من «ثمرات الأوراق» لابن حجة الحموي (ت ٨٣٧هـ)
الوليد ومسامر الخلفاء (٧)
الصفحة ٢ من ٢
آداب الكتابة روى الشعبي أنه قال كتب رسول الله ﵌ أربعة كتب أولها باسمك اللهم فنزلت سورة هود فيها بسم الله مجراها ومرساها فكتب بسم الله ثم نزلت سورة بني إسرائيل وفيها قل أدعو
الله أو ادعو الرحمن فكتب بسم الله الرحمن ثم نزلت سورة النمل وفيها إنه من سليمان وأنه بسم الله الرحمن الرحيم فكتبها.
وروي إن فصل الخطاب الذي أعطيه داود ﵇ أما بعد. روي أن أول من قالها كعب بن لؤي وهو أول من سمى يوم الجمعة.
وعن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أنه قال: إذا كتب أحدكم كتاباً فليتربه فإن التراب مبارك وهو أنجح.
روي عنه ﵊ أنه كتب كتابين إلى قريتين فأترب أحدهما ولم يترب الآخر فأسلمت القرية التي أترب كتابها.
وقال الحسن بن وهب كاتب رئيسك بما يستحق ومن دونك بما يستوجب وكاتب صديقك بما تكاتب بها حبيبك فإن غزل المودة أرق من غزل الصبابة.
ورأيت في تذكرة الوداعي أن القاضي تاج الدين بن بنت الأعز كان إذا كتب كتاباً بدأ في ترسله بالبسملة لتعم بركتها سائر الكتاب ورمَّله ويخزن ذلك الرمل ويحترز عليه.
وعن عبد الله بن عباس ﵄ في قوله تعالى إني ألقي إليَّ كتبا كريم قال مختوم وفضَّ الكتاب إذا كسر ختمه. والعنوان فيه خمس لغات أفصحها عنوان وجمعه عناوين وعلوان وعلاوين والعنوان الأثر
وهو أثر الكتاب ممَّن وإلى من هو كما قيل:
ضحوا بأشمط عنوان السجود به
والقلم لا يقال له قلم إلا إذا بري وإلا فهو أنبوبة.
من بديع ما سمعته في وصف القلم من النظم قول الفاضل شمس الدين بن الصاحب موفق الدين علي بن الآمدي منقول من خط الوداعي:
تمشي اليراعة والمداد وراءهاظلٌّ على شمس الطروس ينوعُ
عوض الغواني لو تلوح لمسلمٍهذي المعاني راح وهو صريع
لو لم تكن ألفاظه خطّيّةًما راح سرب اللفظ وهو منيع
ألفاظه رقّت بوجنة طرسهفكأنهّنّ وقد جرين دموع
قلمٌ مسيحيُّ الخطاب لنطقهفي المهد من يمناه وهو رضيع
وغدا كليميّاً وقد ضاهى العصافغدا يروق بفعله ويروع
بالنقط حاكته الشموع وبالضياحاكته في حلك المداد شموع
قد لازم القرطاس وهو منوّرٌوالطلُّ يهوى الروض وهو مريع
نورٌ ونوِّر خطّه وكلامههذا يضيء به وذاك يضوع
وقال فيه وأجاد إلى الغاية:
ليمناه ذو طرفٍ كحيلٍ إذا بكىتبسّم ثغر الخطّ من دمعه عُجْبا
وقد راح مشقوق اللسان متى جرىبثغر الدوى المعسول أبدى اللمى العذبا
قلت من قصيدة رائية:
له يراع سعيدٌ في تقلُّبهإن خطّ خطَّاً أطاعته المقادير
محبّرٌ وبتحرير العلوم إذاجرى يُرى منه تحريرٌ وتحبير
غصنٌ عليه طيور العلم عاكفةٌوجانس النَّور من أوراقه النور
وأشقرٌ عينه السوداء تلحظناوهدب أجفانها تلك التشاعير
أو سهمُ علمٍ بأطراف السطور غدامريّشاً وله في الضدّ تأثير
كذا محابره سود العيون فإندانت أياديه فهي الأعيُنُ الحور
ويعجبني قول الشيخ شمس الدين ابن المزني في الدواة:
أنا دواةٌ يضحك الجود منبكا يراعي جلّ من قد براه
دلّوا على مثليَ من شفَّهُداءٌ من الفقر فإنيّ دواه
وقلت فيما يكتب على دواة فولاذ:
كنانة الفضل دواتي ولها
.. سهمٌ يراعى نصله نفَّاذُ
وأسمر الخط لديها قاصرٌلأنّها على الحمى فولاذ
قلت ويتعين بعد صف أقلام المنشئين والدواة وصف السكين فإنهم أنشأوا في وصف السيف والقلم وما ألموا بها وهي أحق بذلك من غيرها لقربها من القلم وقد تقدم أن أبا طاهر كمال الدين إسماعيل بن عبد الرزاق الأصفهاني إنفرد برسالة القوس، والشيخ جمال الدين بن نباته إنفرد برسالة السيف والقلم، وقد انفردت برسالة السكين.
وهي يقبل الأرض التي قامت حدود مكارمها، وقطعت عنا مكروه الفقر بمسنون عزائمها، وينهى وصول السكين التي قطع بها أوصال الجفا، وأضافها إلى الأدوية فحصل بها البرء والشفا، وتالله ما غابت إلا بلغت الأقلام من تعثرها إلى الحفا، زرقاء وكم شاهدت منها البيض ألواناً خرساء، ومن العجائب أن لها لساناً لكل عنوان ما شاهدها موسى إلا سجد في محراب النصاب، وذل بعد ما خضعت له الرؤوس والرقاب، كم أيقظت طرف القلم بعدما خط، وعلى الحقيقة ما رؤي مثلها قط، وكم وجد بها الصاحب في المضايق نفعا، وحكم بصدق محبتها قطعا، ماضية العزم قاطعة السن فيها حدة الشباب من وجهين، لأنها بالناب والنصاب معلمة من الطرفين، أنملة صبح تقمصت بسواد الدجى، ولسان برق إمتد في لهوات الليل، فتنكرت
أشعة الأنجم حتى ما عرفت منها سهيل، هذا وتقطيعها موزون إذ لم يتجاوز في عروض ضربها الخد، ومعلوم أن السيف والرمح لم يعرفا غير الجزر والمد:
من أجلنا تدخل في مضايقٍليس لسيفٍ قطُّ فيها مدخل
وكلّما تفعله توجزهوالرمح في تعقيده يطول
إن هجعت بجفنها كانت أمضى من الطيف، وكم لها من خاصة جازت بها الحد إلى السيف، تنسي حلاوة العسال فلا يظهر لطوله طائل، وتغني عن آلة الحرب بايقاع ضربها الداخل، إن مرت بشكلها المحلى تركت المعادن عاطلة، ولم يسمع للحديد في هذه الواقعة مجادله، شهد الرمح بعدالته إنها أقرب للصواب، وحكم بصحة ذلك قبل أن يتكامل لها النصاب، ما طال في رأس القلم شعرة إلا سرَّحتها بإحسان، ولا طالعت كتاباً إلا أزالت غلطه بالكشط من رأس اللسان، تعقد عليها الخناصر لأنها عدّة وعده، وتالله ما وقعت في قبضة إلا أطالت لسانها وكلمت بحدَّه، إن أدخلت إلى القراب كانت قد سبقت على الدخول، أو أبرزت من غيمة كان على طلعتها الهلالية قبول، تطرف بأشعتها الباهرة عين الشمس، وباقامتها الحد حافظت الاقلام مواظبة الخمس، وكم لها من عجائب تركت جدول السيف وهو في بحر غمده غريق، ولو سمع بها من قبل
ضربه ما حمل التطريق، فلو عاصرها الكمال لعرك من قوسه الأذنين، وقال له جحدت رسالتك يا ذا القرنين، فإن جذبت إلى مقاومتها كانت لك يد تمتد، وصلت السكين منك العظم وصار عليك قطع وانتهى أمرك إلى ذا الحد، وهل تعاند السكين صورة ليس لها من تركيب النظم، إلا ما حملت ظهورها أو الحوايا أو ما اختلط بعظم، ولو لمحها الفاضل تحقق قوله إنّ خاطر سكينه كلّ، أو أدركها ابن نباتة ما أقر برسالة السيف وفل، وقال لقلم رسالته أطلق لسانك بشكر مواليك، وأخلص الطاعة لباريك، ولم يقصد المملوك الإيجاز في رسالة السكين ونظمها؛ إلا لتكون مختصرة لحجمها، لا زالت صدقات مهديها تتحف بما يذبح نحر فقري، وتأتي في كل وقت بما يبرىء من داء الاحتياج ويري، قلت وعلى ما وقع من الغريب في رسالة السكين يتعيَّن أن نورد ما وقع من غريب النظم في السيف فإن الشيخ جمال الدين ابن نباتة ذكر من نثره في رسالة السيف بدائع ولكنها مشهورة لتنقيب الناس عنها والاقتباس منها.
قال عمر بن الخطاب ﵁ لعمرو بن معد يكرب كيف تقول في الرمح قال أخوك وربما خانك فانقصف قال فالمجن قال: هو المجن وعليه تدور الدوائر قال فالنبل قال منه ما يخطىء وما يصيب قال فما تقول
في الدرع قال مثقلة للراجل مشغلة للفارس وأنها حصن حصين قال فما تقول في السيف قال هنالك لا أم لك يا أمير المؤمنين فعلاه عمر بالدرة وقال: لم تقل لا أم لك، قال: الحمى أصرعتني يا أمير المؤمنين: الشريف البياضي:
إنّا إذا الأرواح ذابت مخافةًفتحنا باشطان الرماح ركابها
متى ما أردنا أني ذاق حديدناخلقنا بحدّ المشرفيّة فاهها
وقال أبو العلاء المعري:
غراراه لساناً مشرفيٍّيقول غرائب الموت ارتجالا
وديَّث فوقه حمر المناياولكن بعدما مسخت نمالا
يذيب الرعب منه كلّ عضبٍفلولا الغمد يملكه لسالا
وقال النامي:
ذو مدمعٍ من غير ما مستعيروتبسّمٍ من ثغره متوالي
يريك من لألآئه متوقِّداًحنق المنون به على الآجال
وقال الغنوي:
كأنّ على إفرنده موج لجّةٍتقاطر في حافاته وتجولُ
حسامٌ غذاء الروح حتى كأنّهمن الله في قبض النفوس رسول
وقال وحيد الدين بن الذروري:
فتقتُ بأجساد الأسود لواحظاًرنت للمنايا عن عيون الثعالب
وأنطقت أفواهاً إلى قمم العدا
.. بألسنة البيض الرقاق المضارب
بحيث الوغى روضٌ تغنّى ذبابهوسال على نور الطلا كالمذاب
وقد رشفت ورد الكلوم صغارهوما شربت إلاّ دماء الثرائب
وله:
سكران من شربه خمر الدماء فإنحيّاه نور الطلا غنىّ لها هزجا
لسان الدين بن الخطيب:
وخليج هندٍ راق حسن صفائهحتى يكاد يعوم فيه الصيقل
غرقت بصفحته النمال وأوشكتتبغي النجاة فأوثقتها الأرجل
فالصرحُ منه مُمرَّدٌ والصفح منهمورّدٌ والشطُّ منه مهدّل
القاضي الفاضل:
ولربَّ هاتفةٍ دعتهم للوغىجعلوا صليل المرهفات صداها
هي في بحار يديه أمواجٌ ترىونفوسهم من قتله غرقاها
وقال ابن قلاقس وأجاد:
أسهرتهم وشعرتها فجموعهممذ أحرمت في راحتيك حرامُ
وكلاهما جفنٌ منعت قراره
.. لكنَّ ذا عضبٌ وذاك سنام
وقال ابن سناء الملك:
له منصل لا ينقضي فرض حجّهفبالضرب لبّى حين بالنسك أحرما
تنسَّك بالإسلام لكنْ رأيتهيحلّ له في الشرع أن يشرب الدما
فكم سلّ لما سُلّ من بطن غمدهلسان دمٍ من ضربةٍ خلقت فما
مجير الدين بن تميم:
لما قنيت من الصوارم أعوجاًيجري القضاء بنهره المتوّجِ
جبت القفار وما حملت أوانياًللماء من ثقتي بنهر الأعوج
وقال الغزي:
وقد سلب الطعن الأسنّة لونهافعصفر في اللبّات ما كان أزرقا
وأسيافنا في السابغات كأنهّاجداول تجري بين زهرِ تفتّقا
ابن خفاجة:
موسّدٌ تحت ظل السيف تحسبهمستلقياً فوق شاطىء جدولٍ ثملا
جمال الدين بن نباتة:
وصارمٍ كعباب الموج ملتطمٍيكاد يغرق رائيه ويحترقُ
لما غدا جدولاً يُسقى المنون بهأضحى يشفُّ على حافاته العلق
برهان الدين القيراطي:
قومٌ مناديلهم بيضٌ فكم مسحترقاب اعدائهم تلك المناديلُ
وقلت:
وسيفٍ له في الحرب حسن تغزّلٍإذا ما رآني قد علوت على نهد
فكم خدَّ فوق صدرٍ مدرّعٍفبان إحمرار الورد في ذلك الخدِّ
وكم مال قدٌّ في الوغى ميل معجبٍفقابله ذاك المهنّد بالقدِّ
وكم أعجموا ألفاظهم ساعة اللقافكلّمهُمُ ذاك المهنّد بالهندي
وقلت وقد وجب أن نذكر هنا ما وقع بع السيف من غريب النظم في الرمح.
ذكر القاضي الرشيدي ابن الزبير في كتابه العجائب والطرف أنه كان في خزانة السلاح أيام السفّاح خمسون ألف درع وخمسون ألف سيف وثلاثون ألف جوشن ومائتا ألف رمح.
وقال الفضل بن الربيع لما ولي الأمين الخلافة سنة ثلاث وتسعين ومائة أمرني أن أحضر ما في خزانة السلاح فكان من السيوف المحلاة بالذهب عشرة آلاف وخمسون ألف سيف للشاكرية والغلمان ومائة وخمسون ألف رمح ومائة ألف قوس وألف
جوشن ومائة ألف وخمسون ألف ترس وأربعة آلاف سرج محلاة بالذهب وثلاثون ألف عامة انتهى.
قلت يعجبني قول القاضي في بيت من قصيدة؟
أمتصل الرمح الطويل بكوكبٍمن ذا يطاعن والسِّماك سنانُ
ومثله في الحسن قول ابن سناء الملك:
ملوكٌ يحوزون الغنائم عنوةًبسمر العوالي أو ببيض القواضب
رماح بأيديهم طوالٌ كأنّماأرادوا بها تنقيب درِّ الكواكب
ابن قلاقس وأجاد:
وقد كَحَلتْ بأميال العواليأساةُ الحرب أحداق الدروع
وشبّ الباس نيران المواضيواسبل غيث أمواه النجيع
فللفرسان من محلٍ ووحلحديثٌ عن مصيفٍ أو ربيع
ويعجبني أيضا قول القاضي الفاضل من قصيدة:
فيا عجباً للملك قرّ قرارهبمختلفاتٍ من قتال السواحر
طواعن أسرارِ القلوب نواظرٌكأنّك قد نصّلتها بنواظر
ذو الوزارتين لسان الدين بن الخطيب وأجاد:
وبكل أزرق إن شكت ألحاظهمرة العيون فبالعجاجة تكحلُ
متاوِّدٌ أعطافه في نشوةٍمما يعلُّ من الدماء وينهل
عجباً له أنّ النجيع بطرفهرمدٌ ولا يخفى عليه مقتل
السيد الفاضل شمس الدين بن الصاحب موفق الدين بن الآمدي:
غصونٌ بها طير النفوس تنافرتوعهديَ أنّ الطير للغصن يألفُ
فلا وَرَقٌ إلاّ من التبر حولهاولا زَهَرٌ إلاّ من النصر يقطف
ابن نباتة السعدي:
وولّوا عليها يقدمون رماحناوتقدمها أعناقهم والمناكبُ
خلقنا بأطراف القنا لظهورهمعيوناً لها وقع السيوف حواجب
قلت رسم كافل المملكة الشريقة الشامية وهو المقر المرحومي العلائي تغمده الله برحمته ورضوانه للفضلاء بدمشق المحروسة وغيرهم من الفضلاء بالبلاد الشامية أن ينظموا أبياتاً تكتب على أسنّة الرماح وتكون عدة الأبيات أربعة.
فنظم المقر المرحومي الفتحي بن الشهيد قوله:
إذا الغبار علا في الجوّ عاثرهفأظلم الجوّث ما للشمس أنوارُ
هذا سناني نجمٌ يستضاء بهكأنّه علم في رأسه نار
النص من طبعة مكتبة الجمهورية العربية بمصر، بهامش «المستطرف»، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع