته فلما دفن في قبره وأعول النساء في أثره أدركتني عليه عبرة ولم أستطع ردها وتمثلت بأبيات كنت سمعتها قديما وعلق الآن على خاطري منها هذه الأبيات:
يا قلب إنك من أسماءُ مغرورفأذكر وهل ينفعنك اليوم تذكيرُ
قد بحت بالحبِّ ما تخفيه من أحدٍحتى جرت لك اطلاقاً محاظير
فلست تدري ولا تدري أعاجلهاأدنى لرشدك أمْ ما فيه تأخير
فاستقدر الله خيراً وارضيَنَّ بهفبينما العسر إذا دارت مياسير
وبينما المرء في الأحياء مغتبطٌإذا هو الرّمس تعفوه الأعاصير
يبكي الغريب عليه ليس يعرفُهُوذو قرابته في الحيّ مسرور
وذاك أخر عهدٍ من أخيك إذاما المرء ضمّنه اللحد الخناسير
فبينما أنا أردد هذه الأبيات وعيناي ينسكبان إذ قال لي رجل إلى جنبي من عذرة يا عبد الله هل تعرف قائل هذا الشعر قلت لا والله قال قائله هذا الميت الذي دفناه وأنت الغريب الذي تبكي عليه ولا تعرفه ولا تعلم إنه قائل هذه الأبيات وذو قرابته الذي ذكرته مسرور هو ذاك وأشار إلى رجل في الجماعة فرأيته لا يستطيع كتمان ما هو عليه من المسرة فقال معاوية يا أخا جرهم سل ما شئت قال ما مضى من عمري ترده والأجل إذا حضر تدفعه قال ليس ذلك لي سل غيره قال يا أمير المؤمنين ليس إليك رد شبابي ولا الآخرة فتكرم مآبي والمآل فقد أخذت عنه في عنفواني ما كفاني قال لابد أن تسألني قال أما إذا شئت فأمر لي برغيفين أتغدى بأحدهما وأتعشى بالآخرة واتق الله وأعلم أنك مفارق ما أنت فيه وقادم على ما قدمت، فأمر له معاوية
بأشياء من حنطة وغيرها فردها وقال إن أعطيت المسلمين كلهم مثلها أعطيتني وإلا فلا حاجة لي في ذلك ثم ودعه وانصرف.
وقيل وفد عبد الله بن جعفر ﵁ على أحد خلفاء بني أمية فقال له الخليفة كم كان أمير المؤمنين يعطيك يعني أباه قال كان ﵀ يعطيني ألف ألف درهم قال زدناك لترحمك عليه ألف ألف درهم قال بأبي أنت وأمي قال وبهذه ألف ألف لا أقولها لأحد بعدك قال ولهذه ألف ألف قال منعني من الأطناب في وصفك الإشفاق عليك من جودك قال ولهذه ألف ألف فقيل: فرَّقتَ يا أمير المؤمنين بيت مال المسلمين على رجل واحد قال إنما فرقته على أهل المدينة أجمعين ثم وكل به من يعلمه بخبره من حيث لا يشعر فلما قدم المدينة فرق جميع ما معه حتى احتاج بعد شهر إلى القرض.
ومن لطائف المنقول أن رجلاً قال لهشام القرطبي كم تعد قال من واحد إلى ألف ألف وأكثر قال لم أرد هذا كم تعد من السن قال اثنتين وثلاثين سنا ستة عشر من أعلى وستة عشر من أسفل قال لم أرد هذا كم لك من السنين قال والله ليس لي منها شيء والسنون كلها لله قال يا هذا ما سنك قال عظم قال أبِنْ لي أبِنْ كم أنت قال اثنين رجل وامرأة قال كم أتى عليك قال لو أتى علي شيء قتلني قال كيف أقول قال تقول كم مضى من عمرك.
قيل عرض
محمد بن الجهم دارة للبيع بخمسين ألف درهم فلما حضروا ليشتروا قال بكم تشترون مني جوار سعيد بن العاص فقالوا له والجوار يباع قال كيف لا يباع جوار من إن سألته أعطاك وإن سكت عنه ابتدأك وإن أسأت إليه أحسن إليك فبلغ ذلك سعيداً فوجه إليه بمائة ألف درهم وقال أمسك دارك عليك.
قيل عرض محمد بن الجهم دارة للبيع بخمسين ألف درهم فلما حضروا ليشتروا قال بكم تشترون مني جوار سعيد بن العاص فقالوا له والجوار يباع قال كيف لا يباع جوار من إن سألته أعطاك وإن سكت عنه ابتدأك وإن أسأت إليه أحسن إليك فبلغ ذلك سعيداً فوجه إليه بمائة ألف درهم وقال أمسك دارك عليك.
قيل خرج عبد الله بن جعفر إلى ضيعة له فنزل على نخل قوم فيها غلام أسود يقوم عليها فأتى بثلاثة أقراص فدخل كلب فدنا منه فرمى إليه بالأول وبالثاني والثالث فأكلهما وعبد الله ينظر إليه فقال يا غلام كم قوتك كل يوم قال ما رأيت قال فلم آثرت الكلب قال لان أرضنا ما هي بأرض كلاب وأخاله جاء من مسافة بعيدة جائعاً فكرهت رده قال فما كنت صانعاً اليوم قال أطوي يومي هذا فقال عبد الله بن جعفر الأمر مبني على السخاء والله إن هذا لاسخى مني فاشترى النخل والعبد فأعتقه ووهب ذلك له.
ومن لطائف المنقول أنه رفع للرشيد موت العباس بن الأحنف وإبراهيم الموصلي المعروف بالنديم وعشيمة الخمارة في يوم واحد فخرج للصلاة عليهم فصفوا بين يديه فقال من الأول فقالوا إبراهيم الموصلي فقال أخروه وقدموا العباس بن الأحنف فقدم وصلى عليه فلما فرغ
وانصرف، دنا منه هاشم بن عبد الله الخزاعي وقال يا أمير المؤمنين كيف آثرت العباس بالتقديم على من حضر فقال بقوله:
وسعى بها قومٌ وقالوا إنهّالهي التي تشقى بها وتكابد
فجحدتهم ليكون غيرك ظنهّمإني ليعجبني المحبُّ الجاحد
ثم قال أتحفظهما قلت نعم قال أليس من قال هذا الشعر أولى بالتقديم فقلت بلى والله يا أمير المؤمنين.
قلت ويضارع هذا ما حكاه صاحب الأغاني حكي أن رجلا أدى شهادة عند بعض القضاة فقال القاضي هل يعرفك أحد من ذوي العدالة قال نعم فلان فلما حضر قال له القاضي هل تعرف هذا قال نعم أعرفه عدلا وما ذاك إلا أني سمعته ينشد لجرير:
إن الذين غدوا بلبِّك غادرواوشلاً بعينك لا يزال معينا
فغضضن من أبصارهنّ وقلن ليماذا لقيت من الهوى ولقينا
فعلمت أن هذا لا يرسخ إلا في قلب مؤمن.
وقال الشيخ أثير الدين أبو حبان ﵀ كانت رقائق الشيخ تقي الدين السوجي تسلب العقول وكان يغنّى بها في عصره لأنها في الطريق الغرامي غاية لا تدرك فمن ذلك قوله ﵀:
أنعم بوصلك لي فهذا رقتهُيكفي من الهجران ما قد ذُقتهُ
أنفقت عمري في هواك وليتنيأُعطي وصولاً بالذي أنفقته
يا من شُغِلت بحبِّه عن غيرهوسلوت كلَّ الناس حين عشقته
كم جال في ميدان حسنك فارسٌبالسبق فيك إلى رضاك سبقته
أنت الذي جمع المحاسن وجههلكن عليه تصبُّري فرّقته
قال الوشاة قد ادّعى بك نسبةًفسررت لّما قلت قد صدَّقته
بالله إن سألوك عنّي قل لهمعبدي وملك يدي وما أعتقته
أو قيل مشتاقٌ إليك فقل لهمأدري بذا وأنا الذي شوَّقته
قلت لو كان الشيخ تقي الدين السورجي ﵀ في جملة من صلى عليه الرشيد لم يقدم غيره عليه، قال الشهاب محمود وكان الشيخ تقي الدين السروجي مع دينه وورعه وزهده وعفته مغرما بالجمال وكذلك قال الشيخ أثير الدين وكان يكره مكانا فيه امرأة ومن دعاه من أصحابه قال شرطي معروف وهو أن لا يحضر بالمجلس امرأة. قال الشهاب محمود وكنّا يوما في دعوة فأحضر صاحب الدعوة شواء وأمر بإدخاله إلى النساء ليجعلنه في الصحون فلما أحضر
بعد ذلك تقرّف منه وقال كيف وقد مسسنه بأيديهن.
قال الشيخ أثير الدين ولما توفي الشيخ تقي الدين بمصر رابع رمضان المعظم سنة ثلاث وتسعين وستمائة حلف أبو محبوبة أن لا يدفنه إلا في قبر ابنه وقال كان الشيخ يهواه بالحياة وما أفرق بينهما بالممات هذا لما كان يعلمه من دينه وعفافه.
قلت والشيخ مدرك هو أبو هذه العذرة وثمرة هذه الشجرة فإنه ممن هام مع زهده وورعه بالجمال وعف وصبر إلى أن مات وكان الشيخ مدرك المذكور من أكابر علماء المغرب المتفقهين وكان مطبوعا في نظم الشعر الجيد الرقيق وكان يُقرىْ الأدب وله مجلس بمحلة دار الروم وكان لا يُقرىء إلا الأحداث ففتن بنصراني اسمه عمرو بن يوحنا كان من أحسن أهل زمانه وأسلمهم طبعا فهام الشيخ به وكتب رقعة وطرحها في حجره وهي:
بمجالس العلم التيبك تمَّ جمعُ جموعها
ألاَّ رثيت لمقلةٍغرقت بماء دموعها
بيني وبينك حرمةٌالله في تضييعها
فلما قرأها عمرو استحيا وعلم بها من في المجلس فانقطع عمرو واشتد بالشيخ الوجد فترك المجلس وتظم القصيدة المشهورة قيل أنها اشتملت على سائر عبادات النصارى ومواقيتهم وأسماء المعظمين في دينهم وعده صاحب مصارع العشاق
مع الذين ماتوا غراما.
وقال في كتابه الموسوم بمصارع العشاق أخبرنا القاضي أبو القاسم التنوخي سنة ثلاثة وأربعين وأربعمائة قال حدثنا القاضي أبو الفرج المعافى قال أنشدنا أبو القاسم مدرك بن محمد الشيباني لنفسه في عمرو النصراني قال القاضي أبو الفرج وقد رأيت عمراً وقد أبيض رأسه:
من عاشقٍ ناءٍ هواه دانناطق دمعٍ صامت اللسان
موثق قلبٍ مطلق الجثمانمعذّبٍ بالصدّ والهجران
من غير ذنبٍ كسبت يداهلكن هوىً نمت به عيناه
شوقاً إلى رؤية من أشقاهكأنما عافاه من أبلاه
يا ويحه من عاشقٍ ما يلقىمن أدمع منهلّةٍ ما ترقى
ذاب إلى إن كاد يفنى عشقاوعن دقيق الفكر سقماً دقَّا
لم يبق منه غير طرفٍ يبكيبأدمعٍ مثل نظام السلك
تخمد نيران الهوى وتذكيمنهلّة قطر السماء تحكي
إلى غزالٍ من بني النصارىفُضِّل بالحسن على العذارى
وغادر الأسد به حيارىفي ربقة الحب له أسارى
ريمٌ به أي هزبرٍ لم يصديقتل باللحظ ولا يخشى القود
متى تقل ها قالت الألحاظ قدكأنه ناسوته حين اتحد
يا ليتني كنت له زنارايديرني في الخصر كيف دارا
حتى إذا الليل طوى النهاراصرت له حينئذٍ إزارا
يا عمرو ناشدتك بالمسيحإلا سمعت القول من فصيح
يذبُّ عن قلبٍ له جريحليس من الحب بمستريح
يا عمرو بالحقِّ مع اللاهوتوالروح روح القدس والناسوت
ذاك الذي في مهده المنعوتعوٍّض بالنطق عن السكوت
بحقِّ ناسوتٍ ببطن مريمحلَّ محلَّ الريق منها بالفم
ثم استحال في القنوم الأقدميكلم الناس ولما يفطم
بحق من بعد الممات قمِّصايوماً على مقداره ما قصصا
وكان لله تقياً مخلصاًيشفي ويبرىء أكمهاً وأبرصا
بحقّ محيي صورة الطيوروباعث الموتى من القبور
ومن إليه مرجع الأموريعلم ما في البر والبحور
بحقِّ من في شامخ الصوامعمن ساجدٍ لربه وراكع
يبكي إذا ما نام كلُّ هاجعخوفاً من الله بدمعٍ هامع
بحقّ قومٍ حلّقوا الرؤساوعالجوا طول الحياة بوسا
وقرعوا في البيعة الناقوسامشمعلين يعبدون عيسى
بحق مار مريم وبولسبحق شمعون الصفا وبطرس
بحق دانيل بحق يونسبحق حزقيل وبيت المقدس
ونينوى إذ قام يدعو ربهمطهراً من كل سوء قلبه
ومستقيلاً فأقيل ذنبهونال من مولاه ما أحبَّه
بحقِّ ما في قُلة الميرونمن نافع الأدواء للمجنون
بحقِّ ما يؤثر عن شمعونمن بركات النخل والزيتون
بحقِّ أعياد الصليب الزهروعيد شمعون وعيد الفطر
وبالشعانين الجليل القدروعيد مرماري الرفيع الذكر
وعيد شعياء بالهياكلوالدخن اللاتي بكفِّ الحامل
يشفي بها من خبل كل خابلومن دخيل السقم في المفاصل
بحقِّ سبعين من العبّادهاموا بدين الله في البلاد
وأرشدوا الناس إلى الرشادحتى أهتدى من لم يكن بهاد
بحقِّ ثنتي عشرة من الأممساروا إلى الأقطار يتلون الحكم
حتى إذا صُبْحُ الهدى جلا الظُّلمساروا إلى الله ففازوا بالنعم
بحق ما في محكم الإنجيلمن منزل التحريم والتحليل
وخير كل نبأٍ جليليرويه جيل قد مضى عن جيل
بحقّ مر عيد التقي الصالحبحق لوقا بالحكيم الراجح
والشهداء بالفلا الصحاصحمن كلِّ غادٍ منهم ورائح
بحقِّ معمودية الأرواحوالمذبح المشهور في النواحي
ومن به من لابس الأمساحمن راهبٍ باكٍ ومن نوّاح
بحقّ تقريبك في الأعيادوشربك القهوة كالفرصاد
بما بعينيك من السوادبطول تقطيعك للأكباد
بحقّ ما قدَّس شعيا فيهبالحمد لله وبالتنزيه
بحقّ نسطورٍ وما يرويهعن كلّ ناموسٍ له فقيه
شيخان كانا من شيوخ العلموبعض أركان التّقى والحلم
لم ينطقا قطُّ بغير الفهمموتهما كان حياة الخصم
بحرمة الأسقف والمطرانوالجاثليق العالم الرباني
والقسّ والشماس والديرانيوالبطرق الأكبر والرهبان
بحرمة المحبوس في أعلى الجبلومار قولا حين صلى وابتهل
وبالكنيسات القديمات الأولوبالمسيح المرتضى وما فعل
بحرمة الأسقوفيا والبيرموما حوى مغفر رأس مريم
بحرمة الصوم الكبير الأعظمبحقّ كلّ بركةٍ ومحرم
بحقّ يوم الذبح في الأشراقوليلة الميلاد والتلاقي
والذهب الإبريز لا الأوراقبالفصح يا مهذب الأخلاق
بكل قداسٍ على قداسقدسه القس مع الشمّاس
وقربوا يوم خميس الناسوقدموا الكاس لكلّ حاس
إلاّ رغبت في رضا أديبباعده الحبُّ عن الحبيب
فذاب من شوقٍ إلى المذيبأعلى مناه أيسر التقريب
أنظر أميري في صلاح أمريمحتسباً في عظيم الأجر
مكتسباً منيّ جميل الشكرمن نثر الفاظٍ ونظم شعر
قلت والشيء بالشيء يذكر الشيخ مدرك ألجأته الضرورة الغرامية أن يتجشم المشاق ويتقرب إلى محبوبه بأقسام لها عند أهل دين النصرانية محل عظيم الموقع كما ألجأت الشيخ مهذب الدين بن منير الطرابلسي
الشاعر المشهور أن يترك التشيع وكان من كبار الشيعة ويرجح جانب السنة ويوهي أقوال الرافضة وموجب ذلك أن مهذب الدين المذكور هاجر إلى بغداد بسبب مدح الشريف الموسوي نقيب الأشراف بها وكان الشريف أيضاً من كبار الشيعة فلما دخل بغداد جهز إلى الشريف هدية مع مملوكه بل معشوقه تتر الذي سارت الركبان بغرامه فيه فأخذ الهدية وأعجبه المملوك فأخذه فلما وصل الخبر إلى مهذب الدين بن منير أشرف على ذهاب روحه وكتب إلى الشريف وإلى تتر:
عذبت طرفي بالسهروأذبت قلبي بالفكر
وجفوت صفو مودتيمن بعد بعدك بالكدر
ومنحت جثماني الضناوكحلت جفني بالسهر
وجفوت صبّاً مالهعن حسن وجهك مصطبر
يا قلب ويحك كم تخادع بالغرور وكم تغرّ
وإلام تكلف بالأغنِّمن الظباء وبالأغر
ريمٌ يفوّق أن رماك به بسهم ناظره النظر
تركتك أعين تركهامن بأسهنّ على خطر
ورمت فأصمت عن قسيَّلا يناط بها وتر
جرحتك جرحا لا يخيّط بالخيوط ولا الإبر
تلهو وتلعب العقول عيون أبناء الخزر
فكأنهنّ صوالجٌوكأنهنّ لها أكر
تخفي الهوى وتُسرهوخفيُّ سرِّك قد ظهر
أفهل لوجدك من مدىيُقضى إليه فينتظر
نفسي الفداء لشادنٍأنا من هواه على خطر
رشأٌ تحاوله الخواطر أن تثنّى أو خطر
عذل العذول وما رآهـ فحين عاينه عذر
قمرٌ يزين ضوء صبح جبينه ليل الشعر
تدمي اللواحظ خدهفيُرى لها فيه أثر
هو كالهلال ملثماًوالبدر حسناً إن سفر
ويلاه ما أحلاه فيقلبي الشقيّ وما أمر
يومي المحرم بعدهوربيع لذاتي صفر
بالمشعرين وبالصفاوالبيت أُقسمُ والحجر
وبمن سعى فيه وطاف ولبّى واعتمر
إن الشريف الموسويابن الشريف أبي مضر
أبدى الجحود ولم يردَّإليَّ ملوكي تتر
واليت آل أمية الطهر الميامين الغرر
وجحدت بيعة حيدرٍوعدلت عنه إلى عمر
وإذا جرى ذكر الصحابة بين قومٍ واشتهر
قلت المقدم شيخ تيٍّمثم صاحبه عمر
ما سلَّ قطُّ ظُباً علىآل النبيٍّ ولا شهر
كلاّ ولا صدّ البتول عن التراب ولا زجر
وأثابها الحسنى وماشقّ الكتاب والا بقر
وبكيت عثمان الشهيد بكاء نسوان والحضر
وشرحت حسن صلاتهجنح الظلام المعتكر
وقرأت من أوراق مصحفة البراءة والزُّمر
ورثيت طلحة والزبير بكل شعرِ مبتكر
وأزور قبرهما وأزجر من لحاني أو زجر
واقول أمُّ المؤمنين عقوقها إحدى الكبر
ركبت على جمل التصبح من بنيها على غرر
فأتى أبو حسنٍ وسلَّ حسامه وسطا وكرّ
وأذاق إخوته الردىوبعير أُمّهم عقر
ما ضرّه لو كان كفّوعفّ عنهم إذ قدر
وأقول إنّ إمامكمولّى بصفين وفرّ
هذا ولم يغدر معاوية فما أخطا القدر
هذا ولم يغدر معاوية ولا عمروٌ مكر
بطلٌ بسوأته يقاتل لا بصارمه الذكر
وجنيت من رطب النواصب مما تتمّر واختمر
وأقول ذنب الخارجين على عليِّ مغتفر
لا ثائرٌ لقتالهمفي النهروان ولا أثر
والأشعريّ بما يؤل إليه أمرهما شعر
قال انصبوا لي منبراًفإنا البريء من الخطر
فعلاً وقال خلعت صاحبكم وأوجز واختصر
وأقول إنّ يزيد ماشرب الخمور ولا فجر
والشمر ما قتل الحسينولا ابن سعدٍ ما غدر
وحلقت في عشر المحرم ما استطال من الشعر
ونويت صوم نهارهوصيام أيامٍ أخر
ولبست فيه أجلّ ثوبٍ للملابس يدّخر
وسهرت في طبخ الحبوب من العشاء إلى السحر
وغدوت مكتحلاً أصافح من لقيت من البشر
ووقفت في وسط الطريق أقصّ شارب من عبر
وأكلت جرجير البقول بلحم جوني الجفر
وجعلتها خير المآكل والفواكه والخضر
وغسلت رجلي كلّهاومسحت خفّي في السفر
وأمين أجهر في الصلاةكمن بها قبلي جهر
وأسنّ تسليم القبور لكلّ قبرٍ يحتفر
وإذا جرى ذكر الغدير أقول ما صحّ الخبر
وسكنت جلّق واقتديت بهم وإن كانوا بقر
وأقول مثل مقالهمبالفاشر يا قد فشر
مصطيحتي مكسورةوفطيرتي فيها قصر
بقرٌ ترى برئيسهمطيش الظليم إذا نفر
وخفيفهم مستثقلٌوصواب قولهم هذر
وطباعهم كجبالهمخبئت وقدّت من حجر
ما يدرك التشبيب تغريد البلابل في السحر
وأقول ي يومٍ تحار له البصائر والبصر
والصحف ينشر طيُّهاوالنار ترمي بالشرر
هذا الشريف أطلّنيبعد الهداية والنظر
مالي مضلٌّ في الورىإلاّ الشريف أبو مضر
فيقال خذ بيد الشريف فمستقرُّكما سقر
لواحةٌ تسطو فماتبقي عليه ولا تذر
والله يغفر للمسيء إذا تنصل واعتذر
فاخشَ الإله بسوء فعلك واحتذر كل الحذر
واليكها بدويةٌرقّت لرقتها الحضر
شاميةٌ لو شامهاقسُّ الفصاحة لافتخر
ودرى وأيقن أننيبحرٌ والفاظي دُرر
حبَّرتها فغدت كزهر الروض باكره المطر
وغلى الشريف بعثتهاقرأها وانبهر
رَدَّ الغلام وما استمرَّعلى الجحود ولا أصر
وأثابنيوجزيتهشكراً وقال لقد صبر
ومن لطائف المنقول ما نقله الشيخ الإمام العالم العلامة الحبر زين الدين أبو حفص عمر بن الوردي رحمه الله تعالى لما دخل دمشق المحروسة في أيام قاضي القضاة نجم الدين بن مصري الشافعي تغمده الله برحمته ورضوانه فأجلسه في صفة الشهود المعروفة بالشباك وكان الشيخ زين الدين يلبس زي أهل المعرفة فاستزاره الشهود فحضر كتاب مشترى فقال بعضهم أعطوا المعري يكتبه فقال الشيخ زين الدين
ترسمون أكتبه نظما أو نثرا فزاد استهزاؤهم فقالوا نظما فأخذ القرطاس وكتب:
آله الخلق هذا ما اشترىمحمدُ بن يونس بن سنقرا
من مالك بن أحمد بن الأزرقكلاهما قد عرف من جلّق
فباعه قطعة أرضٍ واقعهبكورة الغوطة وهي جامعة
لشجرٍ مختلف الأجناسوالأرض في البيع مع الغرّاس
وذرع هذي الأرض بالذراععشرون في الطول بلا نزاع
وذرعها في العرض أيضاً عشرههي ذراعٌ باليد المعتبرة
وحدّها من قبلةٍ ملك التقيوحائز الروميّ حدّ المشرق
ومن شمالٍ ملك أولاد عليوالغرب ملك عامل بن جهبل
وهذه تعرف من قديمبأنها قطعة بيت الرومي
بيعاً صحيحاً لازماً شرعيَّاثم شراءً قاطعاً مرعيَّا
بثمن مبلغه من فضَّهوازنةٌ جيّدةٌ مبيضّه
جاريةٌ للناس في المعاملةألفان منهما النصف ألفٌ كامله
قبضها البائع منه وافيهفعادت الذّمة منه خاليه
وسلّم الأرض إلى من اشترىفقبض القطعة منه وجرى
بينهما بالبدن التفرقطوعاً فما لأحدٍ تعلّق
ثم ضمان الدرك المشهورفيه على بائعه المذكور
وأشهدا عليهما بذاك فيرابع عشر رمضان الأشرف
من عام سبعمائة وعشرةمن بعد خمسٍ تلوها للهجرة
والحمد لله وصلى ربيعلى النبيَّ وآله والصحب
يشهد بالمضمون من هذا عمرابن المظفر المعرِّي إذ حضر
فلما فرغ الشيخ
زين الدين وتأمل الجماعة سرعة بديهته مع استيعاب الشروط الشرعية اعترفوا بفضله واعتذروا إليه لما علموا أنه ابن الوردي وأجلسوه في الصدر ولكنهم عجزوا عن رسم الشهادة نظما وسألوه ذلك فكتب عن شخص منهم إلى جانبه يدعى ابن رسول:
قد حضر العقد لذاك أحمدُابنُ رسولٍ وبذاك يشهد
تحفة من فوائد كتاب الرشيد كتب إلى يحيى بن خالد، في شكر ما تقدم من إحسانك شاغل عن استبطاء ما تأخر منه جمع من الشكر والاستزادة بأبلغ عبارة وأوجز.
عمرو بن مسعدة كاتب المأمون كتب إليه كتابي هذا وأجناد أمير المؤمنين على أحسن ما تكون عليه طاعة جند تأخرت أرزاقهم واختلت أحوالهم فقال المأمون لأحمد بن يوسف لله در عمرو ما أبلغه ألا ترى إلى ادماجه المسئلة في الأخبار وإعفائه من الإكثار.
إبراهيم الصولي كاتب المعتصم والواثق والمتوكل كان يقول التصفح للكتاب أبصر بمواقع الخلل
منشئه وكان يقول الخبر ليومه والطبيخ لساعته والنبيذ لسنته.
ومن بديع نثره ما كتبه عن أمير المؤمنين إلى بعض الخارجين يتهددهم ويتوعدهم أما بعد فإن لأمير المؤمنين أناة فإن لم تغن عقب بعدها وعيدا فإن لم يغن أغنت عزائمه والسلام. وهذا الكلام وجازته في غاية الإبداع وينشأ منه بيت شعر وهو:
أناةٌ فإن لم تغنِ عقّب بعدهاوعيداً فإن لم يغن أغنت عزائمه
وكان يقول ما اتكلت في مكاتيبي إلا على ما يتخيله خاطري ولا يجلس في صدري إلا قولي وصار ما يحرزهم يبرزهم وما كان يعقلهم يعتقلهم وقولي من أخرى فانزلوه من معقل إلى عقال وبدلوه آجالا من آمال فإني ألممته بقولي آجالا من آمال بقول مسلم بن الوليد الإنصاري المعروف بصريع الغواني:
موفٍ على مهجٍ في يوم ذي وهجٍكأنّه أجلٌ يسعى إلى أمل
وفي المعقل والعقال بقول أبي تمام
فإن باشر الأضحى فبالبيض والقناقِراه وأحواض المنايا مناهله
وإن تبن حيطاناً عليه فإنماأولئك عقّالاته لا معاقله
وإلاّ فأَعلمه ساخطٌعليه فإنّ الخوف لا شك قاتله
ومن رقيق شعره حين أحضر لمناظرته أحمد بن المدبر فقال ارتجالا:
صدّ عنّي وصدَّق الأقوالوأطاع الوشاة والعذّالا
أتراه يكون شهر صدودٍوعلى وجهه رأيت الهلالا
فطرب المتوكل واهتز وخلع عليه.
ومن رقيق شعره أيضا قوله:
دنت بأناسٍ عن تناءٍ زيارةٌوشطّ بليلى عن دنوٍّ مزارها
وإنّ مقيماتٍ بمنعرج اللوىلأقرب من ليلى وهاتيك دارها
الحسن بن وهب سئل عن مبيته فقال شربت البارحة على عقد الثريا ونطاق الجوزاء فلما تنبه الصبح نمت فلم استيقظ إلاّ بلبسي قميص الصبح.
بديع الزمان الهمذاني الحمد لله الذي بيّض القار وسماه الوقار وعسى الله أن يغسل الفؤاد كما غسل السواد.
ومن إنشائه البديع قد يوحش اللفظ وكله ود ويكره الشيء وليس منه بد هذه العرب تقول لا أبا لك ولا يقصدون الذم وويل أمه لأمر إذا هم وسبيل ذوي الألباب في الدخول من هذا الباب أن ينظروا في القول إلى قائله فإن كان وليا فهو للولاء وإن خشن، وإن كان عدواً فهو للبلاء وإن حسن.
ومن إنشاء أبي القاسم علي بن الحسن المعروف بالمغربي وصلت الرقعة فاستجفيت النسيم بالإضافة إلى لطافتها واستثقلت عقود اللؤلؤ بالقياس إلى خفة موقعها.
ومن بديع إنشائه وغرقت في هواجس الفكر ووساوس الذكر حتى نسيتكم من شدة التذكر أو لقيتكم من حدّة التصور ولله تعالى أسأل
أن يسقط أنيننا في تشاكي ألم الفراق وإسناد القلم بمشافهة الفم للفم.
أبو الحسن بن بسام من إنشائه عارض إذا همع استوشلت البحار ونجم إذا طلع تضاءلت الشموس والأقمار وسابق لا يمسح وجهه إلا بهيادب الغيوم وصارم لا يجلي غمده إلا بإفراد النجوم.
ضياء الدين ابن الأثير الجزري ودولته هي الضاحكة وإن كان نسبها إلى العباس وهي خير دولة أخرجت للدهر ورعاياها خير أمة أخرجت للناس ولم يجعل شعارها من لون الشباب إلا تفاؤلا بأنها لا تهرم وأنها لا تزال محبوة من أبكار السعادة بالوصل الذي لا يصرم.
وله في القلم فهو الملقب بالجواد المضمر وإذا أخذت السوابق في احضارها بلغ الغاية وما أحضر وله لون تحقق فيه القول النبوي لو جمعت الخيل في صعيد لسبقها الأشقر.
ومن إنشاء القاضي تاج الدين بن الأثير والمنجنيقات تفوَّق غليهم قسيّها وتخيّل لهم أنها ساعية بحبالها إليهم وعصيها وهي للحصون من آكد الخصوم وإذا أمَّت حصناً حُكم بأنه ليس بإمام معصوم ومتى امترى خلق في آلات الفتوح لم يكن فيها أحد من الممتري وإذا نزلت بساحة قوم صباح المنذرين تدعى إلى الوغى فتكلم وما أقيمت صلاة حرب عند حصن إلا كان ذلك الحصن ممن يسجد ويسلم.
ولقد سهوت عن الصابىء وكان في هذا الفن أمة
وهو أبو اسحق إبراهيم بن هلال صاحب الرسائل المشهورة والنظم البديع كان كاتب الإنشاء ببغداد عند الخليفة وعند معز الدولة بن بويه وكان متشددا في دينه واجتهد معز الدولة أن يسلم فلم يفعل وكان يصوم شهر رمضان ويحفظ القرآن الكريم أحسن حفظ واستعمله في رسائله والصابىء عند العرب من خرج عن دين قومه.
قيل للصابىء أن الصاحب بن عباد قال ما بقي من أوطاري وأغراضي إلا أن أملك العراق وأتصدر ببغداد وأستكتب الصابىء ويكتب عني وأغير عليه فقال الصابىء ويكتب عني وأغير عليه فقال الصابىء ويغير علي وإن أصبت.
ومن إنشائه ما كتب به إلى أبي الخير عن رقعة وصلت تتضمن أنه أهدى إليه جملا، وصلت رقعتك ففضضتها عن بلاغة يعجز عنها عبد الحميد في بلاغته وسبحان في خطابته وتصرف بين جد أمضى من القدر وهزل ارق من نسيم السحر إلا أن الفعل قصر عن القول لأنك ذكرت جملا جعلته لصفتك جملا وكان المعيدي أن تسمع لا أن تراه صغر عن الكبر وكبر عن القدم يعجب العاقل من حلول الحياة به ومن تأتِّي الحركة فيه لأنه عظم مجلد قد طال الكلأ فقده وبعد بالمرعى عهده لم ير القتّ إلاّ نائما
ولا عرف الشعير إلا حالما وقد كنت ملت إلى استبقائه لما تعرفه من محبتي للتوفير ورغبتي في التثمير فلم أجد فيه مستبقى لبقاء ولا مدفعا لعناء لأنه ليس بأنثى فتلد ولا بفتى فينسل ولا بصحيح فيرعى ولا بسليم فيبقى فقلت اذبحه ليكون وظيفة للعيال وأقيمه رطبا مقام قديد الغزال فأنشدني وقد أضرمت النار وحددت الشفار:
أعيذها نظراتٍ منك صادقةًأن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
النص من طبعة مكتبة الجمهورية العربية بمصر، بهامش «المستطرف»، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع