من «ثمرات الأوراق» لابن حجة الحموي (ت ٨٣٧هـ)
الوليد ومسامر الخلفاء (٧)
الصفحة ١ من ٢
كريشةٍ في ممرّ الريح ساقطةٍ
وتمام البيت معروف عند من له عليه اطلاع وجاءت مفاتيح كل من ديار بكر وقد أزهرت باسمنا
الشريف أغصان منابرها، وسألت قلعتها التشريف برسول يدوس بنعله محاجرها، فأحببناها إلى ذلك وأمست بنا بعد التنكر معرفه، وصارت أبراجها بالنسبة المؤيدية مشرفة، وجهز قرا عثمان مفاتيح الرها وآمد وسأل تشريفه بتشريفهما بتقليدين يرفعان لهما في الشرف محلا، فحليناه بذلك وكان من العواطل، فحلت المطابقة باعاطل المحلى، والتهب ابن الغادر بحرارة المعصية ففر إلى برد الطاعة من غير فترة، وهز جذع مراحمنا الشريفة واعترف أنه جهل الفرق بين التمرة والجمرة، وأقر بذنوبه وقال التوبة تجب ما قبلها، ودوحة المراحم الشريفة قد مد الله على الخافقين ظلها، وعلم أنه ما أحسن البيان عن درندة في تخليص ذلك المفتاح، وسأل أن يحظى من بيان عفونا الشريف باستجلاء عروس الأفراح، فاذقناه حلاوة قربنا بعد ما ذاق مرارة بينه، وألبسناه تشريفة بنيابة الابليسين فباس الأرض وهو لا يصدق أنه يرى محاجر تلك العين بعينه، وجهزنا ولده داود بدروع من الأمن ليأمن بها من يدداود، ويتفيأ بظلال جبرنا ويصير بعد حر المعصية في ظل ممدود، وقد تقدم سؤال قيسارية أن يقام بها سوق الأمان فأجبناها، وسعرت بها نار الخوف بعدما غلت فجهزنا إليها بضائع الأمن وأرخصناها،
وأيقن أهلها أنهم مشوا في حدائق عدلنا على غير هذه الطريقة، وصار على سوسنة كل سنان من دمائهم شقيقة، فازلنا عنهم بإيناس عدلنا الوحشة وأمست قيساريتهم في أيامنا الزاهرة هشّة وسجعت خطباء منابرها باسمنا الشريف والدهر يهتز فرحة ويترنم:
ولم يخل من أسمائنا عودُ منبرٍولم يخل دينارٌ ولم يخل درهم
وتقارب الاشتقاق بين سيواس وسيس فتجانسا للطاعة، ومات العصيان بتلك البلاد فقالت أرزيكاز الصلاة جامعة وصلت طائعة مع الجماعة، فلا قلعة إلا إفتضضنا بكارتها بالفتح وابتذلنا من ستائرها الحجاب، ولا كأس برج أترعوه بالتحصين إلا توجنا رأسه من مدافعنا بالحباب، حتى فصلت في الروم لعساكرنا التي هي عدد النمل قصص، وعدنا فكان العود أحمد إذ لم يبق بتلك البلاد ما تعده القدرة على الفتح من الفرص، وجاءت رسل ملوك الشرق بالإذعان لطاعتنا التي اتخذوها لشرفها قبلة، وود كل منهم أن يحظى من جبهات أعتابنا بقبله، وتنوعوا من الهدايا بأجناس صدقت من كل نوع مقبول، وبالغوا في الرقة واهدوا من الرقيق ما قام له عندنا سوق القبول، وأسفر قرا يوسف من الجمال اليوسفي ونور الطاعة عن بهجتين، وأظهر كتاب
الطهارة بتطهير الأرض ممن ندبنا إليه من أعداء الدولتين، ودنت الديار من الديار فكانت سيوفنا في القرب له حصنا وملاذا، ولم يباشر في إخلاص الطاعة مما يقال على إقبالها وجنينا منها ثمار المحبة، وجمل التفاصيل التي وسعها سناء الملك ببهجة ولم يترك لابنه في دار الطراز رتبه، والنمورة التي يحجم ابن فهد عن وصفها إذا قابل منها السواد والبياض بالمقلتين، فإنها جمعت لنا من ليلها الحالك ونهارها الساطع بين الآيتين، والجواد الذي تميز بأوصاف صاحب مجرى السوابق من الفحول التي