تجاوز إلى المحتوى

من «ثمرات الأوراق» لابن حجة الحموي (ت ٨٣٧هـ)

ذيل ثمرات الأوراق

الصفحة ٢ من ٢

عما وقع منه ولازم الرجل معروفاً الكرخي إلى أن مات تغمده الله برحمته. وقع منه ولازم الرجل معروفاً الكرخي إلى أن مات تغمده الله برحمته.

وحكي عن معن بن زائدة الشيباني إن شاعراً قصده فأقام مدة يريد الدخول إليه فلم يتهيأ له ذلك فلما أعياه ذلك قال لبعض خدمه إذا دخل الأمير البستان فعرفني فلما دخل معن البستان عرَّفه الخادم عنه فكتب الشاعر بيتا من الشعر على خشبة وألقاها في الماء الداخل إلى البستان فإتفق أن معنا كان جالساً في ذلك الوقت على رأس الماء فمرت به فأخذها فإذا فيها كتابة فقرأها وهي:

أيا جود معنٍ ناج معناً بحاجتيفمالي إلى معنٍ سواك شفيعُ

فقال من صاحب هذه فدعي بالرجل فقال له كيف قلت فأنشد البيت فأمر له بمائة ألف درهم فأخذها وأخذ الأمير الخشبة فوضعها تحت بساطه فلما كان اليوم الثاني قرأها ودعا بالرجل فدفع له مائة ألف درهم على العادة ثم دعاه ثالث مرة فقرأ البيت ودفع له مائة ألف

درهم فلما أخذ الجائزة الثالثة خشي الشاعر أن يندم فيأخذ منه ما دفع إليه فسافر فلما كان في اليوم الرابع طلبه معن فلم يجده فقال معن حق عليَّ لو مكث لأعطينه حتى لا يبقى في بيتي درهم ولا دينار.

وحكي عنه أيضاً أنه أتى بجملة من الأسرى فعرضهم على السيف فقال له بعضهم أصلح الله الأمير نحن أسراك وبنا جوع وعطش فلا تجمع علينا الجوع والعطش والقتل فأمر لهم بطعام وشراب فأكلوا وشربوا ومعن ينظر إليهم فلما فرغوا قال الرجل أصلح الله الأمير كنا أسراك ونحن الآن أضيافك فأنظر ما تصنع بأضيافك قال قد عفوت عنكم فقال الرجل أيها الأمير ما ندري أي يوم أشرف يوم ظفرك بنا أو يوم عفوك عنا فأمر لهم بمال وكسوة.

وحكي أن المنصور أهدر دم رجل كان يسعى في فساد دولته من الخوارج من أهل الكوفة وجعل لمن دل عليه وجاء به مائة ألف درهم ثم ظهر في بغداد فينما هو يمشي مختفياً في بعض نواحيها إذ بصر به رجل من أهل الكوفة فعرفه فأخذ بمجامع ثيابه وقال هذا بغية أمير المؤمنين فبينما الرجل على تلك الحالة إذ سمع وقع حوافر الخيل فالتفت فإذا معن بن زائدة فقال يا أبا الوليد أجرني أجراك الله فوقف وقال للرجل المتعلق به ما شأنك

قال بغية أمير المؤمنين الذي أهدر دمه وجعل لمن دل عليه وأتى به مائة ألف درهم فقال دعه يا غلام أنزل عن دابتك وأحمل الرجل عليها فصاح الرجل بالناس وقال أيحال بيني وبين من طلبه أمير المؤمنين فقال له معن أذهب إليه وأخبره أنه عندي فانطلق إلى باب المنصور فأخبره فأمر المنصور بإحضار معن فلما أتى الرسول إلى معن دعا أهل بيته ومواليه وقال أعزم عليكم لا يصل إلى هذا الرجل مكروه وفيكم عين تطرف ثم سار إلى المنصور فدخل عليه وسلم عليه فلم يرد ﵇ وقال يا معن أتتجرأ عليَّ قال نعم يا أمير المؤمنين قال ونعم أيضاً وأشتد غضبه فقال يا أمير المؤمنين مضت أيام كثيرة قد عرفتم فيها حسن بلائي في خدمتكم فما رأيتموني أهلا أن يوهب إليَّ رجل واحد استجار بي بين الناس وتوسَّم أني عند أمير المؤمنين من بعض عبيده وكذلك أنا فمر بما شئت ها أنا بين يديك فأطرق المنصور ساعة ثم رفع رأسه وقد سكن ما به من الغضب وقال قد أجرنا من أجرت يا معن قال فإن رأى أمير المؤمنين أن يجمع بين الأجرين فيأمر له بصدقة فيكون قد أحياه وأغناه قال قد أمرنا له بخمسين ألف درهم قال يا أمير المؤمنين إن صلات الخلفاء

على قدر جنايات الرعية وإن ذنب الرجل عظيم فأجزل له الصلة قال قد أمرنا له بمائة ألف درهم قال فعجلها يا أمير المؤمنين فإن خير البر تعجيله فإنصرف معن بالمال للرجل وقال له خذ صلتك والحق بأهلك وإياك ومخالفة خلفاء الله في أمورهم.

وحكى الجاحظ قال أخبرني فتى من أصحاب الحديث قال دخلت ديراً في بعض المنازل لما ذكر لي أن به راهباً حسن المعرفة بإخبار الناس وأيامهم فسرت له لأسمع كلامه فوجدته في حجرة معتزلة بالدير وهو على أحسن هيئة في زي المسلمين فكلمته فوجدت عنده من المعرفة أكثر مما وصفوا فسألت عن سبب إسلامه فحدثني أن جارية من بنات الروم كانت في هذا الدير نصرانية كثيرة المال بارعة الجمال عديمة الشكل والمثال فأحبت غلاماً مسلماً خياطاً وكانت تبذل له مالها ونفسها والغلام يعرض عن ذلك ولا يلتفت إليها وامتنع عن المرور بالدير فلما أعيتها الحيلة فيه طلبت رجلاً ماهراً في التصوير وأعطته مائة دينار على أن يصور لها صورة الغلام في دائرة على شكله وهيئته ففعل المصور فلم تخطىء الصورة شيئاً منه غير النطق وأتى بها إلى الجارية فلما أبصرتها أغمي عليها فلما أفاقت أعطت المصور مائة دينار أخرى وأخرج الراهب لي الصورة فرأيتها فكاد أن ينزل عقلي فلما خلت

الجارية بالصورة رفعتها إلى حائط حجرتها وما زالت كل يوم تأتي الصورة وتقبلها وتلثم ما تحب منها ثم تجلس بين يديها وتبكي فإذا امست فما زالت على تلك الحال شهراً فمرض الغلام ومات فعملت الجارية مأتماً وعزاء سار ذكره في الآفاق وصارت مثلاً بين الناس ثم رجعت إلى الصورة وصارت تلثمها وتقبلها إلى أن أمست فماتت إلى جانبها فلما أصبحنا دخلنا عليها لنأخذ من خاطرها فوجدناها ميتة ويدها ممدودة إلى الحائط نحو الصورة وقد كتب عليه هذه الأبيات:

يا موتُ حسبك نفسي بعد سيّدهاخذها إليك فقد أودت بما فيها
أسلمت وجهي إلى الرحمن مسلمةًومتُّ حبيبٍ كان يعصيها
لعلّها في جنان الخلد يجمعهابمن تحبُّ غداً في البعث باريها
مات الحبيب وماتت بعده كمداًمحبّةٌ لم تزل تُشقي محبّيها

قال الراهب فشاع الخبر وحملها المسلمون ودفنت إلى جانب قبر الغلام فلما أصبحنا دخلنا حجرتها

فرأينا تحت شعرها مكتوباً:

اصبحت في راحةٍ مما جنته يديوصرت جارة ربٍّ واحدٍ صمد
محا الإله ذنوبي كلّها وغداقلبي خليّاً من الأحزان والكمد
لما قدمت إلى الرحمن مسلمةًوقلت: إنّك لم تولد ولم تلد
أثابني رحمةً منه ومغفرةًوأنعماً باقياتٍ آخر الأبد

قيل اجتمع الصوفية إلى أبي القاسم الجُنيد، وقالوا يا أستاذ أنخرج ونسعى في طلب الرزق قال لهم إن علمتم أين هو فاطلبوه فنسأل الله أن يرزقنا قال إن علمتم أنه ينساكم فذكروه قالوا فنجلس إذاً ونتوكل قال التجربة شك قالوا فما الحيلة قال ترك الحيلة.

قيل اجتمع أربعة من الأئمة الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو ثور ومحمد بن الحكم ﵃ عند أحمد بن حنبل يتذاكرون فصلوا صلاة المغرب وقدموا الشافعي ثم ما زالوا يصلون في المسجد إلى أن صلوا العتمة ثم دخلوا بيت أحمد بن حنبل ودخل أحمد على امرأته ثم خرج على أصحابه وهو يضحك فقال الشافعي مم تضحك يا أبا عبد الله قال خرجت إلى الصلاة ولم يكن في البيت لقمة من طعام والآن فقد

وسع الله علينا قال الشافعي فما سببه قال أحمد قالت لي أم عبد الله أنكم لما خرجتم إلى الصلاة جاء رجل عليه ثياب بيض حسن الوجه عظيم الهيئة ذكي الرائحة فقال يا أحمد بن حنبل فقلنا لبيك فقال هاكم خذوا هذا فسلم إلينا زنبيلاً أبيض وعليه مندل طيب الرائحة وطبق مغطى منديل آخر وقال كلوا من رزق ربكم وأشكروا له فقال الشافعي يا أبا عبد الله فما في الزنبيل والطبق فقال عشرون رغيفاً قد عجنت باللبن واللوز المقشور أبيض من الثلج وأذكى من المسك ما رأى الراءون مثله وخروف مشوي مزعفر حار وملح في سكرجة وخل في قارورة على الطبق وبقل وحلواء متخذة من سكر طبرزد ثم أخرج الكل ووضعه بين أيديهم فتعجبوا من شأنه وأكلوا ما شاء الله قال فلم تذهب حلاوة ذلك الطعام والحلواء مدة طويلة وكل من أكل من ذلك الطعام ما أحتاج إلى طعام غيره مدة شهر فلما أن فرغوا من الأكل حمل أحمد ما بقي منه وأدخله إلى أهله فأكلوا وشبعوا وبقي منه شيء فأجمع رأيهم على أن الطعام كان من غيب الله وأن الرسول كان ملكاً من الملائكة قال صالح بن حنبل ما أصابتنا مجاعة قط ما دام ذلك الزنبيل في بيتنا وكان يأتينا الرزق

من حيث لا تحتسب ﵃ وأعاد علينا من بركاتهم.

قيل أن عبد الله بن معمر القيسي كان أميراً من أمراء العرب وكان بطلا شجاعاً جواداً ذا مروءة وافرة قال حججت سنة من السنين إلى بيت الله الحرام وصحبت مالاً كثيراً ومتجراً عزيزاً، فلما قضيت حجي عدت لزيارة قبر النبي ﷺ فبينما أنا ذات ليلة بين القبر والمنبر في الروضة إذا سمعت أنيناً عالياً وحسَّاً بادياً فانصت إليه فإذا هو يقول:

أشجاك نوحُ حمائم الدرِّفأهجن منك بلابلَ الصدر
أم ذاد نومك ذكر غانيةٍأهدت إليك وساوس الفكر
في ليلةٍ نام الخليُّ بهاوخلفت بالأحزان والذكر
يا ليلةً طالت على دنفٍيشكو الغرام وقلّة الصبّر
أسلمت من يهوى لحرِّ جوىًمتوقّدٌ كتوقُّدِ الجمر
فالبدر يشهد أنّني دنفٌبجمال حبِّ مشبّه البدر

قال ثم أنقطع الصوت ولم أر من أين جاء فبهت حائراً وإذا به قد أعاد البكاء والنحيب وهو يقول:

أشجاك من ريّا خيالُ زائرٌوالليل مسودُّ الذوائب عاكرُ
وأعتاد مهجتك الهوى فأبادهاوأهتاج مقلتك المنام البائر
ناديت ليلى والظلام كأنّهُيمٌّ تلاطم فيه موجٌ زاخر
والبدر يسري في السماء كأنّهملكٌ تبدّى والنجوم عساكر
وإذا تعرضت الثريا خلتهاكأساً بها حبُّ السلافة دائر
وترى يد الجوزاء ترقص في الدجارقص الحبيب علاه سكرٌ ظاهر

يا ليل طلت على حبيبٍ مالهإلاَّ الصباح مؤازر ومسامرفأجابني متْ حتف أنفك وأعلمنْأنَّ الهوى لهو الهوان الحاضرقال عبد الله فنهضت عند ابتدائه بالأبيات أؤم الصوت فما انتهى إلى آخرها إلا وأنا عنده فرأيت غلاماً جميلاً قد نزل عذاره لكن قد علا محاسنه الإصفرار والدموع تجري على خده كالأمطار فقال نعمت ظلاما من الرجل قلت عبد الله بن معمر القيسي فقال ألك حاجة يا فتى قلت إني كنت جالساً في الروضة فما راعني في هذه الليلة إلا صوتك فبنفسي أقيك وبروحي أفديك وبمالي أواسيك ما الذي تجد قال إن كان ولابد فاجلس فجلست فقال أنا عتبة بن الحباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري غدوت إلى مسجد الأحزاب ولم أزل فيه راكعاً ساجداً ثم اعتزلت غير بعيد فإذا نسوة يتهادين كأنهن القطا وفي وسطهن جارية بديعة الجمال في نشرها بارعة الكمال في عصرها نورها ساطع يتشعشع وطيبها عاطر يتضوَّع فوقفت عليَّ وقالت يا عتبة: ما تقول في وصل من طلب وصلك

ثم تركتني وذهبت فلم أسمع لها خبراً ولا قفوت لها أثراً فأنا حيران أنتقل من مكان إلى مكان ثم صرخ صرخة عظيمة وأكبَّ على الأرض مغشياً عليه ثم أفاق بعد ساعة وكأنما صبغت ديباجة خده بورس وأنشد يقول:

أراك بقلبي من بلادٍ بعيدةٍتُراكَمْ تروني بالقلوب على بعد
فؤادي وطرفي يأسفان عليكُمُوعندِكُمُ روحي وذكركم عندي
للشاعر مبارك بن حمد العقيلي، من قصيدة «بما بيننا من عهود ود أكيدة»
ولست ألذُّ العيش حتى أراكُمُولو كنت في الفردوس أو جنّة الخلد

قال فقلت يا أخي تب إلى ربك واستقل من ذنبك واتق هول المطلع وسوء المضجع فقال هيهات هيهات ما أنا مبال حتى يكون ما يكون ولم أزل به إلى طلوع الصباح فقلت له قم بنا إلى مسجد الأحزاب فلعل الله أن يكشف عنك ما بك قال أرجو ذلك ببركة طلعتك إن شاء الله فنزلنا إلى أن وردنا مسجد الأحزاب فسمعته يقول:

يا للرجال ليوم الأربعاء أماينفكُّ يحدث لي بعد النهى طربا
للشاعر الحارث بن حلزة، من قصيدة «يا للرجال ليوم الأربعاء»
ما إن يزال غزالٌ فيه يظلمنييهوى إلى مسجد الأحزاب منتقبا
يخمِّنُ الناس أن الأجر هَّمتهوما أنا طالباً للأجر مكتسبا

لو كان يبغي ثواباً ما أتى ظهراً

.. مضمَّخاً بفتيت المسك مختضبا

فجلسنا ثم حتى صلينا به الظهر فإذا النسوة أقبلن وما الجارية بينهن فلما بصرن به قلن يا عتبة وما ظنك بطالبة وصالك وكاسفة بالك قال وما لها قلن قد أخذها أبوها وأرتحل بها إلى السماوة فسالتهن عن الجارية فقلن هي ريا ابنة الغطريف السلمي فرفع الشاب رأسه إليهن وأنشد يقول:

خليليَّ ريّا قد أجدّ بكورهاوسار إلى أرض السماوة عيرُها
خليليَّ ما تقضي بها أمُّ مالكٍعليَّ فما يعدو عليَّ أميرها
خليليَّ إنيّ قد خشيت من البكافهل عند غيري مقلٌ أستعيرها

فقلت يا عتبة طب قلبا وقر عينا فقد وردت الحجاز بمال جزيل وطرف وتحف وقماش ومتاع أريد به أهل السفر ووالله لأبذلنه أمامك وبين يديك وفيك وعليك حتى أوصلك إلى المنى وأعطيك الرضا وفوق الرضا فقم بنا إلى مجلس الأنصار فقمنا حتى أشرفنا على ناديهم فسلمت فأحسنوا الرد ثم قلت أيها الملأ الكرام ما تقولون في عتبة وأبيه قالوا خيراً إنّه من سادات العرب قلت فإنه قد رمى بفؤاده الجوى وما أريد منكم إلا المعونة فركبنا وركب القوم حتى أشرفنا على منازل بني سليم من السماوة فقلنا أين منزل الغطريف فخرج بنفسه

النص من طبعة مكتبة الجمهورية العربية بمصر، بهامش «المستطرف»، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «ثمرات الأوراق»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.