تجاوز إلى المحتوى

من «ثمرات الأوراق» لابن حجة الحموي (ت ٨٣٧هـ)

الوليد ومسامر الخلفاء (٨)

والسيف إن نام ملء الجفن في غلقٍ

.. فإنّني بارزٌ للحرب خطّار

إنّ الرماح لأغصانٌ وليس لهاسوى النجومِ على العيدان أزهار

ونظم الرئيس شمس الدين بن المزين:

أنا أسمرٌ والراية البيضاء ليلا للسيوف وسل من الشجعان
لم يحلُ بي عيش العداة لأننينوديت يوم الجمع بالمرّان
وإذا تفاهمت الكماة بجحفلٍكلّمتهم فيه بكلِّ لسان
فتخالهم غنماً تساق إلى الردىقهر المعظم سطوة الجوبان

ونظم المقر المرحومي وهو إذ ذاك كاتب السر بحمص المحروسة:

عروسُ سناني حين تجُلى على العداوتظهر تبدي ما لهم من بواطنِ
وقد صيغ من همٍّ فبين صدورهممجالٌ له رحبٌ فسيح المواطن
سيلقون يوم الجمع غبناً لموتهمبطعني ويوم الجمع يوم التغابن
وإن شهدوا بالجور فّي وعدّلوافإنِّيَ قد بيّنت فيهم مطاعني

ونظم قاضي القضاة صدر الدين ابن الآمدي سامحه الله:

النصرُ مقرونٌ بضرب أسنَّةٍلمعانها كوميض برقٍ يشرقُ

سبكت لتسبك كلَّ خصمٍ ماردٍ

.. وتطرّقتْ لمعاندٍ يتطرّقُ

زرقٌ تفوق البيض في الهيجا إذايحمرُّ من دمه العدوّ الأزرق
ينسخن بوم الحرب كلِّ كتيبةٍتحت الغبار فنسخُهُنَّ محقَّق

وقلت:

أنا رمحٌ ورمح الأفق يخشىمن سموّي إليه يوم الطعان
وإذا أنكروا عدالة قدّييوم حكمٍ جرحتهم بلساني
وسناني كالبرق بل صار منهقلب سيف البروق في خفقان
رمحه للرّدين ينسب لكنْصاح لما علاه ذا بالسنان

مجير الدين بن تميم:

لو كنت تشهدني وقد حمي الوغافي موقفٍ ما الموت فيه بمعزل
للشاعر مجير الدين ابن تميم، اقرأ القصيدة
لترى أنابيب القناة على يديتجري دماً من تحت جنح القسطل
للشاعر مجير الدين ابن تميم، اقرأ القصيدة

ابن شرف القيرواني:

وقد وخطت أرماحهم مفرق الدُّجىفبان بأطراف الأسنّة شائبا
للشاعر ابن شرف القيرواني، اقرأ القصيدة

ذكر الثعالبي في لطائف المعارف أن أول من عمل السنان من حديد ديرون الحميري وإليه تنسب الرماح اليزنية وإنما كانت أسنة العرب من صياصي البقر.

قلت لم يبق بعد السيف والرمح غير اقوس

لو أن رسالة القوس مشتملة بكاملها على إصابة الغرض لأثبتها هنا ولكن جمع في نظم عقدها بين الجوهر والعرض وبراعة استهلالها غاية لا تدرك.

وهي ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكراً إنّا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا فأتبع سببا.

ومن غاياتها بعد ذلك قوله منها صورة مركبة ليس لها من تركيب النظم إلا ما حملت ظهورها أو الحوايا أو ما اختلط بعظم.

وممن أصاب الغرض بالغازه في القوس الشهاب الأعزازي بقوله:

ما عجوزٌ كبيرةٌ بلغت عمراًطويلاً وتتّقيها الرجالُ
قد علا جسمها صفارٌ ولم تشكسقاماً ولا عراها هزال
للشاعر شهاب الدين العزازي، اقرأ القصيدة
ولها في البنين سهمٌ وقسمٌوبنوها كبارُ قدرٍ نِبَال
للشاعر شهاب الدين العزازي، اقرأ القصيدة

صفي الدين الحلى ملغزاً فيه:

وما اسمٌ سراه في البروج وإنّمايحلُّ به المريخ دون الكواكب
إذا قدَّر الباري عليه مصيبةًعدته وحلت في صدور الكتائب

الشيخ بدر الدين بن الصاحب:

لله مملوكٌ إذاما قام في الشغل اعترضْ
لكنّه في ساعةٍمحصِّلٌ لك الغرض

ومن الغايات التي لا تدرك لغز قاضي القضاة صدر الدين ابن الآدمي رحمه الله تعالى في الستوران ما رفق:

ما رفيقٌ وصاحبٌ لك تلقاهمعيناً على بلوغ المرامِ
هو للعين واضحٌ وجليٌّوتراه في غاية الإبهام

قلت ومن نظمي في القوس:

قوسي إذا جذبته يطربنيبجسِّ عوده وتحريك الوترْ
ونجم ذاك السهم إن فوَّقتهيرى له في طارة البدر أثر

الشيخ جمال الدين ابن نباته:

فديتك أيُّها الرامي بقوسٍولحظٍ يا ضنى قلبي عليه
لقوسك نحو حاجبك انجذابٌوشبه الشيء منجذبٌ إليه
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «فديتك أيها الرامي بقوس»

قلت لم يبق بعد وصف آلة الحرب وصف غير الخيل المسوّمة التي لا بد لفحول كتاب الإنشاء من الجولان في ميدان وصفها ومجرى السوابق الذي جمعته في هذا الباب قد تقدم في الجزء الأول من بلوغ المراد ولكن إذا كنت منشىء دواوين الإنشاء الشريف بالممالك الإسلامية

المحروسة يتعين عليَّ أن أورد هنا لكتاب الإنشاء من فقه هذا الفن ما يحتاجون إلى معرفته.

قلت السجع مأخوذ من سجع الحمام واختلف فيه هل يقال في فواصل القرآن أسجاع أم لا فمنهم من منعه ومنهم من أجازه والذي منع تمسك بقوله تعالى كتاب فصلت آياته فقال قد سماه فواصل فليس لنا أن نتجاوز ذلك والسجع ينقسم إلى أربعة أقسام المرصع والمطرف والمتوازي والمشطر.

فالمرصع عبارة عن مقابلة كل لفظة من صدر البيت أو فقرة النثر بلفظة على وزنها ورويها وهو مأخوذ من مقابلة العقد في ترصيعه ومن أمثلته الشريفة في الكتاب العزيز إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم ومثله قوله تعالى إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم ومنه قول الحريري في المقامات يطبع الأسجاع بجواهر لفظه ويقرع الأسماع بزواجر وعظه.

واالمطرَّف هو أن يأتي المتكلم في آخر كلامه أو في بعضه بأسجاع غير متزنة بزنة عروضية ولا محصورة في عدد معين بشرط أن يكون روي الأسجاع روى القافية كقوله تعالى ما لكم لا ترجون لله وقاراً وقد خلقكم أطواراً.

وكقولهم جنابه محط الرحال ومخيم الآمال.

ومن أمثلته الشعرية قول أبي تمام:

تحلَّى به رشدي وأثرتْ به يديوفاض به ثمدي وأورى به زندي

الثالث المتوازي وهو أن تتفق اللفظة الأخيرة من القرينة مع نظيرتها في الوزن والروي كقوله تعالى فيها سرر مرفوعة وأكواب موضوعة.

ومنه قول النبي ﷺ اللهم أعط منفقا خلفاً وأعط ممسكاً تلفا.

ومنه قول الحريري في المقامات: وأودى بي الناطق والصامت ورثى لي الحاسد والشامات انتهى.

القسم الرابع السجع المشطر وهو أن يكون لكل نصف من البيت قافيتان مغايرتان لقافيتي النصف الآخر ولكن هذا القسم مختص بالنظم كقول أبي تمام يمدح أمير المؤمنين المعتصم رحمهما الله تعالى:

تدبير معتصمٍ بالله منتقمٍلله مرتقبٍ في الله مرتغبِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»

انتهى باب السجع قلت وقالت علياء هذا الفن إن قصر الفقرات في الإنشاء يدل على قوة المنشىء وأقل ما تكون من كلمتين كقوله تعالى يا أيها المدثر قم فانذر وربك فكبر وثيابك فطهر وأمثال ذلك كثيرة في الكتاب العزيز لكن الزائد على ذلك هو الأكثر.

وكان بديع الزمان يكثر من ذلك كقوله: كميت نهدٌ كأنّ راكبه في مهد يلطم الأرض بزبر وينزل من السماء بخبر لكن قالوا التذاذ السامع بما زاد على ذلك أكثر

لتشوقه إلى ما يرد منه متزايداً على سمعه انتهى.

وأما الفقر المختلفة فالأحسن أن تكون الثانية أزيد من الأولى بقدر غير كثير لئلا يبعد على السامع وجود القافية فتذهب اللذة فإن زادت القرائن على اثنتين فلا يضر تساوي القرينتين الأوليتين وزيادة الثالثة عليهما وإن زادت الثانية على الأولى يسيراً والثالثة على الثانية فلا بأس ولكن لا يكون أكثر من المثل مثاله في القرينتين قوله تعالى وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئاً إذا تكاد السموات ينفطرون منه تنشق الأرض وتخر الجبال هذا فالثانية أطول من الأولى.

ومثاله في الثالثة قوله تعالى وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيراً إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيُّظاً وزفيراً وإذا ألقوا منها مكاناً ضيقاً مقرنين دعوا هنالك ثبورا.

ومن فوائد الإنشاء أن تكون كل فاصلة مخالفة لنظيرتها في المعنى لأن اللفظ إذا كان من القرينة بمعنى نظيره من الأخرى لم يحسن كقول الصاحب بن عباد في وصف منهزمين طاروا واقين بظهورهم صدورهم وبأصلابهم نحورهم فالظهور بمعنى الأصلاب والصدور بمعنى النحور.

ومنه قول الصابىء يسافر رأيه وهو دان لا يبرح ويسير وهو باق لا ينزح فلا يبرح، فلا يبرح ولا ينزح

بمعنى واحد ويسافر ويسير كذلك.

ومن فوائد الإنشاء التي يتسع فيها المجال على المنشىء أن السجع مبني على الوقف وكلمات الإسجاع موضوعة على أن تكون ساكنة الإعجاز موقوفاً عليها لأن الغرض أن يجانس المنشىء بين القرائن ويزاوج ولا يتم له ذلك إلا بالوقف إذا لو ظهر الأعراب لفات ذلك الغرض وضاق المجال على قاصده فإن قافية السجعة، إذا كانت في محل نصب وأختها في محل رفع ساوى بينهما السكون وصار الإعراب مستتراً فلو أثبتوا الإعراب في قول من قال ما أبعد ما فات وما أقرب ما هو آت للزم أن تكون التاء الأولى مفتوحة والثانية مكسورة منوَّنة فيفوت غرض المنشىء.

ومن ذلك أن السجع مبني على التغيير فيجوز أن يغير لفظ القافية الفاصلة لتوافق أختها فيجوز فيها حالة ازدواج ما لا يجوز فيها حالة الإنفراد.

فمن ذلك الإمالة فقد يكون في الفواصل ما هو من ذوات الياء وما هو من ذوات الواو فتمال التي هي من ذوات الواو وتكتب الياء حملاً عن ما هو من ذوات الياء لأجل الموافقة كقوله تعالى والضحى فالضحى أميلت وكتبت بالياء حملا على ما في السورة الشريفة من ذوات الياء لأجل الموافقة.

وكذلك سورة والشمس وضحاها

أميلت فيها ذوات الواو وكتب بالياء حملا على ما فيها من ذوات الياء.

ومن حذف المفعول نحو قوله تعالى: ما ودعك ربك وما قلى الأصل وما قلاك ولكن حذفت الكاف لتوافق الفواصل.

ومن ذلك صرف ما لا ينصرف كقوله تعالى قواريراً وصرفه بعض القراء السبعة ليوافق فواصل السورة الشريفة ولو تتبع المتأمل ذلك في الكتاب العزيز لوجده كثيراً.

ومما جاء في ذلك في الحديث قوله ﷺ أعيذه من الهامة والسامة ومن كل عين لامة الأصل عين ملمة.

ومنه قوله ﷺ مأزورات غير مأجورات الأصل موزورات بالواو لأنه من الوزر ولكن همز ليوافق مأجورات.

ومنه قوله ﷺ دعوا الحبشة ما ودعوكم واتركوا الترك ما تركوكم الأصل ما وأدعوكم ولكن حذفت الألف لتحصل الموافقة.

قلت وهذا نوع من المشاكلة لأن المشاكلة في اللغة هي المماثلة وهي في المصطلح ذكر الشيء بغير لفظه لموافقة القرائن ومشاكلتها كقوله تعالى وجزاء سيئة سيئة مثلها فالجزاء عن السيئة في الحقيقة غير سيئة والأصل وجزاء سيئة عقوبة.

ومنه قوله تعالى تعلم ما في نفسي ولا أعلم

ما في نفسك والأصل تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما عندك لأن الحق تعالى وتقدس لا تستعمل لفظة النفس في حقه إلا أنها استعملت هنا للمماثلة والمشاكلة كما تقدم.

ومنه قوله تعالى ومكروا ومكر الله والأصل وأخذهم الله.

وفي الحديث قوله ﷺ: فإن الله لا يملُ حتى تملوا الأصل فإن الله لا يقطع عنكم فضله حتى تملوا من مسئلته فوضع لا يمل موضع لا يقطع لأجل المشاكلة وهو مما وقع فيه لفظه المشاكلة أولاً.

ومنه قول الشاعر:

قالوا اقترحْ شيئاً نجد لك طبخهقلت اطبخوا لي جبّةً وقميصا

أراد خيّطوا لي جبة وقميصا وذكره بلفظ اطبخوا لوقوعه في صحبة طبخة انتهى.

قلت ومن غايات الإنشاء البلاغة في المقاصد والبلاغة هي أن يبلغ المتكلم بعبارته كنه مراده مع إيجاز بلا اخلال وإطالة من غير املال.

والفصاحة خلوص الكلام من التعقيد وقيل البلاغة في المعاني والفصاحة في الألفاظ. يقال معنى بليغ ولفظ فصيح والفصاحة خاصة تقع في المفرد يقال كلمة فصيحة ولا يقال كلمة بليغة ففصاحة المفرد خلوصه من التعقيد وتنافر الحروف والفصاحة أعم من البلاغة لأن الفصاحة تكون صفة الكلمة والكلام يقال كلمة فصيحة وكلام فصيح والبلاغة لا يوصف بها إلا الكلام فيقال كلام بليغ ولا يقال

كلمة بليغة واشتركا في وصف المتكلم بهما فيقال متكلم فصيح بليغ.

فمن الإنشاء البليغ الفصيح قول عبد الحميد عند ظهور الخراسانية بشعار السواد: فاثبتوا ريثما تنجلي هذه الغمرة وتصحوا من هذه السكرة فسينصب السيل وتمحى آية الليل.

ومثله قول أبي نصر العتبي: دبَّ الفشل في تضاعيف أحشائهم وسرى الوهن في تفاريق أعضائهم فجيوب الأقطار عنهم مزرورة مجرورة.

ومثله قول الصابئ نزع به شيطانه وامتدت في الغيّ أشطانه.

ومثله قول بديع الزمان: كتابي إلى البحر وإن لم أره فقد سمعت خبره والليث وإن لم ألقه فقد تصورت خلقه ومن رأى من السيف أثره فقد رأى أكثره.

ومثله قول القاضي الفاضل ووافينا قلعة نجم وهي نجم في سحاب وعقاب في عقاب وهامة له الغمام عمامه وأنملة إذا خضبها الأصيل كان الهلال له قلامه.

قلت ويعجبني في هذا الباب من انشاء الشهاب محمود قوله في وصف مقدم سرية: كَشْفُ الأزار في مقاصده أخف من وطأة ضيف، وفي مطالبه أخفى من زورة طيف، وفي تنقله أسرع من سحابة صيف وأروع للعدا من سلَّة سيف.

ومثله في الحسن قوله في صدر مثال شريف سلطاني: أصدرناها والسيوف قد أنفت من الغمود ونفرت من قِرَبها،

والأسنة قد ظمئت إلى موارد القلوب وتشوقت إلى الإرتواء من قلبها، والحماة ما منهم إلاّ من استظهر بإمكان قوته وقوة إمكانه والأبطال ليس فيهم من يسأل عن عدد عدوه بل عن مكانه.

ومثله في الحسن ما كتبت به جواباً عن مولانا السلطان الملك المؤيد سقى الله ثراه إلى قرا يوسف ملك العراق يتضمن خطاب الإيناس نظير ما خطب في مكاتبته.

فمن الجواب قولي: وهذه ألفة خولتنا في نعم الله وزمام الأخوة منقاد إلينا، وقد تعين على المقران يقول أنا يوسف وهذا قد من الله علينا، وقد سرتنا الإشارة الكريمة بالتمكن من أرض العدا ومطابقة الطول بالعرض وهذا الأسم قد شملته العناية قديما بقوله تعالى: وكذلك مكنا ليوسف في الأرض وأما قرا عثمان فقل سيوفنا ما غمضت عنه في أجفانها، وأنامل أسنتنا ما ذكرت توبته إلا شرعت في جس عيدانها، وجوارح سهامنا من برحت تنفض ريش أجنحتها للطيران إليه، وإن كان معنى سافلاً فلا بد لأجل المقرّ أن نخيم عليه، وينزل سلطان قهرنا بأرضه ويغرس فيها عيدان المران، وإن كانت من الأسماء التي ما أنزل الله بها من سلطان، ولم يهمل إلا لإشغال الدولتين بالدخول في تطهير الأرض من الخارج وإيقاع

الضرب الداخل من جس العيدان في كل خارج، ويدهمه من ابن أبي النصر أبناء حرب شرف في أنساب الوقائع جدُّهم، ورد الجموع الصحيحة إلى لتكسير فردهم، وإذا كثرت الخدود وتوردت بالدماء عذرت بورق الحديد الأخضر مردهم، إذا امتدوا إلى آمد تلا لهم حصنها في سورة الفتح قبل القتال، فإنهم مريدون ولهم شيخ منحه الله بكثرة الفتوح والإقبال، وإذا صرفوا الهمم المؤيدية لم تكن حصونهم عند ذلك الصرف مانعة، ولم يسمع لسكانها مجادلة إذا صدموا بالحديد وتلت حصونهم في الواقعة، وما خفي عن كريم علمه ما جمعه الناصر من الجموع التي فرقها الله أيدي سبأ، وكم سئل سائل وقد رآهم في النازعات عن ذلك العصر بالنبأ، وقد أشار منشىء دولتنا الشريفة إلى ذلك في قصيد كامل بحره والقصد هنا من أبيات ذلك القصيد قوله:

يا حامي الحرمين والأقصى ومنلولاه لم يسمر بمكة سامِرُ
والله إنَّ الله نحوك ناظرٌهذا وما في العالمين مناظر
زحف على المخون نظّم عسكراًوأطاعه في النظم بحرٌ وافر
فانبتّ منه زحافه في وقعةٍيا من بأحوال الوقائع شاعر

وجميع هاتيك البغاة بأسرهم

.. دارت عليهم من سطاك دوائر

وعلى ظهور الخيل ماتوا خيفةًفكأنّ هاتيك السروج مقابر

وما خفي عن علمه الكريم أمر الذين نقضوا بيعتنا واشتروا الضلالة بالهدى، ودعوا سيوفهم الصقيلة لما حاق بهم المكر السيىء فأجابهم الصدى، ولم يكن في حرارة عزمنا الشريف عند عصيانهم البارد فترة، حتى أظهرنا بألوان الشام من دمائهم على تدبيج الدروع ألوان البصرة، وأخذوا سريعاً بشان حرب ما شابت عوارضهم إلا بغبار الوقائع، وحكم برشدهم ولم يخرجوا من تحت حجر المعامع، وقد اسبغ الله ظلال الملك وخيم به على الدولتين، ولم يظهر لمحراب بهجة إلا بهاتين القبلتين، ولو صلت السيوف لغيرهما ما قبلت، أو صرفت العوامل إلى غير نحوهما ما علمت، فقد فهمنا كريم الالتفات إلى أن تدار كؤوس الإنشاء بيننا ممزوجة بصافي المودة، وعلمنا أنها أحكام صحيحة في شرع الأخوة ولهذه الأحكام عندنا عمدة، وقد سابق القصد اليوسفي بسهام مراده إلى الغرض، وقضى حاجة في نفس يعقوب المحبة ليس عنها عوض، ولم يبق إلا اتصال شمل الأوصال بكل رسالة سطورها في رقاع الأخوة محققة، وتصديق ما يقصده في كريم جوابه فإن القصة اليوسفية ما برحت مصدقة،

والله تعالى يمتع الأبصار والأسماع بمشاهدة أمثلته وطيب أخباره، ويفكهنا من بين أوراقها بشهيِّ ثماره، إن شاء الله تعالى انتهى ما دنت قطوفه من ثمرات الأوراق، وحلا في الأذواق السليمة وراق.

وهذا ذيل ثمرات الأوراق للإمام تقي الدين بن حجة رحمه الله تعالى وهي محاضرات لا يستغني عنها وعلي يعول فلذلك ألحقت بالأصل في الطبع وجعلت تتمة للأول.

النص من طبعة مكتبة الجمهورية العربية بمصر، بهامش «المستطرف»، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «ثمرات الأوراق»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.