تجاريها، فإنه غرة في جباه الخيل التي قال قائد الغر المحجلين: إن الخير معقود بنواصيها، والسروج التي سمت على السروجي بمقاماتها العالية، ورأيناها أهلة تغني عن الفجر فخصبنا كل سرج منها بالغاشية، والجوارح التي خشي النسر الطائر أن يصير منها واقعا وصدق فيما تفرس، وخافت الشمس لما تسمت بالغزالة ولف سرحان الأفق ذنبه على خيشومه ولم يتنفس، والقوس الذي اصاب به أغراض المحبة ونال منها أوفر سهم ونصيب، وجاء عبارة عن رأي مهديه وكل عندنا بحمد الله مصيب، وهو من الأشياء التي وقعت في محلها
ونحن نقيم دلائل ذلك وبرهانه فإن القوس إذا عانق سهامه بنصر علم أنه وصل إلى الكنانة، وأبلغ المقر الجمالي في نظم بديع الهداي ونسخ الجفاء بكثرة رقيقة، وأدار من أواني الصيني كؤوسا اترعها الود بسلاف رحيقه، ودخلنا حلب المحروسة وأوصلناها ما استحق لها من ديون الفتح علينا، ورددنا ما اغتصب منها فقالت هذه بضاعتنا ردت إلينا، وقد آثرنا الجناب بكرامة هذه البشارة التي استبشر بها وجه الزمان بعد قطوبه وتبسم، فإن ركن هذا البيت الشريف ونسيب مدحه المقدم، فيأخذ منها حظه ويثلج صدر البرايا ففيها لهم برد وسلام، ويرعاهم بعين الرعاية ليضوع فيهم عرف العدل ويصير مسكا لهذا الختام، والله تعالى يمتعه في ليله ونهاره من أخبارنا السارة بالأعياد والمواسم، ويجعل له من صياغة أعماله إن شاء الله حسن الخواتم،.
قلت وذكرت بهذه الرحلة أيضا رحلتي من الديار المصرية إلى دمشق المحروسة المحمية سنة إحدى وتسعين وسبعمائة والملك الناصر قد خرج من الكرك ونزل عليها وتصدى لحصارها وقد اجتمعت عليه العساكر المصرية والشامية وحدث بدمشق المحروسة ما حدث من القتال والحصار والحريق فكتبت إلى مقر المرحومي الفخر القاضي ابن مكانس في شرح ذلك رسالة لم ينسج على
منوالها ولم تسمح على غلبة الظن قريحة بمثالها.
وهي يقبل المملوك أرضا من يمَّها أو تيمم بثراها حصل له الفخر والمجد، ففلا برح هيام الوفود إلى أبوابها أكثر من هيام العرب إلى ربا نجد، ولا زالت فحول الشعراء تطلق أعنة لفظها فتركض في ذلك المضمار، وتهيم بواديها الذي يجب أن ترفع فيه على أعمدة المدائح بيوت الأشعار، وينهي بعد اشواق أمست الدموع بها في محاجر العين معثرة، ولو لم يقر إنسانها بمراسلات الدمع لقلت قتل الإنسان ما أكفره، وصول المملوك إلى دمشق المحروسة فيا ليته قبض قبل ما كتب عليه الوصول، ودخوله غليها ولقد والله تمنى خروج الروح عند الدخول، فنظر المملوك إلى قبة يلبغا وقد طار بها طير الحمام وجثت حولها تلك الأسود الضارية، فتطيرت في ذلك الوقت من القبة والطير وتعوذت بالغاشية، ودخلت بعد ذلك إلى القبيبات التي صغر اسمها لأجل التحبب، فوجدتها وقد خلا منها كل منزل كان آنسا بحبيبه، فأشد به لسان الحال قفا نبك من ذكرى حبيب، ونظرت بعد القباب إلى المصلى وما فعلت به سكان تلك الخيام، والتفت إلى بديع بيوته التي حسن بناء تأسيسها وقد فسد منها النظام:
فسال وقد وقعتُ عقيق دمعيعلى أرض المصلَّى والقباب
ونظرت إلى ذلك الوادي الفسيح وقد ضاق من الحريق بسكانه الفضا، فتوهمت أن وادي المصلى قد تبدل بوادي الفضا:
فسقى الفضا والساكنيه وإن همُشبّوه بين جوانحٍ وقلوب
واصطليت النار وقد أرادت سبي ذلك النادي فشبت عليه من فوارس لهيبها الغارة، وركضت في ميدان الحصى فوجدت أركانه كما قال تعالى وقودها الناس والحجارة، ودخلت قصر الحجاج وقد مدت النار به من غير ضرورة في موضع القصر، وأصبح أهله في خسر وكيف لا وقد صاروا عبرة لأهل العصر، وتأملت تلك الألسن الجمرية وقد انطلقت في ثغور تلك الربوع تكلم السكان، وتطاولت بألسنة الأسنة الأتراك فانذهل أهل دمشق وقد كلموا بكل لسان، ووصل المملوك بعد الفجر إلى البلد وقد تلا بعد زخرفة في سورة الدخان، فوجب أن أجري الدموع على وجيب كل ربع وأنشد وقد دخل صبري بعد أن كان في خبر كان:
دمعٌ جرى فقضى في الربع ما وجبا
ووقفت أندب عرصاتها التي فمحت بالبين فخابت من أهلها الظنون، وكم داروا بقمحها خيفة من طاحون النار فلم يسلم فصدقت المثل بأن القمح يدور ويجيء إلى الطاحون، وتطرقت بعد ذلك إلى الحدادين وقد نادتهم النار بلسانها من مكان بعيد،
أتوني زبر الحديد، ولقد كان يوم حريقها يوما عبوسا قمطريرا، أصبح المسلمون فيه من الخفية وقد رأوا سلاسل وأغلالا وسعيرا، هذا وكلما اصليت نار الحريق وشبت نار الحرب، ذكرت ما أشار به مولانا على المملوك من الإقامة بمصر فأنشدت من شدة الكرب:
آهاً لمصرَ وأين مصرُ وكيف ليبديار مصرَ مراتعاً وملاعبا
والدهر سلمٌ كيفما حاولتهلا مثل دهري في دمشق محاربا
يا مولانا لقد لبست دمشق في هذا المأتم السواد، وطبخت قلوب أهلها كما تقدم على نارين وسلقوا من الاسنة بألسنة حداد، ولقد نشفت عيونهم من الحريق واستسقوا فلم ينشقوا رائحة الغادية، وكم رؤي في ذلك اليوم وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلي نارا حامية، وكم رجل تلا عند لهيب بيته تبت يدا أبي لهب، وخرج هاربا وامرأته حمالة الحطب، وشك الناس من شدة الوهج وهم في الشتاء وصاروا من هذا الأمر يتعجبون، فقال لهم لسان النار أتعجبون من الوهج والحريق وأنتم في كانون، ولعمري لو عاش ابن نباتة ورأى هذه الحال، وما تم على أهل دمشق في كانون لترك رثاء ولده عبد الرحيم وقال:
يا لهف قلبي على وادي دمشق وياحُزني ويا شجوي ويا دائي
في شهر كانون وافاه الحريق لقد
.. أحرقت بالنار يا كانون أحشائي
ونظرت بعد ذلك إلى قلعة المحروسة وقد قامت قيامة حربها حتى قلنا أزفت الآزقة؛ وستروا بروجها من الطارق بتلك الستائر وهم يلتون ليس لها من دون الله كاشفة؛ واستجليت عروس الطارقة عند زفها وقد تجهزت للحرب وما لها غير الأرواح مهر؛ وعقدت على رأسها تلك العصائب وتوشحت بتلك الطوارق وأدارت على معصمها الأبيض سوار النهر؛ وغازلت بحواجب قسيها فرمت القلوب من عيون مراميها بالنبال؛ وأهدت إلى العيون من مكاحل نارها أكحالا كانت السهام لها أميال؛ وطلبها كل من الحاضرين وقد غلا دست الحرب وسمع وهو على فرسه بنفسه الغالية؛ وراموا كشفها وهم في رقعة الأرض كأنهم لم يعلموا بأن الطارقة علية؛ وتالله ولقد حرست بقوم لم يتدرعوا بغير آية الحرس في الأسحار؛ وقد استيقظوا الحمل قسيهم ولم تنمّ أعينهم عن الأوتار؛ فأعيذ رواسيها التي هي كالجبال الشامخة بمن أسس رواسي المحجوج؛ وأحصنها القلعة بالسماء ذات البروج؛ وتطاولت إلى السور المشرف وقد فضل في علم الحرب وحفظ أبوابه المقفلات؛ فما وقفنا على باب إلا وجدناه لم يترك خلفه لصاحب المفتاح تخليصا لما أبداه من المشكلات؛ وما أحقه بقول القائل:
فضائله سورٌ على المجد حائطٌوبالعلم هذا السور أضحى مشرّفا
كم حملوا عليه وظنوا في طريق حملتهم نصرا، ونصبوا دست الحرب ولم يعلموا بأنه قد طبخ لهم على كل باب قدراً، فلا وأبيك لو نظرته يوم الحرب قد تصاعد فيه أنفاس الرجال لقلت ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد، وإلى المحاصرين وقد جاؤوا راجلاً وفارسا ليشهدوا القتال لقلت وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد، وإلى كواكب الأسنة وقد انتثرت، وإلى قبور الشهداء وهي من تحت أرجل الخيل قد بعثرت، وإلى كرَّ الفوراس وفرِّها لقلت علمت نفس ما قدمت وأخرتن وإلى نار النفط وقد نفطت من غيضها، وإلى ذكور السيوف وقد وضعت لمنايا السعود وتعذرت من شدة الدماء لكثرة حيضها، ومن العجائب أن بيض سيوفهم تلك المنايا السود وهي الذكور وإلى فارس الغبار وقد ركب صهوات الجو ولحق بعنان السماء، وإلى أهداب السهام وقد بكت لما تخضبت بالدماء، وإلى كل هارب سلب عقله وكيف لا وخصمه له، وإلى كل مدفع وما له عند حكم القضاء دافع، وإلى قامات أقلام الخط وقد صار لها في طروس الأجسام مشق، فاستصوبت عند ذلك رأي من قال: عرّج ركابك عن دمشق، ونظرت بعد
ذلك إلى العشير وقد استحل في ذي الحجة المحرم وحمل كل قيسيٍّ يمانيا، وتقدم فخرج النساء وقد أنكرن منهم هذا الأمر العسير فقلت:
وغير بدعٍ للنساء إذا تنكّرن العشير
وتصفحت بعد ذلك فاتحة باب النصر فعوذته بالإخلاص وزدت لله شكرا وحمدا، وتأملت أهل الباب وهم يتلون لأهل البلد في سورة الفتح وللمحاصرين وجعلنا من بين أيديهم سدّاً، كم طلبوا فتحه فلم يجدوا لهم طاقة وضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب، ونظرت إلى ما تحت القلعة من أسواق التجار فوجدت كلا قد محت النار آثاره وأهله يتلون قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة، فمنهم من همُّ شأنه على صاحبته وبنيه، وآخر قد استغنى بشأن نفسه فهم كما قال الله لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه، فوقفت أنشد في تلك الأسواق وقد شعرت:
ألا موتٌ يباع فأشتريه
ونظرت إلى المؤمنين الركع السجود وهم يتلون على من ترك في بيوتهم أخدودا من وقود النار، وقعد لحربهم في ذلك اليوم المشهود قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود، هذا وكم مؤمن قد خرج من دياره حذر الموت
وهو يقول النجاة وطلب الفرار، وكلما دعا قومه لمساعدتهم على الحريق ناداهم وقد عدم الإصطبار، ويا قوم مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار، ونظرت ضواحي البلد وقد استدت في وجوههم المذاهب وما لهم من الضيق مخرج، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت لما غلق في وجوههم باب الفرج، فقلت اللهم اجعل لهم من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا، ولعدم أموالهم من كل عسر يسرا، ولإنتهاك مخدراتهم من كل فاحشة سترا، ولقطع الماء عنهم إلى كل خير سبيل فإنك حسبنا ونعم الوكيل، هذا وكم نظرت إلى سماء ربع غربت شمسه بعد الإشراق، فأنشدت وقد ازددت كربا من شدة الإحتراق:
فدنياك من ربعٍ وإن زدتنا كربافإنّك كنت الشرق للشمس والغربا
وانتهيت إلى الطواقيين وقد أسبل عليهم الحريق شدته فكشفوا الرؤوس لعالم السرائر، وكم ذات ستر خرجت بفرق مكشوف ورمت العصائب وبعلها بعينه دائر، هذا وكم ناهدات أسبلن من فوق النهود ذوائبا فتركن حبّات القلوب ذوائبا، ووصلت إلى ظاهر الفراديس وقد قام كل إلى فردوس بيته فاطلع فرآه في سواء الجحيم، واندهشت لتلك الأنفس التي ماتت من شدة الخوف وهي تستغيث للذي أنشأها أول
مرة وهو بكل خلق عليم، ونظرت إلى ظاهر باب السلامة وقد أخفت النار أعلامه، ولقد كان أهله من صحة أجسامهم ومن اسمه كما يقال بالصحة والسلامة، وإلى الشلاحة وقد لبست ثياب الحزن وذابت من أهلها الكبود، وقعدوا بعد تلك الربوع على أديم الأرض ونضجت منهم الجلود، ولقد والله عدمت لذات الحواس الخمس وضاقت عليّ الجهات الست فلم ترقأ لي دمعة، وأكلت الأنامل من الأسف لما سمعت بحريق أطراف السبعة، فأعيذ ما بقي من السبعة بالسبع المثاني والقرآن العظيم، فكم رأينا بها يعقوب حزن رأى سواد بيته فاصفر لونه وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم، وتغربت إلى ظاهر الباب الشرقي فتشرقت بالدمع من شدة الالتهاب، فلقد كان أهله من دار عينه وكرومه الكريمة في جنتين من نخيل وأعناب، وتوسلت إلى ظاهر باب كيسان فانفقت كيس الصبر لما افتقرت من دنانير تلك الأزهار والدراهم رباها، وسمحت بعد ذلك بالعين واستخدمت فقلت بسم الله مجراها، وكابرت إلى أطراف الباب الصغير فوجدت فاضل النار لم يغادر منها صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، فيا لهفي على عروس دمشق التي لم تذكر محاسنها أسماء ولا الجيداء، لقد كانت ست الشام فاستعبدها
ملك النار حتى صارت جارية سوداء، ولقد وقفت بين ربوعها وقد التهبت أحشاؤها بالاضطرام، وفطم جنين نبتها عن رضاع ثدي الغمام، فاستسقيت لها بقول ابن أسعد حيث قال:
سقى دمشق وأياماً مضت فيهامواطرُ السحب ساريها وغاديها
ولا يزال جنين النبت ترضعهحوامل المزن في أحشا أراضيها
فما نضا حبّها قلبي لنّيرهاولا قضى نحبه ودّي لواديها
ولا تسلّيت عن سلسال ربوتهاولا نسيت مبيت جار جاريها
هذا وكم خائف قبل النوم أويناه بها إلى ربوة ذات قرار، وكم كان بها مطرب طير خرج بعدما كان يطرب على عود وطار، وبطل الجنك لما انقطعت أوتار أنهاره فلم يبق له مغنى، وكسر الدف لما خرج نهر المغنية عن المغنى، واستسمح الناس من قال:
انهض إلى الربوة مستمتعاًتجد من الّلذات ما يكفي
فالطير قد غنّى على عودهفي الروض بين الجنك والدفّ
وأصبحت أوقات الربوة بعد ذلك العيش الخضل واليسر عسيره،
ولقد كان أهلها في ظل ممدود وماء مسكوب وفاكهة كثيرة، فعبس بعد ذلك ثغر روضها الباسم، وضاع من غير تورية عطره الباسم، ولم ينتظر لزهره المنثور على ذلك الوشي المرقوم، رسالة من النسيم سحر به، وكيف لا وقد محى سجع المطوق من طروس تلك الأوراق النباتية، هذا وكم عروس روض سوّر معصمها النقش فلما انقطع نهرها صح أنها كسرت السوار، وكم دولاب نهر بطل غناؤه على تشبيب النسيم بالقصب وعطلت نوبته من تلك الأدوار، فوقفت أندب ذلك العيش الذي كان بذلك التشبيب موصولا، وأنشد ولم أجد بعد تلك النوبة المطربة إلى مغنى الربوة دخولا:
لم لا أشبِّبُ بالعيش الذي انقرضتأوقاتُهُ وهو بالَّلذات موصولُ
ونقص يزيد فاحترق ولا ينكر ليزيد الحريق على صنعه، وانقطع ظهر ثور فأهلك الحرث والنسل بقطعه، وبردى حمي مزاجه لما شعر بالحريق، ولم يبق في ثغره الأشنب برد حصائبه ما يبلّ الريق، وانقطع وقد اعتلى من غيضه بانياس، ولم يظهر عند قطعه خلاف ولا بان آس، وجرى الدم من شدة الطعن بالقنوات، وكسرت قناة المرجة فذاقت مر العيش بعد حلاوة تلك القطف الدانيات، وكسر الخلخال لما قام الحرب على
ساقه، وسقط براس كل غصن على الجبهة فهاجت البلابل على أوراقه، وخرّ نهر حمص خاضعا وتكدر بعد ما كان يصفي لنا قلبه، وافتقر أغنياء غصونه من حبات تلك الثمار فصاروا لا يملكون حبة، طالما كان أهله فاكهين، ولكنهم اعترفوا بذنوبهم فقالوا: وكنا نخوض مع الخائضين، وذبلت عوارض تلك الجزيرة التي كانت على وجنات شطوطه مستديرة، فقلنا بعد عروس دمشق وحماتها لا حاجة لنا بحمص والجزيرة، فيا لهفي على منازل الشرف وذلك الوادي الذي نعق به غراب البين، ويا شوقي إلى رأس تلك المرحلة التي كانت تجلسنا قبل اليوم على الرأس والعين، هذا وقد اسودت الشقراء فأمست كابية لما حصل على ظهرها من الجولان، وجانسها العكس فأضحت باكية على فراق الأبلق واخضر ذلك الميدان، يا مولانا لقد بكى المملوك من الأسف بدمعة حمراء على ما جرى من أهل الشهباء، هل في الميدان على الشقراء حتى كذّب الناس من قال:
قُلْ للذي قايس بين حلبٍوجلّقٍ بمقتضى عيانها
ما تلحق الشهباء في حلبتهاتعثّر الشقراء في ميدانها
فقال لسان الحال والله ما كذبت ولكنه قد يخبو الزناد، وقد يكبو الجواد، وقد يصاب الفارس بالعين التي
تغمز قناته غمزا وأنشد:
ومن ظنَّ سيلاقي الحروبوإن لا يصاب فقد ظنّ عجزا
ودخلت بعد ذلك إلى البلد فوجدت على أهله من دروع الصبر سكينة، فقلت با رب مكة والحرم أنظر إلى أحوال أهل المدينة، ولكن ما دخلت بها إلى حمام إلاّ وجدته قد ذاق لقطع الماء عنه حماما، واعلم القوام والقاعدون بأرضه أنها ساءت مستقرا ومقاما، وتلا على بيت ناره قلنا يا نار كوني برد وسلاما، فحسن أن أُنشد قول ابن الجوزي من الكان كان:
الحار عندك باردوالنهر أمسى منقطع
والعين لا ماء فيهاما حيلة القوّام
وأتيت بعد ذلك إلى الجامع الأموي فإذا هو لأشتات المحاسن جامع، وأتيته طالبا لبديع حسنه فظفرت بالاستضاءة والاقتباس من ذلك النور الساطع، تمسكت بأذيال حسنه لما نشقت تلك النفحات السحرية، وتشوقت إلى النظم والنثر لما نظرت إلى تلك الشذور الذهبية، وآنست من جانب طوره نارا فرجع إلى ضياء حسي، واندهشت لذلك الملك السليماني وقد زها بالبساط والكرسي، وقلت هذا ملك سعد من وقف في خدمته خاشعا، وشقي من لم يدس بساطه ويأته طائعا، ولقد صدق من قال:
أرى الحسن مجموعاً بجامع جلّقٍ
.. وفي صدره معنى الملاحة مشروحُ
فإن يتعالى بالجوامع معشرٌفقل لهم بابُ الزيادة مفتوح
معبد له قصبات السبق ولكن كسرت عند قطع الماء قناته، ورأيته في القبلة من شدة الظمأ وقد قويت من ضجيج المسلمين أناته، وخفض النسر جناح الذل وود بأن يكون النسر الطائر، وطمست مقل تلك المصابيح فاندهش لذلك الناظر، هذا وكم نظرت إلى حجر مكرم ليس له بعد أكسير الماء جابر، واختفت نجوم تلك الأطباق التي كانت كالقلائد في جيد الغسق، ومرت حلاوة نارها بعدما ركبت طبقا عن طبق، وأصبح دوحه وهو بعد تلك النضارة والنعيم ذابل، وكادت قناديله وقد سلبت لفقد الماء أن تقطع السلاسل، ولم تشر الناس بأصابعها إلى فصوص تلك الخواتم المذهّبة، ولم يبق على ذلك الصحن طلاوة بعد الماء وحلاوة سكبه الطيّبة، وتذكر المنبر عند قطع الماء أوقاته بالروضة، وتكدرت أفراحه لما ذكر أيامه بتلك الغيضة، وأنشد لسان حاله:
لو أن مشتاقاً تكلّف فوق مافي وسعه لسعى إليك المنبرُ
وودت العروس أن تكون
مجاورة لحماتها، لتبلَّ برحيق الأمن إذا نظرت إلى عاصي المحمدية وقد دخل جناتها، ونظرت إلى فوار أبي نواس وقد انقطع قلبه بعد ما كان يثب ويتجرَّا، وكاد أن ينشد من شعره لعدم الماء ألا فاسقني خمرا، ودخلت إلى الكناسة وقد علا بها غبار الحزن فتنهدت من الأسف على كل ناهدة، ورثيت للنساء وقد فقدت بعد تلك النعام المائة، واستطردت إلى باب البريد فوجدت خيول الماء الجارية قد انقطعت عن تلك المراكز، ونظرت إلى السراج الأكبر وقد اعقدت من ممدوح الماء بعدم تلك الجوائز، ونظرت إلى أهل الصلاة وعليهم في هذه الواقعة من الصبر دروع، وقد استعدوا بساهم من الأدعية أطلقوها عن قسيّ الركوع، مريَّشة بالهدب من جفن ساهر متصلة اطرافها بدموع، ونظرت إلى الريان من العلم وقد اشتد لفقد الماء ظمأه وتبلَّد ذهنه، حتى صار ما يعرف من أين الطريق إلى باب المياه، ومشيت بحكم القضاء إلى الشهود فوجدت كلا منهم قد راجع سهاده وطلق وسنه، وتأملت أهل الساعات وقد صار عليهم كل يوم بسنة، ونزلت في ذلك الوقت الساعات إلى الدرج في دقيقه، فانتهيت إلى مجاز طريق الفوار فوجدته كأن لم يكن له حقيقة، كم
وردته وهو كأنه يطعن في صدر الظماء أو شجرة كدناء، وتقول إنها طوبى لما ظهرت واصلها ثابت وفرعها في السماء، أو مغترف بيده الماء وقد أفاض عليه عطاياه فيضا فرفع له لأجل ذلك فوق قناته راية بيضاء، أو عمود وفاء اشارت الناس إليه بالأصابع، أو ملك طلب السماء بودائع، حتى كان إكليل الجوزاء له من جملة الصنائع، ونسر أبيض طائر علا حتى قلنا إنه يلتقط حبات النجوم الثواقب، أو شجاع ذو همة علية يحاول تأثراً عند بعض الكواكب، فخفض لفقد الماء منارة وخفى بعد ما كان به أشهر من علم، وجدع أنفه وطالما ظهر وفي عرينه شمم، فقلت:
لست أنسى الفوّار وهو يناديغيض مائي وعطّل الدهر حالي
فتمنَّيت من لهيبي بأنِّياشتري غيضه بروحي ومالي
فلا والله ما كانت إلا أيسر مدة حتى رجع الماء إلى مجاريه، وابتسم ثغر دمشق عن شنب الريّ بعدما نشف ريقه في فيه، هذا وقد خمدت نار الحرب وقعدت بعد ما قامت على ساق وقدم، وبطلت آلتها التي كانت لها على تحريك الأوتار وجس العيدان نغم، واعتقل الرمح بسجن السلم وعلى رأسه لواء الحرب معقود، وعمت مقل السيوف في أجفانها لما علمت أن الزيادة في الجد نقص في المحدود، وفاضت غدران
الرحمة على رياض الأمن فظهر لها من نبات حسن، فالحمد لله الذي أذهب عنا الحزن وبعد فالمعذرة من فهاهة هذه الرسالة التي هي في رياض الأدب بأقلية والصفح عن طولها وقصر بلاغتها بين يدي تلك المواقف السحبانية وليكون محمولا على متن الحلم كلامها الموضوع، فقد علم الله أنها صدرت من قلب مكسور، وفؤاد مصدوع، وذهن ضعيف وليس لكسير ضعفه عاصم ولا نافع، وراحلة فكر أمست وهي عند سيرها إلى غايات المعاني ضالع:
فسيروا على سيري فإنَّي ضعيفكموراحلتي بين الرواحل ضالعُ
هذا وكم تولد للملوك في طريق الرمل من عقله، وكم ذاق من قطاع الطريق أنكادا حتى ظن أنه لعدم النصرة ليس له إلى الاجتماع وصله، وكلما زعق عليه غراب تألم لسهام البيت وفقد مصر التي هي نعم الكنانة، وأنشد وقد تحير في الرمل لفراق ذلك التخت الذي أعز الله سلطانه:
من زعقة الغراب بعد الملتقىفارقت مصراً وبها أحبابي
وفي الطريق الرمل صرت حائراًمروّعا من زعقة الغراب
واستقبل المملوك بعد ذلك بلاد الشام فبئس الحال وبئس الاستقبال، فو الرحمن ما وصل بها إلى مكان إلا وجده قد وقعت فيه
الواقعة واشتد القتال، وحصدوا سنبل الرشاد فدرست فلا أعيد لمعيد حربهم دروس، وأداروا رحى الحرب بقلوب كالأحجار فطحنت عن ذلك الرؤوس، وأنشد لسان الحال:
من كل عادٍ كعادٍ في تجبُّرهمن فوق ذات عمادٍ شادها إرمُ
لا يجمعون على غير الحرام إذاتجمّعوا كحباب الرَّاح وانتظموا
وانتهيت الغاية بالملوك إلى أنه شلح بقرب الكسوة في الشتاء وانتظرت ملك الموت وقد أمسيت:
لي مهجةٌ في النازعات وعبرةٌفي المرسلات وفكرةٌ في أهل أتى
هذا والليل قد أنطفأت مصابيح أنواره وعسعس، حتى أيقنت بموت الصبح وقلت لو كان في قيد الحياة تنفس، فذهب المملوك وقد تزود عند قسم الغنيمة بسهم، فخرج ولم يجد له تعديلا ولكنه صبر على الألم بعد ما كاد يدمى من الوهم، ولم يلق له مجيرا لما قوي ألمه وضعف منه الحيل، إلا أنه دخل تحت ذيل الليل، فوصل إلى البلد وقد ود يومه لو تبدل بالأمس، ولم يسلم له في وقعة الحرب غير الفرس والنفس، ولكنه أنشد:
وتفعل الأعداء في جاهلٍما يفعل الجاهل في نفسه
فأعاذ الله مولانا وبلاده من تلك القيامة القائمة، وبدأ به في الدنيا ببراعة الأمن وفي الآخرة بحسن الخاتمة.
قلت قد استوعبت هنا تراجم كتَّاب الإنشاء ونبذة مما تخيرته من إنشائهم وقد تعين أن أذكر بعد ذلك ما يحتاج إليه المنشىء الكامل الأدوات من المحاسن اللائقة به وبالله المستعان.
قال أبو حيان التوحيدي يجب على المنشىء أن يكون حافظاً لكتاب الله لينتزع من آياته الشريفة وأن يعرف كثيراً من السنة والأخبار والتواريخ والسير ويحفظ كثيراً من الرسائل والكتب ويكون متناسب الألفاظ متشاكل المعاني عارفاً بما يحتاج إليه ماهراً في نظم الشعر نظيف الثوب لطيف المركب ظريف الكلام ليق الدواة حاد السكين متودداً إلى الناس مخالطهم غير متكبر عليهم دمث الأخلاق رقيق الحواشي ترف الأطراف عذب السجايا حسن المحاضرة مليح النادرة غير قنف ولا متعجرف ولا متكلف الألفاظ الغريبة ولا متعسف اللغة العويصة.
النص من طبعة مكتبة الجمهورية العربية بمصر، بهامش «المستطرف»، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع