تجاوز إلى المحتوى

من «ثمرات الأوراق» لابن حجة الحموي (ت ٨٣٧هـ)

الوليد ومسامر الخلفاء (٥)

الصفحة ٢ من ٢

ولست بذي لحم فاصلح للأكل لأن الدهر قد أكل لحمي ولا بذي جلد يصلح للدباغ لأن الأيام قد مزقت أدمي ولا بذي صوف يصلح للغزل لأن الحوادث قد حصت وبري إلا أن تطالبني بذحل أو بيني وبينك دم فوجدته صادقا في مقالته ناصحا في مشورته ولم أعلم من أيّ أمر به أعجب أمن مطالبته الدهر بالبقاء أم من قدرتك عليه مع عدم مثله أم من هديتك غياه للصديق مع خساسة قدره ويا ليت شعري ما كنت مهدياً لو أني رجل من عرض الكتاب كأبي علي وأبي الخطاب ما كنت مهديا إلا كلبا أجرب أو قردا أحدب والسلام.

و - له من رسالة هو أخفض قدرا ومكانة وأظهر عجزا ومهانة من أن يستقل به قدم في

مطاولتنا أو تطمئن له ضلوع في منابذتنا وهو في نشوزه عنا وطلبنا إياه كالضالة المنشودة والظلامة المردودة وكان له عبد اسمه يمن وكان يهواه وله فيه المعاني البديعة فمن ذلك قوله فيه:

قد قال يمنٌ اسود للذيببياضه استعلى علوّ الخائنِ
ما فخر وجهك بالبياض وهل ترىأن قد أفدت به مزيد محاسن
ولو أنّ منه فيَّ خالاً زانهولو أنَّ منه فيَّ خالاً شانني
للشاعر أبو إسحاق الصابي، اقرأ القصيدة

الصاحب بن عباد من بلاغته المخترعة إنه قيل له ما هو أحسن السجع، قال ما خف على السمع قيل مثل ماذا، قال مثل هذا. وسئل ابن العميد عن بغداد فقال بغداد في البلاد كالأستاذ في العباد.

وله جواب كتاب وصل كتاب مولاي فكانت فاتحته أحسن من كتاب الفتح وواسطته أنفس من واسطة العقد وخاتمته أشرف من خاتم الملك. ومن شعره يرثي كثير بن أحمد الوزير:

يقولون قد أودى كثير بنُ أحمدٍوذلك رزءٌ في الأنام جليلُ
فقلت دعوني والعلا نبكه معاًفمثل كثيرٍ في الرجال قليل

القاضي الفاضل أبو علي عبد الرحيم علم المتقدمين والمتأخرين وزير السلطان صلاح الدين بن أيوب

الملقب بالملك الناصر تمكن منه غاية التمكين وبرز في صناعة الإنشاء على المتقدمين قال ابن خلكان في تاريخه أخبرني أحد الفضلاء الثقات المطلعين على حقيقة أمره أن مسودات رسائله إذا جمعت ما تقصر عن مائة مجلد وهو مجيد في أكثرها.

وذكر ابن خلكان في تاريخه أيضا أن العماد الكاتب قال في الخريدة هو كالشريعة المحمدية التي نسخت الشرائع وكانت ولادته خامس عشر جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين وخمسمائة بمدينة عسقلان وولي ابوه القضاء ببيسان فلهذا نسبوه إليها.

وقال الفقيه عمارة اليمني في كتاب النكت العصرية في أخبار الوزراء المصرية في ترجمة العادل بن الصالح بن رزيك ومن ايامه الحسنة التي لا توازى بل هي اليد البيضاء التي لا تجازى خروج أمره إلى والي الاسكندرية بإحضار القاضي الفاضل إلى الباب واستخدامه بحضرته في الديوان فإنه عروس الدولة بل للملة شجرة مباركة متزايدة النماء اصلها ثابت وفرعها في السماء.

وتوفي الفاضل في ليلة الأربعاء سابع ربيع الأول سنة ست وتسعين وخمسمائة ودفن في تربة بسفح المقطم في القرافة الصغرى.

قال ابن خلكان كان القاضي الفاضل من محاسن الدنيا وهيهات أن يخلف الزمان مثله.

فمن إنشائه المرقص المطرب قوله

وقد كان يقال أن الذهب الابريز لا تدخل عليه آفة وإن يد الدهر البخيلة به كافة وأنتم يا بني أيوب أيديكم آفة نفائس الأموال كما أن سيوفكم آفة نفوس الأبطال فلو ملكتم الدهر لامتطيتم لياليه أداهم وقلدتم أيامه صوارم ووهبتم شموسه وأقماره دنانير ودراهم وأيام هذه البشارة بالزيادة الوافرة، وينشق من طيبها نشراً فقد حملت له من دولتكم أعراس ومآتم فيها لا على الأموال مآثم والجود في إيديكم خاتم ونفس حاتم في نقش ذلك الخاتم.

ومن إنشائه في كاحل كأنه غاسل يدخل إلى إنسان العين بحنوط من كحله الملعون لعلة المنون، ويدرجه في كفن من الخرقة السوداء التي يلبسها سواد العيون، ينقل العين إلى بياض الثغور ويسلبها سواد اللما وما برحت عصيه مردودة ولديها عصا العما، قد انتهى إلى فوق ما يضرب به المثل، إذ قيل يسرق الكحل من العين فهذا يسرق العين من الكحل، وهو لص من أكابر اللصوص وسموا كحالين وهم صاغة لما يركبون فوق العين من الفصوص قد أودع كحله حزن يعقوب فمن كحل منه أبيضّت عيناه وجحد معجزة القميص اليوسفي، فلو مروا به على ناظر انقرحت جفناه وهو من الذين إذا رفعوا أميالهم فإنما هي لشمس العيون مزولة، وإذا أولج أحدهم الميل في المكحلة فهو أولى بالرجم ممن أولج الميل في المكحلة، ومن إنشائه سقى الله

ثراه والجو يتنفس عن صدر مسجور كصدر المهجور، والحر وصاليه في هذا النحو جار ومجرور، والمهامه قد نشرت فيها ماء السراب، وزخرفيها بحر ماء ولد لغير رشدة على غير فراش السحاب، وحر الرمل قد منع حث الرمل، ونحن في أكثر من جموع صفين إلا أننا نخاف وقعة الجمل، ووردنا ماء هذه العيون وهو كالمحابر، يغترف منه المجرم مثل عمله ويرسله سهما فلا يخطىء نقرة مقتله، وهو مع هذا قليل كأنه مما جادت به الآماق في ساحات النفاق لا في ساعات الفراق فيا لك من ماء لا تتميز أوصافه من التراب ولا يرتفع به فرض التيُّمم كما لا يرتفع بالسراب، ولا يعد ما وصف به أهل الجحيم في قوله تعالى وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب، فنحن حوله كالعوائد حول المريض يعللون عليلا لا يرد الجواب، بل يندبون ميتا قد حال بينه وبينهم التراب، يجهز للدفن ونعشه المراد ويحفر عليه ليقوم من قبره وذلك خلاف المعتاد. وفي غير من قد وارت الأرض فاطمع. على أنه لو كان دمعا لما بلّ الأجفان، ولو كان مالا لما رفع كفة الميزان.

ومن إنشائه إلى أن يرد كتب العسكر وأعلامها من مدات ألفاته، ورؤوس العدا قطعات همزته.

ومنه فبنت سنابك الخيل سماء من العجاج نجومها الأسنة وطارت إليهم

عقبان الخيول قوادمها القوائم ومخالبها الأعنة، وتصوبت عيون السمر إلى قلوبهم كأنما تطلب سوادها، وقصدت أنهار السيوف صدورهم لتروي أكبادها.

ومنه وما أحسب الأقلام جعلت ساجدة إلا لأن طرسه محراب، ولا أنها سميت خرسا إلا قبل أن ينفث سيدنا في روعها رائع هذا الصواب، ولا أنها اضطجعت إلا ليبعثها ما ينفخ فيها من روحه من مرقدها، ولا سودت رؤوسها إلا لأنها أعلام عباسية وتناولتها الحضرة بيدها، لا جرم أنها تحامي الحمى وتسفك دما وتحقن دما وتتشيح بها يده عنانا وترسلها، فتعلم الفرسان أن في الكتاب لفرسانا، وتقوم الخطباء بما كتبت تعلم الألسنة أن في الأيدي كما في الأفواه لسانا.

قلت ومن مخترعاته قوله وأن ادعى سحر البيان أنه يقضي أيسر حقوقه، ويثمر ما يجب من شكر فروعه وعروقه، كنت أفضح باطل سحره وأذيقه وبال أمره، وأصب الخواطر السحارة على جذوع الأقلام، وأعقد ألسنتها كما تعقد السحرة الألسنة عن الكلام.

ومن إنشائه في وفاء النيل المبارك عن الملك الناصر صلاح الدين نور الله ضريحه نعم الله ﷾ من أضوئها بزوغا، وأضفاها سبوغا، وأصفاها ينبوعا، وأسناها منفوعا

وأمدها بحر مواهب وأضمنها حسن عواقب النعمة بالنيل المصري الذي يبسط الآمال ويقبضها مدّه وجزره ويربى النبات حجره ويحيي مطلقه الحيوان ويحيي ثمرات الأرض صنوان وغير صنوان وينشر مطوي حريرها وينشر مواتها ويوضح معنى قوله ﷿ وبارك فيها وقدر فيها أقواتها وكان وفاء النيل المبارك تاريخ كذا فاسفر وجه الأرض وإن كانت تنقب، وأمن يوم بشراه من كان خائفا يترقب، ورأينا الإبانة عن لطائف الله التي حققت الظنون ووفت بالرزق المضمون أن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون وقد أعلمناك لتوفي حقه من الإذاعة وتبعده من الإضاعة، وتتعرف على ما يصرفك في الطاعة، وتشهر ما أورده البشير بأبانته وتمده بإيصال رسمه مهناً على عادته.

ورسم لي في الأيام المؤيدية وأنا منشىء الديوان الشريف المؤيدي سنة تسع عشرة وثمانمائة أن انشىء رسالة بوفاء النيل المبارك لم أسبق إليها ممّن تقدمني من المنشئين بالديار المصرية حتى أن المقر الأشرف المرحومي القاضوي الناصري محمد بن البارزي الجهني الشافعي سقى الله ثراه قرأ على المسامع الشريفة هذه الرسالة المسطرة ورسالة من إنشاء الشيخ جمال الدين بن نباتة وكان

غرضه في ذلك إختبار الألفاظ والمعاني من الرسالتين فأنشأت بعد المستعان بالله. ونبدي لعلمه الكريم ظهور آية النيل الذي عاملنا فيه بالحسنى وزيادة، وأجراه لنا في طرق الوفاء على أجمل عادة، وخلق أصابعه ليزول الإبهام فأعلن المسلمون بالشهادة؛ كسر جسره فأمسى كل قلب بهذا الكسر مجبورا؛ وأتبعناه بنوروز وما برح هذا الاسم بالسعد المؤيدي مكسورا، دق قفا السودان فالراية البيضاء من كل قلع عليه، وقبل ثغور الإسلام وأرشفها ريقه الحلو فمالت أعطاف غصونها إليه، وشبب خريره في الصعيد بالقصب؛ ومد سبائكه الذهبية إلى جزيرة الذهب، فضرب الناصرية واتصل بأم دينار، وقلنا أنه صبغ بقوة لما جاء وعليه ذلك الاحمرار، وأطال الله عمر زيادته فتردد في الآثار، وعمته البركة فأجرى سواقي مكة إلى أن غدت جنة تجري من تحتها الأنهار، وحضن مشتهى الروضة في صدره وحنا عليها حنو المرضعات على الفطيم:

وأرشَفَنَا على ظمأٍ زلالاًألذّ من المدامة للنديم
للشاعر المنازي، اقرأ القصيدة

وراق مديد بحره لما انتظمت عليه تلك الأبيات، وسقى الأرض سلافته الخمرية فخدمته بحلو النبات، وأدخله إلى جنات النخيل والعناب، فالق النوى والحب فأرضع جنين النبت وأحيا له أمهات العصف والأب، وصافحته كفوف

الموز فختمها بخواتمه العقيقية، ولبس الورد تشريفه وقال أرجو أن تكون شوكتي في أيامه قوية، ونسي الزهر بحلاوة لقائه مرارة النوى، وهامت به مخدرات الأشجار فارخت ضفائر فروعها عليه من شدة الهوى، واستوفى النبات ما كان له في ذمة الريِّ من الديون ومازح الحوامض بحلاوته فهام الناس بالسكر والليمون، وانجذبت إليه الكباد وامتد ولكن قوي قوسه لما حظي منه بسهم لا يرد، ولبس شربوش الأترج وترفّع إلى أن لبس بعده التاج وفتح منشور الأرض لعلامته بسعة الرزق وقد نفذ أمره وراح فتناول مقالم الشنبر وعلم بأقلامها ورسم لمحبوس كل سد بالإفراج وسرّح بطائق السفن فخفقت أجنحتها بمخلق بشائره وأشار بأصابعه إلى قتل المحل فبادر الخصب إلى امتثال أوامره وحظي بالمعشوق وبلغ من كل منية مناه فلا سكن على البحر إلا تحرك ساكنه بعد ما تفقه واتقن باب المياه ومد شفاه أمواجه إلى تقبيل فم الجسر وزاد بسرعته فاستحلى المصريون زائده على الفور ونزل في بركة الحبش فدخل التكرور في طاعته وحمل على الجهات البحرية فكسر المنصورة وعلا على الطويلة بشهامته وأظهر في مسجد الخضر عين الحياة فاقر الله عينه وصار

أهل دمياط في برزخ بين المالح وبينه، وطلب المالح رده بالصدر وطعن في حلاوة شمائله فما شعر إلا وقد ركب عليه، ونزل في ساحله وأمست واوات دوائه على وجنات الدهر عاطفة، وثقلت أرداف أمواجه على خصور الجواري فاضطربت كالخائفة، ومال شبق النخيل إليه فلثم ثغر طلعه وقبل سالفه، وأمست سود الجواري كالحسنات في حمرة وجناته، وكلما زاد الله في حسناته، فلا فقير سد إلا حصل له من فيض نعماه فتوح، ولا ميت خليج إلا عاش به ودبت فيه الروح، ولكنه احمرت عينه على الناس بزيادة وترفع، فقال له المقياس عندي قبالة كل عين أصبع، فنشر أعلام قلوعه وحمل وله على ذلك الخرير زمجره ورام أن يهجم على غير بلاده فبادر إليه عزم المؤيدي وكسره، وقد أثر ذا المقر بهذه البشرى التي عم فضلها برا وبحرا، وحدثناه عن البحر ولا حرج وشرحنا له حالا وصدرا، ليأخذ حظه من طيبات ذلك النسيم أنفاسا عاطرة، والله تعالى يوصل بشائرنا الشريفة بسمعة الكريم ليصير بها في كل وقت مشنَّفا، ولا برح من نيلها المبارك وإنعامنا الشريف على كلا الحالين في وفا.

قلت تقدم قولي أن الشيء بالشيء يذكر وقد ذكرت بوصف النيل المبارك هنا رسالتي البحرية التي كتبت بها إلى علامة عصرنا الشيخ بدر الدين الدماميني فسح الله في أجله من القاهرة المحروسة إلى ثغر الاسكندرية المحروسة عند دخولي إليها من ثغر طرابلس الشام وقد عضّت عليَّ أنياب الحرب بثغرها شائبا من أهوال برها وبحرها وذلك في منتصف ربيع الآخر سنة اثنتين وثمانمائة.

وهي يقبل الأرض التي سقي دوحها بنزول الغيث فأثمر الفواكه البدرية، وطلع بدر كمالها من المغرب فسلمنا لمعجزاتها المحمدية، وجرى لسان البلاغة في ثغرها فسما على العقد بنظمه المستجاد، وأنشد وقد ابتسم عن محاسنه التي لم يخلق مثلها في البلاد:

لقد حسنت بك الأيام حتىكأنك في فم الدهر ابتسام
للشاعر زينب الشهارية، اقرأ القصيدة

فأكرم به مورد فضل ما برح منهله العذب كثير الزحام، ومدينة علم تشرفت بالجناب المحمدي فعلى ساكنها السلام، ومجلس حكم ما ثبت للباطل به حجة، وعرفات أدب إن وقفت بها وقفة كنت على الحقيقة ابن حجة، وافق معال بالغ في سمو بدره فلم يقنع بدون النجوم، وعيدان عرشه تجول به فرسان الفصاحة من بين مخزوم، وتالله ما لفرسان الشقراء

النص من طبعة مكتبة الجمهورية العربية بمصر، بهامش «المستطرف»، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «ثمرات الأوراق»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.