تجاوز إلى المحتوى

من «ثمرات الأوراق» لابن حجة الحموي (ت ٨٣٧هـ)

ذيل ثمرات الأوراق

الصفحة ١ من ٢

يحكى أن هارون الرشيد حج ماشيا وإن سبب ذلك أن أخاه موسى الهادي كانت له جارية تسمى غادر وكانت أحظى الناس عنده وكانت من أحسن النساء وجهاً وغناء فغنت يوما وهو مع جلسائه على الشراب إذ عرض له سهو وفكر وتغير لونه وقطع الشراب فقال الجلساء ما شأنك يا أمير المؤمنين قال قد وقع في قلبي إن جاريتي غادر يتزجها أخي هارون بعدي فقالوا يطيل الله بقاء أمير المؤمنين وكلنا فداؤه فقال ما يزيل هذا ما في نفسي وأمر بإحضار هارون وعرفه ما خطر بباله فاستعطفه وتكلم بما ينبغي أن يتكلم به في تطييب نفسه فلم يقنع بذلك وقال لابد أن تحلف لي قال أفعل وحلف له بكل يمين يحلف بها الناس من طلاق وعتاق وحجٍّ وصدقة وأشياء مؤكدة فسكن ثم قام فدخل على الجارية فأحلفها بمثل ذلك ولم يلبث إلا شهراً ثم مات فلما أفضت الخلافة إلى هارون أرسل إلى

الجارية يخطبها فقالت يا سيدي كيف وبما أيمانك فقال أحلف بكل شيء حلفت به من الصدقة والعتق وغيرهما إلا تزوجتك فتزوجها وحجَّ ماشياً ليمينه وشغف بها أكثر من أخيه حتى كانت تنام فيضجع رأسها في حجره ولا يتحرك حتى تنتبه فبينما هي ذات ليلة نائمة غذ انتبهت فزعة فقال لها مالك قالت رأيت أخاك في المنام الساعة وهو يقول:

أخلفتِ وعدك بعدماجاورتُ سكان المقابرْ
ونسيتني وحنثت فيأيمانك الكذب الفواجر
فظللت في أهل البلادوعدت في الحور الغرائر
ونكحت غادرةً أخيصدق الذي سمّاك غادر
لا يهنك الألف الجديدولا تدرّ عنك الدوائر
ولحقت بي قبل الصَّباحوصرتِ حيث غدوت صائر

والله يا أمير المؤمنين فكأنها مكتوبة في قلبي ما نسيت منها كلمة فقال الرشيد هذه أضغاث أحلام فقالت كلا والله ما أملك نفسي وما زالت ترتعد حتى ماتت بعد ساعة.

وحكى ابن أبي حجلة في كتابه سلوك السنن إلى وصف السكن أخبرني شمس الدين محمد بن فراج

الحسيني أخبرنا شيخنا أثير الدين أبو حيان أنبأنا فتح الدين بن الدمياطية قال رأيت في النام شيخاً حسن الصورة والمشية وعليه مزدوجة وكأنا نمشي في طريق وأنا راكب دابة فقلت له رافقني فقال ليس الماشي برفيق الراكب فقلت إركب أنت وأمشي أنا فقال المسئلة بحالها ثم أفضنا في الحديث فسألني ما صنعتك فقلت كاتب فقال كاتب إحسان أو كاتب إنشاء فقلت شيء من هذا وشيء من هذا فقال ما يدَّعي دعواك عبد الرحيم ولا عبد الحميد ثم قال هل تنظم الشعر قلت نعم قال أنشدني وكنت قد عملت قصيداً حجازياً وكنت أستجيده فأنشدته إلى أن بلغت قولي:

تركوا بماء النيل ماءً سلسلاًوترشّفوا ماء الثمار مكدّرا

فقال لي لا شيء فقلت لم قلت ذلك وما عيب هذا البيت فقال لو قلت صافياً لكان حسناً وكان طباقا لأن الكدر يقابله الصافي قلت له هذا حسن فمن أنت يرحمك الله قال أبو مرة قلت لا خير ولا مير قال بك ثم بعد ذلك بشهر رأيته في المنام على الهيئة المتقدمة فسلم عليَّ سلام من يعرفني ثم قال هل تعرف من الشعر الميشوم شيئاً قلت نعم قال فأنشدني وكنت قد عملت قطعة شعر حال ضعفي بالنزلة فأنشدته إياها:

لله ما أشكوه من نزلةٍقد ضرَّ منها ضيق أنفاسي

ومن صداع ضقت ذرعاً به

.. باتت يدي منه على راسي

فقال هذا والله الشعر ثم قال: أضف إليهما:

فأعجب إلى دائين قد عزِّزابثالثٍ من داء إقلاس

وحكي في مرآة الزمان وغيرها من ترجمة شمس الدين توران شاه بن أيوب أخي السلطان صلاح الدين قال محمد بن علي الحكيم الأديب رأيت شمس الدولة بعد موته فمدحته بأبيات فلفّ كفنه ورمى به إلي وقال:

لا تستقلنَّ معروفاً سمحت بهميتاً فأمسيت منه عاري بذليَ
ولا تظنّن جوداً شانه بخلٌمن بعد بذليَ ملك الشام واليمن
إني خرجت من الدنيا وليس معيمن كلّ ما ملكت كفّي سوى الكفن

حكي أنه كان ببغداد شخص يعرف بأبي القاسم الطنبوري صاحب نوادر وحكايات وله مداس له مدة سنين كلما انقطع منه موضع جعل عليه رقعة إلى أن صار في غاية الثقل وصار يضرب به المثل فيقال أثقل من مداس أبي القاسم الطنبوري فاتفق أنه دخل سوق الزجاج فقال له سمسار: يا أبا القاسم قد وصل تاجر من حلب ومعه زجاج مذهب قد كسد فابتعه منه وأنا ابيعه لك بعد مدة بمكسب المثل مثلين فإبتاعه بستين ديناراً ثم دخل سوق العطارين فقال سمسار آخر قد

ورد تاجر نصيبين بما ورد في غاية الحسن والرخص ابتعه منه وأنا أبيعه لك بفائدة كثيرة فإبتاعه بستين ديناراً أخرى ثم جعله في الزجاج المذهب ووضعه على رفع في صدر البيت ثم دخل الحمام بغلس فقال له بعض أصدقائه يا أبا القاسم: أشتهي أن تغير مداسك فإنه في غاية الوحاشة وأنت ذو مال فقال السمع والطاعة ولما خرج من الحمام ولبس ثيابه وجد إلى جانب مداسه مداساً جديداً فلبسه ومضى إلى بيته وكان القاضي دخل الحمام يغتسل ففقد مداسه فقال الذي لبس مداسي ما ترك عوضه شيئا فوجدوا مداس أبي القاسم فإنه معروف فكبسوا بيته فوجدوا مداس القاضي عنده فأخذ منه وضرب أبو القاسم وحبس وغرم جملة مال حتى خرج من الحبس فأخذ المداس وألقاه في الدجلة فغاص في الماء فرمى بعض الصيادين شبكة فطلع فيها المداس فقال هذا مداس أبي القاسم والظاهر أنه سقط منه فحمله إلى بيت أبي القاسم فلم يجده فرماه من الطاق إلى بيته فسقط على الرف الذي عليه الزجاج فتبدد ماء الورد وأنكسر الزجاج فلما رأى أبو القاسم ذلك لطم على وجهه وصاح وافقراه أفقرني هذا المداس ثم قام يحفر له في الليل حفرة فسمع الجيران حسَّ الحفرة فظنوا أنه نقب فشكوه

إلى الوالي فأرسل إليه من اعتقله وقال له تنقب على الناس حائطهم اسجنوه ففعلوا فلم يلخج من السجن إلى أن غرم جملة مال فأخذ المداس ورماه في مستراح الخان فسد قصبة المستراح وفاض فكشف الصناع ذلك حتى وقفوا على موضع السد فوجدوا مداس أبي القاسم فحملوه إلى الوالي وحكوا له ما وقع فقال غرموه المصروف جملة فقال ما بقيت أفارق هذا المداس وغسله وجعله على السطح حتى يجف فرآه كلب ظنه رمّة فحمله وعبر به إلى سطح آخر فسقط على امرأة حامل فأرتجفت وأسقطت ولدا ذكراً فنظروا ما السبب فإذا مداس أبي القاسم فرفع إلى الحاكم فقال يجب عليه غرة فابتاع لهم علاماً وخرج وقد افتقر ولم يبق معه شيء فأخذ المداس وجاء به إلى القاضي وحكى له جميع ما اتفق له فيه وقال أشتهي أن يكتب مونا القاضي بيني وبين هذا المداس مبارأة بأنه ليس مني ولست منه وإني بريء منه ومهما فعله يؤاخذ به ويلزمه فقد أفقرني فضحك القاضي ووصله بشيء ومضى وانتهى.

هذه قصيدة ليزيد بن معاوية وهي عزيزة الوجود:

وسربٍ كعين الديك ميلٍ إلى الصبارواتعُ الحاديَ سود المدامع
للشاعر يزيد بن معاوية، من قصيدة «وسِرْبٍ كَعَيْنِ الدِّيكِ مَيلٍ إلى الصّبا»
سمعن غناءً بعد ما عنَّ نومةًمن الليل يمللهنّ فوق المضاجع

أيا دهر هل شرخ الشبيبة راجعٌ

.. مع الخفرات البيض أو غير راجع

قنعت بزورٍ من خيال بعثنهوكنت بوصلٍ منهُمُ غيرُ قانع
للشاعر يزيد بن معاوية، من قصيدة «وسِرْبٍ كَعَيْنِ الدِّيكِ مَيلٍ إلى الصّبا»
إذا رمت من ليلى على البعد نظرةًلتطفي جوىً بين الحشا والأضالع
للشاعر يزيد بن معاوية، من قصيدة «إذا رمت من ليلى على البعد نظرة»
تقول رجال الحيِّ تطمع أن ترىلليلى وصالاً من بداء المطامع
وكيف ترى ليلى بعينٍ ترى بهاسواها وما طهّرتها بالمدامع
للشاعر بلبل الغرام الحاجري، من قصيدة «إذا شئت أن تسمع حنينا كأنه»
أجلُّك يا ليلى عن العين إنّماأراك بقلبٍ خاضعٍ لك خاشع
للشاعر يزيد بن معاوية، من قصيدة «إذا رمت من ليلى على البعد نظرة»
وما سرّ ليلى ما حييت بذائعٍوما عهد ليلى أن تناءت بضائع
للشاعر يزيد بن معاوية، من قصيدة «وسِرْبٍ كَعَيْنِ الدِّيكِ مَيلٍ إلى الصّبا»

ومن غريب ما يحكى أن عاتكة بنت يزيد بن معاوية بن أبي سفيان والدة يزيد بن عبد الملك بن مروان حرمت على اثني عشر من الخلفاء من بني أمية معاوية جدها ويزيد أبوها ومروان أبو زوجها والوليد وسليمان وهشام بنو عبد الملك أولاد زوجها والوليد بن يزيد بن ابنها ويزيد بن الوليد بن زوجها وابراهيم بن مروان بن الوليد بن زوجها أيضاً ويزيد من عبد الملك ابنها ومعاوية بن يزيد بن معاوية أخوها وزوجها عبد الملك بن مروان ولم يتفق ذلك لامرأة غيرها انتهى. وجد بخط قاضي القضاة. شهاب الدين أحمد بن حجر حافظ العصر قال وجد بخط

الشيخ شهاب الدين أحمد بن يحيى ابن أبي حجلة التلمساني قال أنشدني القاضي فخر الدين عبد الوهاب المصري لنفسه في الأهرام سنة خمس وخمسين وسبعمائة وأجاد:

أمباني الأهرام كم من واعظٍصدع القلوب ولم يفُهْ بلسانه
للشاعر كاتب الدرج، اقرأ القصيدة
أذْكَرْنَني قولاً تقادم عهدُهُأين الذي الهرمان من بنيانه
للشاعر كاتب الدرج، اقرأ القصيدة
هنّ الجبال الشامخات تكاد أنتمتدَّ فوقَ الأفق عن كيوانه
للشاعر كاتب الدرج، اقرأ القصيدة
لو أن كسرى جالسٌ في سفحهالأجلّ مجلسه على إيوانه
للشاعر كاتب الدرج، اقرأ القصيدة
ثبتت على حرّ الزمان وبردهمدداً ولم تأسف على حدثانه
للشاعر كاتب الدرج، اقرأ القصيدة
والشمس في إحراقها والريح عند هبوبها والسيل في جريانه
للشاعر كاتب الدرج، اقرأ القصيدة
هل عابدٌ قد خصّها بعبادةٍفمباني الأهرام من أوثانه
للشاعر كاتب الدرج، اقرأ القصيدة
أو قائلٍ يقضي برجعة نفسهمن بعد فرقته إلى جثمانه
فاختارها لكنوزه ولجسمهقبراً ليأمن من أذى طوفانه
للشاعر كاتب الدرج، اقرأ القصيدة
أو أنها للسائرات مراصدٌيختار راصدها أعزّ مكانه
للشاعر كاتب الدرج، اقرأ القصيدة
أو أنها وضعت بيوت كواكبٍأحكام فُرسِ الدَّهر أو يونانه

أو أنهم نقشوا على حيطانها

.. علماً يحار الفكر في تبيانه

في قلب رائيها ليعلم نقشهافكرٌ يعضُّ عليه طرف بنانه
للشاعر كاتب الدرج، اقرأ القصيدة

يحكى أن القاضي أبا الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني كان يمر على الناس ولا يسلم عليهم فلامه بعض أصحابه في ذلك فقال:

يقولون لي فيك أنقباضٌ وإنمارأوا رجلاً عن موقف الذلّ أحجما
للشاعر أبو الحسن الجرجاني، اقرأ القصيدة
ارى الناس من واناهُمُ هان عندهمومن أكرمته عزّة النفس أُكرما
وإني إذا ما فاتني الأمر لم أكنأقلِّب كفي إثره متندّما
ولم أقض حقّ العلم إن كان كلّمابدا مطمعٌ صيَرته ليَ سُلَّما
للشاعر أبو الحسن الجرجاني، اقرأ القصيدة
وما كلُّ برقٍ لاح لي يستفزّنيولا كلُّ من في الأرض أرضاه منعما
للشاعر أبو الحسن الجرجاني، اقرأ القصيدة
إذا قيل هذا منهلٌ قلت قد أرىولكنَّ نفس الحر تحتمل الظما
للشاعر أبو الحسن الجرجاني، اقرأ القصيدة
أنهيتها عن بعض ما لايشينهامخافة أقوال العدا فيمَ أو لِما
ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتيلأخدم من لاقيت لكنْ لأخدما
للشاعر أبو الحسن الجرجاني، اقرأ القصيدة
أأشقى به غرساً وأجنيه ذلّةًإذاً فاتباع الجهل قد كان أ؛ زما
للشاعر أبو الحسن الجرجاني، اقرأ القصيدة

ولو أنّض أهل العلم صانوه صانهم

.. ولو عظّموه في النفوس لَعُظِّما

ولكن أهانوه فهان ودنّسوامحيّاه بالأطماع حتى تجهّما

قال شيخ الإسلام تاج الدين عبد الوهاب بن شيخ الإسلام تقي الدين السبكي الشافعي سقى الله عهده لقد صدق هذا القائل لو عظموا العلم عظمهم قال وأنا أقرأ قوله لعظم بفتح العين فإن العلم إذا عظم تعظم وهو في نفسه عظيم ولكن أهانوه فهانوا ولكن الرواية فهان وعظم بضم العين والأحسن ما أشرت إليه انتهى.

قال الشيخ الإمام العالم العلامة تاج الدين عبد الوهاب بن السبكي في أجوبته عن الاعتراضات التي على جمع الجوامع ومن ظريف ما يستفاد قول أبي نواس:

أباح العراقيُّ النبيذَ وشُرَبَهُوقال حرامان المدامة والسكرُ
للشاعر ابن الهبارية، اقرأ القصيدة
وقال الحجازيُّ الشرابان واحدٌفحلِّت لنا من بين قوليهما الخمر
سآخذ من قوليهما طرفيهماوأشربُها لا فَارقَ الوازرَ الوزرُ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أحل العراقي النبيذ وشربه»

وقد سألني الأديب صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي ﵀ عن معنى هذه الأبيات ومعناها أ، العراقي وهو أبو حنيفة ﵀ أباح النبيذ وحرم المدامة وهي الخمر أسكرت أم لم تسكر وحرم أيضاً المسكر من كل شيء وأن الحجازي وهو الشافعي ﵀ قال

الشرابان واحد فأخذ أبو نواس بالموجب فكأنه قال أنهما واحد ولكن في الحل لا في الحرمة وإليه الإشارة بقوله: " فحلّ لنا من بين قوليهما الخمر " ثم هذا إنما ذكره أبو نواس على عادة الشعراء في الكيس والظرافة ولا يقصد حقيقته فإنه لا يقول به أحد ولعله أشار بقوله " سآخذ من قوليهما طرفيهما " إلى آخره أنه لا يعتقده بل هو شاعر كما يقول ولا يفعل كذلك لايعتقد فهو على زعم يشربها وإن لم يعتقد الحل إذ كيف يمكن أن يقال أنه يعتقد الحل وقد قال " لا فارق الوازر الوزر " فهذا إن شاء الله معنى هذه الأبيات وهي على حال من كلمات الشعراء التي لايحتج بها في دين الله تعالى.

أعتلّ ذو الرياستين الفضل بن سهل بخراسان مدة طويلة ثم أبلَّ واستقبل وجلس للناس فدخلوا إليه وهنأوه بالعافية فانصت لهم حتى انقضى كلامهم ثم أندفع فقال إن في العلل لنعما لا ينبغي للعقلاء أن يجهلوها منها تمحيص الذنوب وثواب الصبر وإيقاظ من الغفلة وإذكار بالنعمة في حال الصحة واستدعاء للتوبة وحض على الصدقة ورضاء بقضاء الله وقدره فانصرف الناس بكلامه ونسوا ما قاله غيره انتهى.

وحكي عن ابن المبارك أنه قال حججت إلى بيت الله

الحرام فبينما أنا في الطواف إذ عييت فجلست أستريح ووضعت راسي على ركبتي فغلبني النوم فرأيت النبي ﷺ وهو يقول يا ابن المبارك إذا أنت قضيت حجك وحللت عقدك ورجعت إلى أرض العراق ودخلت دار السلام فأقصد الحلة اليت بها بهرام المجوسي فإذا لقيته فأخبره أن النبي العربي محمد ﷺ يسلم عليه وهو يقول لك أبشر فإن قصرك في الجنة غدا من أقرب القصور إلى قصري قال عبد الله فانتبهت لذلك فزعا مرعوباً وتفكرت ساعة فغلبني النوم ثانيا فرأيت النبي ﷺ أيضاً يقول يا ابن المبارك لا تشك في منامك فهو حق والشيطان لا يتمثل بصورتي قط فإذا قضيت حجَّك وحللت عقدك وأنصرفت إلى العراق فاطلب هذا المجوسي بهرام وبشره بما قلت لك فانتبهت أيضاً مرعوباً واستعذت بالله واستغفرته وتفكرت ساعة فغلبني النوم فنمت فرأيت النبي ﷺ ثالث مرة وهو يقول يا ابن المبارك أنا محمد رسول الله فلا ترتبك في ذلك وامتثل أمري فهو حق فقلت يا رسول الله أريد بذلك علامة ألقاه بها فأخذ رسول كفي بيمينه ثم قال: يا ابن المبارك هذا المجوسي شيخ زمنٌ قد أتى عليه مائة وأربعون سنة وقد ضعف بصره وثقل سمعه وأبيض شعره ودق عظمه

ويبس عصبه وجلده فإذا أتيته وسلمت عليه وبشرته بما قلت لك وطلب منك علامة فأمسح بيدك هذه التي أخذتها بيميني على رأسه ومر بها على وجهه وسائر جسده وبدنه فإنه يعود شاباً ويرجع إليه بصره وسمعه ويسود شعره ويطرى جسده ويقوى عصبه وتعود إليه قوته فانتبهت وأنا كالولهان فلما أن قضيت حجي وحللت عقدي وانصرفت إلى العراق ودخلت بغداد سألت عن دار المجوسي فقلت يا غلام استأذن لي على مولاك فقال الغلام أغريب أنت قلت أجل قال أدخل ليس هنا من يحجبك قال فدخلت إلى دار لم أرّ مثلها وإذا بكتبة ومجوس وصياريف قعود وهم يقبضون الرهون ويعطون الدنانير والدراهم فقلت يا قوم افيكم بهرام فقيل أدخل الدار الثانية فدخلتها فإذا ليس بينها وبين الدار الأولى نسبة بل تفاوت وإذا بشيخ قاعد على دست ومرتبة على الصفة التي وصفها رسول الله ﷺ وحوله جماعة من الكتاب والحساب وبين أيديهم الدنانير والدراهم كالبيادر الصغار وهم في الحساب فسلمت كما أمرني النبي ﷺ فرد علي السلام

وكان قد شد حاجبه بعصابة فرفعها عن عينه ثم قال من الرجل قلت عبد الله بن المبارك فقال مرحباً بك لقد شممت بك رائحةً زال بها الهم عن قلبي أدنُ من فجلست إلى جانبه فقال هل لك من حاجة قلت نعم قال وما هي قلت أرى أن أخلو بك ساعة فقال نعم وأمر من هناك بالخروج فتهيأوا ثم خرجوا فبقيت أنا وهو وثلاثة شبان قلت هؤلاء أصرفهم يا بهرام كم تعد من السنين قال أعد مائة وأربعين سنة قلت فهل تعرف أنك عملت شيئاً استوجبت به من الله الجنة قال لا أدري إلا أني رزقت ثلاثة بنين وثلاث بنات فزوجت بعضهم من بعض وأعطيت مهروهن من عندي وافردت لكل واحد منهم مالاً وداراً وعقارات قلت لا تستوجب الجنة بل تستوجب النار فهل عملت شيئاً صالحا لآخرتك قال قسمت ليلي ثلاثة أجزاء أما الجزء الأول فإني أقعد للمساهرة وتُقرأ عليَّ سير الأول فانفرج بذلك والجزء الثاني أعبد فيه النار وأسجد لها من دون الله الواحد القهار والجزء الثالث أفكر فيه في أمر معاشي ومعادي وأمنع نفسي عن النوم في ذلك الجزء فإن النوم فيه جهل وخمول ودماء إلا لضرورة فقلت هل لك فعل غير هذا قال لا قلت يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد فيم استحقيت

يا بهرام الجنة قال ويحك يا بن المبارك أتقطع لي بالجنة وأنت عالم المسلمين من أخبرك بذلك قلت أخبرني الصادق الأمين الذي لا ينطق عن الهوى ﷺ قال فما القصة فحدثته بالمنام الذي رأيته وبما قاله النبي ﷺ مراراً فقال يا بن المبارك وهل لذلك علامة ظاهرة قلت نعم أدنُ مني فدنا فمسحت بيدي رأسه ووجهه وصدره وبدنه وأولاده ينظرون فصار شاباً حسناً طرياً سميعاً بصيراً وأسود شعره وأبيضت بشرته فلما عاين ذلك قال أمدد يدك يا شيخ أنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ثم قال يا شيخ أأخبرك السبب الذي أوجب الله لي به هذه المنزلة قلت نعم قال كنت من مدة قد أولمت وليمة عامة للمسلمين والنصارى

واليهود والمجوس على خاصة فأكلوا وانصرفوا وانقضت الوليمة فلما كان في بعض الليل طرق طارق الباب وقد هدأ الناس ونام الخدم لما أصابهم من التعب بسبب الوليمة وأنا جالس منتبه فقلت من بالباب فقالت يا بهرام أنا امرأة من جيرانك فاوقد لي هذا السراج قال بهرام والمجوس لا ترى إخراج النار من بيوتهم ليلاً فتحيرت في أمري وقمت ولم أنبه أحداً فاسرجت لها السراج فانصرفت وأطفأت السراج وعادت وقالت يا بهرام قد انطفأ فاسرجه لي فلما أسرجته قالت يا بهرام والله ما جئتك لأجل سراج ولكن جئتك من أجل ثلاث بنات شممن روائح طعامك فهن ملقيات على وجوههن يتضاوون كالمرأة الثكلى أو كالحبة في المقلى فإن كان قد بقي في دارك فضل طعام فأعطني فإنك إن شاء الله تملك بذلك الجنة فقلت حباً وكرامة فأخذت منديلاً كبيراً فجعلت فيه من كل شيء كان في البيت من الحلو والحامض وأخرجت كيساً فيه ألف دينار وكيسا فيه ستة آلاف درهم وستة أثواب من ديباج وستة أثواب مروزية وشددت الجميع وقلت أحملي هذا إلى عيالك واقسمي عليهم فمدت يدها فلم تطق حمله لضعفها فقالت يا بهرام أعني أعانك الله على الوقوف بين يديه وخفف عليك الحساب في ذلك اليوم الشديد فقلت يا هذه كيف أفعل وأنا شيخ كبير وقد مضى عليَّ مائة ونيف وثلاثون سنة ثم تفكرت لحظة وطاب لذلك قلبي فقلت لها شيلي على رأسي فشالته واستقل على رأسي فسال لذلك عرقي حتى صرت في منزلها فحططت الطعام ووضعت الرزمة وجعلت ألقم البنات إلى أن شبعن ونشطن ثم قسمت عليهن الثياب والدراهم والدنانير ففرحن وتبسمن فلما أردت القيام قلن بأجمعهن يا برهام أصلح الله لك أمورك وأدام سرورك كما أصلحت أمورنا وأدمت سرورنا وفرحك يوم القيامة كما فرحتنا وختم لك بخير وأنزلك أقرب قصر من قُصُر نبينا محمد ﷺ في دار الجنان وأنا أقول آمين وما زلت أرجو استجابة دعائهن قلت يا بهرام أبشر فإن الله حقق لك ذلك ولهذا قال النبي ﷺ لا تحقر من المعروف شيئا ولو أنك تفرغ من دلوك في إناء أخيك ماء قال عبد الله بن المبارك فتصدق بهرام في ذلك اليوم بمائة ألف درهم وبمائة ألف دينار وبمائة ألف ثوب مروزيات وبألفي ثوب ديباج وفرق سائر أمواله على أولاده وبناته وأسلموا جميعاً وتفرق الأخوة عن الأخوات وزوج أولاده بالمسلمات وبناته بالمسلمين وأسلم في ذلك اليوم خلق كثير من المجوس ثم انفرج عن أهله ولزم المحراب يعبد الله فلم يلبث إلا قليلاً حتى توفي رحمة الله عليه ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. د والمجوس على خاصة فأكلوا وانصرفوا وانقضت الوليمة فلما كان في بعض الليل طرق طارق الباب وقد هدأ الناس ونام الخدم لما أصابهم من التعب بسبب الوليمة وأنا جالس منتبه فقلت من بالباب فقالت يا بهرام أنا امرأة من جيرانك فاوقد لي هذا السراج قال بهرام والمجوس لا ترى إخراج النار من بيوتهم ليلاً فتحيرت في أمري وقمت ولم أنبه أحداً فاسرجت لها السراج فانصرفت

وأطفأت السراج وعادت وقالت يا بهرام قد انطفأ فاسرجه لي فلما أسرجته قالت يا بهرام والله ما جئتك لأجل سراج ولكن جئتك من أجل ثلاث بنات شممن روائح طعامك فهن ملقيات على وجوههن يتضاوون كالمرأة الثكلى أو كالحبة في المقلى فإن كان قد بقي في دارك فضل طعام فأعطني فإنك إن شاء الله تملك بذلك الجنة فقلت حباً وكرامة فأخذت منديلاً كبيراً فجعلت فيه من كل شيء كان في البيت من الحلو والحامض وأخرجت كيساً فيه ألف دينار وكيسا فيه ستة آلاف درهم وستة أثواب من ديباج وستة أثواب مروزية وشددت الجميع وقلت أحملي هذا إلى عيالك واقسمي عليهم فمدت يدها فلم تطق حمله لضعفها فقالت يا بهرام أعني أعانك الله على الوقوف بين يديه وخفف عليك الحساب في ذلك اليوم الشديد فقلت يا هذه كيف أفعل وأنا شيخ كبير وقد مضى عليَّ مائة ونيف وثلاثون سنة ثم تفكرت لحظة وطاب لذلك قلبي فقلت لها شيلي على رأسي فشالته واستقل على رأسي فسال لذلك عرقي حتى صرت في منزلها فحططت الطعام ووضعت الرزمة وجعلت ألقم البنات إلى أن شبعن ونشطن ثم قسمت عليهن الثياب والدراهم والدنانير ففرحن وتبسمن فلما أردت القيام قلن بأجمعهن يا برهام

أصلح الله لك أمورك وأدام سرورك كما أصلحت أمورنا وأدمت سرورنا وفرحك يوم القيامة كما فرحتنا وختم لك بخير وأنزلك أقرب قصر من قُصُر نبينا محمد ﷺ في دار الجنان وأنا أقول آمين وما زلت أرجو استجابة دعائهن قلت يا بهرام أبشر فإن الله حقق لك ذلك ولهذا قال النبي ﷺ لا تحقر من المعروف شيئا ولو أنك تفرغ من دلوك في إناء أخيك ماء قال عبد الله بن المبارك فتصدق بهرام في ذلك اليوم بمائة ألف درهم وبمائة ألف دينار وبمائة ألف ثوب مروزيات وبألفي ثوب ديباج وفرق سائر أمواله على أولاده وبناته وأسلموا جميعاً وتفرق الأخوة عن الأخوات وزوج أولاده بالمسلمات وبناته بالمسلمين وأسلم في ذلك اليوم خلق كثير من المجوس ثم انفرج عن أهله ولزم المحراب يعبد الله فلم يلبث إلا قليلاً حتى توفي رحمة الله عليه ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

روي عن سعد بن سعيد أنه قال كان في جوار معروف الكرخي رجل مجوسي من أبناء الأغنياء وجد الخليفة عليه فصادره وأخذ منه ألف ألف دينار فافتقر بعد الغنى وذل بعد العز وكان له أعداء وحساد فقالوا للخليفة أنه قد بقي له مال جسيم فلا تظن أنه عديم فأمر بمصادرته ثانياً فلما علم

المجوسي ذلك دخل بيت النار وقصد ما كان يعبد من دون الجبار وقال إن لم تخلصيني آمنت برب معروف فلم يجبه أحد ولم ينتفع بسجوده للنار ولا للنور فلما جنَّ عليه الليل اغتسل وأتى مسجد معروف الكرخي فلم يجده في المسجد فرفع رأسه وقال يا إله إبراهيم عيسى ومحمد وإله معروف ويما من لا إله إلا هو تحققت أن ما عبدته من دونك باطل لا يضر ولاينفع وإني جئتك تائباً مما فعلت متبرئاً مما عبدت منفصلا عما اعتقدت موقنا بك شاهداً بأن لا إله إلا أنت إله الأولين والآخرين وأنت المعبود الحق تفعل ما تشاء ولا يكون إلاما تريد إنك على كل شيء قدير فأغفر لي ما تقدم من ذنبي وجهلي وإسرافي ولا تنظر إلى سوء عملي ومعصيتي واصرف شر الخليفة وأعوانه عني فقد وجهت وجهي إليك ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله يا محمد تشفعت بك إلى الله فاقبلني ثم سجد وأطال سجوده وهو يناجي ربه ويبكي فأتى معروف المحراب فرآه كذلك فبقي متفكراً في أمره لا يتحقق من هو وإذا هو بغلام من خواص الخليفة قد دخل المسجد يسأل عن المجوسي بإسمه ونسبه فقال معروف بيته في موضع كذا وكذا فقال من هناك جئت وقيل لي إنه في مسجد معروف فوالله

لا بأس عليه فإن الخليفة قد بعثني إليه برسالة لطيفة تسر قلبه وهو منتظره على أن يؤمنه ويرد عليه ما أخذه منه وكفى بالله شهيداً فقال معروف لست أرى في المسجد أحداً يشبه من تذكره إلا هذا الساجد لله المناجي لربع فاصبر له حتى يرفع رأسه فوقف صاحب الخليفة على رأسه ساعة ثم قال يا هذا ارفع رأسك ولا تبك أمير المؤمنين قد قضى حاجتك وبعثني برسالة لطيفة لتسير إليه حتى يرد عليك ما أخذه منك فرفع رأسه وإذا معروف واقف فقال يا معروف ما أكرم هذا الباب وما أحلم صاحبه وما أقربه إلى من دعاه ثم قال يا معروف أمدد يدك إني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وإني رضيت بالله رباً وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ نبيا ورسولاً وأن القرآن كلام الله جاء به محمد بن عبد الله وأنا مؤمن بذاك كله ثم تبع الرسول وذهب معروف الكرخي معه فلما وصلوا إلى دار الخليفة وإذا به واقف على الباب فاستقبلهما وسلم عليهما وصافح كلا منهما ومشى معهما إلى مجلسه وأقعدهما إلى جانبه واقبل يعتذر إليهما مما وقع منه وأمر بالأموال التي أخذت من المجوسي فأحضرت بين يديه عن آخرها ثم قال له تأمل هذه الأموال أليست هي التي

أخذت منك قال نعم قال فخذها بارك الله فيها واجعلني في حل ما وقع مني واستغفر الله لي فقال يعفر الله لك ثم قال يا أمير المؤمنين أما الأموال فهي لك حلال بعد أن هداني الله إلى دين الإسلام ولكن أعلمني ما الذي دعاك إلى طلبي في هذا الوقت قال نعم كنت نائماً وإذا أنا برسول الله ﷺ قد دخل عليَّ ومعه صف من الملائكة وصف من الصحابة فسلم علي وقال إن الله ﵎ يقرئك السلام ويقول لك إن عبدنا فلاناً المجوسي كنا قد دعوناه في الذرا فأجابنا وكان في المجوسية مستتراً ولنا معه عناية وقد جاء الآن إلّي تائباً وهو في مسجد معروف الكرخي مستجيراً بجانبنا منك فإبعث في طلبه ورد عليه ما أخذ منه ولا تقطع المعاملة بيننا فانتبهت مرعوباً فأرسلت في طلبك وها هو مالك قد رددناه عليك ودفعناه إليك فخر الرجل ساجداً لله تعالى ثم رفع رأسه وبكى وقال واندماه وأسفاه والهفاه كيف تركت عبادة الرحمن الرحيم واشتغلت بعبادة النيران وضيعت العمر والزمان ثم قال يا أمير المؤمنين لا حاجة لي في هذا المال خذه فهو حلال لك فقال أمير المؤمنين لا أرجع بشيء أمرني ربي بإخراجه فقال يا أمير المؤمنين

لا حاجة لي في المال أشهد أني قد جعلته صدقة في فقراء المسلمين لا حظ لي فيه ولا لأحد من أهلي فقال الخليفة لمعروف بقي الأمر إليك فإحمل المال وتصدَّق به على الفقراء والمساكين وأبناء السبيل والأيتام والأرامل فدعا له معروف وأخذ بد الرجل وحمل المال على البغال وصافحهما أمير المؤمنين وسأل الرجل أن يحالله

النص من طبعة مكتبة الجمهورية العربية بمصر، بهامش «المستطرف»، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع