من «ثمرات الأوراق» لابن حجة الحموي (ت ٨٣٧هـ)
ذيل ثمرات الأوراق (٢)
الصفحة ١ من ٢
مبادراً فاستقبلنا استقبال الكرام وقال حييتم بالأكرام والرحب والأنعام قلنا وأنت حييت ثم حييت أتيناك أضيافاً قال نزلتم أفضل معقل ثم نادى يا معشر العبيد أنزلوا القوم وسارعوا إلى الأكرام ففرشت في الحال الأنطاع والنمارق والزرابي فنزلنا وأرحنا ثم ذبحت الذبائح ونحرت النحائر وقدمت الموائد فقلنا يا سيد القوم لسنا بذائقين لك طعاماً حتى تقضي حاجتنا وتردنا بمسرتنا قال وما حاجتكم أيها السادة قلنا نخطب عقيلتك الكريمة لعتبة بن الحباب ابن المنذر الطيب العنصر العالي المفخر فأطرق وقال يا أخوتاه إن التي تخطبونها أمرها إلى نفسها وها أنا داخل إليها أخبرها ثم نهض مغضباً فدخل على ريّا وكانت كاسمها فقالت يا أبتاه إني أرى الغضب بيِّناً عليك فما الخبر قال لها ورد الأنصار يخطبونك مني قالت سادات كرام وأبطال عظام استغفر لهم النبي ﷺ فلمن الخطبة منهم قال لفتى يعرف بعتبة بن الحباب قالت بالله لقد سمعت عن عتبة هذا أنه يفي بما وعد ويدرك إذا قصد ويأكل ما وجد ولا ياسف على ما فقد قال الغطريف أقسم بالله لا أزوجك به أبداً فقد نما إليَّ بعض حديثك معه فقالت ما كان ذلك ولكن إذ أقسمت فإن الأنصار لا يردون
مرداً قبيحاً فأحسن لهم الرد وأدفع بالتي هي أحسن قال يا ريَّا فأي شيء أقول قالت أغلظ لهم المهر ما استطعت فإنهم يرجعون ولا يجيبون وقد أبررت قسمك وبلغت مأربك وراعيت أضيافك قال ما أحسن ما قلت ثم خرج مبادراً فقال يا إخوتاه إن فتاة الحي قد أجابت ولكن أريد لها مهراً مثلها فمن القائم به قال عبد الله فقلت أنا القائم بما تريد فقال أريد ألف مثقال من الذهب الأحمر قلت لك ذلك قال وخمسة آلاف درهم من ضرب هجر قلت لك ذلك قال ومائة ثوب من الأبراد والحبر قلت لك ذلك قال وعشرين ثوباً من الوشي المطرز قلت لك ذلك قال وأريد خمسة أكرشة من العنبر قلت لك ذلك قال وأريد مائة نافجة من المسك الأذفر قلت لك ذلك قال فهل أجبت قلت أجل ثم أجل قال عبد الله فأنفذت نفراً من الأنصار أتوا بجميع ما ضمنته وذبحت النعم والغنم واجتمع الناس لأكل الطعام فأقمنا هناك نحو أربعين يوما على هذا الحال ثم قال الغطريف يا قوم خذوا فتاتكم وانصرفوا مصاحبين السلامة ثم حملها في هودج وجهز معها ثلاثين راحلة عليها التحف والطرف ثم دعنا ورجع فسرنا حتى إذا بقي بيننا وبين المدينة مرحلة واحدة خرجت علينا خيل تريد الغارة وأحسب أنها من
بني سليم فحمل عليها عتبة بن الحباب فقتل منها عدة من رجالها وردها وانحرف راجعاً وبه طعنة تفور دما حتى سقط إلى الأرض فلم يلبث عتبة أن قضى نحبه فقلنا يا عتباه فسمعت الجارية فألقت نفسها عليه وجعلت تقبله وتصيح بحرقة وتقول:
تصبّرت لا إني صبرت وإنّماأعلل نفسي إنّها بك لاحقه
ولا أنصفت نفسي لكانت إلى الردىأمامك من دون البريّة سابقه
فما واحدٌ بعدي وبعدك منصفٌخليلاً ولا نفسٌ لنفسٍ مصادقه
ثم شهقت شهقة واحدة قضت فيها نحبها فاخترنا لهما مكانا وجدثا وواريناهما فيه ورجعت إلى ديار قومي وأقمت سبع سنين بعدها ثم عدت إلى الحجاز ووردت إلى زيارة قبر النبي ﷺ فقلت والله لأعودن إلى قبر عتبة فأزوره فأتيت إلى قبر فإذا عليه أوراق شجرة نابتة عليها أوراق حمر وصفر وخضر وبيض فقلت لأرباب الجهة ما يقال لهذه الشجرة فقالوا شجرة العروسين فأقمت عند القبر يوما وليلة وانصرفت.
وحكي أن شخصا جاء إلى الشيخ عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام الشافعي رحمه الله تعالى سلطان العلماء فقال رأيتك في المنام تنشد:
وكنت كذي رجلين رجلٍ صحيحةٍورجلٍ رمى فيها الزمان فشُلّتِ
فسكت، ثم قال أعيش ثلاثا وثمانين سنة فإن هذا الشعر لكثير عزة وقد نظرت فلم أجد بيني وبينه نسبة فإني سنّي وهو شيعي وأنا طويل وهو قصير وهو شاعر ولست بشاعر وأنا سلمي وهو خزاعي وأنا شامي وهو حجازي فلم يبق إلا السن فأعيش مثله فكان كذلك انتهى.
ومن ظرف ما يحكى أن الجاحظ قال عبرت يوما على معلم كتاب فوجدته في هيئة حسنة وقماش مليح فقام إليّ وأجلسني معه ففاتحته في القرآن فإذا هو ماهر ففاتحته في شيء من النحو فوجدته ماهرا ثم أشعار العرب واللغة فإذا به كامل في جميع ما يراد منه فقلت قد وجب عليَّ تقطيع دفتر المعلمين فكنت كل قليل أتفقده وأزوره قال فأتيت بعض الأيام إلى زيارته فوجدت الكتاب مغلقا فسألت جيرانه فقالوا مات عنده ميت فقلت أروح أعزيه فجئت إلى بابه فطرقته فخرجت إليَّ جارية وقالت ما تريد قلت مولاك فقالت مولاي جالس وحده في العزاء ما يعطي لأحد الطريق قلت قولي له صديقك فلان يطلب يعزيك فدخلت وخرجت وقالت بسم الله فعبرت إليه فإذا هو جالس وحده فقلت أعظم الله أجرك لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة وهذا سبيل لا بد منه فعليك بالصبر
ثم قلت أهذا الذي توفي ولدك قال لا قلت فوالدك قال لا قلت فأخوك قال لا قلت فمن قال حبيبتي فقلت في نفسي هذا أول المناحس وقلت له سبحان الله تجد غيرها وتقع عينك على أحسن منها فقال وكأني بك وقد ظننت أني رأيتها فقلت في نفسي هذه منحسة ثانية ثم قلت وكيف عشقت من لا رأيته فقال أعلم أني كنت جالسا وإذا رجل عابر يغني وهو يقول:
يا أمَّ عمروٍ جزاك الله مكرمةًردّي عليَّ فؤادي أينما كانا
فقلت في نفسي لولا أن أم عمرو هذه ما في الدنيا مثلها ما كان الشعراء يتغزلون فيها فلما كان بعد يومين عبر عليَّ ذلك الرجل وهو يغني ويقول:
إذا ذهب الحمارُ بأمِّ عمروٍفلا رجعت ولا رجع الحمارُ
فعلمت أنها ماتت فحزنت عليها وقعدت في العزاء منذ ثلاثة أيام فقال الجاحظ فعادت عزيمتي وقويت على كتابة الدفتر لحكاية أم عمرو.
ومن غريب ما يحكى ما حكاه القاضي أبو علي المحسن بن علي التنوخي في كتاب الفرج بعد الشدة: أنّ منارة صاحب الخلفاء قال رفع إلى هارون الرشيد أن رجلا بدمشق من بقايا بني أمية عظيم المال كثير الجاه مطاع له في البلدان جماعة وأولاد ومماليك وموال
يركبون الخيول ويحملون اليلاح ويغزون الروم وأنه سمح جواد كثير البذل والضيافة وأنه لا يؤمن من فتق يبعد رتقه فعظم ذلك على الرشيد قال الرشيد قال منارة وكان وقوف الرشيد على هذا وهو بالكوفة في بعض حججه في سنة وقد عاد من الموسم وبايع للأمين والمأمون والمؤتمن أولاده فدعاني وهو خال وقال أني دعوتك لأمر يهمني وقد منعني النوم فانظر كيف تعمل ثم قص علّي خبر الأموي وقال أخرج الساعة فقد أعددت لك الجائزة والنفقة والآلة ويضم إليك مائة غلام واسلك البرية وهذا كتبي إلى أمير دمشق وهذه قيود فادخل فأبدأ بالرجل فإن سمع وأطاع فقيده وجئني به وإن عصى فتوكل به أنت ومن معك وأنفذ هذا الكتاب إلى نائب الشام ليركب في جيشه ويقبضوا عليه وجئني به وقد أجلتك لذهابك ستا ولمجيئك ستا وهذا محمل تجعله في شقة إذا قيدته وتقعد أنت في الشق الآخر ولا تكل حفظه إلى غيرك حتى تأتيني به في اليوم الثالث عشر من خروجك فإذا دخلت داره فتفقدها وجميع ما فيها وأهله وولده وحشمه وغلمانه وقدر النعمة والحال والمحل واحفظ ما يقوله الرجل حرفا بحرف من
ألفاظه من حين وقوع طرفك عليه إلى أن تأتيني به وإياك أن يشذ عنك شيء من أمره انطلق، قال منارة، فودعته وخرجت وركبت الإبل وسرت أطوي المنازل أسير الليل والنهار ولا أنزل إلا للجمع بين الصلاتين والبول وتنفيس النفس قليلاً إلى أن وصلت دمشق في أول الليلة السابعة وأبواب البلد مغلقة فكرهت الدخول ليلا فنمت بظاهر البلد إلى أن فتح الباب فدخلت على هيئتي حتى أتيت دار الرجل وعليها صف عظيم وحاشية كثيرة فلم أستأذن ودخلت بغير إذن فلما رأى القوم ذلك سألوا بعض غلماني فقالوا هذا منارة رسول أمير المؤمنين إلى صاحبكم فلما صرت في صحن الدار أنزلت ودخلت مجلساً رأيت فيه قوما جلوساً فظننت أن الرجل فيهم فقاموا رحبوا بي فقلت افيكم فلان قالوا لا نحن أولاده وهو في الحمام فقلت استعجلوه فمضى بعضهم يستعجله وأنا أتفقد الدار والأحوال والحاشية فوجدتها قد ماجت بأهلها موجا شديداً فلم أزل كذلك حتى خرج الرجل بعد أن طال واستربت به واشتد قلقي وخوفي من أن يتوارى إلى أن رأيت شيخاً بزي الحمام يمشي في الصحن وحواليه جماعة كهول وأحداث وصبيان وهم أولاده وغلمانه فعلمت أنه الرجل فجاء حتى جلس فسلم علي سلاماً خفياً
وسألني عن أمير المؤمنين واستقامة أمر حضرته فأخبرته كما وجب وما قضى كلامه حتى جاءوا بأطباق فاكهة فقال تقدم يا منارة فكُلْ معنا فقلت مالي إلى ذلك من حاجة فلم يعاودني وأقبل يأكل هو ومن عنده ثم غسل يديه ودعا بالطعام فجاءوا بمائدة عظيمة لم أرّ مثلها إلا للخليفة فقال تقدم يا منارة فساعدنا على الأكل لا يزيدني على أن يدعوني بإسمي كما يدعوني الخليفة فامتنعت عليه فما عاودني وأكل هو ومن عنده وكانوا تسعة من أولاده فتأملت أكله في نفسه فوجدته أكل الملوك ووجدت جأشه رابضاً وذلك الأضطراب الذي في داره قد سكن ووجدتهم لا يرفعون من بين يديه شيئاً قد وضع على المائدة إلا نهبا وقد كان غلمانه أخذوا المال لما نزلت الدار وجمالي وجميع غلماني بالمنع من الدخول فما أطاقوا ممانعتهم وبقيت وحدي ليس بين يدي إلا خمسة أو ستة غلمان وقوف على رأسي فقلت في نفسي هذا جبار عنيد وإن امتنع علي من الشخوص لم أطق إشخاصه بنفسي ولا بمن معي ولا أطيق حفظه إلى أن يلحقني أمير البلد فجزعت جزعاً شديداً ورابني منه استخفافه بي في الأكل ولا يسألني عما جئت به ويأكل مطمئناً وأنا مفكر في ذلك فلما فرغ من أكله وغسل يديه دعا ببخور فتبخر وقام
إلى الصلاة فصلى الظهر وأكثر من الدعاء والابتهال فرأيت صلاته حسنة فلما انتقل من المحراب أقبل علي وقال ما أقدمك يا منارة فقلت أمر لك من أمير المؤمنين وأخرجت الكتاب ودفعته إليه فقرأه فلما استتم قراءته دعا أولاده وحاشيته فاجتمع منهم خلق كثير فلم أشك أنه يريد أني وقع بي فلما تكاملوا ابتدأ فحلف إيماناً غليظة فيها الطلاق والعتاق والحج وأمرهم أن ينصرفوا ويدخلوا منازلهم ولا يجتمع منهم إثنان في مكان واحد
ولا يظهروا إلى أن يظهر لهم أمر يعملون عليه وقال هذا كتاب أمير المؤمنين يأمرني بالتوجه إليه ولست أقيم بعد نظري فيه لحظة واحدة فاستوصوا بمن ورائي من الحرم خيرا وما بي حاجة من أن يصحبني غلام هات قيودك يا منارة فدعوت بها وكانت في سفط فأحضر حداداً فمد ساقيه فقيدته وأمرت غلماني بحمله في المحمل وركبت في الشق الآخر وسرت من وقتي ولم ألق أمير البلد ولا غيره فسرت بالرجل ليس معه أحد إلى أن صرنا بظاهر دمشق فابتدأ يحدثني بانبساط حتى انتهينا إلى بستان حسن في الغوطة فقال لي ترى هذا قلت نعم قال أنه لي وقال إن فيه من غرائب الأشجار كيت وكيت ثم انتهى إلى آخر فقال مثل ذلك ثم انتهى إلى مزارع حسان وقرى سنية وقال هذه لي فاشتد غيظي منه فقلت له أعلم أني شديد التعجب منك قال ولم تعجب قلت أليس تعلم أن أمير المؤمنين قد أهمه أمرك حتى أرسل إليك من انتزعك من
بين أهلك ومالك وولدك وأخرجك عن جميع ما لك فريداً وحيداً مقيداً ما تدري إلى ما يصير إليه أمرك ولا كيف يكون وأنت فارغ القلب من هذا تصف ضياعك وبساتينك هذا وقد رأيتك وقد جئت وأنت لا تعلم فيم جئت وأنت ساكن القلب قليل الفكر لقد كنت عندي شيخاً فاضلاً فقال لي مجيباً إنا لله وإنا إليه راجعون أخطأت فراستي فيك ظننتك رجلاً كامل العقل وأنك ما حللت من الخلفاء هذا المحل إلا بعد أن عرفك بذلك فإنا والله رأيت عقلك وكلامك يشبه كلام العوام وعقلهم والله المستعان أما قولك في أمير المؤمنين وإزعاجه وإخراجه إياي إلى بابه على صورتي هذه فإني على ثقة من الله ﷿ الذي بيده ناصيتي ولا يملك أمير المؤمنين لنفسه ولا لغيره نفعاً ولا ضرا إلا بإذن الله ومشيئته ولا ذنب لي عند أمير المؤمنين أخافه وبعد فإذا عرف أمري وعلم سلامتي وصلاحي وبعد ناحيتي وإن الحسدة والاعداء رموني عنده بما ليس فيَّ وتقوّلوا عليَّ الأباطيل الكاذبة لم يستحل دمي وتحلل من أذاي وإزعاجي وردني مكرما وأقامني ببابه معظماً وإن كان سبق في علم الله ﷿ أنه يبدر إليَّ منه بادرة سوء وقد حضر أجلي وكان سفك دمي على يده فلو اجتمعت الأنس والجن والملائكة وأهل الأرض وأهل السماء على صرف ذلك عني ما استطاعوه فلم أتعجل الغم وأتسلف الفكر فيما قد فرغ الله منه وإني حسن الظن بالله ﷿ الذي
خلق ورزق وأحيا وأمات وأحسن وأجمل وإن الصبر والرضا والتفويض والتسليم إلى من يملك الدنيا والآخرة أولى وقد كنت أحسب أنك تعرف هذا فإذا قد عرفت مبلغ فهمك فإني لا أكلمك بكلمة واحدة حتى تفرق حضرة أمير المؤمنين بيننا إن شاء الله تعالى قال ثم أعرض عني فما سمعت منه لفظة غير القرآن والتسبيح أو حاجة أو ما يجري مجراها حتى شارفنا الكوفة في اليوم الثالث عشر بعد الظهر والنجب قد استقبلنني على فراسخ من الكوفة يتجسسون خبري فحين رأوني رجعوا عني بالخبر إلى أمير المؤمنين فانتهينا إلى الباب في آخر النهار فحططت ودخلت على الرشيد فقبلت الأرض بين يديه ووقفت فقال هات ما عندك يا منارة وإياك أن تغفل منه لفظة واحدة فسقت والحديث من أوله إلى آخره حتى انتهيت إلى ذكر الفاكهة والطعام والغسل والبخور والصلاة وما حدثت به نفسي من امتناعه والغضب يظهر في وجه الرشيد ويتزايد حتى انتهيت إلى فراغ الأموي من الصلاة والتفاته ومسئلته عن سبب قدومي ودفعي الكتاب إليه ومبادرته إلى إحضار ولده وأهله وحلفه عليهم أن لا يتبعه أحد منهم وصرفه إياهم ومد رجليه حتى قيدته فما زال وجه الرشيد يسفر حتى أنتهيت إلى ما خاطبني به عند توبيخه إياي لما ركبنا المحمل قال صدق والله ما هذا إلا رجل محسود على النعمة مكذوب عليه لعمري لقد أزعجناه وآذيناه وروعنا أهله فبادر ينزع قيوده عنه وائتني به قال فخرجت
فنزعت قيوده وأدخلته إلى الرشيد فما هو إلا أن رآه حتى رأيت ماء الحياء يجول في وجه الرشيد فسأله عن حاله ثم قال بلغنا عنك فضل هيئة وأمور أحببنا معها أن نراك ونسمع كلامك ونحسن إليك فأذكر حاجتك فأجاب الأموي جواباً جميلاً وشكر ودعا فقال ما لي إلا حاجة واحدة قال مقضية ما هي قال يا أمير المؤمنين تردني إلى بلدي وأهلي وولدي قال نحن نفعل ذلك إن شاء الله تعالى ولكن سل ما تحتاج إليه في مصالح جاهك ومعاشك فإن مثلك لا يخلوا أن يحتاج إلى شيء من هذا فقال عمال أمير المؤمنين منصفون وقد استغنيت بعدله عن مسئلته
فأموري منتظمة وأحوالي مستقيمة وكذلك أمور أهل بلدي بالعدل الشامل في ظل أمير المؤمنين فقال الرشيد انصرف محفوظاً إلى بلدك واكتب إلينا بأمر إن عرض لك فودعه فلما ولى خارجاً قال الرشيد يا منارة أحمله من وقتك وسر به راجعاً إلى أهله كما جئت به حتى إذا أوصلته إلى محله الذي أخذته منه فدعه فيه وانصرف ففعلت والله أعلم. موري منتظمة وأحوالي مستقيمة وكذلك أمور أهل بلدي بالعدل الشامل في ظل أمير المؤمنين فقال الرشيد انصرف محفوظاً إلى بلدك واكتب إلينا بأمر إن عرض لك فودعه فلما ولى خارجاً قال الرشيد يا منارة أحمله من وقتك وسر به راجعاً إلى أهله كما جئت به حتى إذا أوصلته إلى محله الذي أخذته منه فدعه فيه وانصرف ففعلت والله أعلم.
وحكي في الكتاب المذكور قال حدثني أبو الربيع سليمان بن داود قال كان في جوار القاضي قديماً رجل انتشرت عنه حكاية وظهر في يده مال جليل بعد فقر طويل وكنت أسمع أن أبا عمر حماه من السلطان فسألته عن الحكاية فأطرق طويلاً ثم حدثني قال ورثت مالا جزيلاً فأسرعت في اتلافه وأتلفته حتى أنهيت
بيع أبواب داري وسقوفها ولم يبقَ لي حيلة وبقيت مدة لا قوت لي إلى والدتي لما تغزله وتطعمني وتأكل منه فتمنيت الموت فرأيت ليلة في منامي كأن قائلاً يقول لي غناك بمصر فأخرج إليها فبكرت إلى دار أبي عمر القاضي وتوسلت بالجوار وبالخدمة وكان أبي قد خدمه اياماً وسألته أن يزودني كتاباً إلى مصر لاتصرف فيها ففعل وخرجت فلما حصلت بمصر أوصلت الكتاب وسألت التصرف فسد الله عليَّ باب الرزق حتى لم أظفر بتصرف ولا لاح لي شغل ونفدت نفقتي فبقيت متفكراً في أن أسأل الناس فلم أستبح المسئلة ولم يحملني الجوع عليها وأنا ممتنع إلى أن مضى من الليل صدر صالح فلقيني الطائف فقبض علي ووجدني غريباً فأنكر حالي فسألن فقلت رجل ضيف فلم يصدقني وبطحني وضربني مقارع فصحت وقلت أنا أصدق فقال هات فقصصت عليه قصتي من أولها إلى آخرها وحديث المنام فقال ما رأيت أحمق منك والله لقد رأيت منذ كذا وكذا سنة في النوم كأن رجلاً يقول لي ببغداد في الشارع الفلاني في المحلة الفلانية قال فذكر شارعي ومحلتي وأصغيت فتم الشرطي الحديث فقال دار يقال لها دار فلان فذكر داري وأسمي وفيها بستان وفيه سدرة تحتها مدفون ثلاثون ألف دينار فامض وخذها فما فكرت في هذا الحديث ولا التفت إليه وأنت يا أحمق فارقت وطنك وجئت إلى مصر بسبب منام قال فقوي قلبي وأطلقني الطائف
فبت في المسجد وخرجت من الغد من مصر وقدمت بغداد فقلعت السدرة وأثرت مكانها فوجدت جراباً فيه ثلاثون ألف دينار فأخذتها وأمسكت يدي ودبرت أمري وأنا أعيش من تلك الدنانير ومن فضل ما ابتعته منها من ضياع وعقار إلى الآن.
وحكى القاضي أبو علي المحسن بن علي التنوخي في كتابه في أخبار المذاكرة ونشوان المحاضرة قال حدثني أبو محمد يحيى بن محمد بن فهمة قال حدثني بعض الكتاب قال سافرت أنا وجماعة من أصدقائي نريد مصر للتصرف فلما حصلنا بدمشق وكان معنا عدة بغال عليها ثقل وغلمان لنا ونحن على دوابنا أقبلنا نخترق الطرق لا ندري أين ننزل فاجتزنا برجل شاب حسن الوجه جالس على باب دار شاهقة وبناء فسيح وغلمان بين يديه فقام إلينا وقال أظنكم سفراً وردتم الآن فقلنا نحن كذلك قال فتنزلون علينا ألح علينا فاستحيينا من محله وحسن ظاهره وهيئته فحططنا على بابه ودخلنا وأقبل أولئك الغلمان يحملون ثقلنا ويدخلونه الدار ولا يدخلون أحدا من غلماننا يخدمنا حتى حملوه بأسره في أسرع وقت وجاءونا بالطسوت والأبارق فغسلنا وجوهنا واجلسونا في مجلس حسن مفروش بأنواع الفرش التي لم نر مثلها وإذا الدار في نهاية الحسن والفخر والكبر وفيها دور وبستان عظيم وصاحب الدار يخدمنا بنفسه وعرض علينا الحمام فقلنا نحن إليه محتاجون فأدخلنا إلى الحمام في الدار في غاية السرور ودخل إلينا غلامان أمردان وصبيان في نهاية
الحسن فخدمونا بدلا من القين وأخرجنا من الحمام إلى غير ذلك المجلس فقدم إلينا مائدة حسنة جليلة عليها من الحيوان وفاخر الطعام والألوان ونادر الخبز وغريب البوادر من كل شيء وإذا بغلامين أمردين في ناهية الحسن والزي قد دخلوا إلينا فغمزوا أرجلنا فلحقنا من ذلك مع الغربة وطول العهد بالجماع عنت فأمرناهم بالانصراف وفينا من لم يستحل التعرض لهم وتعففنا عن ذلك لنزولنا على صاحبهم ثم انتهينا إلى مجلس في بستان حسن وأخرج إلينا من آلات النبيذ كل ظريف وأحضر من الأنبذة كل شيء طيب حسن وشربنا أقداحا يسيرة ثم ضرب بيده على ستارة ممدودة وإذا جوار خلفها فقال غنين فغنت الجواري اللواتي كن خلفها أحسن غناء وأطيبه فلما توسطنا الشرب قال ما هذا الاحتشام لأضيافنا أعزهم الله أخرجن وهتك الستارة قال فخرج علينا جوار لم ير قط أحسن ولا أملح ولا أظرف منهن ما بين عوادة وطنبورية وزامرة وصناجة ورقاصة ودفافة بفاخر الثياب والحلي فغنيننا واحتطن بنا في المجلس فاشتدت محبتنا ولكن ضبطنا أنفسنا فلما كدنا أنا نسكر ومضى قطعة من الليل أقبل صاحب الدار علينا وقال يا سادة إن تمام الضيافة وحقها الوفاء بشرطها وأن يقوم المضيف بحق الضيف في جميع ما يحتاج إليه من طعام وشراب وجماع وقد أنفذت إليكم نصف النهار الغلمان فأخبروني بعفافكم عنهم فقلت هم أصحاب نساء فأخرجت
هؤلاء فرأيت من انقباضكم عن ممازحتهن ما لو خلوتم بهن كانت الصور واحدة فما هذا فقلنا يا سيدي أجللناك عن تبذل ما في دارك وفينا من لم يستحل الحرام فقال هؤلاء مماليك وهن أحرار لوجه الله تعالى إن كان بد من أن يأخذ كل واحد منكم بيد واحدة يتمتع بها ليلة فمن شاء زوجته بها ومن شاء غير ذلك فهو أبصر لأكون قد قضيت حق الضيافة فلما سمعنا بهذا وقد انتشينا طربا أخذ كل واحد منا بيد واحدة فأجلسها إلى جانبه وأقبل يقبلها ويقرصها ويمازحها فتزوجت أنا بواحدة وغيري من رغب في ذلك وبعضنا لم يفعل وجلس معنا بعد ذلك ساعة ثم نهض فإذا بخدم قد جاءوا فأدخلوا كل واحد وصاحبته إلى بيت في نهاية الحسن والطيب مفروش بفاخر الفرش الوطيئة فبخرونا عليها ونمنا والجواري إلى جنوبنا وتركوا معنا شمعة في البيت وما نحتاج إليه من آلة البيت وأغلقوا علينا وانصرفوا فبتنا في أرغد عيش ليلتنا فلما كان السحر بادر الخدم فقالوا ما رأيكم في الحمام فقد أصلح فقمنا ودخلنا ودخل المردان معنا فمنا من أطلق نفسه معهم فيما كان امتنع منه بالأمس وخرجنا فبخرنا بالند الفتيق وأعطينا الماورد والمسك والكافور وقدمت إلينا المرآة المجلاة وأخبرنا غلماننا أن صورتهم في ليلتهم كصورتنا وأنهم أتوا بجواري الخدمة الروميات فوطؤهن فأقبل بعضنا على بعض يعجب من قضيتنا وبعضنا
يقول هذا في النوم نراه ونحن في الحديث إذ أقبل صاحب الدار فقمنا إليه وعظمناه فأكبر بذلك وأخذ يسألنا عن ليلتنا فوصفناها له وسألنا عن خدمة الجواري لنا فأجبناه بحسنها فقال أيما أحب إليكم الركوب إلى بعض البساتين للتفرج إلى أن يدرك الطعام أو اللعب بالشطرنج والنرد أو النظر في الدفاتر فقلنا أما الركوب فلا نؤثره ولكن الشطرنج والنرد والدفاتر فأحضر لنا
ذلك وتشاغل كل منا بما اختاره ولم يكن إلا ساعتان أو ثلاث من النهار حتى أحضر لنا مائدة كالمائدة الأمسية فأكلنا وقمنا إلى الفرش وجاء المردان فغمزونا وغمزهم منا من كان يدخل في ذلك وزالت المراقبة فلما انتهينا حملنا إلى الحمام وخرجنا فتبخرنا وجلسنا في مجالسنا بالأمس وجاء أولئك الجواري ومعهن غيرهن ممن هو أحسن منهن وتصدت كل واحدة صاحبها بالامس بغير احتشام وشربنا إلى نصف الليل وحملوا معنا إلى الفراش وكانت هذه حالنا مدة الأسبوع فقلت لأصحابي ويحكم أرى الأمر متصلا ومن المحال أن يقول لنا الرجل ارتحلوا عني وقد استطبتم أنت مواضعكم وانقطعتم عن سفركم في هذا فقالوا ما ترى فقلت أرى أن نستأنس الرجل فننظر أي شيء هو فإن كان ممن يقبل هدية أو بر عملنا على تكرمته وارتحلنا عنه وإن كان بخلاف ذلك كنا معتقدين له المكافأة في وقت ثان وسألناه أن يحضر لنا من نكرى منه ورحلنا فتقرر رأينا على ذلك فلما جلسنا تلك الليلة على الشرب
قلنا له قد طال مقامنا عندك وما أضاف أحد أحدا أحسن مما ضفتنا ونريد الرحيل إلى مصر لما أردناه من طلب التصرف وأنا فلان بن فلان فعرفته نفسي والجماعة وقد حملتنا من أياديك ومننك ما لا يسعنا معه أن نجهلك ونحب أن تعرفنا بنفسك لنأتي بشكرك ونقضي حقك ونعمل على الرحيل فقال أنا فلان بن فلان أحد أهل دمشق فلم نعرفه فقلنا إن رأيت تزيدنا في الشرح فقال جعلت فداءكم إن لقيادتي خبراً أظرف مما شاهدتموه فقلت إن رأيت أن تخبرنا فقال نعم أنا رجل كان أبي تاجراً عظيم النعمة والأموال وكان ممسكا مكثرا ونشأت له فكنت متخرّقا مبذّرا محباً للفساد والنساء والمغنيات والشرار فأتلفت مالا عظيما من مال أبي إلا أنه لم يؤثر في ماله لعظمه ثم اعتل وايس من نفسه فدعاني فقال يا بني غني قد خلّفت لك النعمة وقميتها مائة ألف دينار بعد أن أتلفت علي خمسين ألف دينار وأن الإنفاق لا آخر له إذا لم يكن بإزائه داخل ولو أردت أن أتلف هذا المال عليك في حياتي أو الآن حتى لاتصل إلى شيء منه لفعلت ولكن هو ذا أتركه عليك فاقض حقي بحاجة تقضيها إليَّ لا ضرر عليك فيها فقلت افعل فقال أنا أعلم أنك ستتلف المال في مدة يسيرة فعرفني إذا افتقرت ولم يبق معك شيء أتقتل نفسك ولا تعيش في الدنيا فقلت لا قال فعرفني من أين تعيش قال ففكرت ساعة فلم يقع لي إلا أن قلت أصير قوادا قال
فبكى ساعة ثم مسح عينيه وقال لست بصارف عنك هذه الصناعة فإنها ما جرت على لسانك إلا وقد دارت في فكرك ولا دارت في فكرك إلا وأنت لا تنصرف عنها أبدا بعدي ولكن أخبرني كيف يتم لك المعاش منها فقلت قد تدبرت بكثرة دعواتي القحبات والمغنيات ومعاشرتي لشراب النبيذ فأجمعهم على الرسم فيقيمون في بيتي ويعملون ما يريدون وآخذ أنا منهم الدراهم وأعيش بها فقال إذا يبلغ السلطان خبرك في جمعة فيلحقون رأسك ولحيتك وينادى عليك ويفرق جمعك ويبطل معاشك ويقول أهل بلدك انظروا إلى فلان كيف ينادى عليه وقد صار بعد موت أبيه قوادا ولكن إذا أردت هذه الصناعة فأنا أعلمك وإن كنت لا أحسنها فلا تستغني فيها ولا تفتقر ولا يتطرق عليك السلطان بشيء فقلت افعل قال إذا أنا متُّ فاعمل على أنك قد أنفقت جميع مالك وافتقرت تكون قوادا ولك ضياع وعقار وأثاث ودور وجوار وآلة وقماش وخدم وجاه وتجارات واعمل على ما كان في نفسك أن تعمله إذا افتقرت فاعمله وأنت مستظهر على زمانك بما معك وهبه عند إخوانك واعمل أنك قد أنفقته واجعل معيشتك ما تريد أن تجعله إذا افتقرت فإنك تستفيد بذلك أمورا منها أنك تبتدىء أمرك بهذا فلا ينكر عليك في آخره ومنها أنك تفعل ذلك بجاه وعقار وضياع وأحوال قوية فلا يطمع فيك سلطان وإن طمع فيك سلطان بذلت أو أعطيت من ناوأك فتخلصت فقلت كيف أفعل قال
النص من طبعة مكتبة الجمهورية العربية بمصر، بهامش «المستطرف»، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع